نعم المذكر والمشجع قصص سلفنا الصالح، لأن الله تعالى جعل هذه النفس البشرية تتأثر بتأمل الأمثال من جنسنا ما لا تتأثر بالوعظ المجرد، فعسى أن نقرأ سيرة رجل من الصالحين أو سيرة عالم عامل من المجاهدين فنقول لأنفسنا نوبخها ونستنهضها: “فاتك الرجال يا خسيسة!”

بين خسة الجلاد ونذالته منكس الرأس مرعوبا، مستشعرا بشاعة الجرم وهول المصيبة.. وبين عزة الشهيد وشهامته وشموخ روحه الطاهرة.. وقف التاريخ يدون أروع قصص المجد والصدق والرجولة بمداد الفخر والاعتزاز، وأفظع قصص الظلم والعض والتنكيل بمداد الخزي والبوار.. وأسفر وجه الشهيد كالبدر الطالع، كأنه وشي بغشاء من نور، وأربد وجه الجلاد كأنه وشي بسربال من قطران..

إنه هو سعيد بن جبير عالمنا الموقر أمام حجاج الفتنة العضوض..

توطئة:

فتعالوا بنا إلى سيرة حياة هذا العابد المجاهد ، نشرف من شرفة التاريخ العالية على هذا الجهبذ الأشم، الذي لو أراد أن يملك مفاتيح الثروة والغنى لوجد الطريق إليها.. ولكنه آثر أن يهبه الله مفاتيح رحمته ورضوانه، لذلك عاش وعينه تتطلع إلى موعود الله ورسوله، موصولا بالحقيقة الأزلية، جامعا بين التربية والجهاد، والعلم والعمل.

ظل ثابتا على دينه راسخا في إيمانه لا يزيده البلاء إلا إيمانا ورسوخا، ولا يزيده التنكيل إلا تمسكا وتعففا.

ومهما قيل في المكانة الرفيعة التي تبوأها هذا الرجل، فإن مكانتة العالية لم تقم على الكبرياء الكاذبة والشمم الزائف والجاه الزائل، وإنما قامت على الجود بالنفس والعبادة والعلم.

ترجمة الإمام سعيد بن جبير

هو سعيد بن جبير المقرئ الفقيه الناسك،. المفسر الشهيد والإمام الفريد أبو عبد الله.

سعيد بن جبير، حبشي الأصل من موالي بني والبة بن الحارث، من بني أسد.

سكن الكوفة ونشر العلم فيها. اشترك مع عبد الرحمن بن الأشعث في قومته على عبد الملك بن مروان فلما قتل عبد الرحمن بن الأشعث ذهب سعيد بن جبير إلى مكة واستقر بها فقبض عليه واليها خالد القسري وأرسله إلى الحجاج فقتله فكان ضحية الفتنة.

وكان رحمه الله أعلم التابعين على الإطلاق. والتابعي هو من لقي صحابيا مؤمنا بالنبي صلى الله عليه وسلم ومات على الإيمان، ويشترط الخطيب البغدادي صحبة الصحابي لامجرد اللقاء فقط. وقد شهد الكتاب والسنة لهذه الطبقة بفضلها فقال الله تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه} التوبة: 100. وقال عليه السلام: (طوبى لمن رأى من رآني..) رواه أبو نعيم في الحلية عن مالك بن عامر الحضرمي رضي الله عنه. وقال صلى الله عليه وسلم: (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم..) حديث متواتر رواه الشيخان وغيره.

فقه سعيد بن جبير وسعة علمه

أخذ سعيد بن جبير العلم عن عبد الله بن عباس وعن عبد الله بن عمر في المدينة. كان ابن عباس إذا حج أهل الكوفة أتوه يستفتونه فيقول لهم: أتسألونني وفيكم ابن أم دهماء؟ يعني سعيدا. كان سفيان الثوري يقدمه علي إبراهيم النخعي ويقول خذوا التفسير عن أربعة: عن سعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة والضحاك.

قال فيه الإمام أحمد ابن حنبل: قتل الحجاج سعيدا وما على الأرض أحد إلا وهو مفتقر إلى علمه. روى سعيد بن جبير عن عبد الله بن الزبير وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وأحاديثه مسندة عن هؤلاء. وله أحاديث مرسلة عن أبي هريرة والسيدة عائشة وأبي موسى الأشعري وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم. يقول يحيى بن سعيد في مرسلاته: هذه مرسلات سعيد أحب إلي من مرسلات عطاء. ومروياته مبثوثة في كتب الحديث ومنها صحيحا البخاري ومسلم. وهاكم منها مثلا هذا الحديث الصحيح.

عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما : (أن النبـي صلى الله عليه وسلم جمع بين الصلاتين في سفرة سافرها في غزوة تبوك، فجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء). قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته. رواه مسلم.

أما عن تفسير سعيد بن جبير للقران الكريم ودقة فهمه لكتاب الله عز وجل وسعة علمه فإننا نزجي بعض النماذج لذلك على سبيل المثال لا الحصر. يقول رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى: {فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنك بالواد المقدس طوى} طه:21. قال سعيد بن جبير: كما يؤمر الرجل أن يخلع نعليه إذا أراد أن يدخل الكعبة. (ابن كثير)

وفي قوله جل وعلا : {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ لاْمُورِ} الشورى: 34-33 .

قال سعيد بن جبير: يعني لمن حق الأمور التي أمر الله بها، أي لمن الأمور المشكورة، والأفعال الحميدة التي عليها ثواب جزيل، وثناء جميل.(ابن كثير)

وقال سعيد بن جبير: إن المؤمن إذا دخل الجنة سأل عن أبيه وابنه وأخيه أين هم ؟ فيقال إنهم لم يبلغوا طبقتك في العمل فيقول إني إنما عملت لي ولهم فيلحقون به في الدرجة ثم تلا سعيد بن جبير هذه الآية: {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّـاتِ عَدْنٍ الَّتِى وَعَدْتَّهُمْ وَمَن صَـلَحَ مِنْ ءابَائِهِمْ وَأَزْواجهِمْ وَذُرّيَّـاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ لْعَزِيزُ لْحَكِيمُ} غافر: 8.(ابن كثير)

قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: لما نزل قوله تعالى:{مَّن ذا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} البقرة : 542، قالت اليهود: يامحمد، افتقر ربك فسأل عباده القرض؟ فأنزل الله {لَّقَدْ سَمِعَ للَّهُ قَوْلَ لَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ للَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء} آل عمران: 181. (ابن كثير)

وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَـاتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ صَفّاً} الصف: 4 قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقاتل العدو إلا أن يصافهم، وهذا تعليم من الله للمؤمنين. (ابن كثير)

وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى: {زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىء} النور: 53. قال هو أجود الزيت، فإذا طلعت الشمس أصابتها من صوب المشرق، فإذا أخذت في الغروب أصابتها الشمس (من صوب المغرب)، فالشمس تصيبها بالغداة والعشي، فتلك لا تعد شرقية ولا غربية. (ابن كثير).

ونقلا عن ابن القيم رحمه الله في كتابه إغاثة اللهفان، في قوله تعالى: {وَثِياَبَكَ فطهر} المدثر: 4.

قال سعيد بن جبير: كان الرجل إذا كان غادرًا قيل: دنس الثياب، وخبيث الثياب. اهـ

والمراد بالثياب هاهنا القلب والمراد بالطهارة إصلاح الأعمال والأخلاق.

وجاء في كتاب الزهد لابن تيمية بسنده إلى سعيد بن جبير في قوله تعالى: {بل يريدُ الإنسانُ ليفجرَ أمامهُ} (القيامة: 5). قال: يقول سوف أتوب.

وفي كتاب الزهد أيضا بسنده إلى سعيد بن جبير، قال: قحط المطر على عهد ملك من الملوك يعني من بني إسرائيل، قال: فخرج الناس يستسقون فقال لئن لم يسقنا لأغيظنه قالوا: كيف تغيظه بأي شيء تغيظه قال: اقتل أولياءه قال: فسقوا.

وعنه أيضا قول سعيد بن جبير: ما زال البلاء بأصحابي حتى رأيت أن ليس لله عز وجل في حاجة حتى نزل في البلاء. (الزهد)

وعنه أيضا أنه كتب إلى أبي سوار العدوي أما بعد يا أخي فاحذر الناس واكفهم نفسك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك وإذا رأيت عاثراً فاحمد الله الذي عافاك ولا تأمن الشيطان يغشك ما بقيت. (الزهد)

عبادة سعيد بن جبير

كان سعيد بن جبير فقيهاً عظيم الشأن كثير البكاء في الخلوات والجلوات، قرأ رحمه الله القرآن في ركعة في الكعبة، ولا عجب ولا حكر على فضل الله، والله واسع عليم يختص برحمته من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، ومن كان لله كان الله له. قام سعيد لله تعالى سائلا مستغفراً راجياً عابدا محبا وصادقاً، فبارك الله له في وقته وجهده. وكان ممن قال الله تعالى فيهم: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنا لمَّا صَبَرُوا وكانوا بآيَاتِنَا يُوقِنُون} السجدة 24 وبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين.

قال يحيى بن عبد الرحمن: سمعت سعيد بن جبير يردد هذه الآية حتى يصبح {وامتازوا اليوم أيها المجرمون} يس: 59.

وقال بعضهم: سمعت سعيد بن جبير يردد هذه الآية في الصلاة بضعاً وعشرين مرة {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله} البقرة 281. فهذا هو اجتهاد سعيد بن جبير الذي روي عنه أنه كان يختم القرآن في كل ليلتين، وكان يبكى بالليل حتى عمش. ويخرج من الكوفة مرتين، مرة للعمرة ومرة للحج.. ولا يتحدث إلى أحد بين صلاة الصبح وطلوع الشمس لأنه مستغرق في الذكر.

وعن سعيد بن جبير أنه قال : لو فارق ذكر الموت قلبي خشيت أن يفسد.

قومات العلماء

يقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين في المنهاج النبوي:

(القائمون وهم المنابذون للحكم الجائر من أهل العدل والصدق. ولا يزال تاريخ الإسلام حافلا بالقائمين من آل البيت يهلل علماء الأمة ويكبرون لظهورهم… ومع القائمين كان يقاتل العلماء، وعلى رأسهم الإمام أبو حنيفة ومالك والشافعي رحمهم الله. وما محنة الإمام أحمد بالتي تنسى ولا بالتي تقف معانيها عند الدفاع عن العقيدة دون إدانة الجور العام الذي يبيح للحاكم أن يفرض عقيدة محرفة كعقيدة خلق القران.

الإمام الحسين بن علي عليهما السلام كان أول القائمين ثم زيد ومحمد النفس الزكية وإبراهيم وما لا يكاد يحصى من أئمة آل البيت…

قومة محكمة، محكومة، مملوكة، موجهة وجهة الحق لا وجهة الغضب والانتقام، هذا يريد جهادا أكبر سابقا ومواكبا ولاحقا : جهاد النفس وتربيتها) اهـ.

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر). رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وصححه ابن حبـان عن أبـي الدرداء مرفوعاً.

الجرأة في الحق والشجاعة والنصيحة، تلك كانت سمة الأصفياء المجددين. ولا أدلَّ على ذلك من موقف الإمام أحمد ابن حنبل أثناء الفتنة، فقد جُلدَ ظهره، وعُرِفَ أمره، وذاع سرّه، ولكن ثبَّته الله: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} إبراهيم: 27، فثبت على قول الحق، فكان بعد ذلك إماماً لأهل السنة والجماعة، وثبت ابن تيمية وتشجع في قول الحق يوم قال لأحد السلاطين وقد خاف على ملكه من ابن تيمية، فقال رحمه الله: (والله ما ملكك وملك آبائك يساوي عندي شيئاً، إني أريد جنة عرضها السموات والأرض أُعدت للمتقين)، فهل بعد هذا الصدع بالحق من مقال؟ بل يُرْفَعُ أحدهم على خشبة المشنقة فيقال له: قل: لا إله إلا الله. فيقول: سبحان الله من أجلها أُشنق، فياله من ثبات.. فالله يحبُّ معالي الأمور وأشرفها، ويكره دنّيها وسفسافها، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: (لا تصغرن هممكم فإني لم أرأقعد عن المكرمات من صغر الهمم).

وحيى الله ذلك العالم العامل والرباني الكامل والمجاهد المجدد، الذي كتب من محراب تبتله وليل تهجده ناصحا إلى حاكم زمانه قائلا: (رسالتي إليك ليست ككل الرسائل، إنها رسالة تفرض الجواب عنها فرضا وحتى السكوت عنها جواب بليغ…لكنك لن تملك حتى تجيب عنها…). فيا لها من نصيحة ويا لها من شجاعة ما بعدها شجاعة، أورثتها الهمة العالية. فجزاك الله يا سيدي عنا وعن المسلمين خيرا الجزاء. وجعلك الله لنا ولهم ذخرا وملاذا ونصرا وفتحا. ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء.

قومة سعيد ونهاية الحجاج

وقبل أن نتكلم عن النهاية، يفيدنا جدا أن نعرف أولا كيف كانت البداية..

خطب الحجاج في الناس يوما وصلى بهم الجمعة، ثم مشى بجانب سجنه الكبير، فبكى السجناء ورفعوا أصواتهم بالعويل والبكاء عله أن يسمعهم فيرحمهم، فسمعهم ثم قال لهم في تبجح وعنجهية: {اخسئوا فيها ولا تكلمون} المومنون: 108.

بَنَى الحجاج مدينة جديدة بين الكوفة والبصرة سماها مدينة واسط، وبنى في وسطها قصراً كبيراً له ولأعوانه، وبنى سجناً كبيراً يعذب فيه الناس الأبرياء، كان في سجنه آلاف الرجال وآلاف النساء والأطفال.

كان الحجاج يجلس في قصره الكبير وحوله الحرّاس وكان يتشاور مع طبيب نصراي. وكان يحب أن يشاهد بنفسه قتل الناس وأن ينظر إلى دمائهم وهي تنـزف.

لهذا عندما أُدخل سعيد بن جبير، كان كلّ شئ جاهزاً. فالجلاّد كان واقفاً ينتظر الإشارة.

دخل سعيد بن جبير في القصر المملوء برائحة الدم. لم يشعر سعيد بالخوف لأنّه كان مؤمناً بالله واليوم الآخر، يصوم النهار ويقوم الليل ولا يفتر عن ذكر الله لحظة.

سأل الحجاج عن اسمه فقال: سعيد بن جبير.

فقال الحجاج وهو يريد النيل من كرامته: بل شقيّ بن كسير.

قال سعيد والعزة تضيء جبينه: أمي أعلم باسمي واسم أبي، لست شقيا والشقي من لا يعلم قدر نفسه.

ـ قال الحجاج: شَقيتَ وشقيتْ اُمك.

ـ قال سعيد: لا يعلم الغيب إلاّ الله.

سكت الحجاج ثم صفق بيده.

فجاء بعض الهزليين وقاموا بحركات مضحكة.

قهقه الحجاج بصوت عالٍ وضحك الحاضرون، غير أن سعيد ظلّ ساكتاً.

سأل الحجاج: لماذا لا تضحك؟

فقال سعيد بحزن: لم أرَ شيئاً يضحكني، وكيف يضحك مخلوق من طين والطين تأكله النار.

قال الحجاج: فأنا أضحك.

فقال سعيد: كذلك خَلَقَنا الله أطواراً !

أمر الحجاج أن يحضروا له الخزانة. فأحضر الحرّاس صندوقاً كبيراً مليئاً بالذهب والفضة والجواهر، راح الحجاج يصبّ أمام سعيد قطع النقد الذهبية والفضية والجواهر الثمينة.

سأل الحجاج: ما رأيك بهذا ؟

فقال سعيد وهو يلقنه درساً: هذا حسن إن قمت بشرطه.

سأل الحجاج: وما هو شرطه.

فقال سعيد: تشتري به الأمن من الفزع الأكبر يوم القيامة

قال الحجاج: أما والله لأبدلنك من دنياك نارا تلظى..

فقال له سعيد: لو علمت أنك تملك جهنم.. لما اتخذت إلها غيرك..

قال الحجاج: ما تقول في رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال سعيد: نبي مصطفى. خير الباقين وخير الماضين.

فقال الحجاج: فما تقول في أبي بكر الصديق؟ فقال: ثاني اثنين إذ هما في الغار . أعز الله به الدين عاش سعيدا، ومضى حميدا، ومضى على منهاج نبيه لم يبدل ولم يغير..

فقال الحجاج: فما تقول في عمر بن الخطاب؟ فقال: خيرة خلق الله وخيرة رسوله، أحب الله أن يعز الدين بأحد الرجلين فكان أحقهما بالخيرة والفضيلة..

فقال الحجاج: فما تقول في عثمان؟ فقال: مجهز جيش العسرة والمشتري بيتا في الجنة والمقتول ظلما..

فقال الحجاج: فما تقول في علي؟ قال: ابن عم رسول الله وأول من أسلم من الصبيان.. وزوج فاطمة وأبو الحسن والحسين..

فقال الحجاج: فما تقول في معاوية؟ قال: كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال الحجاج: فما تقول في عبد الملك بن مروان؟ قال: إن يكن محسنا فعند الله إحسانه وإن يكن مسيئا فلن يعجز الله..

فقال الحجاج: فما تقول في أنا؟ قال سعيد: أنت أعلم بنفسك. فقال له الحجاج: لا تكتم رأيك..

قال: لقد ظهر منك جور في حد الله. وجرأة على معاصيه بقتلك أولياء الله.

فقال الحجاج في غيظ: والله لأقطعنك قطعا .. وأفرقن أعضاءك عضوا عضوا.

فقال سعيد: إذن تفسد علي دنياي وأفسد عليك آخرتك.

مرّة أُخرى سكت الحجاج أمام منطق سعيد.

التفت الحجاج إلى الجلاّد وأشار بقتله.

تقدّم الجلاّد نحو التابعي الجليل.. قال سعيد للحجاج: إني أشهدك أني أشهد أن لا إلاه إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أستحفظك بها حتى ألقاك يوم القيامة.. فلما ذهبوا به ليقتلوه ضحك سعيد. فقال الحجاج مم تضحك؟ قال من جرأتك على الله.

طلب سعيد أن يصلي ركعتين قبل إعدامه، وتوجّه نحو الكعبة بقلبٍ مطمئن وقال:

{وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين} الأنعام : 79.

صاح الحجاج: حرفوه عن القبلة.

دفعه الجلاّد إلى جهة اُخرى، فقال سعيد : {أينما تولّوا فثم وجه الله} البقرة: 115.

صاح الحجاج: كبّوه على وجهه.

فقال سعيد: {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارةً اُخرى} طه: 55.

صرخ الحجاج بحقد: اضربوا عنقه.

من عادى لي وليا…

هنا توجّه سعيد إلى السماء ودعا الله عزَّ وجَلَّ قائلاً:

ـ اللهم لا تترك له ظلمي واطلبه بدمي واجعلني آخر قتيل يقتله من أُمة محمد (صلى الله عليه وسلم).

و كان هذا الدعاء الوحيد الذي دعا به سعيد على إنسان بعد وصية والدته له.

هوى الجلاّد بسيفه الغادر على عنق سعيد فسقط الرأس فوق بلاط القصر.

و هنا حدث أمر عجيب. عندما نطق الرأس قائلاً: لا اله إلاّ الله قالها مرتين.. وفي الثالثة لم يتمها لأنه لفظ أنفاسه الأخيرة.

راح الحجّاج ينظر إلى تدفّق الدماء بلا انقطاع فتعجّب من كثرة الدم.

التفت إلى الطبيب، وسأله عن السرّ في ذلك.

فقال الطبيب النصراني: (إن كل الذين قتلتهم كانوا خائفين، وكان الدم يتجمّد في عروقهم، فلا ينـزف منه إلاّ القليل، أمّا سعيد بن جبير، فلم يكن خائفاً، وظلّ قلبه ينبض بشكل طبيعي).

لقد كان قلب سعيد مملوءاً بالايمان ، ولهذا لم يخف من الموت، فرحل إلى الله شهيداً وكان سعيداً كما سمّاه أبواه.

مرت على الحجاج ثلاثة أيام بعد هذه الجريمة اختلّ فيها عقله، وكان يرى كوابيس مخيفة في نومه فكان يهبّ من نومه مرعوباً ويصيح: مالي ولسعيد بن جبير كلما أردت أن أنام أخد برجلي. وصدق الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم الذي قال: (اتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب). رواه البخاري مسلم وأصحاب السنن من حديث ابن عباس رضي الله عنه. وقوله صلى الله عليه وسلم : (دعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاواتِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَعِزَّتِي لأَنْصُرَنَّك وَلَوْ بَعْدَ حِين)ٍ. رواه ابن حبان عن أبي هريرة، ولله دره فقد جعل عنوان هذا الفصل: “ذكر البيان أن دعوة المظلوم تستجاب ولو برهة من الدهر”.

لقد استجاب الله دعاء ذلك الشهيد السعيد، فكان آخرمن قتله الحجاج في حياته السوداء الحافلة بالجرائم والظلم، وكان الصالحون من هذه الأمة وقتئذ، أمثال الحسن البصري، يدعون عليه عقب الصلوات، في الخلوات والجلوات. وقبل أن تهدأ الضجة التي سببتها قتلة سعيد، أصيب الحجاج بسببها بمرض غريب لم يمهله إلا بضعة أيام ثم اخترمته المنية. نعم، لم يعش الحجاج بعد هذه الجريمة سوى خمسة عشر يوماً. وما كان ربك نسيا.

لقد مات الجلاّد والضحية في نفس العام ، وأضحت قصّتهما عبرة للأجيال . فالتاريخ يذكر سعيدا بإجلال، أمّا الحجاج فلا يُذكر إلاّ بالخزي على مدى الأيام . لقد قتل الأمير أكثر من مئة ألف إنسان، وعندما فتحت أبواب السجون وجدوا فيها خمسين ألف رجل وثلاثين ألف امرأة وطفل.

مات سعيد ضحية للظلم والجبروت إلا أن سيرته وحياته وآثاره تبقى على مر الأزمان لكل طالب علم وهداية. ولله الأمر وحده من قبل ومن بعد ولا حول ولا قوة إلا بالله.

خاتمة

وعلى هذا الطريق المضيء بالمعرفة والجهاد أمضى سعيد بن جبير 57 سنة من حياة السعداء. لكن بقيت سيرته مضيئة فينا تطل علينا ببهائها وروائها من شرفة العصور على مد الدهور. رحم الله سعيد بن جبير رحمة واسعة.

يقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين في المنهاج النبوي: (نعم المذكر والمشجع قصص سلفنا الصالح، لأن الله تعالى جعل هذه النفس البشرية تتأثر بتأمل الأمثال من جنسنا ما لا تتأثر بالوعظ المجرد، فعسى أن نقرأ سيرة رجل من الصالحين أو سيرة عالم عامل من المجاهدين فنقول لأنفسنا نوبخها ونستنهضها: “فاتك الرجال ياخسيسة!”).

وصلى الله على سيدنا محمد في الأولين وفي الآخرين وفي الملإ الأعلى إلى يوم الدين.