حبة من نواتات ثمرة من ثمرات جنان القرآن

اعلم ! أنه قيل لي إن الناس يقولون: لا نفهم كثيراً مما في آثاره فتصير ضائعة .

فأقول: لا تضيع بإذنه تعالى. وسيجيء زمان يفهمها أكثر المتفكرين المتدينين إن شاء من بيده مقاليد كل شيء؛ إذ أكثر هذه المسائل أدوية جربتها في نفسي أعطانيها الفرقان الحكيم، لكن يمكن أن لا يفهمها الناس كما أفهمها بتمامها! لأن نفسي – بسوء اختيارها – من الرأس إلى القدم ملمعة بالجروح المتنوعة ، فالسليمُ بحياة القلب لا يفهم درجة تأثير الترياق في السقيم بلدغ حية الهوى كما يفهمه هو …

وأيضا أني لا أتصرف في السانحات للتوضيح؛ عجزاً من التحرير أو خوفاً من التغيير فأكتبها كما سنحت…

وأيضا أتكلم في مكاني ، لا في مقام السامع المواجه لي – خلافاً لسائر المتكلمين الذين يفرضون أنفسهم في مقام السامعين – فيصير أمام كتابي وجههُ إليّ، ومعكوسه ومقلوبه إلى السامع، فكأنه يقرأ في المرآة فيتعسّر عليه؛ فإذا لا أذهب إلى مقامه، فليرسل هو خياله إلي لأضيفه على عيني في رأسي كي يرى كما أرى.

اللّهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.. آمـين.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله على دين الإسلام وكمال الإيمان والصلاة والسلام على محمّد الذي هو مركز دائرة الإسلام ومنبع أنوار الإيمان وعلى آله وصحبه أجمعين مادام المَلَوان ومادار القمران.

اعلم ! أنه بينما ترى العالم كتاباً كبيراً ترى نور محمد عليه الصلاة والسلام مداد قلم الكاتب.. وبينما ترى العالَم يلبس صورةَ الشجرة ترى نورَه عليه الصلاة والسلام نواتها أولاً، وثمرتها ثانياً.. وبينما ترى العالم يلبس كائناً مجسماً ذا حياة ترى نوره “عليه الصلاة والسلام” روحه.. وبينما ترى العالم تحوّل إنسانا كبيراً ترى نوره “عليه الصلاة والسلام” عقله.. وبينما ترى العالم حديقةً مزهرةً ترى نوره عليه الصلاة والسلام عندليبه.. وبينما ترى العالم قصراً مزيناً عالياً ذا سرادقات تتظاهر فيها شعشعة سلطنة سلطان الأزل وخوارق حشمته، ومحاسن تجليات جماله، ونقوش خوارق صنعته، إذا ترى نوره عليه الصلاة والسلام نظّاراً يرى لنفسه أولاً، ثم ينادي بياأيها الناس تعالوا إلى هذه المناظر النزيهة، وحَيهلوا على مالَكُم فيه شيء من المحبة والحيرة والتنزه والتقدير، والتنور والتفكر، وما لا يحد من المطالب العالية. ويريها الناس، ويشاهِد ويشهَد لهم.. يتحير ويُحيِّرهم.. يُحب ويُحبِّبُ مالِكه إليهم.. يستضيء ويُضيء لهم.. يستفيض ويفيض عليهم..

اعلم ! أن الإنسان ثمرةُ شجرة الخِلقة. والثمرةُ تكون أكمل الأجزاء وأبعدها من الجرثوم، وأجمعها لخصائص الكل.. وهي التي من شأنها أن تبقى وتُسْتَبقى.

ومِن الإنسان مَن هو نواةٌ أنبتَ القديرُ جل شأنه منها تلك الشجرة.. ثم صيّر الفاطرُ جل جلالُه ذلك الإنسان ثمرةَ تلك الشجرة.. ثم جعل الرحمنُ تلك الثمرة النورانية نواةً لشجرة الإسلامية.. وسراجاً لعالمها.. وشمساً لمنظومتها..

وإنه لابد في الثمرة من نواةٍ تشتمل بالقوة على لوازمات شجرةٍ هي مثل أصلها. وأصغريةُ النواةِ لا تنافي أعظمية الشجرة، كنواة شجرة التينة..

وأن في الإنسان حبةً، لو كان الإنسان ثمرةً، لكانت تلك الحبة نواتهُ، ألا وهي القلب..

فقد رأيت فيه بواسطة الاحتياج علاقاتٍ إلى أنواع العالَم، بل إلى أجزائها.. وارتباطاتٍ إلى جميع أنوار الأسماء الحسنى باحتياج شديد وفقر عظيم لتجلي فردٍ فردٍ منها.. حتى كأن له حاجات عدَد أجزاء العالَم، وله أعداء ملء الدنيا.. فما يطمئن إلا بمَن يقتدر أن يُغنيه عن كل شيء، ويحفظه من كل شيء..

ورأيت فيه أيضا قابلية تمثل مجموع العالم كالخريطة والفهرسة والأنموذج والتمثال.. وأن المركز فيه لا يقبل إلا الواحد الأحد.. ولا يرضى إلا بالأبد والسرمد.. فهذه النواة وهي حبة القلب – ماؤه الإسلام وضياؤه الإيمان – فإن اطمأنتْ تحت تراب العبودية والإخلاص، وسُقيت بالإسلام، وانتبهتْ بالإيمان، أنبتت شجرةً نورانيةً مثاليةً من عالم الأمر هي روح لعالمه الجسماني. وإن لم تُسق بقيت نواةً يابسةً منكمشة لائقة للإحراق بالنار إلى أن تنقلب إلى النور.

وكم في النواة من أعصاب رقيقة وأشياء دقيقة لا يُبالي بها، وتُرى أقلَّ من أن يُهتَمّ بها، إلا أن لكلٍ منها – إذا انكشفت النواة – وظيفةً مهمةً بحشمة وعظمة.. كذلك لحبةِ القلب خدّام كامنة نائمة إذا انتبهتْ وانبسطتْ بحياة القلب يجولون في بساتين الكائنات كطيور سيارة، وتنبسط بدرجة يقول المرء: الحمد لله على كل مصنوعاته، لأنها كلها لي نِعَمٌ.. حتى أن الفرض أو الخيال الذي هو من أضعف خدام القلب وأهونهم، له وظيفة عجيبة، يَدخل به صاحبهُ المتوكل – وهو في السجن مقيد – في حديقةٍ نزيهة، ويضع رأس صاحبه المتنبّه وهو يصلي في الشرق أو الغرب تحت “الحجر الأسود” ثم يودع في الحجر الأسود شهادتي صاحبه..

ومن المشهود أن “البيدر” يدور على رؤوس “الأثمار”.. والثمرة هي التي تنتَقى وتُستبقى.. فبيدر الحشر ينتظر بني آدم..

اعلم ! أن لكل أحد من هذا العالم العام، عالماً خاصاً، هو عين العالم، لكن مركزه هو الشخص، بدل الشمس. فمفاتيحُ ذلك العالم في نفس الشخص ومعلّقه بلطائفه.. ولونُ ذلك العالم وصفاؤهُ وحُسنهُ وقُبحهُ وضياؤه وظلمته تابعةٌ لذلك المركز. فكما أن الحديقة المرتسمة في المرآة تابعة في أحوالها من الحركة والتغيّر وغيرهما للمرآة، كذلك عالم الشخص تابعٌ لمركزه الذي هو الشخص كالظل والتمثال. فلا تحسبنّ صغر جِرمك سبباً لصغر جُرمك، إذ ذرة من قساوة قلبك، تكدّر عليك نجوم عالمك..

اعلم! أن هذه ثلاثون سنة لي مجادلة مع طاغوتين وهما: “أنا” في الإنسان، و”الطبيعة” في العالم..

أما هذا، فرأيته مرآةً ظلياً حرفياً. لكن نظر الإنسان إليه نظراً اسمياً قصدياً بالأصالة، فتفرعن عليه وتَنَمرَدَ.

وأما هذه، فرأيتها صنعة إلهية وصبغة رحمانية.. لكن نظرَ البشرُ إليها بنظر الغفلة فتحولت لهم “طبيعة” فتألّهتْ عند مادييهم. فأنشأتْ كفران النِعَم المنجرّ إلى الكفر.

فللّه الشكر والحمد وبتوفيق الأحد الصمد وبفيض القرآن المجيد أنتجت المجادلة قتل الطاغوتين وكسر الصنمين؛ فتكشَّفتْ الصنعةُ الشعورية الإلهية والشريعةُ الفطرية الربانية من حجاب الطبيعة الموهومة، وانسلختْ هي منها، أي نهارُها من ليلها. وتكشف “أنا” عن ظل “هو”. وانشقّ عنه فأشارت بـ”هو”إلى مَن ليس كمثله شيء جل جلاله..

اعلم ! يا “أنا” أن لك أمورا تسعة في دنياك تعاميتَ عن ماهيتها وعواقبها:

أما جسدك؛ فكالثمرة المتزهرة المتزينة صيفاً، المنكمشة المتفسخة شتاءاً.

وأما حيوانيتك؛ فانظر إلى جنس الحيوان كيف يسرع فيهم الموت والزوال.

وأما إنسانيتك؛ فمترددة بين الانطفاء والاصطفاء والزوال والبقاء، فاستحفظ على ما بقي بما من شأنه أن يبقى بذكر الدائم الباقي.

وأما حياتك؛ فكقامتك قصيرة معينة الحدود لاتقدَّم ولاتؤخَّر فلا تتألم ولاتحزن ولاتخف عليها ولاتحمّلها مالاطاقة لها به مما تطاول إليه طول الأمل.

وأما وجودك؛ فليس ملكاً لك، فله مالكٌ، الملكُ له وأشفق به منك؛ فمداخلتك بغيرِ ما أمركَ به، فكما أنها من الفضول وشُغل فضولي فكثيراً ما تضر؛ ألا ترى الحرص والنوم كيف يفعلان ويجلبان الخيبة والسهر!.

وأما مصائبك؛ فلا تمرر حقيقةً لأنها تَمُرُّ سريعاً، بل تحلو لأنها تَحوُل؛ فتحوِّلُ وجهكَ من الفناء في الفاني إلى البقاء بالباقي.

وأما أنت هنا الآن؛ فمسافرٌ ثم مسافرٌ ثم مسافرٌ، والمسافرُ لايَعلّقُ قلبه بما لايتعلق به ويفارقه بسرعة. فكما ترتحل من هذا المنزل في هذا المسجد البتة، كذلك تفارق هذه البلدة قطعاً، إما إلى بطنها أو إلى خارجها.. فكما ستفارقها بالضرورة، كذلك تذهب بل تُخرَج وتُطردُ – شئتَ أم أبيتَ- من هذه الدنيا الفانية؛ فاخرجْ وأنت عزيز قبل أن تُطرد وأنت ذليل.

وأما وجودك؛ فافْدِهِ لموجدهِ الذي يشتريه بثمنٍ غالٍ، فسارعْ إلى البيع بل الفداء:

أولا: فلأنه يزول مجاناً..

وثانياً: لأنه مالُه وإليه يؤول..

وثالثاً: لأنه إن اعتمدتَ عليه سقطتَ في العدم لأنه “باب إليه”، وإذا فتحته بالتَرك وصلتَ إلى الوجود الثابت..

ورابعاً: لأنه إذا تمسكتَ به كان في يدك نقطة وجودٍ فقط، ويحيط بك مالايتناهى من الأعدام الهائلة.. وإذا نَفَضْتَ يدك منه استبدلت لمعةً بشمس فينقلب محيطُكَ إلى مالايتناهى من أنوار الوجود.

وأما لذائذ الدنيا؛ فقِسمتُكَ تأتيك، فلا تَطِشْ في طلبها.. ولزوالها بسرعة لايليق بالعاقل تعليقُ القلب بها. وكيف ما كانت عاقبة دنياك فتركُ اللذائذ أولى؛ إذ إما إلى السعادة، وهي تستلزم تركها.. وإما إلى الشقاوة، ومَن ينتظرُ الصَلبَ كيف يلتذُّ ويَستعذِبُ ما يزيد عذابهُ من تزيينات آلات الصَلب؟ وإن توهمتَ بالكفر العدمَ – العياذ بالله – فأولى بالترك؛ إذ بزوال اللذة يحسُّ ذلك العدم الهائلُ ألمه الأليم آناً فآناً في ضمن زوال اللذائذ، وهذا الألم أثقلُ بمراتب من لذة الوصال إن كنت تشعر..

اعلم! أن مثلك وقد تصيب رأسَك المصائبُ المرماةُ “بالقدر”، كمثل أغنام مُرسَلة في المرعى، يراها الراعي قد تجاوزت، فيرمي الأحجار خلفها لترجع، فيقول المُصابُ رأسُه بلسان الحال: نحن تحت أمر الراعي، وهو أعرفُ بنا منا فلنرجع.. فيرجع.. فيرجعون..

فلاتكوني يانفسي أضل من الغنم!. فقولي عند المصيبة: (إنّا لله وإنّا إليه راجِعُون) (البقرة : 156)..

اعلم! أن من الدليل على أن القلب ماخُلق للاشتغال بأمور الدنيا قصداً أنه: إذا تعلق بشيء تعلّق بشدةٍ، واهتمّ به اهتماماً عظيماً، ويتطلب فيه أبديةً ودواماً.. ويفنى فيه فناءاً تاماً. وإذا مدّ يده يَمُدّ يداً تطيق أن تقبضَ على الصخور العظيمة وتَرفَعَها، مع أن ما يأخذه بتلك اليد من الدنيا، إنما هو تينةٌ أو تبنةٌ أو ريشةٌ أو شعرةٌ أو هباءٌ أو هواءٌ..

نعم القلب مرآةُ الصمد؛ فلا يقبل حجرَ الصنم بل ينكسرُ به. والعاشق المجازي يرى ظُلمَ معشوقه في الأكثر، بسرّ: أن المعشوق بفطرته -بلا شعور- يردّ ولا يرضى ما ليس له بحق، وهو ليس بلائقٍ إسكانه في باطن قلب العاشق..

اعلم! أن القرآن أُنزل وأنزلت به مائدة سماوية، يوجد فيها كل أنواع ما تحتاج إليه طبقاتُ نوع البشر المتفاوتين في اشتهاء الأفهام.. في المائدة أطعمة مترتبة، قُدِّمَ أولاً في وجهِ السُفرة الإلهية رزق الأكثر المطلق والجمهور الأعظم، أي العوام.. مثلا:”أنّ السمواتِ والأرض كانَتا رَتقاً فَفَتَقناهُما” (الأنبياء : 30) الصفحة الأولى: أي هما رتقاوان، أما هذه فنقية صحو صافية. وأما تلك فميتة غبراء يابسة. فازدوَجَتا بإذنه تعـــالى فأولدت هذه أمطارا وتلك أثمارا. والدليــل على هذه الصحيفــــة “وَجَعلنا مِنَ الماءِ كُلَّ شيءٍ حَيّ” (الأنبياء، 30) وخلف هذه الصفحة والصحيفة انفصال السيارات مع شمسها من عجين المادة التي خُِلقَت من نور سيّد الأنام صلى الله عليه وسلم والآية على هذه الصفحة حديث “أول ما خلق الله نوري..الخ” ، “أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر  الحديث” رواه عبد الرزاق بسنده عن جابر بن عبد الله في حديث طويل (كشف الخفاء 1 / 205) وفيه أيضا(2/ 29): “كنت أول النبيين في الخلق وأخرهم في البعث” قال في المقاصد: رواه أبو نعيم في الدلائل وابن أبى حاتم في تفسيره وابن لال، ومن طريقه عن أبى هريرة مرفوعاً ، وله شاهد من حديث ميسرة الفخر، أخرجه أحمد والبخاري في تاريخه والبغوي وابن السكن وأبو نعيم في الحلية وصححه الحاكم..).

مثلاً: “أفَعَيينَا بالخَلقِ الأول بَل هُم في لَبسٍ منْ خَلقٍ جديد”(ق : 15) الصحيفة الأولى المقدمة في النظر، أنهم مع إقرارهم بخلقهم الأول الأعجب المشهود، يستبعدون الخلق الجديد الأهون؛ إذ له مثال سبق.. وأن خلف هذه الصحيفة برهاناً نيراً على كمال سهولة النشر.. أيها المنكرون للحشر.. تُحشَرون.. وتنشرون في عمركم مرات، بل في سنتكم، بل في يومكم، تلبسون وتخلعون هذا الجسم كلباسكم صباحاً ومساءً يتجدد عليكم جسمكم كلباسكم.

اعلم! فيا عجباً من بلاهة النفس!.. ترى في نفسها أثر المصنوعية والمملوكية والتربية من طرف ربّ مختار حكيم، ثم تنظر إلى أمثالها من سائر الأفراد والأنواع والأجناس، فيتظاهر سر كلية القاعدة وشمول الفيض، وتجلب نوع إجماع وتصديق فعلي، فكان لازماً عليها أن تطمئن بتفطن سر: “كلية القاعدة ودستورية الحادثة”. والحال أنها تتخيل ما يقوي تجليات الأسماء عليها من عموم تجلياتها في دائرة الآفاق سبب الضعف وواسطة التستر وإمارة الإهمال وعلامة أنه لارقيب عليها فتقول: اتسعَ فامتنع.. عَظُم فَعَدِم. فهذه مغلطة يخجل منها الشيطان أيضا..

اعلمي! أيتها النفس المتضجرة القلقة.. أن كل أحوالك في التعين، والنقش في جبهتك بقلم القَدر، كطلوع الشمس وغروبها. فإن أردت أن تضربي سندان القدر برأسك العليل، فتضجّري. واعلمي يقيناً، أن من لايستطيع أن ينفذ من أقطار السموات والأرض، لابد أن يرضى رضاء محبةٍ بربوبيةِ مَن “خَلقَ كلَّ شيءٍ فَقَدَّرهُ تَقديراً” (الفرقان : 2)

اعلم! لو كان صانع الشيء في الشيء لناسَبه، ولَتَنَوعَ بعدد الأشياء . وإذا لم يكن فيه فلا، كهذا الكتاب : يُكتب بقلم واحد مع أنه لا يُطبع إلا بحديدات مصنوعة ، موضوعة تحته عدد حروفه، ولو تَنَبَّتَتْ نقوش الصنعةِ المتقنة في شيء منه وتحلّبت ثمراتُها وترشحت حروفُها من نفسه وإمكانه ، لا نبثتْ وانتثرتْ وانتشرتْ ولخرجت عن الانتظام . لكن فيها استقرار تام وانتظام كامل فلم ينكتب نقشَ الشيء منه ولن ينكتب منه أبدا ، بل يُكتب عليه بقلم القُدرة على مِسطَر القَدَر. .

اعلم! ومن الغرائب أن العقل الذي يتطاول إلى الإحاطة بالعالم والنفوذ إلى الخارج والخروج من دائرة الإمكان، يغرق في قطرة.. ويفنى في ذرة.. ويغيب في شعرة.. وينحصر الوجود عنده فيما فني فيه.. ويريد أن يدخل معه كل ما أحاط به في النقطة التي بَلَعته.

اعلم! أنه لو كان المُلك لك لتنغّص عليك التنعم بتكلف التعهد والتحفظ والتخوف. والمنعمُ الكريم يتعهد كل لوازم النعمة.. وما يفوّض إليك إلا التنعم والتناول من سُفرة إحسانه. والشكر الذي يزيد لذةَ النعمة.. إذ الشكر رؤية الإنعام في النعمة ورؤية الإنعام تزيل ألمَ زوال النعمة؛ إذ تزولُ النعمة حينئذٍ فلا تعطي موضعها للعدم حتى تُؤلم، بل تُخلي الموقعَ لمجيء المثل كالثمرة، فتعطيك لذة التجدد. (وآخرُ دعْواهُم أن الحمدُ لله رَبّ العَالمين) (يونس، 10) يدل على أن الحمدَ عينُ اللذة. نعم، إن سر الحمد رؤية شجرةِ الإنعام في ثمرة النعمة. فيزول ألم تصوّر الزوال فيُلتَذ بنفس الحمد..

اعلم! أن المعلومات الآفاقية لا تخلو عن الأوهام والوساوس. وأما إذا استندت إلى الأنفس واتصلت بالوجدانيات المشعورة بالذات، تصفّت عن الاحتمالات المزعجة. فانظر من المركز إلى المحيط، ولا تعكس فتنتكس.

اعلم! أن هذه المدنية السفيهة المصيرة للأرض كبلدة واحدة، يتعارف أهلها ويتناجون بالإثم وما لا يعني -وما لا يعني من الأمور التي تلهي الإنسان- بالجرائد صباحاً ومساءً، غَلُظَ بسببها وتكاثفَ بملاهيها حجابُ الغفلة، بحيث لايُخرق إلا بصرف همةٍ عظيمة. وكذا فتحت لروح البشر منافذ غير محدودة نظّارة إلى الدنيا يتعذّر سدُّها إلا لمن خصّه الله بلطفه..

اعلم! أن الذرة تسع الشمس بتجليها فيها بالمشاهدة ولا تسع تلك الذرة ذرتين بالذات بالبداهة، فذراتُ الكائنات ومركباتها – كقطرات المطر ورشاشاتها المتشمسة المتلألئة بتماثيل الشمس – قابلةٌ لأن تصير مظاهر للمعات تجليات القدرة النورانية الأزلية المطلقة المحيطة المستندة؛ بل المتضمنة للعلم والإرادة الأزليين الغير المتناهيين.. ولا يمكن أن تكون ذرة حجيرة عينك منبعاً ومعدناً لقدرة وشعور وإرادة تتحمل وظائفها العشرة من خَدَمتها في الأعصاب المحركة والحساسة والأوردة والشرايين والإبصار والتصوير وغيرها مما يتيه فيه الفكر.

فهذه الصنعة المتقنة العجيبة، والنقش المزين المنتظم، والحكمة العميقة الدقيقة، تقتضي قطعاً: إما أن يكون كل ذرة وكل مركب في الكائنات معدناً ومنبعاً ومصدراً لصفات محيطة مطلقة كاملة..

وإما أن يكون مظهراً ومعكساً ومَجلىً للمعاتِ تجليات شمس الأزل الذي له هذه الصفات.

والشِق الأول فيه محالات بعدد ذرات الكائنات ومركباتها. فمن جاز عنده أن يحمل على جناحي نحلة جبلي “سُبحانْ وآرارات” -جبلان يقعان شرقي تركيا- وأن ينبع من عيني بعوضة “النيل والفرات”، فليذهب إلى الشق الأول؛ فتشهد كلُّ ذرةٍ بِعَجزها عن تحمل مالا طاقة لها به، إنه لا موجد ولا خالق ولا رب ولا مالك ولا قيوم ولا إله إلا الله. وكل ذرات الكائنات ومركباتها بألسنتها المختلفة ودلالاتها المتنوعة تتكلم بـ:

عباراتنا شتى وحسنك واحد وكل إلى ذاك الجمال يشير

نعم، إن كل حرف من كتاب الكائنات، يدل على وجود نفسه بوجهٍ واحدٍ، وبمقدار حرف، لكن يدل على كاتبه وصانعه بوجوه كثيرة. وينشدُ من أسمائه المتجلية عليه قصيدة طويلة:

تأمل سطور الكائنات فإنهامن الملأ الأعلى إليك رسائل.

اعلم! أن مرايا التجليات متنوعة منها: الزجاج، والماء، والهواء -لاسيما للكلمات- وعالم المثال، والروح، والعقل، والخيال، والزمان. وغيرها مما لا نعلم أو لا تعلم.. وتماثيل الماديات الكثيفة في المرايا – أي صورها المرتسمة في المرايا ، كما سيأتي- منفصلة حُكماً، وأمواتٌ حقيقةً.. وليس لها خاصية الأصل.. وغيرٌ للأصل أيضا، بدليل انتقالها إلى الفطوغراف، دون النورانية الخالصة، وفي غير الخالصة تنتقل هوية صورتها المادية فقط.

وأما تماثيل النورانيات فمتصلةٌ حكماً، ومرتبطةٌ حقيقة، ومالكةٌ لخواص الأصل،وليستْ غيراً له. فلو جعل الفاطرُ جل جلاله حرارةَ الشمس حياتها، وضياءها شعورَها، وألوان الضياء حواسَّها، لتكلمت الشمسُ معك في قلب مرآتك التي في يدك، كتلفونك ومرآة قلبك. إذ مثالها الذي في يدك له أيضا بمقدار استعداده حرارة حياة، وضياء شعور، وألوان حواس. ومن هذا السر يطّلع النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو النور النوراني على صلوات كلّ مَن صلى عليه في آن واحد. ومن هذا السر ينفتح مغلقات أسرار..

اعلم! أن “سبحان الله والحمد لله” يتضمنان التوصيف بصفات الله: الجلال بالأول.. والجمال بالثاني. “فسبحان الله” ينظر إلى بُعد العبد والممكن عن الله الواجب الوجود العلي العظيم. و”الحمد لله” ينظر إلى قُرب الله بالرحمة واللطف إلى العبد ومخلوقاته. فكما أن الشمس قريبةٌ منك تُوصل حرارتها وضياءها إليك وتتصرف فيك بإذن خالقها، الذي صيّرها مرآة لجلوة اسمه “النور” وظرفاً لنعمه التي هي الحرارة والضياء مع أنك بعيد عنها لاتصل يدك إليها، وأنت بالنسبة إليها قابل فقط لا فاعل ولا مؤثر.. كذلك “ولله المثل الأعلى” إن الله جلّ جلاله قريبٌ منا فنحمده، ونحن بعيدون عنه فنسبّحه. فاحمده وأنت تنظر إلى قربه برحمته، وسبّحه وأنت تنظر إلى بُعدك بإمكانك. ولا تخلط بين المقامين، ولا تمزج بين النظرين، لئلا يتشوش عليك الحق والاستقامة. لكن يمكن لك – بشرط عدم الالتباس والمزج- أن تنظر إلى القرب في جهة البُعد.. والى وجه البُعد في جهة القرب.. والى الوجهين معا فتقول: “سبحان الله وبحمده”..

اعلم! يا طالب الدنيا! لابد أن لأمور أربعة:

أولا: فلأنها سريعة الزوال، وألم الزوال مذلّ ومزيل للذة الوصال.

وأما ثانياً: فلأن لذائذها منغّصة بآلام مقارنة وأكدار متعاقبة.

وأما ثالثاً: فإن ما ينتظرك وأنت تذهب إليه بسرعة بلا انحراف من القبر الذي هو باب إلى الآخرة، لايقبل منك مزينات الدنيا هدية، إذ تنقلب هناك قبائح.

وأما رابعاً: فوازن بين سكونك ساعة في موقع بين الأعداء والمؤذيات والحشرات المضرة، وبين السكون في سنين كثيرة في موقع آخر قد اجتمع فيه كل أحبابك وكل عظمائك. ومالك الملك أيضا يدعوك إلى ترك لذة تلك الساعة ليريحك في تلك السنين مع أودائك. فأجب داعي الله قبل أن تُساق إليه بالسلاسل.

فسبحان الله ما أعظم فضل الله على الإنسان يشتري بثمن غال من الإنسان مالاً له وديعة عند الإنسان ليحمله عنه.. ويبقيه له.. ويحميه مما يفسده. مع أن الإنسان إن تملّكه ولم يبعه وقع في بلاءٍ عظيم في تعهّده بقدرة لا تكفي – من ألوف مصالحه – بواحد.. ولو تحمله بنفسه على ظهره لأنقض ظهره. ولو أمسكه بنفسه لزال سريعاً وذهب مجاناً وفني مورثاً لآثامه وأثقاله على مالكه الكاذب.

اعلم! أنه أنني مصداق لما قيل:

وعيني قد نامت بليلِ شبيبتي ولم تنتبه إلا بصبح مَشيب

إذ أشد أوقات انتباهي في شبيبتي رأيته الآن أعمقَ طبقات نومي!.. فالمتنورون المتنبهون في عرف المدنيين كانتباهي فيما مضى، مَثَلُهم كمثل مَن رأى في رؤياه أنه انتبه وقص رؤياه على بعض الناس. والحال أنه بهذا الانتباه مرّ من طبقة النوم الخفيفة إلى الطبقة الكثيفة. فمن كان هكذا نائماً كالميت كيف يوقظ الحي الناعس، وكيف يُسمع الناعسَ ما يتكلم به من وراء حُجب نومه المضاعف!

أيها المتنبهون النائمون! لا تتقربوا إلى المدنيين بالمسامحة الدينية والتشبه، ظناً منكم أنكم تصيرون جسراً بيننا وبينهم، وتملأون الوادي بيننا. كلاّ، إن المسافة بين المؤمنين والكافرين غير محدودة، والوادي بيننا في غاية العمق لا تملأونه، بل تلتحقون بهم أو تضلون ضلالاً بعيداً! …

اعلم! أن في ماهية المعصية بذر الكفر.. إذ المعصية تولد ألفة معها وابتلاء بها، بل تصير داءً، دواؤها الدائمي نفسها، فيتعذر تركُها. فيتمنى صاحبُها عدَم عقابٍ عليها، ويتحرى بلا شعور ما يدل على عدم العذاب، فتستمر هذه الحال حتى تنجر إلى إنكار العذاب وردّ دار العقاب. وكذا أن خجالة المعصية – بغير الندامة والقلع – تلجئ صاحبَها إلى إنكار كون المعصية معصيةً، وإنكار مَن يطلع عليها من حَفَظة الملائكة وغيرها.. فمن شدة الخجالة يتمنى عدمَ الحساب.. فإن صادف وهماً ينفيه، تلقاه برهاناً.. وهكذا إلى أن يسودّ القلب، العياذ بالله..

اعلم! أن من لمعات معجزات القرآن أنه جمع السلاسة الرائقة، والسلامة الفائقة، والتساند المتين، والتناسب الرصين، والتعاون بين الجمل وهيئاتها، والتجاوب بين الآيات ومقاصدها بشهادة علم البيان وعلم المعاني، مع أنه نزل في عشرين سنة منجماً لمواقع الحاجات نزولاً متفرقاً متقاطعاً بتلاؤم كأنه نزل دفعةً.. ولأسباب نزولٍ مختلفة متباينة مع كمال التساند، كأن السبب واحدٌ.. وجاء جواباً لأسئلة مكررة متفاوتة، مع نهاية الامتزاج والاتحاد، كأن السؤال واحدٌ.. وجاء بياناً لحادثات أحكام متعددة متغايرة، مع كمال الانتظام كأن الحادثة واحدة.. ونزل متضمناً لتنزلات إلهية في أساليب تناسب أفهام المخاطبين، لاسيما، المنزَل عليه عليه السلام بحالات في التلقي متنوعة متخالفة، مع غاية التماثل والسلاسة، كأن الحالة واحدة.. وجاء متكلماً متوجهاً إلى أصناف مخاطبين متعددة متباعدة، مع سهولة البيان وجزالة النظام ووضوح الأفهام كأن المخاطب واحد، بحيث يظن كلُ صنف كأنه المخاطب بالأصالة.. ونزل مهدياً وموصلاً لغايات إرشادية متدرجة متفاوتة، مع كمال الاستقامة والنظام والموازنة كأن المقصد واحد؛ تدور تلك المقاصد والغايات على الأقطاب الأربعة: وهي التوحيد، والنبوة، والحشر، والعدالة. فبسر امتلائه من التوحيد،التأم وامتزج وانتظم واتحد.

ومن كان له عين في بصيرته، يرى في التنزيل عيناً ترى كل الكون، كصحيفة مبصرة واضحة.. وقد جاء مك رراً ليقرّر.. ومردّداً ليحقق قصصاً وأحكاما. مع أنه لا يُملُّ تكرارهُ، ولا يُزيل عَوْدهُ ذَوْقَه ولا يُسئمُ تردادهُ. كلما كرّر حقّق وقرّر، بل ما كررته تحلو وتفوحُ أنفاس الرحمن منه “إن المسك ما كررته يتضوّع”. وكلما استعدتَه استَلذْتَه؛ إن كان لك ذوق سليم بقلب غير سقيم. والسر فيه: أنه قُوتٌ وغذاءٌ للقلوب، وقوة وشفاء للأرواح. والقوت لا يُملُّ تكرارهُ.. فمألوف آنس وألذ، خلاف التفكّه الذي لذتُه في تجدده، وسآمتهُ في تكرره.

وكما أن الإنسان في حياته المادية يحتاج في كل آنٍ إلى الهواء، وفي كل وقتٍ إلى الماء، وفي كل يوم إلى الغذاء، وفي كل أسبوع إلى الضياء، في الأكثر.. فتتكرر هذه الأمور لتكررّ الحاجات، فلا تكون تكراراً.. كذلك إن الإنسان بجهة حياته الروحانية أيضا؛ يحتاج إلى أنواع ما في القرآن؛ فإلى بعضٍ في كل دقيقة بل في آن سيال كـ: “هو.. الله” فبه يتنفس الروحُ.. وإلى بعضٍ في كل ساعة كـ: “بسم الله”.. وإلى بعض في كل وقت.. وإلى بعض في كل زمان متدرجاً بدرجات الاحتياج، فيكرر القرآن على ما تقتضيه حياة القلب تكراره.

مثلاً: “بسم الله” كالهواء النسيمي يطهِّر الباطن داخلاً ويثمر خارجاً في نَفْسِك كَنفَسِك في جسمك.. وأيضا في تكرار القرآن بعض الحادثات الجزئية إشارة إلى أن الحادثة الجزئية تتضمن دستوراً كلياً، كما أشرت إلى بعض من جمل قصة “موسى” عليه السلام التي هي أجدى من تفاريق العصا (مثل يضرب فيمن نفعه أعمّ من غيره -مجمع الأمثال 1/37-).

والحاصل: أن القرآن الحكيم كتاب ذكر، وكتاب فكر، وكتاب حُكم، وكتاب علم، وكتاب حقيقة، وكتاب شريعة، وشفاء لما في الصدور، وهدىً ورحمة للمؤمنين.

اعلم! أن من أعاجيب فطرة الإنسان في وقت الغفلة، التباس أحكام اللطائف والحواس.كالمجنون الذي يصل نظرُه إلى شيء، فيمدّ يدهُ إليه ظناً منه – لمجاورة العين لليد – أن ما يحصل بتاك، يحصل بهذه أيضا. فالإنسان الغافل الذي لا يصل يد اقتداره إلى تنظيم أدنى جزء من أجزاء نفسه يتطاول بغروره وبوسعة خياله إلى الحكم والتحكم في أفعال الله في الآفاق.. وكذا من أعجب فطرة البشر أن أفراده، مع تقارب درجاتها في الصورة الجسمية، تتفاوت معنىً بدرجات، كما بين الذرة إلى الشمس إلى شمس الشموس خلافاً لسائر الحيوانات؛ إذ هي مع تفاوت أفرادها في الصور الجسمية، كالسمك والطير، تتقارب في قيمة الرّوح؛ فكأن الإنسان الذي قام من “مخروط الكائنات” في حاق الوسط، ( الحاق: الوسط، والكامل في الشيء.) منه إلى الذرة ومنه إلى شمس الشموس سواء؛ إذ لم يُحدَّد قواه ولم تُقيّدْ، أمكَنَ له أن يتنزل ويتسفل “بالأنانية” إلى أن يكون هو والذرة سواء. وكذا جاز له أن يتجاوز بالعبودية وبترك “أنا” ويتصاعد بإذنه تعالى إلى أن يصير بفضل الله كشمس الشموس مثل محمد عليه الصلاة والسلام.

اعلم! أن الأصل في الشيء البقاء، حتى أن الأمور السيالة السريعة الزوال كالكلمات والتصورات لها أيضا مواضعَ أُخر يتحصنون فيها من الزوال. لكن يتطورون في الصوّر، حتى كأن الأشياء موظفون لحفظ الشيء إما بتمامه كالنوراني، أو وجهٍ من الشيء، يسارعون بكمال الاهتمام لأخذه ووضعه في قلوبهم الشفافة.

والحكمة الجديدة تفطنت لهذا السر لكن بلا وضوح، فلهذا أخطأت بالإفراط فقالت: لا عدم مطلقاً، بل تركُّبٌ وانحلال.( انظر خاتمة “الطبيعة” – اللمعة الثالثة والعشرين – ففيها التوضيح الشافي لهذه المسألة.) كلا! بل تركيب بصُنعه تعالى.. وتحليل بإذنه.. وإيجاد وإعدام بأمره.. يَفعَلُ مَا يَشاءُ ويَحكُم مَا يُريدُ.

اعلم! أيها السعيد الشقي! أن القبر باب باطنه الرحمة، وظاهره من قبله العذاب.. وأودّاؤك ومَن تحبه أكثرهم – حتى كلهم – ساكنون خلف هذا الباب. ألَمْ يأنِ لك أن تشتاق إليهم وإلى عالمَهم.. فَتنظَّفْ، وإلا استقذروك.

لو قيل لك مثلاً: إن “الأمام الرباني أحمد الفاروقي” قُدس سره، ساكن الآن في الهند،لاقتحمتَ المهالك وتركتَ الأوطان لزيارته. مع أن تحت اسم أحمد فقط ألوف نجوم حول شمس مَن في الإنجيل اسمه “أحمد” وفي التوراة “اُحيد” وفي القرآن “محمد”.. وتحت اسم محمّد ملايين.. وهكذا كلهم خلف باب القبر في رحمة الله ساكنون. فلابد أن يكون نصب عينك دائماً “هذه الأساسات” وهي:

إن كنتَ له تعالى كان لك كلُّ شيء، وإن لم تكن له كان عليك كلُّ شيء.

وكلُّ شيء بِقَدَرٍ، فارضَ بما آتاك تزد يُسْراً على يُسْرٍ، وإلا زدْتَ مرضاً على مرض.

المُلكُ له، ويشتريه منك ليبقيه لكَ.. ويزول مجاناً لو بقي عندك.

وأنت فقيرٌ إليه من كُلِّ وجهٍ.

وأنت مقيّدٌ بجهات أربع مسدودة. تُساق إلى باب القبر المفتوح لك.

لا لذة للقلب حقيقةً فيما لا دوام فيه؛ تزول أنت، وتزول دنياك، وتزول دنيا الناس.

وستُنْزَع من الكائنات هذه الصورة. وسيُخلَع عليها أخرى. كالثانية، والدقيقة، والساعة، واليوم.. كأن الكائنات ساعة كبرى كما ذكر في [النكتة الرابعة من الكلمة التاسعة]. فلا تهتم بما يبقى لك أثراً في الفاني ويفنى عنك في الباقي.

ولا تنظر من بُعدِك وخستك ومن عظمته وعزته تعالى – ونقطة نظرك هذه الحيثية – إلى تصرفاته وتنزّلاته برحمته ونعمته؛ إذ حينئذٍ لا يليق إلا التسبيحُ.

ولا تنظر من حيثية قربه وإحاطته بعلمه ورحمته، ومن مخلوقيتك ودخولك في عنايته وكرمه، إلى صفات جلاله، لئلا تستهوي بك الأوهام والأهواء.

فسبحان من تقدستْ وتنزهتْ عن أن تحيط به الأفكار والعقول، والحمد لله الذي وسعت رحمتهُ كلَّ شيء.. لا إلهَ إلا الله وَحْدَهُ لا شَريكَ لهُ، لهُ المُلكُ ولهُ الحمدُ يُحيي ويُميت بيدهِ الخَير وهوَ على كلِّ شيءٍ قدير..

اعلم! أن مَن في قلبه حياة إذا توجه إلى الكائنات يرى من عظائم الأمور مالا يحيط به ويعجز عن إدراكه ويتحيّر فيه، فللتشّفي من ألم الحيرة يشتاق إلى “سبحان الله” كتعطش العليل الغليل إلى الماء الزلال.

ويرى من لطائف النِعم واللذائذ ما يُجبرهُ على إظهار تلذذه وتزييد تلذذه واستزاد لذته بالدوام برؤية الإنعام في النعمة، والمنعم في الإنعام بعنوان الحمد، فيتنفس بـ”الحمد لله” كما يتنفس المظفر السالم الغانم.

ويرى من عجائب المخلوقات وغرائبها ما لا يطيق مقاييس عقله وزنَها ويضيق ذهنهُ عن محاكمتها، وحسُّ تجسس الحقيقة يُشغله بها، فينادي: “الله أكبر” فيستريح. أي خالقها أعظمُ وأكبرُ فلا يثقل عليه خلقُها وتدبيرها، كمثل من يرى القمر يدور حوله فيغشاه ألمُ تعجب، أو خروج جبل بالزلزلة فيتدهش فيكبّر، فيلقى عن ظهره أثقال العَجب والتدهش على سفينة القدير القوي المتين جل جلاله..

اعلم! أنك بسيئاتك لاتضر الله شيئاً إنما تضر نفسك. مثلاً: ليس في الخارج( أي في الواقع والحقيقة -ت: 118-) شريكٌ حتى تقوّيه باعتقادك فتؤثّر في كمال ملكهِ تعالى، بل في ذهنك وفي عالمك فقط. فيخرّب بيتك على رأسك..

اعلم! أنه من توكّل على الله فهو حسبه.. فقل: “حسبي الله ونعم الوكيل”:

فأولا: لأنه الكامل المطلق، والكمال محبوب لذاته وتُفدى له الأرواح.

وثانياً: لأنه محبوب لذاته وهو المحبوب الحقيقي، والمحبة تقتضي الفداء.

وثالثاً: لأنه الموجود الواجبَ.. وبقربه أنوار الوجود.. وببُعده ظلماتُ العَدَمات، وألمٌ أليم في أفول آمال الروح الإنساني.

ورابعاً: لأنه الملجأ والمنجا للروح الذي ضاقت عليه الأكوان، وآلمَته مزخرفات الدنيا، وعادَتْهُ الكائنات وأنقض ظهره تحت الشفقة اليتمية والمرحمة المأتمية..

وخامساً: لأنه الباقي الذي به البقاء، وبدونه الزوال، وكل العذاب في الزوال. وبدونه يتراكم على الروح آلامٌ بعدد الموجودات، وبه يتظاهر على المتوكل أنوار بعددها..

وسادساً: لأنه المالك يحمل عنك مُلكه الذي عندك، إذ لا تطيق حملهُ، فبتوهم التملّك تقع في عذاب أليم أليم. فلبقائه ودوام إنعامه لا تغتم بفناء ما في يدك، كما لا تحزن الحباباتُ المتشمسة بالتحول والانحلال. فلإظهار تجددات تجليات الشمس يفدي الحبابُ صورتَه بكمال النشاط بل يموت وهو يضحك. وكما لا تغتم الثمرات بفراق الشجرة ولا النواة بانحلال الثمرة ولا أنت بزوالها إذ تقولون( أنت والنواة والثمرة) فلتحى الشجرة إذ في حياتها موتُنا حياةٌ.

يا هذا! أنت ثمرة إنعاماته بل مجسَّمُ إنعاماته.

وسابعاً: لأنه الغني المغني وبيده مقاليد كل شيء، إذا صرتَ عبداً خالصاً له، ثم نظرت إلى الكائنات تراها ملكَ مالكك وحِشمته وحواشيه فتتنزه بها، كأنها ملكٌ لك بل أعلى، بلا كلفة ولا ألم زوال.. إذ الخادمُ الخالص للمَلِك والفاني في محبته يفتخر بكل ما للمَلِك..

وثامناً: لأنه ربّ الأنبياء والمرسلين والأولياء والمتّقين وكلهم مسعودون في رحمته، فعِلْمك بسعادتهم يعطيك في شقاوتك سعادةً ولذةً إن كنتَ ذا قلب.

اعلم! أنه لا يليق بك إن كان لك عقلٌ سليم أن تهتم وتغتم وتغضب وتصخب لما يأتيك أو يفوتُك من أمور الدنيا، لان الدنيا تزول لاسيما دنياك، ولاسيما أنت؛ إذ لست بأبدي هنا، ولستَ من حديدٍ ولا شجر حتى يطول بقاؤك، بل من لحم متجدّد ودم متردد وروابط في غاية رقة تتأثر بأدنى شيء. وقد تنقطع تلك، وينجمد هذا، ويتفسخ ذلك باختلال ذرتين، ولاسيما تَنفس فيك صبحُ المشيب وكَفنَ نصف رأسك.. ولاسيما تضيّفَت بل توطنت فيك العللُ التي هي طليعة الموت، والأمراض التي هي مخالبُ هادم اللذات، مع أن أمامك عمراً أبدياً ألقيته خلفك ظهرياً، إنما ترتّبت راحته على سعيك هناك، مع انك في حرصك وشَرهَك كمن هو خالد وخَلُدَت له الدنيا خاصة.. فانتبه قبل أن تُنبّهك سكراتُ الموت..

اعلم! أنك إذا توجهت اليه تعالى بعنوان المعلوم والمعروف يصير لك مجهولاً ومنكراً، إذ هذه المعلومية والمعروفية نتيجة الاُلفة العُرفية والتسامع التقليدي، والتداول الاصطلاحي، وهي لاتغني من الحقيقة شيئاً؛ بل ما يتراءى لك فيها مقيد لا يتحمل الصفات المطلقة. بل إنما هو نوع عنوان لملاحظة الذات الأقدس..

وأما إذا توجهت إليه بعنوان الموجود المجهول، تكشّف لك عن أشعة المعروفية.. وعن بروق شروق موصوفٍ لا تثقل ولا تتعاظم عليه هذه الصفات المطلقة المحيطة المتجلية في الكائنات، كما لا يثقل عليك حمل قميصك من الحرير الرقيق ومنديلك من الخز المنمنم.(الحرير المنقش).

اعلم! كفاك فخراً بلا نهاية – لا كفخرك بكمال كبرائك – أن يكون لك مالكٌ قدير على كل شيء. ومن اقتداره وهو هو الذي السموات مطويات بيمينه، والأرض قبضته يوم القيامة، أنه يربيك بشفقة أتمّ من شفقة أبويك، وأنت أنت: كقطرة في بحر، والبحر كنقطةٍ في صحراء، والصحراء كذرةٍ بين عظائم مصنوعاته؛ إذ هو نور الأنوار العالمُ بالأسرار.. وليس من عظمة السلطان الإنساني عدم اشتغاله بتفاصيل جزئيات الأمور، بل من عَجزه وعدم اقتداره.. ومن عظمة سلطان الأزل أنه كما يكتب بقلم صُنعه على صحيفة السماء بمداد النجوم الدراري آيات ألوهيته، كذلك يكتب بذلك القلم على صحيفة سواد العين بمداد الجواهر الفردة آيات ربوبيته…

فسبحان مَن هذه الأجرام العلوية والكواكب الدرية نيّرات براهين ألوهيته وعظمته، وهذه المصابيح المزينة والنجوم المتبسمة شعاعات شواهد ربوبيته وعزته جلّ جلاله.

اعلم! أن الأسماء الحسنى كلٌ منها يتضمن الكلَّ إجمالا، كتضمن الضياء للألوان السبعة.. وكذا كلٌ منها دليل على كلّ منها، ونتيجةٌ لكلٍ منها، بينها تعاكسٌ كالمرايا. فيمكن ذكرها كالقياس الموصول النتائج متسلسلاً، وكالنتيجة المترتبة الدلائل. إلا أن الاسم الأعظم الواحد يتضمن الكلَّ فوق هذا التضمن العام. فيمكن للبعض الوصول إلى نور الاسم الأعظم بغيره من الأسماء الحسنى. فيتفاوت الاسم الأعظم بالنظر إلى الواصلين. والله أعلم بالصواب.

تضرّع (ونياز)

إلهي لازم عليّ أن لا أبالي ولو فات مني حياةُ الدارين وعادَتْني الكائناتُ بتمامها؛ إذ أنت: “ربي وخالقي وإلهي”.. إذ أنا مخلوقُك، ومصنوعُك، لي جهةُ تعلّق وانتساب، مع قطع نهايةِ عصياني وغايةِ بُعدي لسائر روابط الكرامة. فأتضرع بلسان مخلوقيتي:

يا خالقي!. يا ربي!. يا رازقي!. يا مالكي!. يا مصوري!. يا إلهي!. أسألك بأسمائك الحسنى واسمك الأعظم، وبفرقانك الحكيم وبحبيبك الأكرم، وبكلامك القديم، وبعرشك الأعظم، وبألف ألف (قُل هُوَ الله أحدْ) ارحمني يا الله، يا رحمنُ، يا حنّانُ، يا منّانُ، يا ديّانُ.. اغفر لي يا غفّارُ، يا ستّارُ، يا توّابُ، يا وهّابُ.. أعفُ عني يا ودودُ، يا رؤفُ، يا عفوّ، يا غفورُ.. اُلطف بي يا لطيفُ، يا خبيرُ، يا سميعُ، يا بصيرُ.. وتجــاوز عني يا حليــمُ،يا عليمُ، يا كريمُ، يا رحيمُ.. (اهدنا الصّراطَ المستَقيم..) يا ربُ، يا صمدُ، يا هادي.. جُد عليَّ بفضلِكَ يا بديعُ، يا باقي، يا عدلُ، يا هو.. أحي قلبي وقبري بنور الإيمان والقرآن يا نورُ، يا حقُ، يا حيُّ، يا قيّومُ، يا مالكَ الملكِ يا ذا الجلال والإكرام، يا أول، يا أخرُ، يا ظاهرُ، يا باطنُ، يا قوّيُ، يا قادرُ، يا مولايَ، يا غافرُ، يا أرحم الراحمين.. أسألك باسمك الأعظم في القرآن.. وبمحمد عليه الصلاة والسلام الذي هو سِرُّكَ الأعظم في كتاب العالم أن تفتحَ من هذه الأسماء الحسنى كواتٍ مُفيضةً لأنوار الاسم الأعظم إلى قلبي في قالبي، وإلى روحي في قبري.. فتصير هذه الصحيفة كسقف قبري، وهذه الأسماء ككوات تُفيضُ أشعة شمسِ الحقيقة إلى روحي..

إلهي أتمنى أن يكون لي لسانٌ أبدي ينادي بهذه الأسماء إلى قيام الساعة، فاقبل هذه النقوش الباقية بعدي نائباً عن لساني الزائل.

اللّهم صلِّ وسلِّم على سيدِنا محمدٍ صلاةً تُنجينا بها من جميع الأهوال والآفات، وتقضي لنا بها جميع َ الحاجات، وتُطهّرنا بها من جميع السيئاتِ، وتغفرُ لنا بها جميع الذنوب والخطيئات..

يا الله، يا مجيب الدعوات! اجعل لي في مدة حياتي وبعد مماتي، في كل آن أضعاف أضعاف ذلك.. ألف ألف صلاةٍ وسلامٍ مضروبَين في مثل ذلك وامثال أمثال ذلك، على سيدنا محمد وعلى آلِهِ وأصحابه وأنصاره واتباعه.. واجعل كل صلاةٍ من كل ذلك تزيد على أنفاسي العاصية في مدة عمري.. واغفر لي وارحمني بكلِّ صلاةٍ منها برحمتك يا أرحمَ الراحمين.. آمين..

يا ناظر!

أظنني أحفر بآثاري المشوّشة عن أمرٍ عظيم بنوع اضطرارٍ مني.

فيا ليت شعري هل كَشَفتُ.. أو سينكشفُ.. أو أنا وسيلة لتسهيل الطريق لكشّافه الآتي.

لا حولَ ولا قوّةَ إلا بالله..

حَسْبُنا الله ونِعمَ الوَكيل.

اللّهمَّ لا تُخرِجنا مِنَ الدُّنيا إلا مَعَ الشَّهادة والإيمان.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله على نعمةِ الإيمان والإسلام، بِعدَدِ قطراتِ الأمطار، وأمواجِ البحار وثَمراتِ الأشجار، ونُقوش الأزهار ونَغماتِ الأطيار، ولَمعاتِ الأنوار، والشُكرُ لهُ على كُلٍّ نِعمهِ في الأطوار، بعدد كُلِّ نِعمهِ في الأدوار.

والصلاة والسّلامُ على سيّد الأبرار والأخيار مُحمّدٍ المختار، وعلى آلهِ الأطهار وأصحابه نُجومِ الهداية ذوي الأنوار، مادامَ اللّيلُ والنهار..

اعلم! أن المسافر كما يُصادف في سيره منازلَ، لكلِّ منزلٍ شرائط تخصّهُ.. كذلك للذاهب في طريق الله مقامات ومراتب وحالاتٌ وحُجبُ وأطوار، لكل واحدٍ طورٌ يَخصهُ؛ مَن خلَطَ غلطَ. كمثل مَن نزل في قرية إسطبلا سمع فيه صهيل الفرس، ثم في بلدٍ نزل قصراً فسمع تَرَنُّم العندليب، فتوهم الترنم صهيلاً، وأراد أن يستمع منه صهيل الفرس مغالطاً لنفسه.

اعلم! أن مما زيّن في عينك هذه الحياة تلألؤ تماثيل نجوم الهداية من أماثل الأسلاف في مرآة الدنيا، ( أي أن الصور الجميلة والنماذج الطيبة لأولئك الأئمة العظام تحبب لك هذه الدنيا (ت: 123) بسرّ: أن المستقبل مرآة الماضي، والماضي يلتحق بالبرزخ – بمعناه- ويُودع صورته ودنياه في مرآة الاستقبال والتاريخ وأذهان الناس. مثلك في حب الحياة بحبهم كمثل مَن صادف في وجه طريقه مرآة عظيمة فرأى فيها تماثيل رفقائه وأحبابه الذاهبين إلى الشرق (مغرّبين في المرآة) فيتوحش من الشرق فيهرول مغرباً. ولو كُشِفَ عن وجهك غطاءُ الغفلة لرأيتك تسرع في بيداء خالية يابسة لسراب وعذاب، لا لِعَذْبٍ وشراب..

اعلم! أن من عظيم علو القرآن واصدق دليل حقانيته: محافَظَتهُ لكلِّ لوازمات التوحيد بمراتبه.. ومراعاتُهُ لموازنة الحقائق العالية الإلهية.. واشتماله على مقتضيات الأسماء الحسنى، والتناسب بينها.. وجمعهُ لشؤونات الربوبية والألوهية بكمال الموازنة. وهذه خاصيّةٌ ما وُجدَت قطُّ في أثر البشر وفي نتائج أفكار أعاظم الإنسان من الأولياء المارين إلى الملكوت، والإشرافيين الذاهبين إلى بواطن الأمور، والروحانيين النافذين إلى عالم الغيب. فلأنهم لا يحيطون بالحقيقة المطلقة بأنظارهم المقيدة، بل إنما يشاهدون طَرفاً منها فيتشبثون به وينحبسون عليه ويتصرفون فيه بالإفراط والتفريط.. فتختل الموازنة ويزول التناسبُ.

مَثلهم كمثل غوّاصين في البحر لكشف كنزٍ متزين ممتلئ بما لايحصى من أصناف الجواهر، فبعضٌ صادف يدهُ ألماساً مستطيلاً مثلاً، فيحكمُ بأن الكنزَ عبارةٌ عن ألماسٍ طويل، وإذا سمع من رفقائه وجود سائر الجواهر فيه يتخيلها فصوص ألماسه، وصادف آخرُ ياقوتا كروياً وآخر كهربا ( حجر كريم مشهور، وهو صمغ شجرة إذا حكّ صار يجذب التبن وغيره) مربعاً وهكذا. وكل واحد يعتقد مشهودَه جرثوم الكنز ومعظمه، ويزعم مسموعَه زوائده وتفرعاته، فتختل الموازنة ويزول التناسب، فيضطرون للتأويل والتصلف والتكلف حتى قد ينجرّون إلى الإنكار والتعطيل. ومَن تأمل في آثار الإشراقيين والمتصوفين المعتمدين على مشهوداتهم بلا توزين بميزان السُّنة لم يتردد فيما قلت.

ثم انظر إلى القرآن فإنه أيضا غواص لكن له عينٌ مفتوحة تحيط بالكنز وما فيه، فيصف الكنزَ كما هو عليه، بتناسب وانتظام واطراد مثلا: يشتمل على ما تقتضيه عظمةُ مَن (والأرض جميعاً قبضَتُهُ يومَ القيامةِ والسمواتُ مطوياتٌ بيمينهِ)(الزمر، 67).. وكما قال: (يومَ نَطوي السماء كَطيّ السّجلِّ للكُتُب)(الأنبياء، 104) مع أنه (يُصوِّرُكـم في الأرحام كيـفَ يشــاءُ)(آل عمران، 6) (مـا مـن دابة إلا هو آخذٌ بناصيتها)(هود، 56).

و(خلق السّمواتِ والأرض)(الأنعام، 73) مـع أنـه (خـلَـقـكـم ومـا تَعـْمــلون)(الصافات، 96) (يـُحـيي الأرض)(الروم، 50) (وأوحى ربُّك إلى النحلِ)(النحل، 68) (والشمس والقمرَ والنجومَ مسخراتٍ بأمرهِ)(الأعراف، 54) (أوَلم يروا إلى الطيرِ فَوقَهُم صآفاتٍ ويقبضنَ ما يُمْسِكُهنَّ إلا الرحمن إنه بكلِّ شيء بَصيرٌ)(الملك، 19) ويكتب صحيفة السماء بنجومها وشموسها ككتابة صحيفة جناح النحلة بحجيراته وذراته (وسع كرسيّهُ السمــوات والأرض) (البقرة، 255) مع أنه (وهو مَعكُم أينَ ما كُنتم)(الحديد، 4) (هو الأولُ والآخرُ والظاهرُ والباطنُ وهو بكلِّ شيء عليمٌ)(الحديد، 3) وهكذا.. وقس عليها.. وما يشاهد في نوع البشر من أنواع الفرق الضالة، إنما نشأت من قصور أئمتهم المارين إلى الباطن المعتمدين على مشهوداتهم الراجعين من أثناء الطريق المصداقين لما قيل: “حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء”.

اعلم! أن توصيفَ السماء بالدنيا في: (وَزيَّنّا السّماءَ الدُنيا)(فصلت : 12) ومقابلة الدنيا للآخرة، تشير إلى أن السموات الست الأخر ناظرة إلى عوالم أخرى، من البرزخ إلى الجنة، والمشهودة بنجومها وطبقاتها سماء الدنيا. والله أعلم.

اعلم! أنه جيء بك من العدمِ إلى الوجود، ثم رقّاك موجِدُك من أدنى أطوار الوجود حتى أوصلك بإنعامه إلى صورة الإنسان المسلم. فما تخلل بينك بين مبدأ حركتك من المنازل الكثيرة المتعددة كلٌ منها نعمةٌ عليك، وفيك ثمرةٌ وصبغةٌ من كلِّ واحدٍ. فصرتَ كقلادةٍ منظّمة، وعنقودٍ نضيدٍ بحبات النِعَم، وسنبلةٍ منضدة من الرأس إلى القدم، كأنك فهرسة لطبقات نِعَمه تعالى؛ ولأن الوجودَ يقتضي علّةً، والعدم لا يقتضي.. كما تقرر في العقول.. تُسأل ويُسألُ عنك في كل منزل في مراتب الوجود من الذرة إلى العدم: كيف وصلت إلى هذه النعمة؟ وبِمَ استحقيتها وبـ”هل شكرت؟” ولا يَسأل من له مسكةُ عقلٍ عن حَجَر لماذا ما صار شجراً، وعن شجرةٍ لماذا ما صارت إنسانا…

فيا أيها السعيد المسكين المغرور! أنت نقطةٌ في وسط سلسلةِ الموجودات، فعليك نِعَمٌ بعددِ ما تحتَك إلى العدم الصرف، وأنت مسؤولٌ عن شُكرها. وأما ما فوقك فليس لك ولا لأحدٍ أن يسأل لماذا ما وصلت إلى أعلى مما أنت فيه، كما لاحقَّ للذرة أن تقول:(أي واه) لِمَ ما صرتُ شمساً، ولا للنحلةِ أن تقول لصانعها: هلا خلقتَني نخلةً مثمرة؟.. إذ ما تحتك وقوعاتٌ، وما فَوقك عدمات إمكانات شبيهة الممتنعات..

اعلم! يا أنا! أن مما أهلكك وأهواكَ وأوهمك وأهزاك وأذلك وأضلك؛ أنك لا تعطي كل ذي حقٍ مقدارَ حقّه، وكل ذي حِمل حملَهُ بوسعه، بل تَفرُطُ وتُفرِّطُ فتحمِّل على نفرٍ ممثلٍ للجيش كلِّ لوازمات الجيش العَرَمْرم، وتتحرى في تمثال الشمس في عين القطرة أو وجه الزهرة كلّ لوازمات عظمة شجرة الشمس المثمرة بالسيارات. نعم، القطرة والزهرة تصفان ولا تتصفان..

اعلم! أن المُلكَ له، وأمانته، واشتراه، لا فائدة في (المرق). لا خير فيما لا يبقى. وإياك ونقض العهد معه. وعليك بالموت، والموت المنجر إلى الحياة أولى من هذه الحياة المنقلبة إلى الموت.

اعلم! ( تفصيل هذه المسألة في “الكلمة السادسة عشرة”.) أن ما في المرآة كما أنه “ليس عيناً ولاغيراً” فهو “عين وغيرٌ”، فمن حيث أنه مظروف ملكوت المرآة “عين” فأحكامه أحكام الأصل. ومن حيث أنه صفة ملك المرآة المتلألئة به “غيرٌ”، فله أوصاف ناظرة إلى المرآة، لا إلى الأصل فقط. ومن الحيثيتين “لا عينٌ ولا غيرٌ”. كما أن الشيء في مرآة الذهن – من وجه أنه مظروفه – معلومٌ، ومن جهة أنه صفته علمٌ مع تغاير لوازمهما…

اعلم! أنه لا تزاحم بين العوالم المختلفة في نوع الوجود. فإن شئت فادخل في ليلة مظلمة منزلاً منوراً بالمصابيح وأربع جدرانه من الزجاجة التي هي نوع مشكاةٍ للعالم المثالي.

فأولاً: ترى فيها باتصال – الحقيقي بالمثالي – منازل عديدة متنورة عمّت البلد كأنه لا ظلمة بمقدار مد النظر..

وثانياً: تراك تتصرف بالتغيير والتبديل بكمال السهولة في تلك المنازل..

وثالثاً: ترى السراج الحقيقي أقرب إلى أبعد السُرُج المثالية من لصيقهِ، بل من نفسه لأنه قيّومه..

ورابعاً: ترى أن حبةً من هذا الوجود تقتدر أن تقل وتحمل عالماً من ذلك الوجود.

فهذه الأحكام الأربعة تجري في مواد كثيرة حتى بين الواجب وعالم الممكنات التي وجوداتها ظلال أنوار الواجب، فوجودها في مرتبة الوهم، لكن استقرّ وثَبتَ – بأمره تعالى له – وجودٌ خارجي، فليس خارجياً حقيقة بالذات ولا وَهمياً محضاً ولا ظلياً زائلاً بل له وجودٌ بإيجاد الواجب الوجود. فتأمل..

اعلم! أنه كما أنه محال أن لا يكون لهذا المُلك المُعتنى به مالك، كذلك محالٌ أن لا يتعرف ذلك المالك إلى الإنسان الذي يدرك درجات محاسن الملك الدالة على كمالات المالك، مع أن ذلك الإنسان كالخليفة في مهده الممهّد له يتصرف فيه كيف يشاء؛ بل في السقف المحفوظ السماوي أيضا بعقله. ومع ذلك أن الإنسان أشرفُ المخلوقات بشهادة تصرفاته العجيبة الخارقة مع صغره وضعفه، وأنه أوسعُ الأسباب اختياراً بالبداهة. فبالضرورة يرسل المالك من يعرّف المالك إلى مماليكه الغافلين عنه ويخبرهم ما يرضى به ويطلبه منهم ذلك المالك جل جلاله..

اعلم! أن كل الحواس حتى الوهم والفرض والخيال يتفقون في النهاية على الحق

و يلتجؤن إليه، ولا يبقى عندهم للباطل إمكان. فيقرون بأن الكائنات لايمكن أن تكون إلا على ما أخبَر به القرآن.. هكذا شاهدتُ وعقلي معي.

اعلم! أنه كما لا تزاحم ولا تصادم بين عالم الضياء وعالم الحرارة وعالم الهواء وعالم الكهرباء (والإلكتريقية) وعالم الجاذبة إلى عالم الأثير والمثال والبرزخ. تجتمع الكلُّ بلا اختلاط معك في مكانك بلا تشكّ من أحدٍ منكم، من مزاحمةِ أخيه.. فهكذا يمكن أن يجتمع كثيرٌ من أنواع العوالم الغيبية الواسعة في عالم أرضنا الضيقة. وكما لا يعوقنا الهواء من السير ولا يمنعنا الماءُ من الذهاب ولا يمنع الزجاجُ مرورَ الضياء ولا يعوقُ الكثيف أيضا نفوذَ شعاع (رونتكن) ونورِ العقل وروح المَلَك، ولا يمنع الحديدُ سيلانَ الحرارة وجريان (الإلكتريق) ولا يعوق شيء سريانَ الجاذبة وجولان الروح وخدّامه وسيران نور العقل وآلاته.. كذلك هذا العالمُ الكثيف لا يمنع ولا يعوق الروحانيات من الدوران، والجن من الجولان، والشيطان من الجريان، والمَلَك من السيران..

اعلم! أن النور والنوراني كالعين والسراج والشمس، يتساوى لها الجزئي والنوع والجزء والكل والواحد والألوف. فانظر إلى الشمس كيف انصبغت بتماثيلها السياراتُ والبحورُ والحياضُ والحبابات والقطرات والرشاشات (والشبنمات) والذرات الزجاجية، دفعةً بالسهولة والمساواةِ بين السيارات والذرات.

كذلك (ولله المَثَلُ الأعْلى) تصرفات شمس الأزل نور الأنوار في كتاب الكائنات هكذا.. يكتُب كلَّ أبوابه وفصوله وصحفه وسطوره وجمله وحروفه دفعةً بلا كُلفة كما قال: (مَا خَلقُكُمْ ولا بَعثُكُمْ إلا كَنَفْسٍ واحدةٍ)( لقمان : 28).. آمَنــــّـــا..

اعلم! أن من تأمل في ذرات الأشياء وسَرَيانها إلى حدود، ثم توقفها عندها لفوائدٍ وثمرات، تيقّن أن عند الحدود من يأمر الذرات بـ: قفي وانثني! كما يأمر القالبُ الذهبَ الذائبَ بلسان حديد، وينهى بـ: لا تَسِل واستقر! فيما عَيَّنَتْه لك معاطفي وتلافيفي المصنوعة لحِكم.

وآمرُ الذرات ما هو إلا علمٌ محيطٌ يتجلى ذلك العلمُ قدراً، فينعكس القدَرُ مِقداراً فينطبع المقدارُ قالباً..

…………( في -ط1- : (اعلم) : أن الأسماء الحسنى أبواب متفاوتة ،ووجوه مختلفة ، ناظرة إلى الذات، وقد تتجلى أسماء متقابلة في شيء واحد، كالمعطي والمانع والضار والنافع ، فيدل على أنه كما يعطي لهذا قصداً ، يمنع ذلك الشيء من ذا بإرادة ،ويضر ذاك بما ينفع هذا . كلاهما مرادان له تعالى ، ويتحدس من هنا : أن من اتصف بحقيقة اسمٍ من الأسماء يتصف بجميعها.)

اعلم! أن القرآن كما يفسّر بعضه بعضاً، كذلك أن كتاب العالم يفسِّر بعضُ آياته بعضها. فكما أن العالم المادي يحتاج احتياجاً حقيقياً إلى شمس تفيض منها عليه أنوار نعمته تعالى، كذلك العالمُ المعنوي يحتاج أيضا إلى شمس النبوة لفيضان أضواء رحمته تعالى. فنبوةُ احمد عليه الصلاة والسلام في الظهور والوضوح والقطعية بدرجة الشمس في وسط النهار، وهل يحتاج النهارُ إلى دليل؟..

اعلم! أن الثمرات المترتبة على وجود الحي لا تنظر إلى الحي وبقائه ونفعه وكماله فقط، بل إليه بحصةٍ ودرجة، وإلى المحيي جل جلاله بدرجات غير محصورة.. فحصةُ الحي قد لا تحصل إلا بزمان مديد، لكن ما ينظُرُ إلى المحيي قد يحصل في آنٍ سيال، كإظهار الحي – بمعكسيته ومظهريته لتجليات الأسماء الحسنى – حمدَ خالقهِ بتوصيفه بأوصافِ كماله وجماله وجلاله بلسان الحال..

اعلم! أن فرد الإنسان كنوع سائر الأنواع، بسر: أن فرد الإنسان له ماض ومستقبل يجتمع في الشخص معنىً كلُّ مَن مات منه من أفراد نفسه؛ إذ في كل سنةٍ يموت منه فردان صورةً ويورثان فيه معنَييْهما من الآلام والآثام والآمال وغيرها، فكأنه فردٌ كلي.. وإحاطة فكره وعقله ووُسعة قلبه وغيرها تعطيه نوعَ كليةٍ.. وكون فرده كنوعه في الخلافة والمركزية لعالمٍ خاص كالعالم العام.. والعلاقة الشعورية مع أجزاء العالم وتصرفه في كثير من أنواع النباتي والحيواني والمعدني تحويلا وتغييراً خلافاً لسائر الحيوانات وغيرها، أيضا تعطي له نوع كليةٍ، كأنَّ كلَّ فردٍ نوعٌ منحصر في الشخص.. ودعاء المؤمن لعموم أهل السموات والأرض يشير إلى أن الشخص يصير بالإيمان كعالَم، أو مركزه. فما تجري في نوع الحيوان من القيامات المكررة النوعية المشهودة في كل سنة – فان شئت فَانظُر إلى آثارِ رحمة الله في كل سنة في الثمرات المتجددة الأمثال كأنها أعيانها، وإلى حشر أنواع الهوام والحشرات بكمال سهولة من القيامة – تجري بالحدس القطعي في كل فرد من أفراد الإنسان، فيدل كتاب العالَم في هذه الآيات التكوينية على قيام القيامة الكبرى لأبناء البشر، كما يدل القرآن عليه بالآيات التنزيلية.. فالدلائل العقلية على القيامة ذكرتُها في “إشارات الإعجاز”( في تفسير قوله تعالى: (وبالآخرة هم يوقنون) و (وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات…) وفي الباب الثالث في “نقطة” ( وقد وسع الأستاذ المؤلف كلاً من الباب الثاني والباب الثالث من هذه الرسالة فاصبحا ” الكلمة التاسعة والعشرين” لذا لم يدرجا ضمن رسالة “نقطة من نور معرفة الله” في هذا الكتاب.) فراجعهما إن شئت، فإن فيهما ما يطرد عنك الوساوس ويطيّر عنك الأوهام..

اعلم! أنك إذا استمعت القرآن فألبس لكلّ نغمةٍ من نغماتهِ المتطوّرة على الحُجُب، والمتنوعة في المراتب الإرشادية، والمنصبغة بحسيات الوسائط، من جبرائيل عليه السلام إلى من تسمع منه، ما يناسبها.

فلك أن تَمُرّ بسمعك من القارئ في مجلسك إلى الاستماع من النبيِّ صلى الله عليه وسلم الذي يقرأُه في ذروة شاهق النبوة في مجلس الأرض على أبنائها من بني آدم وغيرهم.

ولك أيضا أن تستمع من جبرائيل وهو يخاطب النبيَّ في الأفق الأعلى “عليهما الصلاة والسلام”.

ولك أن تستمع من خلف سبعين ألف حجابٍ من المتكلم الأزلي، وهو يتكلم مع النبي في قاب قوسين أو أدنى. فألبسْ إن استطعتَ لكلٍّ ما يليقُ به!..

اعلم! أن ما يتعلق بك منك من الشعور والعلم، إنما هو بدرجة ما يرجع إليك منك، بسر: عدم الإسراف، ومناسبة السبب للمسَّبب، والقوة للعمل. وما يرجع إليك بالنسبة إلى ما يرجع إلى مَن خَلَقَك كنسبة شعرةٍ إلى حبل، وخيط إلى ثوب. فنسبة علمِك وشعورك المتعلقين بك بالنسبة إلى علمِه وبصره المتعلقين بك كنسبة (تنور الذباب)(المقصود: اليراعة.) الذي يبرق منه النور كنُجيمة بتلمعه في النهار تحت ضياء الشمس المحيط به. وأنت في ظلمات الغفلة، وليل الطبيعة ترى لمعتك نجماً ثاقباً..

اعلم! أن فيما بين أفعال الله تناسباً، وبين آثاره تشابهاً، وبين أسمائه تعاكساً، وبين أوصافه تداخلاً، وبين شؤوناته تمازجاً. إلا أن لكلٍ طوراً يخصُّه، يستتبع ما سواه في طوره. فلا يُتوجّه قصداً في بيته ودائرة حُكمه إلى غيره، ولا يُطلب لوازم الغير منه، لأن لازم اللازم ليس بلازم إلا بقصدٍ جديد. إذ التابع لا يُستتبع، كما أن الحرف التبعي لا يُحكم عليه.

فإذا نظرت من آثاره إلى الجامدات فتوجّه قصداً إلى القُدرة والعظمة، ويتراءى لك تجليات سائر الأسماء استطراداً وتَبَعياً.

فإذا نظرت إلى الحيوانات الغير الناطقة فالبَس لها طورها، فهكذا (وكل شيء عندهُ بمقدار)(الرعد، 8) (خلق كل شئ فقدره تقديراً)(الفرقان : 2)

اعلم! أن “لا َحَولَ ولا َقُوّةَ إلا بالله” ينظر إلى مراتب أطوار الإنسان وأدوار وجوده من الذرات إلى الوجود الحي، معدناً جامداً، ونباتاً نامياً، وحيواناً حساسا، وإنساناً مؤمناً، ففي كل مقام من تلك المنازل، ولكل لطيفة من لطائفه آلامٌ وآمال:

فلا حول عن العدم ولا قوةَ على الوجود إلا بالله..

لا حول عن الزوال ولا قوةَ على البقاء إلا بالله..

لا حول عن المضار ولا قوةَ على المنافع إلا بالله..

لا حول عن المصائب ولا قوةَ على المطالب إلا بالله..

لا حول عن المعاصي ولا قوةَ على الطاعات إلا بالله..

لا حول عن النقم ولا قوةَ على النعم إلا بالله..

لا حول عن المساوئ ولا قوةَ على المحاسن إلا بالله..

لا حول عن الآلام ولا قوةَ على الآمال إلا بالله..

لا حول عن الظلمات الهائلة ولا قوة على الأنوار المتلألئة إلا بالله العلي العظيم.

اعلم!( [إن إيضاح هذا القسم الذي يخص “حسبنا الله” في اللمعة التاسعة والعشرين العربية وفي الشعاع الرابع والرجاء الرابع عشر والخامس عشر من رسالة الشيوخ] المؤلف.) من توكل على الله فهو حسبه: (حَسبُنا الله ونِعمَ الوكيلُ)؛ لأنه مالكنا ومالك الكل، فالكلُّ كمُلكنا إن كنّا له تعالى.

(حَسبُنا الله ونِعمَ الوكيلُ)؛ لأنه الكامل المطلق والكمال محبوب لذاته، من شأنه أن يُفدى له الوجود.

(حَسبُنا الله ونِعمَ الوكيلُ)؛ لأنه الجليل الجميل ذو الكمال والجلال والجمال المحبوب لذاته، فلشوق تجديد تجليات جماله نموت ضاحكين ونحيا مسرورين.

(حَسبُنا الله ونِعمَ الوكيلُ)؛ لأنه الواجب الوجود الموجد لكل موجود فعلمنا بوجوب وجوده يعطينا كل الوجود، وبعدم العلم يصير في يدنا نقطة وجود يتحامل عليها أعدام هو ملء الدنيا.

(حَسبُنا الله ونِعمَ الوكيلُ): لأنه القديم الأبدي الدائم الباقي (كلُ شيء هالكٌ إلا وجهه)( القصص : 88).

(حَسبُنا الله ونِعمَ الوكيلُ)؛ لأن الدنيا فانية والحياة زائلة.

(حَسبُنا الله ونِعمَ الوكيلُ)؛ لأن بدونه يصير كلُ لذائذ الدنيا منغّصة بآلام هائلة، وبالتوجه إليه والارتباط برحمته لا تزيد اللذائذ الزائلة إلا لذة تجدّد الأمثال خالصة عن آلام الزوال.

(حَسبُنا الله ونِعمَ الوكيلُ)؛ لأن به أنوار الوجود وبدونه ظُلمات الإعدام الهائلة.

(حَسبُنا الله ونِعمَ الوكيلُ)؛ لأنه إن عرفناه وشكونا اليه وأرضيناه كفانا كلّ حاجاتنا إلى أنواع الكائنات، وأما إذا توجّهنا إلى الأسباب – التي حاجاتُنا عندها في النظر الظاهري – وشكونا إليها فمع أنها عمي صم لا تسمعنا ولا ترانا، تتشوش علينا الأمور وتتشتت بنا الطرقُ، كمثل مَن شكى إلى سلطان فأنفذ في آن، ومَن شكى إلى كلّ أهل البلد فرداً فرداً ليتفقوا على إمداده. ولو اتفقوا ما اتفقوا إلا في زمان طويل وتكلف عظيم!!

اعلم! أن من لطائف إعجاز القرآن ومن دلائل انه رحمة عامة للكافة: أنه كما أن لكلِ أحد من العالم عالماً يخُصُّه، كذلك لكلٍ باعتبار مَشْرَبه من القرآن قرآن يخُصُّه ويربّيه ويُداويه.

ومن مزايا لطف إرشاده: أن آياته مع كمال الانسجام وغاية الارتباط وتمام الاتصال بينها، يتيسرُ لكل أحد أن يأخذَ من السّوَر المتعددة آياتٍ متفرقة لهدايته وشفائه، كما أخذَها عمومُ أهل المشارب وأهل العلوم؛ فبينما تراها أشتاتاً باعتبار المنازل والنزول، إذا تراها قد صارت كقلادةٍ منظمةٍ ائتلفت واتصلت مع أخواتها الجديدة. فلا بالفصل من الأصل تنتقص، ولا بالوَصْل بالآيات الأخر تَستوحش. فهذا السر يشير إلى أن لأكثر الآيات الفرقانية مع سائر الآيات مناسباتٌ دقيقة يجوز ذكرها معها واتصالها بها.

فكما أن سورة “الإخلاص” اشتملت على ثلاثين سورة بضمّ جُمَلها بعضٌ إلى بعض دليلاً ونتيجةً، كما ذكر في [اللوامع]( المنشورة ملحقة بمجلد “الكلمات”) كذلك القرآن الكلّي الجزئي والنوع المنحصر في الشخص يشتمل بجامعية الآيات للمعاني المتعددة ومناسبة الكل للكل يحتوي على ألوف ألوف قرآنٍ في نفس القرآن. فلكل ذي حقيقة فيه كتابٌ يخصُّه ومن اتبعه..

اللهم يا منزلَ القرآن بحقّ القرآن اجعلْ القرآنَ مونِساً لي في حياتي وبعد مماتي

ونوراً في قلبي وقبري..

لا إله إلا الله مُحمّدٌ رسُولُ الله..

الوداع( ظننت بشدة مرضى قرب الأجل في ذلك الوقت فقلت : الوداع. أنا أسافر من باب القبر إلى مجمع أحبابي وأساتيذي ورفقائي من طلبة المدارس والنور. المؤلف)

ذيل الذيل

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الرحمن الذي من لطائف عظائم ثمرات طوبى رحمته: “سيدُنا محمد” عليه الصلاة والسلام والجنّةُ المتدلّيَيْن على الدارين.. والقديرُ الذي هذه الموجوداتُ الجديدةُ الجلية، والأجرام العلوية في بستان الكائنات شواهدُ ربوبيته، وهذه النباتاتُ المتلونة والحيوانات المتنوعة في حديقة الأرض خوارقُ صنعتِه وبراهينُ ألوهيته، وهذه الأزهار المنوّرةُ والأشجار المُثمِرةُ في هذه الجنان معجزاتُ قدرته ودلائلُ رحمته، وهذه الشجرةُ بأوراقها وأزهارها وأثمارها في هذه الروضة معجزاتُ قدرته.. تشهد كلّ على انه على كل شئ قدير.

فالواقعاتُ الماضية معجزاتُ قدرتهِ، تدلُّ على انه قادرٌ على كل الممُكناتِ الآتية لم يَخرج فيما مضى ولن يَخرجَ فيما يأتي شئ من حكم قُدرته. تتساوى بالنسبة اليه الذراتُ والشموسُ.. وهو الحقُّ المُبين الواحدُ الأحد الذي تُنشدُ ذرات الكائناتِ ومركّباتُها بدلالاتها المختلفة وألسنتها المتنوعة مشيرةً إلى جماله المطلق:

عباراتنا شتّى وحسنك واحد وكلٌ إلى ذاك الجمال يشيرُ

ويتلو كتابُ الكائنات بأبوابه وفصوله وصحفه وسطوره وجُمله وحروفه آيات وجوبه ووحدته، وتقرأ سطورهُ على العقول:

تأمل سطور الكائنات فإنها من الملأ الأعلى إليك رسائل

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..

اعلم! يا سعيد الشقي! لا تنظر إلى ما ليس لك، بل انظر إليك، أي شيء أنت؟ وما أنت؟ وبِمَ تستند؟ إذ أنت عَجزٌ متجسّدٌ واحتياجٌ محضٌ ومجسّمُ إنعامٍ ونومٌ مموَّهٌ باليقظة.

فالعجز جسدُك والاحتياجُ روحٌ فيه يتحرك، والإنعام جسمك، وحياتُك نومٌ تسكن به. (أي واه) وا شقاوتا أغرقُ في قطرة تصير بحراً عليّ، وأغيب في آن يصيرُ كالأبد، وأظن لمعةَ هذه الحياة شمساً شارقة!

أيها السعيد المسكين! ما رأس مالك إلا ستون ديناراً تقريباً، أخذت خمسة وأربعين فصرفتها كلَّها لمصارف يوم في خانِ الدنيا، ونسيتَ بيتكَ وما يلزم له فصار مالُكَ عليكَ ديْناً وناراً، وما بقيَ من خمسة عشر ديناراً مجهولٌ لا تدري أتأخُذُها أو بعضها أو لا تأخذ شيئاً منها. فكلما أخذت شيئاً منها فاصرفه لبيتك الدائمي. ولا أقل استَبْقِ لكَ ثُلثه ليَصيرَ لك ديناً ونُوراً. فما أجهلك وأشدك خسارة! صرفت كلِّ المأخوذ ليوم زائل وما بقي في يدك لمقامك الباقي إلا اقلَّ قليل، وأنت راحلٌ غافلٌ، كانت لك ثلاث درجات.. خطوت على اثنتين بخروجك من المنزل والبلد، فرفعت قدمك لتخطى على الدرجة الثالثة بالخروج من الدنيا الفانية.

اعلم! ( اللمعة الثالثة والعشرون “رسالة الطبيعة” تفصيل لهذه الفقرات) أنه كَبُرَتْ كلمةً تخرجُ من أفواه الناس، إذ يقولون: “تشكَّل بنفسه”.. و”اقتَضَتْهُ الطبيعة” و”أوجدته الأسباب”. فهذه الجمل الثلاث باطلة، ومن ظروف المحالات: إذ أنك موجود، فإما أنت مصنوعُك بالنظر إلى الجملة الأولى.. وإما مصنوع أسباب العالم كما اقتضته الثانية.. وإما مصنوعٌ بطبيعة موهومة، وقوة عمياء كما تدل عليه الثالثة.. وإما مصنوع الله كما يستلزمه الحق والحقيقة.

أما الأول: فمحالٌ بوجوهٍ غير محصورة: منها: لابد أن تعطي لكل ذرةٍ من ذراتك عيناً ترى كلَّكَ بل كلَّ الكون وشعوراً كذا، وهكذا ممّا يستلزمه كمال صنعتك لنظر نسب الجزء إلى نقوش الكل.

ومنها: لابد أن توجد فيك عدد المركبات المتداخلة المتصاعدة المتنازلة في ذراتك قوالب كقوالب الطبع من الحروف الحديدية المصنوعة أيضا، لو لم تُكتب بقلم القدير الأزلي الواحد.

ومنها: لابد أن يكون كل ذرة بسر وحدة الأثر حاكمةً على الكل ومحكومة للكل، كالأحجار في البناء المعقد بفرض نفي الباني.. وكذا ضداً ومثلاً، ومُطلقةً ومقيدةً، ومصدراً ومنبعاً لصفاتٍ تستبعد وجودها حتى فيمن يطوي السماء كطي السجل!

وأما الثاني: فمحالاته لا تحصى: منها: أن المواد التي صُنِعت منها كزجاجات الأدوية في “صيدلية”، فإن أمكن عندك أن يخرج بانصباب وسيلان بلا مداخلة أحدٍ من كل زجاج مقدارٌ معين بميزان حساس، ثم تجتمع المقاديرُ المتفاوتة لتشكيل علاج الحياة أو تركيب معجون حيويّ، أمكنَ لك أن تتوهم صدورك من أسباب جامدة.

ومنها: صدور شيء واحدٍ بكمال الانتظام من أسباب غير محدودة جامدين متشاكسين عُمياً صماً مترددين بين الإمكانات. تزداد بالاختلاط أعمّيتها وأصميّتها، ومع أن مباشرتها بظاهر الشيء. والحال أن باطنه ألطفُ وأكمل صنعة، فمحاليةُ صدورك منها أظهرُ من أن يُخفى.

ومنها: أن اجتماع تلك الأسباب الغير المحصورة بكمال الاتفاق والانتظام بميزان الحاجة في حجيرة من حجيرات عينك ليس بأسهل من اجتماع أركان العالم بوجوده الخارجي بأجرامه العظيمة في كفِّك، بل في ظُفركَ، بل في حجيرةٍ منه؛ إذ من يعمل في بيت، جاز اشتمال البيت عليه أن كان العامل مادياً، فما دام العالم بأجزائه عاملاً في جزئكَ جاز دخوله في ذرتك. وهذه سفسطة يخجل منها السوفسطائي.. وهكذا من المحالات المتسلسلة والممتنعات العقلية والأباطيل التي تمجّها الأوهام.

والاحتمال الثالث: وهو تأثير الطبيعة، فأبطلُ وأفسد.

إذ الطبيعة لها ظاهرٌ عرفي موهوم ظَنّته الغفلةُ والضلالة حقيقةً، ولها باطنٌ هو الصنعة الإلهية والصبغة الرحمانية.

وأما القوةُ فحقيقتها تجلي قدرة الحكيم العليم الخبير المريد. واما ما يصوره نظرُ الغفلة والتغافل من الصانع الواحد وما اتصل به من جناحي التصادف الأعمى والاتفاقية العوراء.. فمن مخترعات الشياطين بالاضطرار الناشئ من الضلالة.

ولقد حققنا في “نقطة، وقطرة وذيلها، وشمة، وذرة، وحبة وذيلها” بما لم يُبق شبهة: إن هذه الصنعة الخارقة لا تصدر إلا من قدرة خبير بصير، يتصف بجميع أوصاف الكمال.

فأين يد الممكن المسكين المقيد المحدود الجامد الكثيف من نسج حلة الكائنات؟! وأين يد البعوضة من نسج قميصات مطرزات منقشات لَبِستْها هذه العوالم؟!

فلم يبقَ إلا أن تكون أنت وكلُّ شيء، مصنوعَ الصانع الأزلي الذي شواهدُ خلاقيته بعدد الموجودات: منها الكائنات بجميع ذراتها ومركباتها. كُلٌّ يشهدُ عليه بخمس وخمسين لساناً كما في “قطرة”.

ومنها: القرآن مع كل كتب الأنبياء والأولياء والموحّدين، مع الآيات التكوينية في الكون..

ومنها: سيدُ الأنام مع كل الأنبياء، والأولياء والمَلك..

ومنها: ما في الجن والإنس من الفطرة بأنواع احتياجاتها..

ومنها: (شَهِدَ الله أنّهُ لا إلهَ إلا هُوَ)( آل عمران، 18) فمع ما سمعت:

فاعلم! أن مَثَل إسناد الصنعة إلى الممكن على الوجوه الثلاثة الأول، وإلى الواجب كما هو الحقُّ؛ كَمَثلِ الشجرة بأثمارها إن أسندتها للوحدة، بأن اسنداها بقوانين النمو إلى جرثومها المستمد من النواة الممتثلة للأوامر التكوينية المُفاضة من أمر “كُن” الصادر من الواحد الواجب. فالشجرةُ بجميع أجزائها وأوراقها وأزهارها وأثمارها كثمرةٍ واحدة، ولا فرق بين شجرة ذات ثمرتين كخردلتين، وشجرة كجبل ذات أثمار غير محدودة من الجوز الهندي (لسر مجهول([لم ينكشف ذلك السر بعد أثناء تأليف هذه الرسالة، إلا أنه اتضح بعد ذلك بـ” الشفافية والمقابلة والموازنة والانتظام والتجرد والإطاعة”]. المؤلف) في وجود السهولة واليُسر في الوحدة والاتفاق، حتى في تشريك المساعي وتوحيدها بتقسيم الأعمال.. ووجود الصعوبة والعسر في الكثرة والتشتت).

وأما إذا أسندت إلى الكثرة الإمكانية وغير ما عيّنه الصانع؛ لاحتاج كُلُّ ثمرةٍ وكلُّ زهرةٍ وكلُ ورق وكل غصن إلى كلِّ ما يحتاج اليه كلُّ الشجرة، لاندماج أنموذج الكل في جزءٍ جزءٍ. فانظر ما تَرَى: ما بين الشقين، كما بين الوجوب والامتناع؛ إذ سهولة الأول بدرجة جاز أن يقال يجب أن يكون هكذا.. وصعوبة الثاني بدرجة تضطرنا أن نقول : يمتنع أن يكون كذا.

الحاصل: إن أعطيتَ التصريف لغيره تعالى لزمك: إما أن تجعل كلَّ حجيرة من حجيرات أجزائك محيطة بصفاتها بالكائنات، إن أسندتها إلى نفسها.. وإما أن تجعل كلَّ حجيرة كحجرة تجتمع فيها مجموع أسباب العالم العاملة فيها، إن أسندتها إلى الأسباب؛ لأن وحدةَ الحجيرة إلى أن تصل إلى وحدة العالم تدل على وحدة الصانع، إذ الواحد لا يصدر إلا عن الواحد، لاسيما الحجيرة التي لاتسع إصبعين لبعوضتين، فكيف تسع ما لا يسعه كلُّ الكون من تصرف الهين؟ فدليل الوحدة هو الوحدة. وزجيجة – كخردلة – يمكن أن توجد فيها الشمسُ بضيائها وألوانها وحرارتها بالتجلي بكمال السهولة، ولا يمكن وجود خردلتين في خردلةٍ بمصدريتها لهما.

فكما أن الوجود الخارجي اثبتُ واثقلُ واحكمُ من الوجود المثالي، فتسع ذرةُ ذاك جبلَ هذا، وشمسُ هذه تدخل في لمعةِ ذاك.. كذلك الوجود الوجوبي اثبت وارسخ وارزن وأرصن بل هو الوجود الحقيقي والخارجي البحت، وأحق بما لا يُحد من الوجود الإمكاني، فالموجودات الإمكانية بحذافيرها المتمثلة في مرآة العلم الأزلي المحيط تصيرُ كالمرايا لتجليات أنوار الوجود الوجوبي. فالعلمُ مرآتُها، وهي مرآة الوجود الوجوبي. فوجودها خرج من مرتبة العلم إلى الوجود الخارجي، ولم يصل إلى مرتبة الوجود الحقيقي…

اعلم! أنه من تأمل في الكون يتحدس منه: أن الفاعلية والتأثير من شأن اللطيف، والنوراني، والمجرد.. وأن الانفعال والقابلية والتأثر من شأن المادي والكثيف والجسماني.

فان شئت انظر إلى النور وإلى الجبل، فالأول: يقوم في السماء، ويدهُ الرقيقة اللطيفة في الأرض فعالة جوالة. والثاني: بعظمته وباياديه الغليظة لا يقتدر على فعل وتأثير حتى في لصيقه وجاره.. وكذا نرى في تفاعل الأشياء في الظاهر: إن بدرجة لطف الشيء ونورانيته تظهر مرتبة السببية فيه، وبالكثافة يتقرب إلى درجة المسَبَّب. فيُعلم من هنا أن خالق الأسباب الظاهرية وموجد المسَّببات هو نورُ الأنوار الذي: (لَيسَ كَمثلهِ شَيءٌ وهوَ السميعُ البصير)(الشورى، 11) (لا تُدْرِكهُ الأبصارُ وهو يُدركُ الأبصار وهوَ اللطيفُ الخبير..) (الأنعام، 103) لا إله إلا هو…

اعلم! أن التفكر نور يُذيبُ الغفلة الباردة الجامدة، والدقةُ نارٌ تحرق الأوهام المظلمةَ اليابسة، لكن. إذا تفكرتَ في نفسِك فدقّق وتمهّل وتغلغل وفصّله تفصيلاً، إذا تفكرتَ في نفسِك فدقّق وتمهّل وتغلغل وفصّله تفصيلاً، بمقتضى الاسم “الباطن” المتعمق؛ إذ كمالُ الصنعة أتم في تحليله وتفصيله..

وإذا تفكرت في الآفاق، فأجمل وأسرع ولا تَغُص ولا تَخُضْ إلا لحاجة إيضاح القاعدة، ولا تحدِّد النظر، كما هو مقتضى الاسم “الظاهر” الواسع؛ إذ شعشعةُ الصنعة أجلى وأبهرُ وأجملُ في إجماله ومجموعه، ولئلا تغرق فيما لا ساحل له. فإذا فصلتَ هناك – يعنى في نفسك – وأجملتَ هنا، تقرّبتَ إلى الوحدة. فصارت الجزئياتُ أجزاء، والأنواع كلاً، والمختلط ممتزجاً، والممتزج متحداً فيفور منه نورُ اليقين. وإذ عكستَ بأن أجملت فيك، وفصّلتَ في الآفاق تتشتت بك الكثرةُ وتستهوي بك الأوهام وتستغلظ أنانيتك وتتصلّب غفلتُك، فتنقلب طبيعةً. فهذا طريق الكثرة المنجرة إلى الضلالة… اللّهمَّ لا تجعلنا من الضالين آمين…

اعلم! أنه قد روي أن الإنسان “إذا تحرك سكن رزقهُ، وإذا سكن تحرك رزقهُ”. الحق أنه من لمعات حقيقة واسعة.. فانظر إلى الأشجار لما سكنتْ متوكلةً تحركتْ إليها أرزاقها، وإلى الحيوانات لما تحركتْ حريصاتٍ سكنتْ عنها أرزاقها ثابتة في مقامها نابتةً على عروقها، تدعو بألوانها وروائحها إلى أنفسها مَن جاع واحتاج من الحيوانات المتحركة بأهوائها والدائرة بهَوَساتها..

اعلم! أنه ما أجهل الإنسان الغافل وما أضله وما أضره لنفسه!. يترك خيراً عظيماً لوجود احتمال عائقٍ بين تسعة احتمالات سائقة، ويرتكب الضلالة بترك الهداية لشبهةٍ سوفسطائية مع وجود ألوف براهين الهداية، والحال أن الإنسان وهّام ذو احتياط وحزمٍ يتجنب من المضار العاجلة باحتمالٍ واحدٍ من عشرة احتمالات. فكيف لا يتجنب من اضرّ المضرات بتسعة احتمالات بل بتسعة وتسعين؟!.

اعلم أن في روح الإنسان احتياجاتٍ لا تتناهى وقابليةً لتألمات لا تتناهى واستعداداً لتلذذات لا تتناهى ومهيأ لآمال والآم لا تتناهى؛ حتى أن الشفقة مع ضلالة القلب تتضمن آلاماً غير متناهية. كما ذكر في “قطرة”، فليس لك أن تقول: ما أنا ومَن أنا وأي شيء أنا حتى تقوم لي القيامة، ويوضَع لي الميزان، ويجري عليّ الحساب! فيا أيها الضال الشاك..! لا تغتر بهذه الحياة، فإن لذتها معلقةٌ بمغلطة مربوطةٍ بالشك لأهل الضلالة. فيفرُّ الضالّ الشاك من دهشةِ ألم الزوال والفناء إلى احتمال السعادة الأبدية. ويفرُ أيضا من تكلف تحمل التكاليف الدينية إلى احتمال عدمِ الآخرة، فيتخلص بهذه المغلطة من الألَمين مؤقتاً. ففي قريب من الزمان تنحلُّ عليه العقدة، وتنكشف الحقيقة. فلا الاحتمال الأول، يهوِّن ألَمه بل يحسه كلَّ الألم دفعةَ، ولا الثاني، يخفف حمله بل يضاعف عليه آلاماً جهنمية. وكذا يقول – لكن في زمان قليل – : فالمصيبة عمّت وطابت، فلا عليّ أني كأمثالي فلا أبالي! لكن يجيء زمان عن قريب، تتضاعف عليه المصيبة بدرجة عمومها، كإصابة الشخص في نفسه ثم أقاربه وأحبابه، لأن في روح المرء علاقات بأبناء جنسه فمهما عمّت المصيبةُ تضاعفت البلية.

أيها الشاك الغافل! لا تحسب أن تذوقه بيدي الغفلة والشك لذة لذيذة، بل فيه ادخار آلام أليمة، ستهجم عليك دفعةً وتنقلب آلاماً جهنمية. فإن أحببت أن يتبدل لك هذه الآلامُ المترصدة لذائد متجددةً، وتنقلب هذه النارُ نوراً؛ فقوِّس انفَ غرورك بالركوع في الأوقات الخمسة، ووسِّع رأسه لنزول ضيفِ الفرقان مع فيض الإيمان. فلابد من المداواة بالتفكر بالآيات وملازمة مَرارة هذه الضلالات، وتنكشف لذة المناجاة..

اعلم ( تراجع المذكرة الثالثة عشرة من اللمعة السابعة عشرة) أن العبودية تستلزم التسليمَ دون الاختيار والتجربة والامتحان إذ “للسيد أن يختبر عبدهُ، وليس للعبد أن يختبر ربّه”!..

اعلم أن دائرة الاسم “الباطن” ودائرة الاسم “الظاهر” متداخلتان ومتقابلتان. فأهل الأولى يقولون قدرته، مثلا كالبحر. وأهل الثانية يقولون كالشمس. فالبحر كالكل ذي الأجزاء. والشمس كالكل ذي الجزئيات تماثيلها كجزئياتها. والباطني المحض المفرط لا يخلص من شائبة التجزء والاتحاد. والظاهري السطحي المخالف للسنة لا يخلص من شوب شرك الأسباب، فالصراط المستقيم هو القرآن..

فيا مُنزلَ القرآن، بحق القرآن اهدنا الصّراط المُستقيم

آمين آمين آمين