لقد آن الأوان للم الشمل والبحث عن روح الوحدة الكامنة في النفوس والتي يفرضها الواقع وتحددها الأهداف المشتركة بين الجميع.

لحد الآن لم يحاور كل منا الآخر، إلا ما بدأ يظهر في الأيام الأخيرة من تحرك في هذا الاتجاه، ونلح على استمراره وتطويره.

مهم جدا أن نتحاور، فتتقارب الأفكار في إطار من الاعتراف المتبادل، والاستماع الحقيقي، وفهم الآخر والإقرار بحقه في الاختلاف، واحترام الدين والعقل والعلم والمعرفة.

لابد أن نتجاوز الخصام الذي أصبح موقفا مبدئيا، أو مقدمة بديهية، أو مسلمة منطقية لا تخضع للنقاش. لكن لكي يكون هذا الحوار موفقا، ولكي نضمن له الاستمرارية والنجاح لابد أن نحدد له من البداية معالم وصوى يجب أن نسير وفقها ونحترمها، حتى لا يتعثر الحوار، لا قدر الله، أو يوؤَد في مهده. ويزداد مطلب الحوار إلحاحا أمام التحديات التي تواجه الأمة، والتي تقتضي تظافر كل الجهود المخلصة للنهوض والعمل الجاد للخروج بأمتنا من التردي التاريخي الذي تعيش فيه سعيا إلى تأسيس مشروع حضاري إسلامي يصل الحاضر بالماضي، ويعيد للأمة أيام عزها وسؤددها، ويجعلها مُهابة الجانب انطلاقا من المقومات الزاخرة والمتينة التي تتوفر عليها.

وإذا كان المنطلق محددا لطبيعة النتيجة فإن المدخل الضامن لتحقيق النتائج المرجوة من الحوار أن يشارك الجميع فيه وعلى قدم المساواة. ومن تم على جميع المؤسسات السياسية الوطنية الجادة أن تدافع عن حرية الجميع، وعلى أن لا يبقى أحد أهم مكونات المجتمع، وهم الإسلاميون، محروم من حرية التعبير والتحرك، مُتَعَسَّفٌ عليه في السجون والمعتقلات والحصار.

ثم لابد ثانيا من تحديد طرفي الحوار. فإذا كان الطرف الآخر يطلب من التيار الإسلامي أن يتقدم ببيان واضح وميثاق ملزم لرؤيته، لمسائل تتعلق بالحريات الشخصية، والحريات العامة، والمشاركة السياسية، وتداول السلطة وحقوق المرأة وحقوق الأقليات، لأن الناس في زماننا هذا، حسب قولهم دائما، ليس أمامهم شيء من الممارسة الإسلامية الواقعية على هذه الأصعدة، وهم يتوجسون من فرض نظم شمولية باسم الدين.

إذا كان هذا يثير مخاوف واقعية عند قطاعات واسعة من الصفوة المثقفة على وجه الخصوص، والتي ترى أن مخاوفها وتساؤلاتها مشروعةٌ، فتقيمُ ما يشبه المحاكمة، أو عملية استنطاق وجلسة اعتراض واستجواب حول أكثر من قضية. فلم لا يسمح لنا -نحن الإسلاميين- بطرح تخوفاتنا من الطرف الآخر، وطلبِ الوضوح والتوضيح، ليس أمامنا فقط، بل أمام الأمة التي نزعم جميعا خدمتها ومساعدتها على الخروج من الأزمة؟

ومن هذا المنطلق لابد لكل طرف أن يحدد هويته بكل وضوح وشفافية: هل أنت قومي أم أنك اشتراكي أو إسلامي أو من؟

لابد أن نعرف هل أنت قومي تؤمن بما يؤمن به القوميون، أو اشتراكي لازال يؤمن بالاشتراكية العلمية. هل أنت علماني تؤمن بفصل الدين عن الدولة أم أنت لا هذا ولا ذلك؟

ثم لابد أن يحدد الجميع موقفه من الدين بكل صراحة وشفافية، لا لأننا سنقصيه من طاولة الحوار إن كان لا دينيا ملحدا كما يتوهم من يسيء الظن بنا، لا أبدا، ليس ذلك. فقد علمنا ديننا أن نحاور الجميع، وقص علينا القرآن الكريم والسنة المطهرة ضروبا وأنواعا من الحوارات مع مختلف مكونات المجتمع في ذلك الوقت من يهود ونصارى ووثنيين ودهريين حتى نكون على بينة من أمرنا. ومعرفةُ طبيعةِ المحاور وهويته تسهل كثيرا من الأمور التي يعرقلها الغموض.

ثم يأتي تحديد الأرضية التي يجب أن ينطلق منها الحوار، وهي لا تقل أهمية عن تحديد المتحاورين. إن واقع المغرب يختلف عن بلاد المشرق إذ ليست لنا أقلياتٌ دينيةٌ حتى نحتكم لشيء آخر غير الإسلام. لذا وجب التركيز على القاسم المشترك الذي يجمعنا وهو، بشهادة الجميع، الإسلام. بل أصبح الكل يلح على إسلامه وعدم التنازل عن حقه فيه لدرجة أن الإسلاميين يُتّهمون بأنهم يحتكرون الإسلام.

نحن جميعا مسلمون. طيب، صدقنا وآمنا، فلنجعل الإسلام أرضية نحتكم إليها ما دمنا أجمعنا على اعتناقه، وما دام هو، أولا وقبل كل شيء، دينَ الأمة التي ننتمي إليها ونسعى لرقيها وتقدمها، فلا يجوز أن نعزل الأمة عن منبع قوتها ومصدرِ عزتها وقوامِ أصالتها وحقيقةِ هويتها.

إن انتماءنا للإسلام ليس شعارا نرفعه، بل هو التزام واحترام لمقدساته، بل تقديسُها. ونحن حينما نقول ذلك نستحضر أن هناك أصولا إسلامية جامعة، وفروعا وجزئيات وسبلا ووسائل متعلقة بالمتغيرات، والتي لا تضر معها تعدديةُ الرؤى والمناهج، وتعدديةُ الدعوات والتنظيمات، بل ربما تكون هذه التعدديةُ مصدر الثراء الفكري.

إننا لا نرفض الحوار لأنه ضروري وواجب ديني. لكن ينبغي التمييز بين الأصول والمبادئ والقواعد الإسلامية التي لا يجوز الاختلاف حولها، والتي، لخطرها وكليتها وثباتها، هي الضامنةُ لوحدة الأمة في العقيدة والشريعة والروح الحضارية، وبين ما هو مجال للتنافس والاجتهاد وإبداء الرأي.

إن اعترافنا بانتمائنا للإسلام يفرض علينا أن لا نبعض هذا الانتماء فنومن ببعض ونكفر ببعض، بل يجب أن نقبل الإسلام على أنه كلٌّ لا يتجزأ. الشورى والحكم بما أنزل الله فريضة جماعية لا تنفصل ولا تتبعض.

ليس الإسلاميون هم الذين فرضوا الإسلام على باقي الاتجاهات، بل هم الذين اختاروا بأنفسهم هذا الانتماء. ولهذا الاختيارِ تبعاتهُ والتزاماتهُ.

إن مشروعنا المجتمعي لا يمكن أن ينبنيَ وينطلقَ إلا على الإسلام ومن الإسلام، لأن الإسلامَ مغروس في أعماق الأمة. “إن الذين حموا حمى البلد الأمين وحمى دار الإسلام على مر العصور، وحفظوا الكيان، وأحيَوا روح الرجولة في الأجيال  كما يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في كتابه حوار مع الفضلاء الديمقراطيين- كانوا مجاهدين في سبيل الله، يومنون بالله واليوم الآخر”, ولأن الإسلام هو المؤهلُ لتأسيس هذا المشروعِ المجتمعيِ الذي ننشده، نرى حتى النصارى العربَ يعترفون له بذلك، بل نجدهم لا يرفضون الحكم الإسلامي: فاسمعوا أيها السادة الأفاضل إلى ما قاله الأب أنطوان وهو مسيحي  بل نقول نصراني حتى نسمي الأمور بمسمياتها- قال في المؤتمر القومي الإسلامي الذي انعقد مؤخرا في لبنان: “إن المسيحيين ليسوا في المطلق ضد الحكم الإسلامي، ولكن يرفضون أن يصبحوا أهل ذمة”.

لذلك فإننا نرى من خلال ما ذكر أن ننطلق من أن الإسلام دينُ الأمة. واعتبارِ الأمةِ مصدر السلطات السياسية. والإقرارِ بالحق في الممارسة السياسية وبمبدإ التداول على السلطة عن طريق الانتخاب. والاعتمادِ على حركة المجتمع الواسعة الرافضة لنظام الاستبداد وسياسة التغريب والعلمنة والتسلط.

إن سلمنا بهذا يمكن أن نبحث بعد ذلك عن القواسم المشتركة التي تجمعنا ويمكن أن نساهم فيها جميعا.

كما يمكن أن نحدد مجالاتِ التعاون ومجالاتِ الاختلافِ والتأكيدِ على إمكانيةِ التعايش مع الاختلاف.

وما يمكن أن يجمعنا بعد ذلك كثير؛ سواء على مستوى القطر، أو على مستوى الأمة العربية والإسلامية جمعاء.

هناك مجالاتٌ فسيحةٌ للعمل المشترك، منها التعاون الجاد في مجال الدفاع عن الحريات وحمايةِ حقوق الإنسان والتعدديةِ السياسيةِ واحترام الرأي الآخرِ واحترامِ حقِّ المعارضةِ والتداول السٍّلمي على السلطة لمنع التسلط ولمنع الحروب الداخلية.

إن كل فكر ينفي الآخرَ ويُقصيه ويريد حرمان غيره من مخالفيه في الرأي من حقهم في التغيير، ويريد الانفراد دون غيره بساحة العمل والنضال تجب محاربتُه ومعارضتُه من طرف الجميع. ويجب على الطرفين معا، وبصورة خاصة، أن ينصر بعضُهم بعضا في هذا المجالِ، وأن يدافع كلٌّ منهما عن حقوق الآخر. وألا نسمح للقُوى المعاديَّةِ أن تستفرد بأحدنا.

ولابد أن تترسخ القناعةُ لدينا أن إضعاف أيِّ طرف منا من قِبَلِ قُوى الاستبدادِ والقمع هو إضعافٌ للطرف الآخر.

وفيما يلي جملةً من الأسسِ التي يمكن أن تكون أرضية اتفاقٍ تُساهم في تحقيق الهدف الأساسي من هذا الحوارِ الفكريِ وهو تأسيسُ المشروع الحضاريِ العربي الإسلامي:

1. أن تكون المرجعية هي الإسلام، لأن الإسلام هو مصدرُ عزةِ الأمة وإشعاعِها الحضاريِ وطريقُ انتصارِها وهو ضامنُ وحدتها.

2. العملً على توحيد الأمة العربية الإسلامية والوقوفُ ضِدَّ التجزئة والتقسيم لأنهما السلاحُ الذي يستعمله الاستعمارُ لإضعافنا والسيطرةِ علينا وعلى خيراتنا. وفي هذا الصدد يجب توحيدُ الجهودِ للعمل على تحرير أراضي المسلمين من الاستعمار المباشر وغير المباشر. فالعالَمُ الإسلامي يجب ألا تُقسمَهُ الحدودُ السياسيةُ التي افتعلها الاستعمارُ الغربي.

3. فلسطينُ تبقى مركزَ التحدي ومركزَ المشروع العربي الإسلامي، وهي قضيةٌ دينية وحضارية قبل أن تكون قضيةَ أرض ومشكلة شعب. الوجود الصهيوني غير شرعي، ويجب العمل على إنهائه، ولا يجوزُ الاعترافُ بشرعيتِه على أي جزء من البقاع الطاهرة. إننا نواجه الآن خطرا مصيريا هو الزحف الصهيوني على أرضنا. ونشاهد يوميا حكام المسلمين يوقعون اتفاقات الاستسلام، ويساهمون في تطبيع احتلال الأراضي بتطبيع العلاقات الاقتصادية والثقافية وغيرها. لا بد إذن من تعبئة الأمة لمواجهة التحدي الصهيوني في ثوبه الجديد، وإسقاط المخططات الخارجية للهيمنة على المنطقة.

4. لابد من الوقوف ضد التبعية للغرب بكل أشكالها والتصدي لكل أشكال الهيمنة والتدخل العسكري والسياسي والثقافي في وطننا الإسلامي. وهذا لن يتأتى إلا بالاستقلالية والتنمية الاقتصادية الشاملة. وتحقيق الاكتفاء الذاتي بالاعتماد على ثروات المسلمين التي يبذرها سفهاؤهم وتُسلبَ من الأمة بأبخس الأثمان.

5. العمل المشترك من أجل تحقيق الحريات والعدالة والمساواة. وإن حرمان أي جماعة من أبناء الوطن من حقهم في العمل السياسي والتعبير عن وجودهم لمجرد أن التزامهم الدينيَ أو السياسيَ أو المذهبي لا يوافق هوى القوى الحاكمةَ أمر لم يعد أي مبرر لإقراره والسكوت عنه.

لابد أن تتظافر جهودنا لمنع الظلم وحماية الضعيف وصيانة كرامة الإنسان، وأي كرامة للإنسان عندنا وأبسط حقوقه في العيش والسكن والتطبيب والتعليم غير متوفرة؟ وكيف يمكن أن تتوفر في مجتمع استولى عصابة من المجرمين على ثرواته فأصبحوا يُصَنَّفون ضمن أغنى أغنياء العالم تاركين للمواطن المسكين الجوع والحقارة؟

هذه بعض النقط التي يمكن أن نلتقيَ حولها جميعاً، ونتعاون ويستفيد بعضُنا من بعض، فلا عقدة لنا ولا حرج أن نستفيد من الآخر في كل ما لا يُشَكّل خطرا على عقيدة الأمة وقيمها وأخلاقها، ويُعينها على امتلاك أسباب القوة. فالإنجازات التي حققها العقل البشري في مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع والعلوم وغيرها، نعتبرها إقلاعا مهما وملكا إنسانيا مشتركا يساهم في تطوير المشروع الحضاري الإسلامي.

لقد شرفنا الله بالانتماء إلى هذه الأمة، أمةِ الإسلام. فلنعمل جميعا على خدمتها وتحقيق عزتها وكرامتها التي لا يمكن أن تكون إلا بالإسلام كما كانت دائما. ولنتنافس جميعا من أجل الدفاع عن المستضعفين، ولنتنافس على الخير عموما، ولنجعل جماهير هذه الأمة تختار الأفضل تعبيرا عن حاضرها وماضيها. ولنفعل ذلك بروح تسع الاختلاف وتقبل الآخر وتتوسل بالسلمي من الوسائل وتنبذ كل أشكال الإرهاب الفكرية والدينية والسلطوية.

والحمد الله رب العالمين.