مع توالي ضربات المقاومة واستخدامها سلاح العمليات الاستشهادية بشكل مكثف لجأ شارون إلى القيام بعمليات اجتياح واسعة للمدن والمخيمات الفلسطينية مرتكباً العديد من المجازر دون أن يؤدي ذلك إلا إلى تصاعد وتيرة العمليات الاستشهادية ودخولها مرحلة جديدة بانضمام قوافل من الاستشهاديات على خط تلك العمليات وهو ما أعطى مؤشراً واضحاً بأن تلك العمليات تحظى بإجماع فلسطيني لا نظير لـه، وفي ذات الوقت تأزم موقف السلطة إثر ضبط الأجهزة الأمنية الصهيونية لسفينة الأسلحة التي كانت مرسلة لصالح جهات في السلطة الفلسطينية اضطرت بعدها السلطة وإثر ضغوط أمريكية إلى القيام باعتقال العميد فؤاد الشوبكي أحد كبار المستشارين الماليين لعرفات دون أن يبدد ذلك سخط حكومة العدو التي استغلت ذلك في زيادة الضغط على عرفات من أجل القيام بالمزيد من الخطوات والإجراءات الكفيلة بضرب حركات المقاومة، حيث قامت قوات العدو باستهداف المقرات الأمنية و البنى التحتية للسلطة بما فيها طائرات عرفات وشرعت في محاصرته في مدينة رام الله، وعن ذلك صرح شارون في مقابلة صحفية مع نيوزويك (18/12/2001م) بقوله: “أعتقد بأن الرئيس بوش ووزير الخارجية باول والجنرال زيني يبذلون كل جهد ممكن للضغط على عرفات. نحن نعلم أن عرفات ما لم يجد نفسه معزولاً كلياً، فإنه لن يتخذ أية خطوات، وحتى عندئذٍ، الخطوات التي يتخذها تكون لفترة قصيرة.. لقد قيدنا تحركاته لكي نجبره على اتخاذ إجراء. إنه حر الآن، لكن ليس لديه وقت للذهاب إلى الخارج”.

وإزاء فشل الجيش الصهيوني في عمليته الكبيرة ضد القرى والمدن والمخيمات الفلسطينية التي حملت اسم “عملية بالألوان”، فقد لجأ إلى تكرار التجربة عبر عملية أوسع وأضخم حملت اسم “الجدار الواقي لحماية نجمة داود” وهو الاسم الذي أطلقه الجنرال إسحاق إيتان قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال على الحملة العسكرية الشاملة ضد المناطق الفلسطينية والتي أوضح إيتان نفسه أن الهدف الأمني من العملية هو وقف أو على الأقل تقليص عدد العمليات التي ينفذها رجال المقاومة في قلب المدن الصهيونية، والنيل من إرادة وصمود الشعب الفلسطيني ليتخلى عن سلاحه الاستراتيجي “العمليات الاستشهادية”. وبجانب ذلك فقد لجأ شارون لتلك العملية لرفع معنويات الشارع الصهيوني بعد أن وصلت إلى الحضيض كما صرح بذلك ما يسمى بوزير القضاء الصهيوني مئير شطريت بقوله:”إن هذه العملية ضرورية لتعود ثقة “الإسرائيليين” في دولتهم وأجهزتهم الأمنية”.. ويضيف شطريت في تصريح لتلفزيون العدو :”إنه منذ العام 1948 لم يتملك الجمهور “الإسرائيلي” هذا القدر من الشعور بالخوف وعدم الاطمئنان. نعم نحن نريد أن يرى مواطنونا جنودنا وهم يقتحمون بيوت الفلسطينيين، نريدهم أن يروا الخوف أيضاً على وجوه نسائهم وأطفالهم، وأن يروا كيف يقتاد جنودنا شبابهم معصوبي العيون إلى مراكز الاعتقال، ببساطة نريد أن نرفع من معنويات شعبنا، وهذا هدف هام بحد ذاته”!!

ولاشك أن للعملية بعداً آخر يتعلق بمستقبل شارون السياسي والذي رهنه بتوفير الأمن لليهود والقضاء على الانتفاضة وهو ما لم يتمكن من تحقيقه بل على العكس انعدم الأمن في عهده وشهد تزايداً لم يسبق لـه مثيل في أعداد القتلى في صفوف الصهاينة وهو ما دفعه للاحتماء خلف سور عمليته “الواهي”.!!

وبالنظر إلى نتائج تلك العملية وآثارها على مختلف الأطراف يمكن الحكم على مستقبل برنامج المقاومة تبعاً لذلك وبمقارنة الأهداف والنتائج يتضح لنا فشل تلك العملية في تحقيق أهدافها، فقد كان على رأس أهداف تلك العملية القضاء على الانتفاضة وعلى الأخص العمليات الاستشهادية التي باتت تمثل تهديداً استراتيجياً للكيان الصهيوني وهانحن نشهد تصاعداُ كبيراً في أعداد العمليات الاستشهادية هذه الأيام وبمعدل شبه يومي بل إن الأجهزة الأمنية الصهيونية تتحدث عن إلقاء القبض يومياً على العديد من الاستشهاديين قبيل وصولهم إلى أهدافهم.. ومن جهة أخرى فقد عادت قذائف الهاون والصواريخ من جديد لتضرب مستوطنات العدو بل إن العملية التي استهدفت مجمع الغاز في حولون  تل أبيب دقت بشدة ناقوس الخطر في إمكانية المقاومة على ضرب مواقع حساسة لدى العدو يمكن أن تقلب موازين القوى برمتها.. أما الهدف الثاني للعملية التي استهدف كسر إرادة الشعب الفلسطيني وصموده ودفعه إلى اليأس والاستسلام فقد ظهر جلياً أن الشعب الفلسطيني ازداد التفافاً حول خيار المقاومة عقب الملحمة البطولية التي سطرها أبناؤه في مخيم جنين والبلدة القديمة في نابلس، وخلال عملية الجدار الواقي وبعدها لم تسجل حالة هجرة واحدة للعائلات الفلسطينية المتضررة من تلك العملية وعادت المواجهات لتفرض نفسها على الساحة..

أما على صعيد محاولات شارون رفع شعبيته والخروج من الوضع المتأزم الذي يمر فيه فالعملية لم تمنحه الثقة التي يريدها بسبب حالة الترقب التي يحياها الشارع الصهيوني ليلمس حقيقة نجاح تلك العملية أو فشلها والذي كشفه عودة العمليات الاستشهادية من جديد لتضرب في العمق الصهيوني وتزلزل معها أركان حكومة شارون التي صدعتها الأزمات التي بدأت تطفو على السطح سواءً داخل حزب الليكود أو في الائتلاف الحكومي الذي بات مهدداً بانفراط عقده بعد طرد شارون لخمسة من وزرائه من حزب شاس صاحب الـ 17 مقعداً في برلمان العدو..

وعلى صعيد جيش العدو فإن شهادات كبار ضباطه تدل على ما يعاني منه ذلك الجيش من إخفاقات في مواجهة المقاومة.. فالجنرال أبراهام نيومان الذي تولى سابقاً قيادة قوات الاحتلال في الضفة الغربية يقول عقب إحدى العمليات الاستشهادية لكتائب القسام : “لقد قدم شارون نفسه لنا كالمسيح المنتظر، فهو الذي سيخلصنا من القتل وسفك الدماء، لقد زعم أن عملية “الجدار الواقي”ستجعل الفلسطينيون ينزلون إلى جحورهم، لكن بدلاُ من هذه الادعاءات الكاذبة إذا بدمائنا تسيل في كل منطقة وهاهم عناصر حماس يؤكدون لنا أنه لا يمكن أن يكون هناك حل إلا حل سياسي فقط وليس حلاً عسكرياً.. إن العملية التي نفذتها حركة حماس في حيفا دليل على الجريمة التي ارتكبها شارون عندما زرع أملاً كاذباً في نفوس “الإسرائيليين” أنه بتنفيذ حملة “الجدار الواقي” كل الأمور ستكون على ما يرام، فإذا بها تزداد سوءاً على سوء” ويضيف: “ماذا سيقول شارون “للإسرائيليين” عندما يتبين لهم أن كل هذه العمليات لم تؤدِ إلا إلى زيادة عمليات التفجير التي ينفذها الفلسطينيون في قلب مدننا وفي محطات حافلاتنا” ؟

بل إن قائد عملية الجدار الواقي الجنرال إسحاق إيتان عبر عن قناعاته بقوله: “إننا حقاً نستطيع أن نحتل مدن الضفة الغربية والبقاء فيها مدة ما، لكن بناء على انطباعاتي فإنه ليس وارداً لدى هؤلاء الاستسلام لنا.. إنهم حقاً مقاتلون أشداء يصعب على المرء أن يتصور كيف يتجرأ شباب في مثل هذا العمر على مواجهة الدبابات بسلاح خفيف !!”.

ويمكن استقراء فشل تلك العملية من خلال مقال ديفيد إغناشيوس المحرر بصحيفة هيرالد تريبيون الدولية والذي عنونه بـ “المقامر يخسر ثانية” وجاء فيه “تبدى فشل شارون الثاني (الأول في لبنان عام 1982م) خلال السنة المنصرمة وذلك في جهوده المضنية كرئيس لوزراء “إسرائيل” لقمع الانتفاضة الفلسطينية.. وكما في لبنان يبدو أن شارون قد ألقى بنفسه في خضم هذه الحملة العسكرية من دون أن يعرف أين سيهبط وهو بهذا المعنى لم تكن لديه حقاً أية استراتيجية ولم يكن لديه سوى مجرد أمل بأنه سيسير قدماً بالقوة الاعتباطية ليس إلا. ولكن ذلك لم ينجح” ويضيف قائلاً: “يجب ألا يأتي فشل شارون مفاجأة لطلبة التاريخ العسكري. أقول هذا لأن أحد الدروس الواضحة للحرب الحديثة هي أن محاولات ترهيب السكان المدنيين ودفعهم إلى الاستسلام نادراً ما يحالفها النجاح وهذا ناتج عن أنه  عوضاً عن كسر إرادة العدو  فإن هذه الحملات تنزع في العادة إلى شحذ عزيمتهم” وربما كانت تلك هي النتيجة الأسوأ لسياسة شارون: فبدلاً من ترهيب الفلسطينيين فإنه أقنعهم بالمنطق القائم على معادلة إحصاء الجثث !!”

ولعل ما كتبه “أوري أفنيري” في صحيفة معاريف العبرية يشرح ويفصل ما ذكره إغناشيوس بقوله: “إنهم يجوعون السكان حتى يخضعونهم ويحولوهم إلى “انتحاريين” بالإكراه إذ لا يوجد أمامهم ما يخسرونه، هم يقتلون قادة التنظيمات من المقاتلين ويفتحون الطريق أمام قادة أصغر سناً وأكثر عزماً وتصميماً وعنفواناً، إنهم يقتلون بشكل جماعي ويحولون أقارب القتلى إلى راغبين بالانتقام والثأر”.

ونختم بما كتبه جيمس بينيت في يومية نيويورك تايمز أنه: “بدلاً من ترهيب الفلسطينيين وإجبارهم على الخضوع، فإن تكتيكات التصعيد الخارجي التي اتبعها شارون قد دفعهم إلى مستوى أعلى من “العنف”.. ويضيف: “إن معدل الوفيات قد ارتفع من “إسرائيلي” واحد لكل 25 فلسطينياً خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى قبل 15 سنة إلى “إسرائيلي” واحد لكل ثلاثة فلسطينيين في الانتفاضة الحالية”.

وإذا كنا قد أسهبنا في ذكر نتائج عملية السور الواقي على الكيان الصهيوني، فلابد من الإشارة هنا إلى أثرها الواضح على الشارع العربي والإسلامي بل وحتى الدولي، فقد تسببت في إحداث ردود فعل هي الأعنف من نوعها تفاعلاً مع القضية الفلسطينية  على الأقل منذ اندلاع انتفاضة 1987م- وكان من مظاهرها خروج مظاهرات عارمة ومتواصلة ودعوات حثيثة لقطع العلاقات مع الصهاينة والأمريكان والمطالبة بفتح الحدود أمام الشعوب لتأخذ دورها. ووصل الأمر إلى مهاجمة السفارات الأمريكية ومحاولة الوصول إلى السفارات الصهيونية في الدول المطبعة، مع انتشار حملة كبيرة لمقاطعة المنتجات الصهيونية والأمريكية وتنديد واسع بالسياسة الأمريكية ورفض شعبي ورسمي للضغوطات والإملاءات الأمريكية الرامية لوصم المقاومة بالإرهاب أو التنديد بالعمليات الاستشهادية.. ورافق ذلك كله حملات واسعة لجمع التبرعات دعماً للانتفاضة ومشروع المقاومة لم تخف الإدارة الأمريكية امتعاضها وقلقها منها.

وعلى صعيد آخر فقد تسببت عملية “الجدار الواقي” في إحداث ردات فعل غاضبة لدى الجاليات العربية والإسلامية في دول العالم أجمع حيث خرجت مظاهرات تاريخية منددة بجرائم قوات الاحتلال في فلسطين. أما دولياً فقد وصل الأمر إلى أن تقوم بعض الدول بقطع علاقاتها مع الكيان الصهيوني كالنيجر وبعض مقاطعات بلجيكا .

ولعل من أهم ما انقشع عنه غبار ذلك الجدار المتهدم على رؤوس أصحابه كشف العجز الدولي متمثلاً بهيئة الأمم المتحدة والولايات الأمريكية في ممارسة أدنى ضغط على الكيان الصهيوني، ففي حين فشلت الإدارة الأمريكية  بشكل مذل مهين- في مناشداتها للصهاينة بسحب قواتهم من المدن والمخيمات الفلسطينية، بدت هيئة الأمم أكثر عجزاً في مواجهة الصلف الصهيوني واستجابت صاغرة ذليلة للمطالب الصهيونية بحل لجنة تقصي الحقائق التي كانت مكلفة بالذهاب إلى مخيم جنين لتكشف للعالم حجم الجرائم التي ارتكبتها قوات الاحتلال هناك..

وإذا كان ذلك قد زاد من رصيد الاحتقان الفلسطيني والعربي والإسلامي على حد سواء، فقد ساهم إلى جانب عوامل أخرى في إفشال المبادرة العربية التي تم تبنيها في مؤتمر القمة الذي عقد في بيروت قبيل يومين من بداية عملية “الجدار الواقي”، ذلك الاحتقان الذي لن يجعل لتلك المبادرة أي أفق في المنظور القريب على الأقل .

مشروع المقاومة.. إلى أين ؟

مع عودة موجة العمليات العسكرية والاستشهادية للضرب في أنحاء شتى في عمق الكيان الصهيوني يتضح مآل عملية “الجدار الواقي” التي يمكن القول بأنها أقصى ما كان يمتلكه شارون من بطش وإرهاب وتنكيل في وجه الانتفاضة، وهو ما يعني أنه فشل فشلاً ذريعاً في القضاء على المقاومة وإجهاض الانتفاضة.. وهذا ما سيعطي مشروع المقاومة قوة أكبر بعد أن اكتسب شعبية ودعماً كبيراً لدى الشارع الفلسطيني ومعه الشارع العربي والإسلامي كذلك..

ومع استمرار شلال الدم المتدفق بسبب سياسة شارون التي لا يحسن غيرها، فلن تفلح جهود السلطة الحالية بتهدئة الشارع الفلسطيني عن طريق شغله بقضايا ثانوية كالإصلاحات والانتخابات، ولن تجدي الضغوط الأمريكية في وقف العمليات الاستشهادية حتى لو نجحت في تشكيل معسكر عربي (رسمي) مناهض لها.. ذلك أن قرار الحركات المقاومة ليس مرتهناً للسلطة ولا للأمريكان كما أنه أيضاً ليس مرتهناًَ لأي دولة عربية أو إسلامية.

لقد أثبت الواقع أن الشعب الفلسطيني مازال يعيش في عنفوان مقاومته، وأنه لم يمل من هذا الطريق، وأن لديه من مقومات الصمود ما يضمن استمرار انتفاضته إلى سنوات قادمة رغم فداحة الخسائر التي تكبدها ووطأة الوضع الضاغط وتداعياته الثقيلة، ورغم ضعف وهزالة الموقف العربي الرسمي.

مع ازدياد الإنجازات التي يحققها برنامج المقاومة على صعيد القضية الفلسطينية وانعكاسات ذلك على الدول العربية والإسلامية، فإن المرحلة المقبلة مرشحة لتحقيق المزيد من الإنجازات، بما يعني أن برنامج المقاومة سيبقى سيد الموقف.. بإذن الله تعالى.