يبلى الإيمان في القلوب، وتضعف ربْطة الميثاق الفطري الذي أخذه ربنا جل وعلا على بني آدم يوم “ألست بربكم؟”، وينقص بمخالطة الغافلين عن ذكر الله ومعاشرة المنافقين الذين لا يذكرون الله إلا قليلا مذبذبين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الإيمان يخلُق (أي يَبْلى) كما يخلُق الثوب، فجددوا إيمانكم”. وفي رواية: “إن الإيمان ليخلُق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم”. رواه الإمام أحمد والطبراني في الكبير والحاكم، وأشار السيوطي لحسنه.

يبلى الإيمان في القلوب، وتضعف ربْطة الميثاق الفطري الذي أخذه ربنا جل وعلا على بني آدم يوم “ألست بربكم؟”، وينقص بمخالطة الغافلين عن ذكر الله ومعاشرة المنافقين الذين لا يذكرون الله إلا قليلا مذبذبين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الإيمان يخلُق (أي يَبْلى) كما يخلُق الثوب، فجددوا إيمانكم”. وفي رواية: “إن الإيمان ليخلُق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم”. رواه الإمام أحمد والطبراني في الكبير والحاكم، وأشار السيوطي لحسنه.

رأينا كيف ضعف إيمان أهل الإيمان في الموقف القتالي في غزوة الأحزاب لما خالطهم المنافقون المترددون الشامتون المتربصون. ونقرأ عن الصحابة رضي الله عنهم فنراهم سائر الأيام، غير تلك الحرجَةِ، يشعرون بنقص في إيمانهم لمجرد مخالطتهم الغافلين في الفترات التي يبتعدون فيها عن صحبة الأسوة العظمى العروة الوثقى صلى الله عليه وسلم. قال حنظلة بن الربيع: “كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر النار. ثم جئت إلى البيت، فضاحكت الصبيان، ولاعبت المرأة، فخرجت فلقيت أبا بكر، فذكرت ذلك له. فقال: وأنا قد فعلت مثل ما تذكر. فلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله! نافق حنظلة؟ فقال: “مه!” فحدثته بالحديث فقال أبو بكر: وأنا قد فعلت مثل ما فعل فقال: “يا حنظلة! ساعةً وساعةً! لو كانت قلوبكم كما تكون عند الذكر لصافحتكم الملائكة حتى تسلم عليكم في الطرق”. رواه مسلم والترمذي.

نقف عند الجملة الأخيرة من الحديث يقول فيها المصطفى صلى الله عليه وسلم: إن حضورهم بين يديه لسماع موعظته ذكر، هنا اندمجت الصحبة في الذكر.

وإن لله عبادا من أوليائه وأحبائه مجرد رؤيتهم تذكر بالله، فما بالك بصحبتهم. من ذكَرَهم ذَكَر الله، ومن ذَكَر الله ذَكَرَهم. عن عمرو بن الجموح أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “لا يُحِقُّ العبد حقَّ صريح الإيمان حتى يحب لله تعالى ويُبغض لله. فإذا أحب لله تبارك وتعالى وأبغض لله تبارك وتعالى فقد استحق الولاء من الله. وإنَّ أوليائي من عبادي وأحبائي من خلقي الذين يُذكرون بذكري وأُذْكَرُ بذكرهم”. رواه الإمام أحمد في مسنده.

بصحبة هؤلاء يتجدد الإيمان إذا خلُق، بربط الصلة التامة الدائمة بهم، يرتبطُ ما وَهَى من فطرتنا بالميثاق النبوي الغليظ عبر هذه القلوب الطاهرة المنورة التي غمرها حبّ الله والحب لله.

وإن الله عز وجل يبعث من أحبائه في كل زمان من يستند إليه المومنون ويتأسون به. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينَها” رواه أبو داود والبيهقي والحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة.

ويتجدد الإيمان بعامل ثان، أو قل أول، فالأمر مفتول مربوط، هو ذكر الله تعالى باللسان والقلب، خاصة بقول لا إله إلا الله الكلمة الطيبة المطيِّبة قولها كثيرا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: “جددوا إيمانكم!” قيل: يا رسول الله! وكيف نجدد إيماننا؟ قال: “أكثروا من قول لا إله إلا الله”. رواه الإمام أحمد ورجاله ثقات، ورواه الطبراني عن أبي هريرة.

قول لا إله إلا الله أعلى شعب الإيمان وأرفعها روى الشيخان وأحمد وأصحاب السنن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الإيمان بضع وسبعون شعبة- عند البخاري وأحمد بضع وستون- فأعلاها- في رواية أحمد فأرفعها وأعلاها- قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. والحياء شعبة من الإيمان”.

بشهادة أن لا إله إلا الله يدخل الكافر إلى الإسلام، شهادةٍ مقرونةٍ بالإقرار بالرسالة لمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبقول لا إله إلا الله ذكرا لسانيا مكثّراً يتجدد الإيمان. إلى قول لا إله إلا الله دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال: “أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله”. وقال لعمه أبي طالب وهو على فراش الموت: “يا عم! قل لا إله إلا الله، كلمة أُحاجُّ لك بها عند الله” وقال: “من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة”.

في كل هذه الأحاديث المطلوبُ قولها، قولا لسانيا، التكلم بها بكل بساطة وفطرية. في لفظها المقدس سرّ وكيمياء بهما ينفذ الإيمان إلى القلب. فيا من يكذب الله ورسوله في إخبارهما بما يُصلح الإيمان ويجدده ويصدق أوهامه! أقرأُ في كتاب لا أحب أن أذكر اسمه ولا اسم مؤلفه ما يلي: “الإيمان الذي دعانا إليه القرآن الكريم هو ثمرةُ الدراسة الواعية للكون الكبير، وما انبثَّ في جوانِبه من الأَحْياء”. المؤلف عالم أزهري وداعية شهير ذو إنتاج غزير. ويحك! يقول المعصوم صلى الله عليه وسلم إن الإيمان ثمرة قول لا إله إلا الله وتحيلنا أنت على “الدراسة الواعية” للكون الكبير وما فيه من أحياء! ويحك تعظم الكونَ وتستخف بوحي المكوِّن سبحانه!

إن الإسلام الفكري طامّة من الطوام، وتسطيح للدين وهجر للقرآن ولِدَليل القرآن سنة الأسوة المقدسة.وللفكر في قضية الإيمان مكان نقاربه في فقرة قريبة إن شاء الله.

كلمة التوحيد لقّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب فأبى، ولقنها أصحابه فقبلوا وفازوا. وما يزال السادة الصوفية يحافظون على هذه السنة المجيدة سنة تلقين كلمة لا إله إلا الله، ويصرخ المسطِّحون: يا للبدعة!

في الفصل الأول من هذا الكتاب قرأنا كيف طلب الشوكاني أن يلقنه شيخ من الصالحين الورد النقشبندي. قال يعلى بن شداد: حدثني أبي شداد بن أوس، وعُبادة بن الصامت حاضر يصدقه، قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “هل فيكم غريب؟”، يعني أهل الكتاب فقلنا: لا يا رسول الله! فأمر بغلق الباب وقال: “ارفعوا أيديكم وقولوا لا إله إلا الله!” فرفعنا أيدينا ساعة. ثم وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ثم قال: “الحمد لله. اللهم بعثتني بهذه الكلمة، وأمرتني بها، ووعدتني عليها الجنة. وإنك لا تخلف الميعاد”. ثم قال: “أبشروا فإن الله عز وجل قد غفر لكم”. رواه الإمام أحمد .

كلمةٌ بعث الله بها نبيه لتقال، حوَّلها بعض الناس فلسفة. لا شك أن معانيها ومقتضياتها عظيمةٌ عليها مدار صحة العقيدة، ومنها بدايتها. لكن ما بالنا نُنكر ما أثبتته السنة النبوية بكل إلحاح وتكرار من أنها تحمل سرا فاعلا، يتفجر منها الإيمان بقولها وتكرارها؟!

كلمة هي أفضل الذكر وأعلى شعب الإيمان وأرفعُها،لا يزهد في الاستهتار بها إلا محروم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا إله إلا الله أفضل الذكر، وهي أفضل الحسنات”. رواه أحمد والترمذي عن جابر. وقال: “أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله”. رواه ابن ماجة والنسائي وغيرهما وأخرج أحمد عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله! أوصني! قال: “إذا عملت سيئة فأتبعها حسنة تمحها”. قال: قلت: يا رسول الله! أمن الحسنات لا إله إلا الله؟ قال: “هي أفضل الحسنات”.

الأحاديث في فضلها كثيرة والمصدق لرسول الله صلى الله عليه وسلم تصديقا حرفيا قليل. فيا حسرة على العباد! نيامٌ نيامٌ! غافلون عن ذكر الله!

من المائدة النبوية يتناول الموفقون، فيستيقظون ويرتقون. قال الشيخ عبد القادر قدس الله سره العزيز: “إذا تَرَقَّتْ درجة العبد من الإسلام إلى الإيمان، من الإيمان إلى الإيقان، من الإيقان إلى المعرفة، من المعرفة إلى العلم، من العلم إلى المحبة، من المحبة إلى المحبوبية، من طلبيته إلى مطلوبيته، فحينئذ إذا غفل لم يُتْرَكْ، وإذا نسي ذُكِّر، وإذا نام نُبِّهَ، وإذا غفل أوقظ، وإذا ولّى أقبَل، وإذا سَكَتَ نَطَق. فلا يزال أبدا مستيقظا صافيا، لأنه قد صفت آنية قلبه. يُرى من ظاهرها باطنُها. ورث اليقظة من نبيه صلى الله عليه وسلم، كانت تنام عينه ولا ينام قلبه، وكان يرى من ورائه كما يرى من أمامه. كل أحد يقظته على قدر حاله. فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يصل أحد إلى يقظته، ولا يقدر أن يشاركه أحد في خصائصه. غير أن الأبدال والأولياء من أمّته يردون على بقايا طعامه وشرابه، يُعطون قطرة من بحار مقاماته، وذَرَّة من جبال كراماته، لأنهم وراءَه، المتمسكون بدينه، الناصرون له، الدالّون عليه، الناشرون لعَلَم دينه وشرعه. عليهم سلام الله وتحياتُه، وعلى الوارثين له إلى يوم القيامة”.

هؤلاء اليقظى حين ينام الناس، الذاكرون حين يغفُل الناس، الثابتون حين يتزعزع الناس، الحاملون لكلمة التوحيد، القيمون على كنوزها هم مناط التجديد. الإكثار من ذكر الله على لسان المومن الصادق وفي قلبه وعقله وكيانه كلِّه تحريك لحبل الإيمان واستمطارٌ لغيثه وتجديد لعهده وميثاقه إذا كان مع الذكر الكثير وَصْلَةٌ دائمة مع العباد الذين أحبهم الله حتى صار ذكره ذكرهم، وذكرهم ذكره. لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله.

أوصى المشايخ العظام بذكر الله، بالإكثار من ذكر الله، كما أوصوا بالصحبة كلّ الصادقين. وما ذاك إلا لمعرفتهم أن الذكر منشور الولاية، في أعلى المنشور شعار لا إله إلا الله. قال الإمام الرفاعي قدس الله روحه العزيز: “عليكم، أي سادة!، بذكر الله. فإن الذكر مغناطيس الوَصل، وحبل القرب. من ذكر الله طاب بالله، ومن طاب بالله وصل إلى الله. ذِكْر الله يثبت في القلب ببركة الصحبة. المرء على دين خليله، عليكم بنا! صحبتنا ترياق مجرب، والبعد عنا سم”.

وقال: “أيْ سادةُ! قال أهل الله رضي الله عنهم: من ذكر الله فهو على نور من ربه، وعلى طمأنينة من قلبه، وعلى سلامة من عدوه. وقالوا ذكر الله طعام الروح، والثناء عليه تعالى تُرابها، والحياء منه لباسها. وقالوا: ما تنعَّم المتنعمون بمثل أنسه، ولا تلذذ المتلذذون بمثل ذكره”.

وقال: “من حال المومن مع الله ذكرُ الله كثيرا. ومن أدب الذكر صدق العزيمة وكمال الخضوع والانكسار، والانخلاع عن الأطوار، والوقوف على قدم العبودية بالتمكن الخالص، والتدرّع بدرع الجلال. حتى إذا رأى الذاكِرَ رجل كافر أيقن أنه يذكر الله بصدقِ التجرد عن غيره. وكل من رآه هابَه، وسقط من بوارق هيبته على قلب الرائي ما يجعل هشيم خواطره الفاسدة هباء منثورا”.

مثل هؤلاء الصادقين هم العباد الذين يذكر الله بذكرهم. لا إله إلا الله.