اغتيال الشيخ أحمد ياسين، يمكن أن يفتح الباب أمام احتمال اغتيال ياسر عرفات. ليس هذا ضرب من التخمين، وإنما هو حساب سياسي، بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

ما يحول دون إبعاد أو اغتيال الرئيس الفلسطينى حتى الآن هو الخشية من أمرين:

الأول: ردة الفعل الشعبية الواسعة المتوقعة على مثل هذا الحدث غير العادي.

الثاني: رفض الإدارة الأميركية لهذا الإغتيال، الذى من شأنه تخريب عملية التسوية السياسية من أساسها.

أما وأن شارون اتخذ، مع طاقمه الوزاري المصغر، قرار اغتيال مؤسس وقائد “حماس”، ومرشدها الروحي، فإن ردة الفعل الشعبية على اغتياله لن تكون أقل من ردة الفعل المتوقعة فى حال اغتيال عرفات.. كما أن اغتيال عرفات الآن قد لا يضيف جديداً نوعياً على ردة الفعل القائمة، وذلك فضلاً عن أن أزمة انتخابات الرئاسة الأميركية تجعل من الإعتراض الأميركي هامساً وباهتاً، وغير ذي جدوى.

فالرئيس الأميركى جورج بوش، الذى يستشعر مدى ضعفه فى مواجهة منافسه الديمقراطي جورج كيلي، ليس في وضع يسمح له بأدنى اعتراض على سياسات ومغامرات شارون، الذي بادر إلى استثمار العملية الإستشهادية الأخيرة فى أسدود، وتوظيفها من أجل تبرير اغتيال الشيخ ياسين، متجاهلاً حقيقة أن رد الفعل هذا لا يقارن مطلقاًَ بالفعل الذى أقدمت عليه “حماس” بالمشاركة مع كتائب شهداء الأقصى، فضلاً عن أن عملية أسدود هى عملية متواضعة من حيث عدد القتلى اليهود الذين سقطوا جراءها، مقارنة بعمليات استشهادية أخرى كانت أكثر مأساوية من حيث نتائجها.. لكنه التوقيت المناسب فى هذه المرة، خاصة وأن شارون بدأ التحضير له منذ وقت غير قصير، عبر إعلان مبادرة الإنسحاب من غزة، وما رافقها من تصعيد فى الوحشية الإسرائيلية، داخل القطاع بالذات، تحت شعار تخفيض سقف توقعات الفلسطينيين، وتفويت أي فرصة تؤدى إلى إظهار الإنسحاب من قطاع غزة باعتباره انتصاراً للمقاومة الفلسطينية من شأنه أن يذكي جذوتها كذلك في الضفة الغربية، لتصبح فى مستوى عنفوانها فى غزة..

إلى ذلك، فإن مزيداً من تيئيس الفلسطينيين يمكن أن يراهن عليه شارن لإطفاء جذوة المقاومة ككل، على نحو يبطل الأسباب الموضوعية التى دفعته إلى التسليم بعدم قدرته على هزيمة الشعب الفلسطيني، والإعتراف بعدم قدرته على مواصلة احتلال هذا الشعب، والإضطرار إلى التفكير فى تفصيل حل ما، يضمن له الإستيلاء على أكبر قدر ممكن من الأرض الفلسطينية، واحتواء أكبر قدر ممكن من مقاومة الفلسطينيين.

احتمال اغتيال عرفات أصبح وارداً إذن، وهو ما سيلعب دوراً بالغ الأهمية فى صياغة ردة فعل السلطة على حادث اغتيال الشيخ أحمد ياسين، وعلى نحو يفترض معه التراجع عن جملة اجراءات بدأت تستعد السلطة لاتخاذها مؤخراً ضد مجموع الفصائل المقاومة (“حماس”، الجهاد الإسلامي، كتائب شهداء الأقصى)، مثّل التقرير السياسي غير المعلن، الذى أقره المجلس الثوري لحركة “فتح”، فى اجتماعه الأخير اواخر شباط/فبراير الماضي، مفصلاً بالغة الأهمية فيها، خاصة وأنه أعقبه الكشف عن الخطة الأمنية التى وضعها اللواء أمين الهندي مدير المخابرات العامة الفلسطينية.

لقد رفض التقرير السياسي للمجلس الثوري بوضوح بالغ “كافة العمليات ضد المدنيين سواءً أكانوا إسرائيليين أو فلسطينيين”، واعتبر “العمليات التفجيرية” ضارة بالكفاح المشروع للشعب الفلسطيني، وذلك فى إشارة للعمليات الإستشهادية، وأكد “ضرورة تعزيز سيادة القانون وحفظ النظام العام وإنهاء فوضى السلاح، والمليشيات أيا كانت تسمياتها ومسمياتها”، ودعا إلى “وحدانية السلاح الشرعي”، واعتبر أي مساس بهذه المبادئ “مساس بالهدف الوطنى وبالمستقبل”.

وبناء على هذا التقرير، وضعت المخابرات العامة الفلسطينية الخطة الأمنية التى تقضي بأن تبدأ كل أجهزة السلطة حملة مشتركة تتمثل أول خطواتها بإصدار بيان “عن القوى الوطنية والإسلامية يدعو الشعب الفلسطيني إلى الوحدة وتغليب المصلحة العامة، وعدم خرق النظام والقانون، وتطبيق مبدأ سيادة القانون، والحذر من الإنجرار إلى الفوضى والإقتتال الداخلي، ونبذ كل المجموعات والأفراد التى تتصرف بشكل منافي للدين والقوانين والمصلحة العامة”، مترافقاً مع إصدار إعلان آخر “يخصص للسائقين يدعوهم للإلتزام بأحكام قانون السير، ويدعوهم إلى تسوية أوضاعهم القانونية، والأوضاع القانونية لمركباتهم”، ثم تسيير الأجهزة الأمنية لدوريات فى الطرقات والشوارع بنفس النظام الذى كان معمول به سابقاً، بحيث تنتشر أجهزة الأمن فى الشوارع بحسب خطة لتقسيم المدينة (غزة) إلى قطاعات، وتكليف كل جهاز بالإنتشار فى قطاع معين، وتسيير الدوريات فيه، وبطلب من هذه الدوريات تقديم كل المساعدة لدوريات الشرطة التى تنتشر بهدف ضبط حركة السير وحركة المركبات على الشوارع، وتتصاعد الإجراءات الأمنية، وفقاً لهذه الخطة، على مدى خمسة أسابيع وصولاً إلى “توقيف الأشخاص الذين لا ينصاعون لقانون منع حمل السلاح فى المناطق العامة”.

وتقول الخطة صراحة إنها “عبارة عن سلسلة من الإجراءات والتدابير الهادفة بشكل أساسي إلى استعادة قدرة السلطة الوطنية الفلسطينية على بسط النظام والقانون، ومنع انتشار الفوضى والإنزلاق نحو اقتتال داخلي، واستعادة قدرة الردع للأجهزة الأمنية الفلسطينية، كما أنها تمهد الأرض لقيام السلطة الوطنية الفلسطينية بتنفيذ التزاماتها الأمنية”، وعلى نحو يهييء إلى “الانتقال بعدها إلى خطوات أخرى تنطبق باستحقاقات السلطة الوطنية الفلسطينية الأمنية وواجباتها بموجب الإتفاقيات المتوقعة وعملية السلام”.

وتكشف الخطة عن أنها “ستنفذ بإشراف كامل من مجلس الأمن القومي الذي يرأسه السيد ياسر عرفات وبأوامر واضحة منه”.

وفى ضوء ذاك، أبدى المراقبون تشاؤماً حيال إمكانية اندلاع مواجهات عسكرية أخرى بين مقاتلي “حماس” وأجهزة السلطة الأمنية فى قطاع غزة، خاصة وأن اشتباكات من هذا القبيل بدأت مع البدء فى تطبيق مهمات الأسبوع الأول للخطة الأمنية، متمثلة فى الإشتباكات التى وقعت بين دورية من الإستخبارات العسكرية، وعناصر من حركة “حماس”.

مثل هذه الإشتباكات لم يعد متوقعاً تكرارها الآن فى ضوء اغتيال الشيخ أحمد ياسين، حتى وإن كانت السلطة، أو بعض أطرافها، وبعض الأطراف العربية، يرحب بنتائج الإقتحامات والإغتيالات الإسرائيلية لكوادر فى حركات المقاومة الفلسطينية، على نحو يمهد الأرض أمام استعادة السلطة لهيبتها، وتنفيذ مخططيها الأمني والسياسي، لا يفجر الأرض من تحت أقدامها، ويهدد مستقبل المشروع الوطنى الفلسطيني، كما هو حال اغتيال الشيخ ياسين، بما يؤشر إليه من تداعيات أكثر خطورة، قد تطال ياسر عرفات نفسه..!

والسلطة، وفقاً لمصادر قيادية فيها، تدرك الآن، أن التداعيات الأمنية التي ستترتب على اغتيال الشيخ ياسين، ستمثل مبررات وذرائع لشارون كى يؤجل، أو يلغى فكرة الإنسحاب من قطاع غزة، هذا إن كان مثل هذا القرار قد اتخذ فعلاً، ولم يكن مجرد تكتيك هدفه الأساس إعفاء الرئيس الأميركي من أي حرج يمكن أن يلحق به جراء تصعيد الوحشية الإسرائيلية.

وفى كل الأحوال، فإن أول ما يعنيه اغتيال مؤسس “حماس” وقائدها هو توقف تنفيذ الخطة الأمنية الفلسطينية فى قطاع غزة.. ذلك أن السلطة غير مؤهلة، ولا تستطيع أن تلاحق كوادر وعناصر حركة تغتال “إسرائيل” مؤسسها وقائدها، ذلك أن السلطة ستبدو فى مثل هذه الحالة تعمل فى خدمة “إسرائيل”، ويحركها شارون بواسطة الريموت كونترول.

ويجب أن نلتفت كذلك إلى أن توقيت اغتيال الشيخ ياسين متصل بإنجاز شوط كبير من بناء جدار العزل والنهب، الذى يزعم شارون أنه أمني..! وتلقى شارون لإشارات عديدة بعضها عربي، برفض تولى “حماس” السلطة الفعلية فى قطاع غزة بعد انسحاب القوات الإسرائيلية، وهو ما اعتبره ضوءاً أخضر يأذن له باغتيال الشيخ ياسين، بما يفقد “حماس” قائداً بمثل وزنه، هو الوحيد القادر على تأمين سيطرة “حماس” على غزة.

فها هو اغتيال الشيخ ياسين يبرز هدفاً آخر بالغ الأهمية للجدار، هو افساح المجال أمام شارون لارتكاب المزيد من الجرائم والمجازر، بعد أن يكبل قدرة الفلسطينيين على الرد والإنتقام ومواصلة مقاومة الإحتلال.. ذلك أن شارون أدرك مبكراً أن ارتفاع وتيرة المقاومة داخل قطاع غزة المسيج منذ زمن بالأطواق الأمنية الإسرائيلية المتعددة، كان يقابله قدرة مقاومي واستشهاديي الضفة الغربية على تجاوز الخط الأخضر باتجاه الخاصرة الإسرائيلية بالغة الرخاوة فى هذه المدينة أو تلك، وانزال ضربات موجعة بالمدنيين الإسرائيليين من خلال العمليات الإستشهادية، التى أوشكت أن تحقق توازناً فى الردع، وهو ما اضطر شارون إلى المناورة عبر إعلان مبادرات سلمية كان أهم أهدافها إلهاء العالم العربي، بل العالم كله عن الأخطار الحقيقية الكامنة فى مشروع الجدار.

والآن، إذا كان اغتيال قائد “حماس” من شأنه أن يصعد المواجهة بين الشعب الفلسطيني، الذى يحظى بتعاطف الرأى العام العربي، الذي لم يعد يحتمل المزيد من الإحتقان الذي يؤهله للإنفجار، فكيف يمكن للنظام العربي أن يقر الإصلاحات الديمقراطية التى أدرجتها الإدارة الأميركية على جدول أعمال قمة تونس، دون تفكيك القنبلة الفلسطينية شديدة الإنفجار أولاً..؟!

لا جدال أن واشنطن تدرك حقيقة التناقض بين مطالبها من النظام العربي وتواطئها مع “إسرائيل” إلى حد يدعو للتساؤل حول مدى جدية أميركا فى دمقرطة المنطقة، وما إذا كانت تختلق، بهذه المبادرة، مجرد ذرائع هدفها الحقيقي تبرير تخليها عن النظام العربي الحليف، ما دام غير قادر على اعتماد الديمقراطية، كما هو غير قادر كذلك على وقف مقاومة مواطنيه للإحتلالين الإسرائيلي فى فلسطين، والأميركي فى العراق، ما دام جورج بوش قرر من جانب واحد أن وقف المقاومة يتأتى فقط من خلال الديمقراطية، مفترضاً أن الشعوب العربية تطمح إلى استبدال انظمتها السياسية بالإحتلال..!

ليس هناك ما يثير الشكوك فى النوايا الأميركية أكثر من ردة الفعل الأميركية الأولية على اغتيال الشيخ المقعد أحمد ياسين، الذى ليس فيه ما يتحرك غير عيناه، وهو على كرسيه المتحرك عائد من صلاة الفجر.. فلم يجد الناطقون الأميركيون ما يقولونه بمناسبة بشعة من هذا الطراز سوى الدعوة إلى ضبط النفس، وهم أنفسهم الذين أثاروا العالم كله، حين ألقى مقاتلو جبهة التحرير الفلسطينية اليهودي الأميركي المقعد هوليون كلينغوفر من على ظهر السفينة اكيلو لاورو عام 1986، بتصرف فردي منهم، ودون تعليمات قيادية، واعتقلوا لهذا السبب محمد عباس (أبو العباس) أمين عام الجبهة المذكورة عام 2003 فى بغداد، الذى برأه القضاء الإيطالي من هذه القضية فى حينه، وأبقوه معتقلاً لديهم حتى مات فى ظروف غامضة لم تتكشف تفاصيلها حتى الآن..!

ازدواجية المكاييل الأميركية لا تكشف فقط عن ازدواجية فى المعايير، لكنها تهدد كذلك أمن واستقرار المنطقة والعالم بأشد الأخطار، خلافاً لما تزعمه واشنطن من حرصها على استقرار العالم أجمع.

والأيام المقبلة تبدو حبلى بكل خطير..!

************************