عن موقع المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية

ما هي أهم نقاط الافتراق والاشتراك بين التوجهات الإسلامية في المشرق العربي والمغرب العربي، وكيف تطور التيار الإسلامي في المغرب بعد الاستقلال؟

نشأ التيار الإسلامي في مطالع السبعينات مع قيام “الشبيبة الإسلامية”، التي أسَّسها عبد الكريم مطيع: أحد الأطر السابقة في حزب “الاتحاد الوطني للقوات الشعبية” (الاتحاد الاشتراكي حاليا)، والمتهم بالتخطيط لاغتيال القائد الاشتراكي الراحل عمر بن جلون (في العام 1972). وكانت قاعدته الأساسية من تلاميذ الثانويات وطلاب الجامعات، وأدبياتها الرئيسة كتابات قادة حركة “الإخوان المسلمين” في مصر، وبعض ما كتبه زعيمها عبد الكريم مطيع.. على قلّته.

تعرضت “الشبيبة الإسلامية”، في النصف الثاني من السبعينات، للتفكك في أعقاب تورط بعض أطرها في اغتيال الشهيد عمر بن جلون، واضطرار زعيمها – تحت الملاحقة – إلى الهرب إلى الخارج والإقامة في بلدان عربية وأجنبية مختلفة (السعودية، ليبيا، فرنسا..). وقد بدأ التفكك فيها يأخذ شكل صراع داخلي حول تقييم تجربة العنف التي خاضتها في الجامعات وعرَّضتها لنزيف سياسي حادّ ولانكشاف أمني لتنظيماتها السرية. وكانت نتيجة ذلك الصراع انسحاب مجموعة كبيرة من أطرها، في نهاية السبعينات، ثم التئامهم في مشروع سياسي قادهم إلى تأسيس “حركة الإصلاح والتجديد” في الثمانينات، وإلى دخول معترك الحياة السياسية كقوة إسلامية واقعية معتدلة.

خلال الثمانينات، وفي سياق نشوء “حركة الإصلاح والتجديد”، كان قسم آخر من “الشبيبة الإسلامية”، ممن لم يلتحق بـ”الإصلاح والتجديد”، يلتئم في إطار مشروع فكري / سياسي أكثر انفتاحاً على التراث التقدمي (القومي واليساري)، وأكثر استعداداً من الأول، وإن كان أضعف منه عددا، لممارسة نقد ذاتي لتجربته الماضية. وقد أسَّست هذه المجموعة، في بداية التسعينات، إطاراً فكرياً / سياسياً أطلقت عليه اسم “البديل الحضاري”. غير أن خلافات فيها قادت، في منتصف هذا العقد، إلى انشقاق جديد أسفر عن خروج مجموعة منها وتأسيسها لـِ”الحركة من أجل الأمة”.

وليس من شك في أن “حركة الإصلاح والتجديد” هي أقوى الحركات التي تناسلت من الرافد الإسلامي الأول، نعني: “الشبيبة الإسلامية”. فقد التحق بها معظم أطر تلك الشبيبة، ونجحت في أن تتوسع نسبيا في أوساط الطلاب والأساتذة والمحامين، أي في صفوف الطبقة الوسطى. غير أن توسعها الحقيقي بدأ حين اتحدت مع مجموعة إسلامية أخرى مستقلة ذات طابع فكري حملت، منذ مطلع السبعينات، اسم “رابطة المستقبل الإسلامي” وتزعمها أستاذ جامعي هو الدكتور أحمد الريسوني. نجم عن الوحدة تشكيل إطار جديد حمل اسم “حركة التوحيد والإصلاح”، وتكوَّنت أجهزته بمقتضى توازن في التمثيل، وإن أسندت زعامته إلى الريسوني لكفاءته العلمية.

غير أنه، وبسبب عدم تمتيع “حركة التوحيد والإصلاح” بحق العمل السياسي القانوني، اضطرت إلى سلوك خيار الإسلاميين في مصر (المتحالفين مع “حزب الوفد” ثم مع “حزب العمل”). والتحالف مع حزب شرعي هو “الحركة الدستورية” التي تزعَّمها الدكتور عبد الكريم الخطيب أحد قادة المقاومة ضد الاستعمار (والرئيس السابق لـ “المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير”). وقد نشأ عن هذا الاندماج قيام حزب جديد حمل اسم “حزب العدالة والتنمية”، وشارك في الانتخابات التشريعية الأخيرة (نوفمبر 1997).

إلى جانب هذا الرافد الإسلامي الأول: الذي بدأ بـ “الشبيبة الإسلامية” وانتهى بـ “العدالة والتنمية”، كان هناك رافد إسلاميُّ ثان أقوى وأصلب: أقوى جماهيريا وأصلب سياسيا، هو الذي تمثله اليوم جماعة “العدل والإحسان” التي أسّسها وقادها الشيخ عبد السلام ياسين، وبخلاف التيار الإسلامي الأول، لم تخرج حركة “العدل والإحسان” من صلب حركة سياسية إسلامية سابقة، بل تأسست من قبل جماعة من الأطر تحلّقت، منذ السبعينات، حول الشيخ ياسين وتعرّض أفرادها للاعتقال والمحاكمة في مناسبات مختلفة نتيجة راديكالية موقفهم السياسي.

جاء عبد السلام ياسين إلى ميدان السياسة الإسلامية من الصوفية، حيث كان مريداً في زاوية صوفية في الستينات، هي “البودشيشية” وبعد وفاة شيخها وخلافه مع خليفته (ابنه)، انسحب منها وتفرَّغ للتأليف، ثم اتجه سياسيا، فحرّر رسالة سماها “الإسلام أو الطوفان”، اعتبرها في باب “النصيحة”. ولعنف الرسالة وألفاظها اعتقل، ثم أُفرج عنه في العام 1977. وبعده، انطلقت رحلته السياسية التي قادته إلى تأسيس “العدل والإحسان” في منتصف الثمانينات، والتي تحوّلت اليوم إلى أضخم قوة سياسية جماهيرية في المغرب، تسيطر على المنظمة الطلابية (الاتحاد الوطني لطلبة المغرب)، ويُعدُّ جمهورها السياسي المنظم بعشرات الآلاف!

“العدل والإحسان” تقع خارج الحياة السياسية الرسمية، وتغلب على خطابها لغة سياسية عقائدية راديكالية لا مكان للمساومة فيها. لكنها حركة لا تؤمن نظريا بالعنف السياسي وسيلة للوصول إلى السلطة، وإن كانت قد مارسته ضد اليسار في الجامعة! في كل حال، تمثل هذه القوة الجغرافيا الأعظم في خارطة الساحة المغربية.

ما هي البُنى التي تسود الساحة الإسلامية الفكرية في المغرب وما هي التحديات التي تواجهها؟

ربما جاز الحديث عن أوجه تشابه كبير في المعطيات الأدبية، والسياسية، والتنظيمية، بين التيار الإسلامي في المغرب (الأقصى) وبين أمثاله في المشرق العربي. ومردّ ذلك التشابه إلى وحدة البنية الفكرية التي تحكم الوعي السياسي الإسلامي المعاصر، وعلاقات التناص بين أدبياتها، ودروس الخبرة التنظيمية المشتركة والمستفادة من تجارب حركات سياسية عربية أخرى: سابقة أو مجايِلة، ناهيك عن تشابه الأوضاع السياسية العربية العامة التي أنجبتها هنا وهناك.

يقطع هذا التشابه بوجود وحدة عضوية تؤسّس خطاب التيار الإسلامي في المشرق والمغرب، لكنه ليس مبّررا لأي اعتقاد بوجود صلات سياسية / تنظيمية بينها على مثال تلك التي قامت بين حركات سياسية عربية أخرى: قومية (حزب البعث، حركة القوميين العرب)، بل حتى على مثال تلك التي نشأت في رحم تجربة حركة “الإخوان المسلمين” بعد أن اتجهت إلى الصيرورة تنظيما سياسيا عالميا ذا فروع في مناطق مختلفة، إذ ظلت الحركة الإسلامية في المغرب تحتفظ باستقلاليتها السياسية والتنظيمية على الرغم من تأثرها الفكري بأدبيات مثيلتها في المشرق، وخاصة حركة “الإخوان المسلمين” في مصر.

لم تترجم هذه الاستقلالية السياسية – التنظيمية نفسها في استقلالية فكرية بسبب حاجتها الماسة إلى إيديولوجيا سياسية إسلامية لم تكن قادرة على إنتاجها، وخاصة في مراحل التأسيس والنشأة في عقد السبعينات. لذلك لا نكاد نعثر في هذه الحقبة الأولى على نصوص مغربية (سياسية إسلامية) -ما خلا تلك الشذرات القليلة التي حرّرها عبد الكريم مطيع- يمكن احتسابها في عداد النصوص المطلوبة لتأدية مهام التكوين والتعبئة الإيديولوجيين. حتى الكتب التي حرّرها الشيخ عبد السلام ياسين في السبعينات (“الإسلام غداً”، “الإسلام بين الدعوة والدولة”) لم تعتمد كمراجع إيديولوجية لسببين: أولهما أن ياسين لم يكن حينها زعيماً سياسياً لحركة إسلامية، بل كتب ما كتبه كداعية خرج من تجربة صوفية إلى مجال الدعوة العامة لا الدعوة الحركية. وثانيهما أنه لم يكن ينظر إليه بارتياح من قبل “الشبيبة الإسلامية” باعتبار خلفيته الصوفية!

لذلك، ستبقى أدبيات “الإخوان المسلمين” وكتابات البنا وقطب وآخرين، هي المادة المرجعية التي ستنهل منها الحركة الإسلامية، خاصة “الشبيبة الإسلامية” والقوى التي تناسلت منها بعد انفراطها. ولن تبدأ النخب الإسلامية السياسية المغربية تجربة الكتابة والتأليف، وفي سياقها تجربة تزويد وعي جمهورها بحاجاته الإيديولوجية، إلا في منتصف الثمانينات حين تصدّت لذلك أقلام شابة (محمد يتيم، سعد الدين العثماني، المقرئ أبو زيد الإدريسي، أحمد الريسوني.. الخ)، وحين بادرت إلى إصدار دوريات إسلامية: صحف (الإصلاح، الراية، الصحوة، التجديد، العصر..) ومجلات (الفرقان..) وحينها، سيكون الإنتاج الإيديولوجي الإسلامي قد وسَّع دائرة مراجعه لتشمل كتابات حسن الترابي، وراشد الغنوشي، وباحثين إسلاميين مستقلين. وعموماً يمكن القول إن هذا القسم من التيار الإسلامي، المشارك في الحياة السياسية والنيابية اليوم، والمتَّسم بقدر ملحوظ من الاعتدال والواقعية، أمَّن لنفسه رصيداً طيباً من الإنتاج الإيديولوجي الذي تحتاج إليه آلته السياسية للاشتغال.

غير أن الموقف يختلف حين ننتقل إلى تيار مغربي إسلامي آخر هو: حركة “العدل والإحسان”. فهذه وإن كانت تعتبر حسن البنا من مصادرها المرجعية، إلا أنها تجد في كتابات مرشدها الشيخ عبد السلام ياسين مادتها الفكرية والإيديولوجية الأساس. والحقيقة أن ياسين وضع في حوزتها مادة ثرية، هي عبارة عن مجموعة من الكتب من أهمها: “الإسلام بين الدعوة والدولة” (1971)، “الإسلام غدا” (1972)، “الإسلام أو الطوفان” (1974)، “المنهاج النبوي”

(1980)، “الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية” (1987)، “الإسلام والقومية العلمانية” (1989)، “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين” (1994)، “في الاقتصاد” (1995)، “الشورى والديمقراطية” (1996)، “حوار الماضي والحاضر” (1997)، “حوار مع صديق أمازيغي” (1997)، “أسلَمة الحداثة” (بالفرنسية – 1998)، وكتب أخرى كثيرة، وهذه الغزارة في الإنتاج (واحد وعشرون كتابا في أقل من ثلاثة عقود) واكبها اهتمام منه بمختلف القضايا والتحديات الفكرية والسياسية: المزمنة والطارئة، الأمر الذي جعل من نصوصه كتابة حيّة متواصلة مع أسئلة جمهوره السياسي العريض لا مجرّد تعاليم سياسية محنَّطة.

وإذ يلحظ القارئ في نصوص عبد السلام ياسين عمقاً وجاذبية نادرتين، تكشفان عن موسوعية معرفية حقيقية: أصولية وحديثة، يستطيع أن يفهم تلك الكاريزما التي حاطت بشخصيته لدى مريديه، والتي لا يمكن ردُّها فقط إلى التضحيات التي قدَّمها (السجن مرتين، الإقامة الجبرية منذ عشر سنوات)، لأن كثيرين قدموا أضعاف تلك التضحيات دون أن تكون لهم قامة ياسين في وعي جمهورهم، ولا أن يكسبوا الاعتراف من خصومهم نظير الذي كسبه ياسين من خصومه: في السلطة وفي المجتمع.

تطغى في كتابات عبد السلام ياسين مسحة راديكالية حَدِّية عزَّت لها الأشباه لدى أكثر المفكرين والسياسيين غلوّاً في الوطن العربي، ومن مختلف المشارب والاتجاهات! وهي راديكالية ذات قاعدة عَقدية، وليست محض خيار سياسي. فنصوصه تميل إلى تحكيم الثوابت والمبادئ، وعدم المساومة عليها تحت أي ظرف، باعتبارها أصولا شرعية غير قابلة للتقليب والتكييف. ولا يعني ذلك، بحال، أنه لا يطأ أرض السياسة وفلسفة الواقع والممكن، بل هو منغمس فيها أشدّ الانغماس، ويتقن جيّداً إدارة شؤونها: من بناء نموذج نادر للتنظيم (“المنهاج النبوي”) إلى فتح الحوار مع الحداثيين (حوار مع الفضلاء الديمقراطيين”)، غير أنه يخوض في بحر السياسة مسترشداً ببوصلة عقدية لا يحيد عن إشارات توجيهها.

في كل حال، مكَّن ياسين الحركة الإسلامية من مورد فكري وإيديولوجي لم يوفّر أحد من السياسيين المغاربة مثيلا له. بل نحن لا نتزيّد حين نقول بأن ما أنتجه من نصوص يمثل مادة مرجعية لكافة الحركات الإسلامية العربية لو أمكنها الاطلاع عليها.

ماهي أهم السمات التي تطبع التوجه الفكري للساحة الثقافية المغربية؟

كان للجوار الجغرافي بين المغرب (الأقصى) وأوروبا -خاصة فرنسا- وعلاقات التواصل الثقافي التي حيكت أنسجتها منذ الحقبة الكولونيالية، الأثر الكبير في وسم الإنتاج الفكري المغربي بسمة الانفتاح والنوعية، الأمر الذي خصَّه باعتبار مميَّز من قبل كل أولئك الذين احتفوا به في الوطن العربي في العقود الثلاثة الأخيرة. والحقيقة أن هذا الإنتاج، الذي ظل -باستمرار- وفيّاً لمراجعه الفكرية المشرقية، استفاد كثيراً من أحكام الجغرافيا (التّماس مع أوروبا) ومن أحكام التاريخ (الميراث الثقافي واللغوي الفرنسي)، ليقدم مساهمة في الثقافة العربية المعاصرة، ربما كانت متواضعة في الكمّ، غير أنها -بغير شك- غنية في النوع، ومن علامات الغنى فيها مستوى المقاربات المنهجية العالي في نصوصها والمتأتّي لها من الاحتكاك، بمنظومات ومناهج الفكر الغربي الحديث.

والقارئ اليوم في رصيد ذلك الإنتاج، يلحظ درجة التنوع في خارطته: تنوَّعاً شمل المراجع، والاختيارات المنهجية، واللغة النظرية… الخ، إلى حدّ لم يعد يُستكثر فيه على دارسه أن يقول إن هذا الإنتاج توزَّع إلى تيارات فكرية باتت تشكل “مدارس” معرفية أو ما يمكن أن يشبه أو يقارب ذلك المعنى. ولو اكتفينا بالإنتاج النظري في ميدان العلوم الإنسانية، وهو الأكثر عنفواناً وازدهاراً في المغرب، لأمكننا أن نلاحظ الظواهر التالية:

الظاهرة الأولى: هي تكوُّن مدرسة حديثة ومتقدمة في ميدان الدراسات التراثية. وإذا كان محمد عابد الجابري من مؤسسيها، ومن عناوينها الرئيسة، فإن علي أومليل وطه عبد الرحمان و-إلى حدّ ما- عبد اللّه العروي (خاصة في كتابه الأخير “مفهوم العقل”) يُحتسبُون -وعلى اختلاف مناهج النظر عندهم- في عدادها أقطابها الكبرى. وقد اتسعت هذه المدرسة لمساهمات أسماء ذات حضور وازن في مضمار أسئلتها من قبيل: سالم يفوت، وسعيد بنسعيد العلوي، وعبد المجيد الصغيَّر وآخرين. ولقد تمثلت مساهمة هذه المدرسة في تزويد ميدان الدراسات التراثية في الفكر العربي بأسئلة معرفية، وبمناهج مقاربة، جديدة على مشهدها التقليدي، وبالتالي فهي ساعدت على إضاءة مناطق معتمة في هذا الميدان، وفتحت الباب أمام إمكانية تطوير معرفتنا بالمنظومة الفكرية العربية – الإسلامية الوسيطة في مختلف قطاعاتها المعرفية التقليدية (الفلسفة، الفقه، علم الكلام، التصوّف، علم التاريخ.. الخ)، بعد أن كانت حكراً على الدراسات الاستشراقية أو على الاتجاهات السلفية أو المادية التاريخية في الفكر العربي.

الظاهرة الثانية: هي نشوء مدرسة رصينة في ميدان الدراسات التاريخية، خاصة التي عنيت بالعصر الوسيط أو الحديث (القرن التاسع عشر على وجه التحديد). وإذا كات المدرسة التراثية قد انصرفت إلى البحث في تراث ثقافي عام: عربي-إسلامي، فإن هذه المدرسة التاريخية ركزت على التراث الوطني الخاص (تاريخ المغرب) لأسباب تتعلق بوجود كيان سياسي مغربي مستقل (لا وجود له ثقافيا خارج محيطه العربي-الإسلامي) وإذا كان العلامة الراحل محمد المنوني من مؤسّسيها، ومن مؤسّسي منهج التحقيق فيها، فإن عبد اللّه العروي ظل يمثل سقفها العلمي الأعلى في أعماله الفكرية التاريخية، بما أدخله من مناهج نظر في التحقيق والتحليل والتنظير. وقد اتسع مداها الرحب لدخول أسماء سجَّلت حضوراً علمياً محترماً في هذا الميدان، مثل محمد القبلي، ومحمد زنيبر، وأحمد التوفيق وآخرين. وقد استثمرت رصيداً علمياً تاريخياً قديماً (كان الناصري، وابن زيدان من علاماته الحديثة) لتبني عليه مستفيدة من مناهج التحليل التاريخي الحديث في أوروبا. وهي اليوم -بلا جدال- مدماك من مداميك المعرفة التاريخية في الفكر العربي المعاصر.

الظاهرة الثالثة: هي نشوء تيار فكري فلسفي متزايد المدى والأثر. لم يتبلور مدرسة بعد، لكنه أنجز تراكماً محترماً من النصوص المشتغلة على قضايا فلسفية متنوعة: النقد الايپيستيمولوجي للعلوم والعلوم الإنسانية (كان الجابري قد بكر في الاهتجاس به)، نقد الحداثة، تأصيل الحداثة والفكر العقلاني.. الخ. وتكفي العودة إلى كتابات عبد السلام بنعبد العالي، ومحمد سبيلا، ومحمد نور الدين أخاية، وسالم يفوت، وكمال عبد اللطيف، ومحمد وقيدي…، للوقوف على طعم الكتابة الفلسفية في التأليف الفكري المغربي المعاصر. وهو طعم استطابه كثيرون من خارج المغرب، بات الإنتاج الفلسفي عندهم هو ما يحرّر حصراً في المغرب. عكس ذلك إقبال المجلات الفكرية العربية المتخصصة في الفلسفة والعلوم الإنسانية، على مساهماتهم وعدِّها في صدارة مايستحق النشر.

* * * *

إن القارئ في نصوص هذه التيارات والمدارس يلحظ ظاهرة أخرى رديف، هي التعدد أو التنوّع المنهاجي الذي يطبع التأليف الفكري في المغرب. ولو تركنا جانباً التفاصيل الكثيرة في هذا الباب، واكتفينا بملاحظة الاتجاهات العامة الغالبة، لأمكننا أن نسجل حقيقة سيطرة – وتنازع – ثلاثة مناهج نظر في حقل البحث العلمي والإنتاج الفكري هي: المنهج التاريخي (أو التاريخاني) مع عبد الله العروي خاصة، والمنهج البنيوي – الايپيستيمولوجي مع محمد عابد الجابري (وآخرين)، والمنهج النقدي التفكيكي مع الخطيبي وعبد الفتاح كيليطو وبنعبد العالي وآخرين. وقد تتداخل هذه المناهج في ما بينها: فتتماهى أو تتقاطع أحياناً لدى الباحث الواحد، غير أنها تبقى العلامات المنهجية الرئيسة المميّزة للإنتاج النظري في المغرب.

————————

*- باحث وكاتب مغربي. وهذا الحوار أجراه الأستاذ مصطفى مطبعه چي، في زيارته للمملكة المغربية. رسالة التقريب العدد 27