ها قد مرت سنين وسنين ولم تجد المساحيق، ولم تنفع الأكاذيب ولم تزدد البلاد إلا تدهورا، وأوضاع المواطنين إلا سوءا، فهل يتعظ المسؤولون؟ هل يستحيون؟ هل يتذكرون أن الدنيا فانية وأن الآخرة خير وأبقى؟ هل يفكرون للمدى البعيد ويتذكرون بأن التاريخ لا ينسى ويعلمون بأن الإنسان إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث، منها عمل نافع؟ هل يكتفون بما نهبوه ويغلبوا مصلحة البلاد على مصالحهم الخاصة؟ هل، وهل، وهل…

في سنة 1995 أعلن الملك الراحل الحسن الثاني من قبة البرلمان في خطاب تاريخي أن المغرب يعيش مرحلة السكتة القلبية، واستشهد على ذلك بأرقام وإحصائيات كان قد تضمنها تقرير البنك العالمي حول المغرب سواء فيما يرتبط بالإدارة أو القضاء أو سير المؤسسات العمومية والتشريعات والمساطر، والمسؤولين والموظفين، وقال الحسن الثاني آنذاك قولته الشهيرة: “قرأت تقرير البنك الدولي فوجدت فيه أرقاما مفجعة تجعل كل ذي ضمير لا ينام”.

ومنذ ذلك التاريخ بدأت التحركات والمبادرات والإشارات، وتوالت البرامج والخطط، وتتالت الخطابات والشعارات، وتغيرت الحكومات وأجريت انتخابات تلو الانتخابات، وها قد مر ما يقرب من عقد من الزمن، فهل تجاوزت البلاد السكتة القلبية؟

سيجيب المسؤولون إن تناول أحدهم الكلمة بالإيجاب، ويسهب في إبراز الإنجازات والحصيلة الإيجابية التي حققها المغرب خلال هذه المدة، وقد يفحم المستمعين بعشرات المشاريع المنجزة والتي في طور الإنجاز، كما قد يسكت المعارضين بالإحصائيات والأرقام والمقارنات بين ما كان وما نحن فيه اليوم. وحتى إن بقي هناك من لم يقتنع فتبرير عدم اقتناعه موجود لدى المسؤولين، فهو إما منكر جاحد، أو عميل ناقص المواطنة، أو مشوش، أو في أحسن الأحوال هو ممن لا يرى في الكأس إلا نصفه الفارغ، وانتهى الكلام.

هل تجاوزنا السكتة القلبية؟

سؤال لا يخلو منه مجلس من مجالس المواطنين سواء في الشارع أو العمل أو المدرسة أو الجامعة أو البيت، وإن كان يطرح دائما بصيغ متفاوتة ومختلفة. كما لا يخلو منه منتدى من المنتديات الحزبية أو لقاءات النخبة، وفي الإكثار من تكراره إحساس بنوع من الشك في مدى تحققه، أو حتى درجة التحقق. فالإحصائيات والأرقام والوقائع التي تضمنها تقرير البنك الدولي والتي جعلت الحسن الثاني يستنتج أن البلاد تعيش سكتة قلبية لم تتغير، بل أنها تزداد تدهورا سنة بعد سنة، بل لحظة بعد أخرى.

لقد تحدث التقرير آنذاك عن الاختلاسات داخل المؤسسات العمومية، وعدد المؤسسات التي تم اكتشاف اختلاس أموالها بعد هذا التقرير في تزايد، وحجم الأموال المعلن عن اختلاسها لا تكاد تصدقه عقول المواطنين البسطاء الذين تعجز ألسنتهم عن قراءة أرقامها، فأحرى عدها، والتصرف فيها، وهم الذين لا يتقاضى ما يقارب نصفهم الحد الأدنى من الأجور، ويغرق ما يقارب خمسهم في البطالة.

تحدث التقرير آنذاك عن الامتيازات والزبونية، ولم يزدها هذا العقد من الزمن إلا استفحالا وانتشارا، بحيث لا تكاد تسمع عن مباراة أو حملة توظيف طبعتها الشفافية، بل الكل يشتكي من المحسوبية والمحزوبية التي استفحلت في زمن حكومة الرفاق، بحيث أصبحت الوزارات غنائم توزع على الأحزاب يشرقون فيها ويغربون، يصولون ويجولون.

تحدث التقرير عن البيروقراطية وتعقد المساطر وبطء الإجراءات وعدم ملاءمة التشريعات. والوقائع حول بقاء الوضع على ما كان عليه كثيرة بلغت حد التواتر في كل جهات البلاد.

تحدث التقرير عن القضاء ولم يزد هذا العقد من الزمان مشاكله إلا وضوحا ونفس الأمر فيما يخص الإدارة.

باختصار، كل ما تضمنه تقرير البنك الدولي من مساوئ لم يزدد خلال هذا العقد من الزمن إلا اتضاحا وتفاقما .. فماذا فعل المسؤولون خلال هذه المدة؟

حدثت، بالفعل، تغييرات همت بعض القوانين والمساطر، وجدت مستجدات أزاحت البعض عن السلطة وحملت بعضا آخر إليها فتغيرت وجوه وأشباح، واستبدلت نصوص بنصوص، وتغيرت نبرة الخطاب وشكله ومضمونه، ولكن الشعب لم ير لذلك صدى والبلاد لم تستفد من هذه التغييرات لأنها لم تتجاوز الشكليات، وبقيت حبيسة المكاتب ومجرد حبر على الورق، بل كثيرا ما كذبها الواقع، وكثيرا ما عاش المواطنون عكسها، حيث العديد من المعامل والمصانع تغلق وتسرح العمال بدون الحصول على أدنى حقوقهم، والأسعار في تزايد، والأجور لا تتحرك، والبطالة في تفاقم، والضرائب في تزايد، والغني لا يزداد إلا غنى والفقير لا يزداد إلا فقرا، ومهما أوردنا من أرقام وإحصائيات فإنها لن تفي بالغرض ولن تحقق المراد، ولكن المعايشة اليومية لحياة المواطنين هي خير دليل.

ها قد مرت سنين وسنين ولم تجد المساحيق، ولم تنفع الأكاذيب ولم تزدد البلاد إلا تدهورا، وأوضاع المواطنين إلا سوءا، فهل يتعظ المسؤولون؟ هل يستحيون؟ هل يتذكرون أن الدنيا فانية وأن الآخرة خير وأبقى؟ هل يفكرون للمدى البعيد ويتذكرون بأن التاريخ لا ينسى ويعلمون بأن الإنسان إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث، منها عمل نافع؟ هل يكتفون بما نهبوه ويغلبوا مصلحة البلاد على مصالحهم الخاصة؟ هل، وهل، وهل…

اللهم لا تعذبنا بما فعل السفهاء منا.