في ساعة متأخرة من الليل وبعد سلسلة ماراطونية من المداولات والجلسات، نطقت محكمة الاستئناف بمدينة الرباط يوم الجمعة 29 مارس2004 بالحكم في حق أربعة أعضاء من جماعة العدل والإحسان المتابعين ضمن ما سمي ب”مجموعة الهراويين” بتبرئة ساحتهم وإخلاء سبيلهم. وقد كان هذا الحكم بمثابة الحلقة الأخيرة في مسلسل امتد لشهور مابين الاعتقال والاستنطاق والمداولات داخل ردهات المحاكم في جو مشحون وموبوء تخيم عليه ظلال محاولات مستميتة ومتكررة لمحاصرة الحركة الإسلامية بالمغرب, وملاحقة قادتها ورموزها كان آخرهم المحاكمة المهزلة لعضو مجلس الإرشاد لجماعة العدل والإحسان الأستاذ محمد العبادي، والملف الذي لا يزال مفتوحا منذ أزيد من سنتين المتابع فيه أسرة الأستاذ عبد السلام ياسين مرشد جماعة العدل والإحسانٍٍٍِ(زوجه وأبناؤه وبناته وأصهاره).وفور النطق بالحكم توجه عشرات من أبناء جماعة العدل والإحسان إلى السجن المركزي بسلا من أجل استقبال الإخوة المفرج عنهم، كان في مقدمتهم عضوا مجلس الإرشاد لجماعة العدل والإحسان الأستاذان فتح الله أرسلان الناطق الرسمي باسم الجماعة والأستاذ عبد الكريم العلمي، بالإضافة إلى عائلات المفرج عنهم.

وقد قطع سكون ليل سلا البارد تسبيحات الحضور وتكبيراتهم في جو يسوده الانضباط والوقار والسكينة.

وقد استقبل الإخوة المفرج عنهم بالتمر والحليب قبل توجههم إلى مدينة الدار البيضاء حيث كان أعضاء جماعة العدل والإحسان وسكان حي الهرويين في انتظارهم، ليخصص لهم بعد ذلك حفل كبير وضخم حضره المئات من أبناء المنطقة.

كانت الساعة تشير إلى العاشرة صباحا من يوم السبت 20 مارس 2004 حين اجتمع حشد من الناس عند مدخل منطقة الهراويين. السمت المتميز للحاضرين وبشر وجوههم وتبادلهم التهنئة كل ذلك شكل نصف إجابة للمتسائلين عن سبب الاجتماع، قبل أن يكتمل الجواب بشعارات وكلمات تفيد براءة معتقلي العدل والإحسان مما نسب إليهم من تهم.

إن الأمر يتعلق بكل من الإخوة أعضاء جماعة العدل والإحسان: عبد الرزاق الدرقاوي، محمد مجال، ربيع باجوك، وعبد اللطيف بيهي، الذين سبق وأن اعتقلوا من منطقة الهراويين فجر يوم الخميس 23 أكتوبر 2003. حيث توبعوا بمقتضى قانون مكافحة الإرهاب ونسبت إليهم تهم تكوين عصابة إجرامية من أجل القيام بأعمال إرهابية، والانتماء إلى جمعية غير مرخص بها، وعقد اجتماعات عمومية بدون ترخيص.. وبعد عدة جلسات قضت محكمة الاستئناف بالرباط يوم الجمعة 19 مارس 2004 ببراءة أعضاء جماعة العدل والإحسان من كل التهم المنسوبة إليهم. لينضاف هذا الحكم الجديد إلى أحكام البراءة السابقة في حق كل من الأساتذة عيسى أشرقي، وعمر أمكاسو، ومحمد العبادي عضو مجلس الإرشاد… أحكام تؤكد قانونية جماعة العدل والإحسان وقانونية اجتماعاتها.

سألنا أحد المحامين عن المعتقلين، الأستاذ عبد العزيز أودوني، عن الحيثيات التي يفترض الاعتماد عليها في تبرئة الإخوة الأربعة فأجاب: “بالنسبة لهذا الملف، الذي كان يتابع فيه الأعضاء الأربعة من جماعة العدل والإحسان، كان فارغا من الناحية القانونية، وما نسب إليهم من تهم كانت تهما واهية، إذا علمنا أن المتابعين ينتمون إلى جماعة العدل والإحسان، التي يعلم الجميع أنها مشروعة، سواء على المستوى الواقعي، أو الفعلي أو على المستوى القانوني، حيث أن هناك مجموعة من القرارات سواء من المجلس الأعلى أو من محاكم أخرى بالمغرب تثبت بما لا يدع مجالا للشك قانونية الجماعة. لذلك فقد كانت البراءة هي أقل ما يمكن أن يحكم به لصالح هؤلاء المتابعين.

والحيثيات التي يمكن أن يكون قد اعتمد عليها القاضي في حكم البراءة  حسب اعتقادي- هي قانونية الجماعة من جهة أولى واختفاء جميع عناصر تكوين جريمة عصابة إجرامية، باعتبار أن هؤلاء المتابعين ينتمون إلى جماعة قانونية، وتعمل في وضوح تام، وترفض العنف رفضا باتا”.

وفي حوالي الساعة الحادية عشرة إلا ربع وصل الأبرياء الأربعة إلى حيث يجتمع إخوتهم وأخواتهم من جماعة العدل والإحسان وذويهم وجيرانهم ليعم جو الفرح، وتنطلق الزغاريد والشعارات قبل أن ينطلق الموكب في اتجاه الحي الذي يقطنه الإخوة الأربعة. وعلى طول الطريق التي قطعها الموكب، والتي تقدر بحوالي أربع كيلومترات، كان الناس يخرجون من البيوت والمتاجر لتهنئة إخوة العدل والإحسان وكانت عبارة “على سلامتهم” كثيرا ما تتردد على المسامع، وفي نفس الآن كانت ترتفع الشعارات التي تعرف بالجماعة وبرفضها للعنف وبحبها للخير لكل الناس دون استثناء، إلا أن جو الفرح والانشراح لم يمنع من تعليق بعض الحاضرين على الوضع الكارثي الذي تعرفه منطقة الهراويين، حيث الوادي الحار يحادي دور الصفيح، وكومات الأزبال تحاصرها.

“هذه مرحلة هامة في عمري، استفدت خلالها أشياء كثيرة، والحمد لله، فقد عرفت أوضاع السجن المزرية، وأنا عازم على الثبات في هذه الجماعة التي تنشد تغيير هذه الأوضاع” كان هذا تصريح لعبد الرزاق بيهي قبل أن يستطرد والده “أنا راض عن ابني، وعن جميع هؤلاء الشباب، وفي سجودي أدعو للجميع دون استثناء … أدعو لكل من يؤمن بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم”. أما محمد مجال فقد قال لنا أنه تعلم خلال هذه التجربة الصبر، وأنه زاد اعتزازا بانتمائه لجماعة العدل والإحسان، وأنه يسأل الله الثبات على ذلك إلى أن تدركه المنية. في حين ردد عبد الرزاق الدرقاوي: “هذه محنة في طياتها منح كثيرة، فيكفي أن تعرفوا أنني حفظت ثلاثين حزبا من كتاب الله تعالى خلال هذه المدة” وأضاف: “نحن لا نريد بهذا البلد، وشباب هذا البلد إلا الخير. وينبغي أن يعلم الجميع هذا ونحن نقول دائما لا، لا للعنف، لا للسرية، لا للتعامل التنظيمي مع الخارج”. وبصوت مؤثر قال لنا والد الأخ عبد اللطيف باجوك: “أنا أشهدكم في الدنيا والآخرة على أني راض عن ابني … إنه يقبل رأسي ورجلي … ولا يقوم بشيء إلا بعد مشاورتي”.

واستمر جو الفرح إلى أن اختتم أحد مسؤولي جماعة العدل والإحسان في مدينة الدار البيضاء بكلمة شكر فيها الحضور على الاستقبال المشهود الذي خصوا به إخوتهم، وذكر ببعض مبادئ الجماعة، كما حذر كل من يريد الأذى بهذه الجماعة من مكر الله عز وجل وانتقامه، لينفض الجمع قبل صلاة الظهر.