بسم الله الرحمن الرحيم. (وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون). أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما أخاف وأحذر.

عقبات النفس والشيطان والدنيا والعقل، وفطم النفس عن الشهوات، واقتحام العقبات، هل كان للصحابة رضي الله عنهم علم بكل هذا؟ أم هل كانت مهماتهم الجهادية وبساطتهم وقربهم من الفطرة تسمح بالتفريع العلمي والتفصيل؟ أم كل هذا بدعة وحرام وكفر؟

قال أحد أكابر الأمة وفرسانها المبرزين شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض حديثه عن التقليد وفيما يجوز: “لا ريب أن كثيرا من الناس يحتاج إلى تقليد العلماء في الأمور العارضة التي لا يستقل هو بمعرفتها. ومن سالكي طريق الإرادة والعبادة والتصوف من يجعل شيخهُ كذلك. بل قد يجعله كالمعصوم، ولا يتلقى سلوكه إلا عنه. ولا يتلقى عن الرسول سلوكه، مع أن تلقي السلوك عن الرسول أسهل من تلقي الفروع المتنازع عليها. فإن السلوك هو بالطريق التي أمر الله بها ورسوله من الاعتقادات والعبادات والأخلاق. وهذا كله مبين في الكتاب والسنة. فإن هذا بمنـزلة الغذاء الذي لابد للمومن منه”.

قال: “ولهذا كان جميع الصحابة يعلمون السلوك بدلالة الكتاب والسنة والتبليغ عن الرسول. لا يحتاجون في ذلك إلى فقهاء الصحابة. ولم يحصل بين الصحابة نزاع في ذلك كما تنازعوا في بعض مسائل الفقه. (…) كثير من أهل العبادة أعرض عن طلب العلم النبوي الذي يعرف به طريق الله ورسوله، فاحتاج لذلك إلى تقليد شيخ. وفي السلوك مسائل تنازع فيها الشيوخ، لكن يوجد في الكتاب والسنة من النصوص الدالة على الصواب في ذلك ما يفهمه غالب السالكين، فمسائل السلوك من جنس مسائل العقائد، كلها منصوصة في الكتاب والسنة. وإنما اختلف أهل الكلام لما أعرضوا عن الكتاب والسنة. فلما دخلوا في البدع وقع الاختلاف. وهكذا طريق العبادة، عامة ما يقع فيه من الاختلاف إنما هو بسبب الإعراض عن الطريق المشروع. (…) والصحابة (…) لم يتنازعوا في العقائد ولا في الطريق إلى الله التي يعبر بها الرجل من أولياء الله الأبرار المقربين”.

حصل من كلام شيخ الإسلام أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يعرفون السلوك إلى الله في الطريق التي يصير بها الرجل وليا من أولياء الله الأبرار المقربين، وأنهم ما تنازعوا في ذلك، وأنهم تلقوها من رسول الله صلى الله عليه وسلم بلاغا قرآنيا وبيانا سنيا. ولم يتعرض شيخ الإسلام رحمه الله إلى عقدة الأمر كله في السلوك، ألا وهو الرابطة القلبية، رابطة المحبة والتفاني في الولاء لشخص الرسول الكريم على الله. لنا إن شاء الله رجوع لموضوع المحبة، وما سموا صحابة إلا لصحبتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما فضلوا الأمة إلا بها، ولا نالوا الدرجات العلى. وليست الصحبة تطبيقا مجردا للنصوص وامتثالا جافا عسكريا للأوامر، إنما هي محبة تثبت وترسخ وتنمو وتتجذر في القلوب بالملازمة والمخالطة والمعايشة والتلمذة حتى يملك حب المصحوب على الصاحب كيانه كله.

وحصل من كلام شيخ الإسلام أن تقليد المشايخ في الإرادة والسلوك ذلك التقليدَ الغاليَ يحجب عن السالك بيان الكتاب والسنة، ويحول بينه وبين النبوة. هنا تكمن قوة ابن تيمية رحمه الله. تكمن في دفاعه عن النبوة وإبراز خصائص عصره المتأخر الذي ساد فيه التقليد كل فروع العلم، حيث تجمد الفقهاء، وتخبط المتكلمون، وابتدع المتصوفة. فكر ابن تيمية في عصره لم يلق ولا معشارَ ما يلقاه في عصرنا من إقبَال. في عصره الغارق في التقليد كان صوتاً غريبا، أما في عصرنا، ومنذ قرنين وَ نيف، فمذهبه في التعلق المباشر بالنصوص، لا يقبل أن يحجب الناس عنها حاجب، يجد صدًى متزايدا.

شهد معاصرو ابن تيمية أنه لم يكن له شيخ في السلوك، ونسبوا صلابته وخشونته في الخصام إلى أنه لم يتأدب بشيخ عارف. وفي النص الذي أمامنا ما يؤيد هذه الشهادة، فالسلوك عنده تلق للبلاغ والبيان، ولا شيء غير هذا. ومن صحبوا المشايخ العارفين بالله أئمة التربية يعلمون بالممارسة أن الشيخ المربي حقا هو قبل كل شيء “من ينهض بك حاله”، أي الذي ترفعك محبته وصحبته رفعا قلبيا، تَسْتَفُّ روحانيته روحانيتك ولو لم يتكلم، وتحتضنها، وترقيها، وتهذبها، وتبث فيها حب الله وحب رسوله، ذلك الحب الذي يسود القلوب المنورة، قلوب العلماء بالله الغارقين في حضرة الله.

صحبة الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم رفعتهم، حاله استَفَّهُم ونورهم قبل مقاله.

فإذا نزلت القضية إلى رُسوم وطقوس وتَعاليم قولية أصبح التصوف تَقليدا باردا، والتقليد حاجزا سميكا، والحجز بدعة وضلالة. وكل ذلك انتقده ابن تيمية انتقادا شديدا.

امتاز الصحابة رضي الله عنهم بتعلقهم الشديد بشخص الرسول صلى الله عليه وسلم. لم يكن عندهم ولا عند كل تقي أوّاهٍ من هذه الأمة مجرد مبلغ أدى رسالته ومضى، بل كان رسول الله. كان الشخص الذي اصطفاه الله. القرآن رسالته والبيان بيانه. تسمو بهم المحبة العميقة للشخص المكرم عند الله، ويسمو بهم القرآن، ويرفعهم البيان إلى ذُرى الإحسان. السلوك القلبي منجذب بمغناطيسية الروح الشريفة، والعقل يتغذى بالآيات البينات، والجوارح تنضبط بأوامر الشارع الحاضر بين ظهراني البشر. عزفوا عن الدنيا ومغرياتها الدنيئة لما اتصلت هممهم الطالبة الراغبة بتلك الهمة السماوية، وأحبوا ذلك الجناب العالي فارتقوا عن السفاسف، وحنّوا إلى الله، واشتاقوا للقاه، واتّقدت في قلوبهم محبة الله. حرصهم على مرضاة من أرسل الرسول هو الذي حل عَقد نفوسهم حتى ترَوضوا علـى الطاعة، وزكت منهم الأخلاق، واسترخصوا نفوسهم وأموالهم في جنب الله. حبهم للرسول الكريم الذي أسمع فطرتهم وأيقظ إرادتهم هو المحرك لا مجرد الاتباع لزعيم آمِرٍ ناه. في أحضان النبوة تربوا، ومنها رشفوا واسْتَقَوا حتى تفجرت في قلوبهم ينابيع الإيمان وكانوا أبر الناس قلوبا وأعمقهم علما. بالحب تربى الصحابة لا بالخضوع لسلطة حاكمة.

رَفَعوا خُبَيْباً رضي الله عنه على الخَشبة في مكة ليقتلوه، فسألوه: أتحب أن محمدا مكانك؟ قال: “لا والله العظيم ما أحب أن يفديني بشوكة يشاكها في قدمه”.

وتَرَّس عليه صلى الله عليه وسلم أبو طلحة يوم أحد بظهره، يعرض ظهره للنبال كي لا تنال الشخص الكريم. وامتص مالك الخدري رضي الله عنه جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد لينقيه. ورفض أن يَمُجَّهُ، بل ابتلعه محبة وتفَانيا. كانوا يتقاتلون على بصاقه من منهم يتبرك به. كانت مهابته في قلوبهم قاضية، مهابة الحب والإجلال لا مهابة الخوف، يجلسون إليه كأنما على رؤوسهم الطير.

قال عروة بن مسعود لقومه ثقيف لما رجع من الحديبية ورأى الصحابة حول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أي قوم! والله لقد وفدت على الملوك، على كسرى وقيصر والنجاشي. والله ما رأيت ملكا يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا. والله إنْ تنخم نُخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فَدلك بها وجهه وجلده. وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدّون إليه النظر تعظيما له”.

جاء الأمر القرآني بتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوقيره، وتعزيره، والأدب البالغ في حضرته. وأُمر الصحابة أن لا يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبي، وأن لا يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض، وأن لا ينادوه نداء بعضهم لبعض. وأعلمهم القرآن أن الذين يبايعون رسول الله إنما يبايعون الله، وأن يد الله فوق أيدي المبايعين. فاجتمعت للصحابة عوامل التبجيل والإجلال والمحبة أمراً مُوحى به من السماء، وانبعاثا متوثبا من القلوب. لولا هذا الانبعاث لما تُلُقّيَ الأمر السماوي ولا البيان النبوي بالتقديس.

التقليد البارد للمشايخ أصحاب المقال قد يكون له مبرر إن كان المقلد جاهلا عاجزا عن فهم النصوص، وكان الشيخ عالما قادرا على الاجتهاد في مرتبة ما من مراتب الاجتهاد،وكان موضوع التقليد فروع الشريعة. أما تقليد القوالين في السلوك، أولئك الذين تنحصر بضاعتهم في عبارات محفوظة وتقاليد ورسوم فمَتْلَفَة ومَهْلَكة.

وهنالك الاقتداء بالأكابر، والسماع من الأكابر، والأخذ عن الأكابر. الأكابر قنوات موصلة يجذبك مغناطيسهم إلى حب الله ورسوله ولا يحجبك. وإن كنا نلح كثيرا في هذا الكتاب وغيره على الجلوس في تربيتنا وسلوكنا وجهادنا وفقهنا إزاء القرآن، عند أقدام المنبر النبوي، فإننا نقصد تربية واجتهادا وجهادا مقدمته اللازمة أن نَخرِق كل سقف يحول بيننا وبين النبوة. ويكون الخرق للسقوف تطفلا وافتياتا وبهتانا إن لم نستمد من القنوات القلبية والعلمية الموصلة، ونَنفُذْ منها، ونصعَد على طريقها إلى ذلك الجوار القدسي. وليس إلى ذلك سبيل إلا بالاقتداء السليم.

وبالاقتداء أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الأجيال من أمته. روى الترمذي وابن عدي عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر. واهتدوا بهدي عمار وتمسكوا بعهد ابن أم عبد”. وابن أم عبد هو ابن مسعود الذي قرأنا نصيحته في فقرة سابقة يوصينا بالأخذ عن الأكابر لا عن الأصاغر. وكل قوّال لا ينهض بك حاله ولا يدلك على الله مقاله صغير.

قال أحد أكابر الأمة الشيخ الجليل أحمد الرفاعي في تفسير حديث الاقتداء: “أمر عليه الصلاة والسلام بتصحيح القدوة بالشيخين العظيمين، سيدنا أبي بكر الصديق، وسيدنا عمر الفاروق رضي الله عنهما، وبالتحقق بالاهتداء بهدي عمار رضي الله عنه، فإنه مات على حب الصهر العظيم، الصنو الكريم، سيدنا على رضي الله عنه. وأكد لزوم التمسك بالعهد، كما كان محافظا عليه ابن أم عبد رضي الله عنه. وفي هذه حكمة الجمع بَيْن حب الصحب والآل، سر يدركه العارفون الموفقون. وقد جعل صحة المتابعة له باتباع الشيخين رضي الله عنهما. وجمع بين النكتتين بلزوم التمسك بالعهد. ومتى اقتدى العبد اهتدى، ومتى اهتدى تمسك بعهد الله، وهناك وقد عرف. وهل المعرفة بالله إلا هذا؟ فإن من اهتدى بهدي محمد صلى الله عليه وسلم، واقتدى به، وتمسك بعهده، أقبل على الله، وأعرض عن غيره”.

وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الرؤوف الرحيم بنا الأمين على رسالة الله أن يدلنا على الاقتداء والاهتداء والعهد لو كان في التمسك بذلك ما يحجبنا عن الله ورسوله. ونرى إن شاء الله في الفصل المقبل كيف تسلسل الاقتداء والاهتداء والعهد من الصحابة جيلا بعد جيل.

نقرأ في كلمة الشيخ الرفاعي رحمه الله نكتة بالغة الأهمية، وهي اقتران الوصية بالصحابة مع الوصية بالآل. وهي نكتة ينتبه إليها الموفقون كما قال. إن الصدام التاريخيّ فرّق بين شقي الأمة: سنة وجماعة في جهة، وهم جسم الأمة وكلها، وشيعة وهم عضو منها، يحاول بعض أهل الغِرّة تكفيرهم ونبذهم وكأنهم دخيل على الأمة.

عند الشيعة ميراث بخسٌ لئيم من الاستهانة بالصحابة رضي الله عنهم. وهذا بؤس وحرمان والعياذ بالله. والقائل بذلك يكذب الله الذي شهد للصحابة في قرآنه الكريم بالأفضلية والسابقية، ويكذب رسوله صلى الله عليه وسلم الذي بلغ وربى وأوصى بالاقتداء والاهتداء والعهد.

غالى الشيعة، بعضهم وفيهم العقلاء، في حب آل البيت وتعظيمهم حتى تجاوزوا القدر الذي يكون به الاهتداء. ويسكت طوائف من أهل السنة سكوتا مريبا عن مكانة آل البيت وعن الوصية النبوية بهم. وبذلك تعظم الفجوة بين شقي الأمة، وتبتعد الشقة، وتنشأ القطيعة. وإلى هذه النكتة نبه الشيخ الجليل رفع الله مقامه.

روى الإمامان أحمد ومسلم عن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أما بعد ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب. وأنا تارك فيكم ثَقَلين. أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، من استمسك وأخذ به كان على الهدى، ومن أخطأه ضل. فخذوا بكتاب الله تعالى، واستمسكوا به. وأهل بيتِي! أذكركم الله في أهل بيتي! أذكركم الله في أهل بيتي”.

إذا كانت نِسْبة أحد من هذه الأمة إلى أحد تشرف، فهي نسبة المسلمين جميعا إلى الله ورسوله. زاد أهل البيت بالنسب الطيني لنزولهم من سلالته الطاهرة صلى الله عليه وسلم التي تأذن الله عز وجل في كتابه العزيز أنه يريد أن يذهب عنهم الرجسَ ويطهرهم تطهيرا. وأمرُ الله لا يرد، وإرادته المعلنة لا تتعطل. وأهل البيت أمان للأمة، تشرف الأمة إن عظمتهم وذكرت الله فيهم كما ذُكِّرَتْ.

اِدّعاءُ العصمة لأحد دون النبوة تجاوز لكل الحدود، وفتح لترعة لا تسد، يدخل منها على الدين كل باطل.

وما دون العصمة مكانة يحتلها رجال جامعون بين النسب الطيني إلى ذلك الجناب المطهر وبين النسب الديني. أولئك هم كمل العارفين، غالبا ما تجد أئمة التربية من آل البيت.

مجموع الآل والصحب هم أولياء الله حقا. قال واحد من أكابر الأمة، من أفذاذ علمائها في هذه القرون المتأخرة، الإمام الشوكاني: “اعلم أن الصحابة، لاسيما أكابرهم الجامعين بين الجهاد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والعلم بما جاء به، وأسعدهم الله سبحانه من مشاهدة النبوة وصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في السراء والضراء، وبذلهم أنفسهم وأموالهم في الجهاد في سبيل الله سبحانه، حتى صاروا خير القرون بالأحاديث الصحيحة. فهم خيرة الخيرة(…) فتقَرّر من هذا أن الصحابة رضي الله عنهم خير العالم بأسره، من أوله إلى آخره، لا يفضلهم أحد إلا الأنبياء والملائكة(…). فإذا لم يكونوا رَأْسَ الأولياء، وصفوة الأتقياء، فليس لله أولياء، ولا أتقياء، ولا بررة، ولا أصفياء”.

وذهب الشوكاني رضي الله عنه يقمع الروافض المستخفين بالصحابة الهدامين للدين، يصف حماقتهم، وطعنهم القميء الخبيث لمقام القدوة والاهتداء والعهد والأسوة، ويصف شيطنتهم. لكنه لا يكفر. منعه من تكفير هؤلاء المرتكبين لأشنع الجرائم في حق صفوة الله من خلقِه بعد الأنبياء، الوالغين في أعراض خير البرايا بعد الأنبياء، ما قرأناه من تَصونه وحذره في الفصل الأول من هذا الكتاب. وهو غفر الله له كان في صباه وشبابه من “المكفراتية” كما شهد على نفسه وتاب.

نضع أصبعنا في نص الشوكاني على ميزة الصحابة عن سائر الأجيال، ميزة الجهاد بالمال والنفس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإسلام في بدايته، والإسلام يواجه الجاهلية. أما من جاء بعد الصحابة ووجد الأمر ممهدا، والإسلام ضاربا أطنابه في الأرض، فقد فاتته فرصة الجهاد، كما فاتته صحبة الرسول، إلا أن يُجدد في غربة الدين الثانية جهادا واجتهادا.

أما في زماننا هذا وما بعده فالاقتداء بالمشايخ العارفين بالله ينبغي أن يتجاوز بنا همومنا الفردية لنحمل هموم الأمة، وهموم الإنسانية، حاملين الرسالة، مجاهدين في وجه الفتنة الداخلية والجاهلية المحيطة، كما جاهد الأولون. هم الأصحاب ونحن الإخوان. جسومنا هنا الآن، وقلوبنا وعقولنا يجب أن ترتفع إلى هناك، بإزاء القرآن، وعند قدم المنبر الشريف، وتأسياً مباشرا بأهل الاقتداء والاهتداء والعهد.

قال الصحابي الجليل عبد الله بن رواحة رضي الله عنه:

أتـانـا رسول الله يتلـو كتـابـه *** كما لاح مشهودٌ من الفجر طالـع

أتى بالهـدى بعد العمى فقـلوبنـا *** به موقنـات أن ما قــال واقـع

يبيت يجـافي جنبه عـن فـراشـه *** إذا استثقلت بالمشركين المضـاجع

وقلت رحمني الله كما رحمهم:

سمعنـا نداء الحـق والحـق ذائـع *** فأيقظنا قول: استقيمـوا وسارعوا

أتانا رسول الله بالأمـر صـادعـاً *** أن اقتحموا حِصن العدو وصارعوا

فمـا بلـغ الغايـاتِ إلا مجاهـد *** إلى قمة الإحسان بالعزم طالـــعُ