هذه الإحصاءات وردت في تقرير أمريكي، بكل تأكيد ليس هو الأول والأخير. ولن يثير موضوعها أي إشكال إذا كان الهدف فقط كشف وفضح الواقع العربي، الذي يسعى الحكام لستره أو بالأحرى تزييفه بما يعلنونه من ديمقراطية الواجهة! وحقوق الواجهة! وانتخابات الواجهة! ودستور الواجهة! …

لكن بمجرد استحضار بسيط لخطط الهيمنة التي تعلنها أمريكا في العالم العربي والإسلامي نستنتج أن الهدف قد يكون أكبر من كشف الواقع، قد يكون بالإضافة إلى ذلك بث شعور عام، لدى كل العرب والمسلمين بصفة عامة ولدى الطامحين للتغيير بصفة خاصة، مفاده أن صخور الواقع صماء، ولا سبيل لمواجهة الفقر والاستبداد والبطالة والأمية إلا بالاستسلام لإملاءات أمريكا. وأنه لا منقذ من دياجير الظلم وعقابيل القهر إلا باستيراد الحلول الأمريكية.

أوردت جريدة الشرق الأوسط، بتاريخ 17 فبراير 2004 في صفحتها التاسعة، مقالا تحدث فيه صاحبه مشكورا عن إحصاءات وأرقام جديدة حول الوطن العربي، استقاها من تقرير أمريكي صدر في الآونة الأخيرة، هذه بعضها:

– مجموع إجمالي الدخل المحلي لبلدان الجامعة العربية (22 دولة) أقل من نظيره في إسبانيا.

– 40% من البالغين العرب (حوالي 65 مليون) أميون، وتشكل النساء ثلثي هذا العدد.

– من المرجح أن تصل البطالة، إذا بقي الحال على ما هو عليه، في حدود سنة 2010 إلى 25 مليون.

– يعيش ثلث المنطقة على أقل من دولارين في اليوم.

– لا تشغل النساء سوى 5,3% من المقاعد البرلمانية.

– البلدان العربية مجتمعة لا تنتج من الكتب سوى 1,1% !

– الكتب المترجمة إلى اللغة اليونانية، التي لا ينطق بها سوى 11 مليون شخص، تشكل خمسة أضعاف ما يترجم إلى اللغة العربية.

أرقام مهولة حقا. ولا أحد يجرؤ على تكذيبها. لكن ليس هدفي من إثارتها تأكيدها، وبالتالي تأكيد التخلف العام الذي يرزح تحته العالم العربي والإسلامي. لأن واقع الحال يغني عن كل مقال، يشهد على ذلك ما نلحظه ونعيشه من قهر سياسي وبؤس اقتصادي ووهن اجتماعي وركود ثقافي، أدواء تفتك بالشعوب العربية والإسلامية، وتتزايد حدتها يوما بعد آخر.

قصدي من هذا المقال الوقوف عند دلالات تتعلق بالجهة التي أقرت تلك الأرقام وبما يمكن أن يترتب عن ذلك من نتائج.

فهذه الإحصاءات وردت في تقرير أمريكي، بكل تأكيد ليس هو الأول والأخير. ولن يثير موضوعها أي إشكال إذا كان الهدف فقط كشف وفضح الواقع العربي، الذي يسعى الحكام لستره أو بالأحرى تزييفه بما يعلنونه من ديمقراطية الواجهة! وحقوق الواجهة! وانتخابات الواجهة! ودستور الواجهة! …

لكن بمجرد استحضار بسيط لخطط الهيمنة التي تعلنها أمريكا في العالم العربي والإسلامي نستنتج أن الهدف قد يكون أكبر من كشف الواقع، قد يكون بالإضافة إلى ذلك بث شعور عام، لدى كل العرب والمسلمين بصفة عامة ولدى الطامحين للتغيير بصفة خاصة، مفاده أن صخور الواقع صماء، ولا سبيل لمواجهة الفقر والاستبداد والبطالة والأمية إلا بالاستسلام لإملاءات أمريكا. وأنه لا منقذ من دياجير الظلم وعقابيل القهر إلا باستيراد الحلول الأمريكية.

هول تلك الأرقام وفجاعتها لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن ينسينا هول الانكسار التاريخي الثاني الذي تعرضت له الأمة الإسلامية، والمتمثل في الاستعمار، بعد الانكسار التاريخي الأول بانقلاب الخلافة إلى ملك عاض وجبري، بل إن كوارث اليوم نتيجة لأهوال الأمس القريب والبعيد.

فاحتلال أمريكا للعراق بتلك الطريقة البشعة، التي تنافي كل المواثيق والأعراف الدولية، يذكرنا بحركات الاستعمار البريطاني والفرنسي الذي تعرضت له الشعوب العربية والإسلامية خلال أواخر القرن 19.

وإذا كان المستعمرون السابقون غادروا المغرب ومصر والجزائر وليبيا وغيرها، بعد أن وضعوا مؤسسات شكلية وأمنوا مصالحهم عبر وكلاء خاصين، فكذلك تريد أمريكا في العراق وفي غيره.

وحركة الاستعمار الجديد لا تعتمد فقط الدبابات والصواريخ، وليس هدفها فقط قتل المقاومين والمدنيين، بل تتوخى إذلال النفوس وقهرها والاستخفاف بها، يقول الله عز وجل في وصف فرعون رمز المستكبرين: “فاستخف قومه فأطاعوه”. لذلك لاحظ كل العالم تلك الطريقة المستخفة المذلة عند دخول القوة الأمريكية إلى بغداد والتي روج لها الإعلام الأمريكي كثيرا.

حركة الاستعمار الجديد توظف كل قوتها في المجال العسكري والسياسي والثقافي والعلمي، من أجل قتل بعض المعاني النبيلة في نفوس العرب والمسلمين، فهي تريد أشباحا لا شخصية لديهم ولا قضية، ولا اعتزاز عندهم ولا طموح، ولا شجاعة فيهم ولا شهامة … تريد مفعولا بهم لا فاعلين … لذلك أعتقد أن هذا السيل من التقارير الأمريكية حول العرب والمسلمين ليس بهدف معرفة الواقع فحسب، ولكن أيضا بهدف نشر نوع من الإحباط واليأس في النفوس، حتى يوقن الجميع أنه لا مخرج من هذا الواقع المرير إلا بالاستسلام لمخططات الهيمنة.

ما العمل إذن؟ هل نصم آذاننا ونغمض أعيننا عن الحقائق التي تبرزها التقارير الأمريكية؟ خاصة ونحن نعلم أهمية تلك الحقائق في اتخاذ القرارات وفي التعبئة العامة للشعوب العربية والإسلامية من أجل التغيير، ونعلم أيضا براعة حكامنا في التمويه والتعتيم.

أعتقد أنه لا أحد ينكر التعامل الإيجابي مع تلك الإحصاءات والأرقام، بتوظيفها من أجل التعبئة والتغيير. لكن الذي يخشى، في غياب خطة للعمل ترسم للمواطن العربي والإسلامي مكانه ووظيفته في التغيير، وفي غياب همم عالية ترتبط بآمال غالية، أن تتحول تلك الأرقام إلى عامل إحباط وتذمر.

فكيف أقدر أنا المحقور المقهور على دفع هذا الظلم العاتي الذي تتخبط فيه أمتي؟

وأنى لي، أنا المتصارع مع تكاليف الحياة، أن أساهم في مدافعة غولي الفقر والأمية اللذين يفتكان بأبناء الشعوب العربية والإسلامية؟

لاشك أن من شأن مثل هذه الأسئلة أن تدفع المواطن العربي والإسلامي إلى التقوقع على ذاته، والاهتمام بشؤونه الخاصة بعيدا عن كل اهتمام بأبناء وطنه وأمته، وآنذاك يشرع الباب على مصراعيه لخطط الهيمنة الثقافية والسياسية.

ينبغي أن لا تغيب الواجهة النفسية في التدافع عن الطامحين للتغيير، من إعلاميين ومثقفين وحقوقيين وسياسيين، وفي مقدمتهم الإسلاميون من حركة إسلامية وعلماء ومربين. وأول خطوة، بل الخطوة الحاسمة في هذا التدافع، تربية إيمانية متوازنة تشعر العرب أن عزتهم في الإسلام كما قال ثاني الخلفاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه “أعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة في غير الإسلام أذلنا الله”.

تربية إيمانية وجهتها الله تعالى ذكرا وتزلفا وحبا، متوازنة الأبعاد، دون تغليب بعد على الآخر، فهي تودع جسد الإنسان صلابة، وعقله حكمة وعلما، وقلبه رحمة وحبا.

دوننا وهذه التربية، التي تجعل همنا الأول الفوز برضى الله تعالى واهتمامنا الأول تحقيق العدل بين الناس كافة وحمل رسالة الإسلام إلى العالمين -دوننا وهذه التربية- رجال ربانيون مربون.

بهذه التربية الإيمانية المتوازنة التي تعرفنا بالمغزى من وجودنا، وتبصرنا بمصيرنا، ستنقلب مآسي الواقع إلى حوافز من أجل العلم والعمل والابتكار عوض التباكي أمام أرقام وإحصاءات تأكد بالملموس أن خطابة العويل والتهويل وحدها لن تزيدها إلا فداحة وفظاعة.

ومع هذه التربية الإيمانية المتوازنة ينبغي إعداد القوة، وتنظيم الجهود في شتى المجالات، بدءا بعمل سياسي يتوخى إحقاق الحرية التي هي شرط لكل إبداع وابتكار.

فببناء الإنسان وتنظيم جهوده نمتلك القوة، ونضرب موعدا مع مستقبل أفضل.