بعث الله عز وجل المرسلين ليُحْيوا في الناس نداء الفطرة، ليبشروهم بأنهم لم يخلقوا عبثا وأنهم إلى الله راجعون، ولينذروهم يوما تَشخَص فيه الأبصار يوم لا ينفع مال ولا بنون. رسلُ الله رحمة للخلق، بشر من البشر، أوِدَّاءُ هيِّنون لينون. يمشون في الأسواق يتحببون إلى الناس ليحببوا إليهم الله. دعوة حانية ميسِّرَةٌ لا معسرة.

وكذلك علمـاء هذه الأمة ودعـاتها، وظيفتهم أن يبلغوا ميسرين لا معسرين.

وَلَوْ كانت هذه كلَّ وظيفة الرسل وورثتهم العلماء الدعاة لكان الدين والتدين شأنا خاصا هامشيا كما يتصور الدينَ اللاييكيون الذين انتهى بهم الأمر إلى أن خلَّصوا الدينونة لقيصر من الدينونة للكنيسة. وإذاً لكانت الدعوة سعيا رَخوا في الأرض حالما.

الإسلام الخضوع لله عز وجل، والدينونة الكاملة له، والطاعة لأمره ونهيه. بعث الله عز وجل الرسل بالكتاب والبينات ليقوم الناس بالقسط، وليكونوا أمة واحدة، عباداً لله، يحكمون بينهم بالعدل ولا يتظالمون. وأنزل الحديد فيه بأس شديد. قال العلماء: ذكر سبحانه الحديد بعد ذكر الرسالة ليقوَّم من عدَلَ عن الحق بقوة الحديد. بقوة السلطان.

فالإسلام دعوة ودولة،يخدُم وازع السلطان وازع القرآن،ويسير في ركابه. يلتَمّ شمل الأمة في مركزها بالمحبة الأخوية،ويشتد ساعدها بقوة الدولة الحافظة القوية الأمينة.

وقد كتب المسلمون في عصرنا واشتغل أعداؤهم في الحديث عن الجهاد والقوة في الإسـلام. الأعـداء يرون أن الإسلام انتشر بالقوة الهجومية، والإسلاميون يدفعون في وجه هذه التهمة فيردون الجهاد إلى حجم دفاع سلبي. والمسألة المطروحة هنا هي: هل تتوحد الأمة، ووحدتها عقيدة، دون استعمال القوة الإلزامية؟ نطرح هذا السؤال موازاة مع طرح صدام القومي. فإنه لدى هجومه على الكويت رفع عقيرته ينادي المسلمين إلى العدل، ويناديهم إلى الوحدة، ويناديهم إلى الجهاد لتحقيق الهدفين العزيزين على القوميين.

تعديل في الخطاب منذ تحول البعثيون دعاة إسلاميين على ضوء فجْرِ الصحوة الإسلامية، واستفادة من سقوط الاشتراكية وخراب دارها. فهو عدل لا اشتراكية. وهو جهاد لا عنف ثوري في خطابهم الجديد.

منذ نحو عشرين سنة كتب سعدون حمادي، وهو الآن شخص بارز في حاشية صدام، يعلق حواشيه على العقيدة المذهبية القومية التي تجمع بين الرومانسية الحالمة وبين استعمال العنف وسيلة لتحقيق الأهداف. ويفكر سعدون أن القومية الثائرة ستسير من تنازل إلى تنازل إن لم توطد العزم على استعمال العنف لتوحيد الأمة العربية بالقوة. وركز نقده على توقف أنور السادات في حربه مع دولة بني إسرائيل سنة 1973 بتاريخ النصارى، يرى أنها لو استمرت لكانت الفتيل الذي يُشعل لهيب الثورة في العرب ويصْهَرُهُم أمة واحدة. وها هو صدام اليوم يهجم على الكويت ويستميت ويطاول. وها هم العرب والمسلمون يلتهبون حماسا متجاوبا مع بطل يدعو للعدل والوحدة والجهاد.

وللقوميين في نظرتهم إلى القوة العسكرية ومكانها في التاريخ أسوة بما فعله جَارِبَلْدِي وبِسْمارك منذ قرن ونيف. وحَّدَ جارِبلْدِي الوطني المقاتل إيطاليا بقوة البندقية. ووحد بسمارك المستشار الحديدي لبروسيا إمارات الألمان بجحافله العسكرية.

عنصر مهم لم يُدْخله القوميون في تقييمهم ومقارنتهم: هو أن جاربلدي قاتل النمساويين والصقليين والبابا فأزاح ظلمهم عن القوم الطليان الراغبِ مُعظمُهم في الوحدة. وأن بسمارك حقق وحدة الألمان بالنار والحديد يدفع بهما العدو الغازي من نمساويين وفرنسيين، وفي قلوب الألمان يومذاك كما هو الحال اليوم حنين إلى الوحدة عظيم.

أما القوميون العرب فعنفهم الوحدوي عارٍ عن الحقائق التي تبعث القوم بعضهم نحو بعض حتى لا تبقى إلا دفعة نهائية يلتحم على إثْرِها المتفرق، ويشتد بقوتها المنحل، وينصهر على نارها المتَفتت. العرب في العراق والكويت مسلمون، تحركت عامتهم وعامة المسلمين لنداء يخاطب قلوبهم بالعدل والوحدة والجهاد، ورأوا في البطل المنادي صورةً لصلاح الدين، لمحةً خاطفة في الضمير المنهزم. لكن ذلك العزم الراسخ والعقيدة الثابتة في الوحدة شيء لم تغرسه القومية في العامة، ولا ينْبُتُ لو حاولت. فلا تحصد من زرع العنف إلا مزيداً من التمزق. ونحن ننتظر ما الله فاعله. لا ربَّ غيره.

وفي أفق الإسلاميين الغادين إلى سدة الحكم أن يُحِلُّوا الجهاد مكانته العزيزة،وأن يحرثوا في أرض الإيمان عند الخاصة والعامة عقيدة التوحيد،لُحمتها وسداها المحبة الأخوية والعدل والبذل، وحصنُها اللازم الضروري قوة الجهاد.

كان سيد قطب رحمه الله يغضَبُ على من يقَزِّمُ شأنَ الجهاد يدَّعي أنه حرب دفاعية. ويكتب في “معالم في الطريق” بأسلوبه الأبي: “المهزومون روحيا وعقليا ممن يكتبون عن “الجهاد في الإسلام” ليدفعوا عن الإسلام هذا “الاتهام” (اتهام أنه قتال هجومي) يخلِطون بين منهج هذا الدين في النص على استنكار الإكراه على العقيدة وبين منهجه في تحطيم القوى السياسية المادية التي تحول بين الناس وبينه، والتي تُعَبِّدُ الناس للناس، وتمنعهم من العبودية لله (…). ومن أجل هذا التخليط، وقبل ذلك من أجل تلك الهزيمة، يحاولون أن يحصُروا الإسلام فيما يسمونه اليوم “الحرب الدفاعية”. انتهى كلامه رحمه الله.

من هذه “التهمة” نتحول إلى تهمة لم يُدرك زمانها سيد قطب رحمه الله.هي اتهام اليساريين رجالَ الصحوة الإسلامية بأنهم عبيد القوة، وبأنهم يتعاملون مع النظُم الرجعية وأمريكا ويتلقون منها المساعدات والسلاح ليقاتلوا عنها القوى الحية التقدمية، وليقفوا في وجه المدِّ الديمقراطي، ولينْسفوا آمال الاشتراكية.

وكان هذا الاتهام على أشُدِّهِ إبان احتـلال روسيا ما قبل البرسترويكا لأفغانستان، وإبَّان تألُّق الجهاد الأفغاني المجيد.

هل كان للمجاهدين العُزْلِ في أول مراحلهم أن يتورعوا التورُّع البليد فيرفضوا أموال سلاطين النفط، وهم أحق المسلمين بمال المسلمين؟ أم هل نلوم بعض رجال الدعوة على اللجوء من اضطهاد الجبارين القتالين إلى حضن أنظمة لا تقتل الدعاة الفارين إليها بنيتهم الجهادية لكنها تتألفهم وتؤويهم،وإن كان ذلك بنية أخرى؟

كلا، لا نلوم ولا نبتئس. لكن نحذر من منطق التآلف مع منافقي الإسلام أن يجرف الدعاة في واد غير فجِّ الجهاد. ونحذر خاصة من “الغزو الثقافي” الذي تموله عائدات النفط لتسُلَّ الروحَ من جسم الدعوة، ولتعقِّمها، ولتُحيِّدَها، ولِتُؤَنِّسها وتدجِّنها، ولتبقِيَها راتعه في حجر الطغاة المنافقين لا تغزو ولا تحدث نفسها بغزو، إلا بغزو إخوانها المسلمين من عامة الأمة ومن خاصة الدعاة، في حروب مذهبية طائفية داخلية تؤجج النار في صفوف الدعوة.

جهاد منكوس معكوس، وعنف مخرب للوحدة مؤبِّد للشقاق والنفاق والوحشة لا الوفاق هو هذا الأسلوب الفج الذي تُعلمه مذهبية المكفرين المبدِّعين الناسَ بغير حق. أسلوب تأنس إليه وتطمئن أفئدة الذين لا يومنون إلا بمصلحة العشيرة والعائلة المالكة وحلفائها الذين يعلن عليهم صدام القومية بحق سخطه الثوري.

يقرأ الدعاة الأغرار ما يكتبه أئمة المسلمين من أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فيؤَوِّلونه على ما يوافق هوى الذين طبعوا الكتب ونظموا المؤتمرات وآوَوا في الفنادق الفخمة وأغدقوا الإدرارات السلطانية. ويجردون مقالات الأولين عن ملابساتها في ذلك الزمان، وعن مقدماتها ونتائجها، وعما تخفيه الكلمات، لا يقرأه بين السطور إلا نابِهٌ لِما فعلته فتنة انتقاض عروة الحكم بالمسلمين علماءَ وعامة.

يقول شيخ الإسلام في “منهاج السنة”: “فإن الحاكم إذا ولاه ذو الشوكة لم يمكن عزله إلا بفتنة. ومتى كان السعي في عزلة مفسدة أعظم من مفسدة بقائه لم يجز الإتيان بأعظم الفسادين لدفع أدناهما.وكذلك الإمام الأعظم.ولهذا كان المشهور من مذهب أهل السنة أنهم لا يرون الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف وإن كان فيهم ظلم”.ويستدل الشيخ رحمه الله بالأحاديث الصحيحة الآمرة بالسمع والطاعة.

يتساءل اليساري والقومي الثوري تساؤله الدائم: لماذا لا يتحول تدينكم قوة ثورية فاعلة تقاوم الظلم وتنازل الطغـاة؟ لماذا تتفيَّؤون ظلال الأغنياء الأقوياء؟ ونُضيف نحنُ تساؤلا: لماذا تتخصصون في محاربة بدَع العامة الجاهلين في المعاصي الفردية أو الانحرافات الطفيفة وتُحْنُونَ الهامَ أمام سدنة البِدَع؟

الجواب الذي لا يفهمه اليسـاري الثوري هو أن في صفوف الدعوة صادقين سُذّجا أو وصوليين منافقين يتلقون إدراراتِ سلاطين النفط ومعها “كيفية الاستعمال” موصوفةً بيدٍ تعظمها مكانتها العلمية تقول: إن من غلبهم بالسيف لا يجوز أن يبيت المسلم ليلة دون أن يراه أميراً للمومنين. وتقول: إن حامل السيف لا يجوز في مشهور مذهب أهل السنة والجمـاعة الخروج عن طاعته.

لا يفقه الصادق الساذج أن ابن تيمية وعلماء الأمة كانوا يحافظون على ظَلَمَتهم لأن أولئك الظلمة كانوا شوكة حامية، ولواء عزيزا منتصرا، وحامية لوحدة المسلمين. أما هؤلاء الشتات المنهزمون الذيليون فما الحفاظ عليهم إلا تفويت لفرص الوحدة وإبقاء للفتنة على قواعدها. ولله عاقبة الأمور.