تعرف الحياة الحزبية حالة من التشتت والتشرذم عز أن تجد لها مثيلا، حيث أصبحت العديد من الأحزاب السياسية عبارة عن حلقات صغيرة ودكاكين انتخابية عاجزة عن معايشة واقع المواطنين وغير قادرة على الاستجابة للتحديات التي تواجه البلاد مما دفع العديد من الفاعلين الحزبيين إلى الدعوة إلى العمل على إيجاد تكتلات سياسية بين الأحزاب المتقاربة إديولوجيا وسياسيا بهدف تقوية العمل الحزبي، بصفته الوسيلة الأساسية لتقوية العمل السياسي وتوسيع تأثيره في المجتمع.

ولاشك أن هذه دعوة نبيلة لا يمكن إلا الترحيب بها والدعاء لأصحابها بالتوفيق لما فيه مصلحة العباد والبلاد، ولكنها دعوة قديمة جربت مرات ومرات ولم يكتب لها النجاح بالشكل الذي يتناسب مع الهدف الذي وضعت من أجله، وهذا ما يدفع بنا إلى طرح أسئلة النقد على هذه الدعوة وجدواها، ومدى توفر إمكانيات نجاحها، وأسباب تعثر التجارب السابقة، وسبل تفاديها.

وفيما يلي عرض لأهم العبر والعظات:

1. إن التكتل السياسي لن تقوم له قائمة إن لم يتشكل من أحزاب قائمة وموجودة في الميدان، ولن يكون قويا إلا بمقدار القوة التي تتمتع بها مكوناته، ولهذا نفهم سبب ولادة بعض التكتلات ميتة، أو أسماء بلا مسمى، لأنها تشكلت بالأساس من أحزاب موجودة على الورق، ولا تعمل إلا في المواسم الانتخابية، ولا يتجاوز ذكرها جرائد يخاصمها المواطنون، بل منهم من لا يعرف حتى اسمها.

2. يتوقف نجاح التكتل السياسي على مدى انسجام مكوناته، ووضوح ودقة أهدافه، وقدرة آليات اشتغاله على ضبط وتوجيه حركته، والعديد من التكتلات المعروفة ولدت بدون أهداف دقيقة وواضحة، وبدون مراعاة الانسجام الفكري والسياسي بين مكوناتها، وبدون إيجاد آليات اشتغال قادرة على ضبط حركتها، بل من التكتلات ما أملته مصالح آنية لبعض مكوناته تجعله يضحي بهذا التكتل متى بدا له أن مصالحه لم تبق داخله، ومن التكتلات ما نشأ كرد فعل على تكتل آخر، ولذلك سرعان ما ينهار بانهيار سابقه.

3. هناك بعض التكتلات التي تتأسس من أجل أهداف دقيقة خلال مدة محددة  وهذا ليس عيبا، بل هو مطلوب- ولكنها تصر على الاستمرار حتى بعض تحقيق هدفها مما يجعلها تدور في دوامة مفرغة بلا جدوى فتضيع الجهود والأوقات وتهدر الفرص…

4. هناك بعض التكتلات التي تطغى عليها الفئوية والحلقية فلا يشعر أعضاؤها بأي غيرة على التكتل وكأنه ليس لهم ولا يعنيهم، بل تجد كل طرف يتعصب إلى تنظيمه القديم وسبب ذلك أن هذا التكتل ولد تعسفا، وولد قبل الأوان، وأنه لا يستجيب لحاجة حقيقية يتبناها كل أطرافه.

5. هناك بعض التكتلات التي تبقى غارقة في المبادئ والمثاليات، بل منهم من يبني هذا التكتل في مخيلته وأحلامه دون مراعاة الواقع والأخذ بعين الاعتبار إكراهاته ومتطلباته.

6. العديد من التكتلات فشلت في عملها لأن أطرافها لا يشتغلون بإيثار ونكران ذات، بل كل منهم منغمس في حساباته، ويحاول أن يفرض أولوياته، ويقف في وجه من لا يساير خطواته.

7. بعض التكتلات بقي عملها وأداؤها منحصرا في دائرة القيادات معزولة عن قاعدتها الجماهيرية، ولذلك كان مصير قراراتها ومبادراتها أدراج الرياح، بل عايشنا لحظات تصادم إرادة القيادات مع إرادة قواعدها في كثير من اللحظات، والسبب يكمن في عدم التواصل المستمر والجدي مع كل مكونات هذا التكتل في مختلف درجات المسؤولية.

ولا ننسى أن هناك عوامل موضوعية تشكل العامل الأساس الذي لا يساعد على ميلاد تكتلات سياسية منها:

1. تدخل المخزن في الشؤون الحزبية: فلا شك أن المخزن لا يرغب في وجود تشكيلات سياسية قوية، ولذلك يقف في وجه كل عملية توحيد من شأنها أن تضر مصالحه أو تهدد وجوده.

2. نظام الانتخابات: حتى في ظل عدد كبير من الأحزاب كان يمكن تفادي هذه التعددية المرضية، ودفع الأحزاب إلى التكتل دفعا لو كان نظام الانتخابات المعمول به حاليا يستحضر هذا الهدف ويراعيه في القانون الانتخابي، سواء فيما يخص نظام الاقتراع أو التمويل وآنذاك سيحكم الشعب على العديد من الأحزاب، وسيتضح للخاص والعام حجمها، خاصة إذا كانت هذه الانتخابات نزيهة.

3. معايير تأسيس الأحزاب: لا نفتأ نؤكد بأن التعددية التي نعيشها في المغرب بعيدة كل البعد عن التعددية السياسية، ولا تعدو أن تكون تعددية حزبية تراهن على الكم عوض الكيف، وتفسح المجال لوجود أحزاب لا شعبية لها ولا فعل لها في الميدان، بل منها من وجد للتشويش على الآخرين فقط، والسلطة تتحمل المسؤولية كاملة في هذا الأمر.

هذه بعض المعوقات التي تحول دون التأسيس لحياة حزبية جدية تقوم على أساس تكتلات سياسية قوية، وطالما لم يتم تجاوزها سيبقى مصير كل الدعوات إلى إنشاء تكتلات سياسية وهما وسرابا، أو في أحسن الأحوال دعوة نبيلة لن تفي بالمقصود ولن تحقق الهدف المنشود، وسيبقى المستفيد الأكبر هو المخزن وأعوانه، لأن كل فشل لإيجاد تكتل قوي ينعكس سلبا على المواطنين ويزيدهم يأسا.