بدأت المؤسسة الأمنية الصهيونية بإنشاء المرحلة الأولى مما يسمى بالسور الأمني و الذي سيفصل مدن الضفة الغربية عن الأراضي المحتلة عام 1948 ، ففي منطقة جنين بدأت منذ عدة أيام عمليات التسييج في محيط قرية عانين الملاصقة لمدينة أم الفحم في سور يتوقع أن يمتد على طول أراضي مرج ابن عامر و الذي تتبع أراضيه قرى جنين الغربية ممتدا إلى طولكرم و قراها مثل باقة الشرقية و فرعون إلى كفر قاسم في محيط قلقيلية .

و حسب شهود عيان في قرية عانين فإن العمل في هذا السياج يسري بشكل متسارع في خطوة واهية من قبل المؤسسة الصهيونية ظنا منها أن ذلك قد يحميها من الهجمات الفلسطينية .

و حسب المصادر الصهيونية فإنه سيتم اليوم تدشين أول كيلومترين تفصل مدينة جنين عن مدينة أم الفحم ، في سياج سيبلغ طوله في المرحلة الأولى نحو 114 كلم ممتدة من جنين إلى قلقيلية ، إضافة إلى 14 كلم أخرى تلتف حول القدس ، و ستكون تكلفة كل كلم منها نحو مليون دولار .

و فكرة السياج الأمنية هي فكرة قديمة جديدة بدأت ملامحها تتبلور بعد حرب الخليج الثانية ، و تزايد الجدل حولها بعد عمليات حماس المكثفة في العام 1993و ما تلاه في عهد المقتول القاتل رابين ، و بدأت تأخذ طريقها للتنفيذ الفعلي بعد اندلاع انتفاضة الأقصى ، و بوشر في تطبيقها فعليا بعد ما سمي بعملية السور الواقي ، كحلّ نهائي في نظر الصهاينة بعد أن جرّبوا كل شيء و لم يفلحوا في كبح جماح المقاومة .

فبعد حرب الخليج الثانية في 1990 بدأت المؤسسة الصهيونية بأول خطوة للفصل بين سكان الضفة و مناطق الـ 48 عبر المباشرة بإصدار تصاريح خاصة لكل فلسطيني يريد الدخول إلى الداخل للعمل أو ما شابه و ذلك بعد تزايد ما سمّي بحرب السكاكين في تلك الفترة ، حيث كانت الضفة قبل ذلك مفتوحة بشكل كامل على مدن الداخل و التنقل لا يحتاج إذنا من أحد ، و عليه فإن فكرة إصدار التصاريح تعتبر الفكرة الأولى في طريق ما سمي لاحقا بالفصل .

و في العام 1993 ابتدع المقتول رابين مصطلحا جديدا في رده على عمليات حماس في تلك الفترة و هو مصطلح الإغلاق “(سيجر) باللغة العبرية” و لم يكن هذا الإجراء معروفا من قبل ، إذ يقضي هذا الإجراء إغلاق الضفة الغربية عن فلسطين المحتلة عام 1948 ، و اقترح حينها رابين إنشاء ما يسمى بالجدار الأمني العازل .

فكرة الجدار العازل حينها أقامت جدلا واسعا في الأوساط الصهيونية ، فمعلوم للجميع أن ما يسمى بـ (إسرائيل) هي “دولة دون حدود” و قد أخذ كثير من الساسة الصهاينة على أن بدء وضع سياج يفصل مدن الضفة عن الداخل هو بداية ترسيم حدود فاصلة لهذا الكيان و سيكون له أبعاد سياسية بعد ذلك ، و عليه فقد شكّل ذلك عائقا كبيرا أمام تنفيذ هذه الفكرة الرابينية ، و مع دخول السلطة الفلسطينية إلى الضفة الغربية بدأ التفكير الصهيوني يتجه إلى إلقاء المهام الأمنية على عاتق هذه السلطة و الاستعاضة بأجهزة الأمن الفلسطينية عن تلك الأساليب المبتكرة ،

و مع اندلاع انتفاضة الأقصى و تحوّل العمليات الاستشهادية في العمق الصهيوني إلى حدث يومي يعتلقه الصهاينة ، لم يكن بدا أمام هذه المؤسسة الصهيونية من فتح أدراج مكاتبها و العودة إلى الفكرة القديمة المتجددة السور الأمن ، حيث تقرر في شهر 10/2001 إنشاء ما يسمى بالمنطقة العازلة ..

لقد شجع السياج الأمني الفاصل بين قطاع غزة و فلسطين المحتلة عام 1948 الصهاينة المؤيدين لخطة الفصل على المضي قدما في تنفيذ هذه الخطة ، إذ استطاع هذا السياج أن يكبت نحو 90% من الطاقة الكامنة للمقاومة الفلسطينية في القطاع “سيل عارم من الاستشهاديين داخل سجن كبير” ، حيث لم تشهد انتفاضة الأقصى الحالية عملية استشهادية واحدة انطلقت من القطاع و نفذت داخل مدن فلسطين المحتلة عام 1948 ، حيث تركز العمل ضد المستوطنات في القطاع و هي عمليات تحتاج إلى تخطيط متميز و مبتكر لا تستطيع مجموعات المقاومة البدائية الشعبية التعامل معه ، باستثناء المجموعات المحترفة في الأجنحة العسكرية للفصائل الفلسطينية والتي حققت إنجازات طيبة في هذا المضمار ..

إلا أن مقارنة الصهاينة بين السياج المحيط بقطاع غزة و الذي سيحيط بالضفة الغربية هو رهان خاطئ في الأساس للأسباب التالية :

9 المساحة الجغرافية : فقطاع غزة بمجمله لا يمكن أن نقارن مساحته إلا بمحافظة واحدة في الضفة الغربية ، أي لا يجب أن نقارن بين القطاع و الضفة ، بل بين القطاع و جنين مثلا ، القطاع و نابلس ، لأن كل مساحة القطاع البالغة نحو 350 كلم مربع 40 % منها مستوطنات ، لا تعادل سوى مساحة منطقة واحدة من مناطق الضفة العشرة ، و عليه فإنه يمكن للجيش الصهيوني أن يحكم سيطرته على جنين و يمنع الدخول و الخروج منها ، بذات الطريقة التي يحكم بها سيطرته على قطاع غزة ، أما في تعاملنا مع الضفة ككل فإن الأمر مختلف و يخرج عن سيطرة الجيش الصهيوني .

10 – اختلاف التضاريس : حيث يعتبر قطاع غزة أرضا صحراوية رملية مستوية تخلو بشكل كامل من الجبال ، وسط صحراء جرداء في الخط الفاصل مكشوفة بشكل طبيعي ، مما يعني أن عمليات التسلل شبه مستحلية رغم أنه قد تم بالفعل عمليات تسلل نتيجة الإرادة الجبارة للشعب الفلسطيني و قواه الحية & أما تضاريس الضفة الغربية فهي مختلفة تماما و متنوعة بشكل كبير و طويلة إذا ما قورنت بحدود القطاع ، فمن قرى نصفها يقع ضمن أراضي الضفة الغربية و نصفها الآخر يقع ضمن أراضي الـ 48 مثل قرية باقة الشرقية و باقة الغربية في منطقة طولكرم ، فنصف بيوت القرية مصنف على أنه من الضفة و يحمل سكانه الهوية الفلسطينية ، و نصفها الآخر مصنف على أنه من أراضي الـ 48 و يحمل سكانه الهوية الصهيونية ، فكيف يمكن للسياج الأمني أن يفصل بين هذه القرية و هي مثال لكثير من الحالات ، مثل قرية برطعة الشرقية و برطعة الغربية في جنين ، الرام في القدس نصف بيوتها يقع في أراضي الضفة و النصف الآخر ضمن بلدية القدس و يفصل شارعها الرئيس الفاصل بين القدس و رام الله حاجز صهيوني يكفي لتجاوزه أن تحيد عنه مترين و تمر من جانب أحد المنازل لتكون داخل القدس ، و كذا عشرات الأمثلة على ذلك ، فكيف إذا يمكن الفصل بين هذه المناطق ، علما أنه من الناحية الجغرافية فإن رام الله و القدس و بيت لحم هي مدينة واحدة بيوتها متلاصقة و لا يوجد بينها أي فاصل ، و لا تمييز بينها جغرافيا إلا بالتسمية المعروفة أن هذه رام الله و هذه القدس و هذه تتبع بيت لحم ، فالرام تربط رام الله بالقدس شمالا ، و بيت صفافا تربط القدس ببيت لحم جنوبا ، فهل باستطاعة موفاز أن يتجاوز الجغرافيا في أحلامه الواهية حول الأمن .. هذا من جهة ، و من جهة أخرى ، كيف يمكن لهذه الأسيجة أن تتعامل مع الطبيعة الجبلية لبعض المناطق الحدودية ، و خاصة في جنين ، علما أن بعض هذه الجبال هي عبارة عن أحراش فهل يستطيع الجيش الصهيوني أن يمنع التسلل عبر الأحراش أو المناطق الحجرية في فقوعة و يعبد في جنين ، أو كروم الحمضيات في منطقتي طولكرم و قلقيلية ؟!! .

11 – إن لكل قوي مهما بلغت قوته نقطة ضعف ، و لكل ضعيف مهما بلغ ضعفه نقطة قوة ، فإذا ما استجمع الضعيف نقطة قوته و ضرب بها على نقطة ضعف القوي أصابه في مقتل ، و لن تحتاج المقاومة الفلسطينية إلى الكثير من العناء في التفكير حتى تتغلب على هذه المعضلات ، و يكفي سوق هذا المثال البسيط في أسلوبه و الذي حدث في قطاع غزة في أواسط التسعينات ، و حدث كذلك قبل عدة أشهر في الجنوب اللبناني ، فبعد أن أقام الصهاينة السياج الأمني على قطاع غزة في التسعينات ، ظنوا أن لا أحد يستطيع المرور على هذا السياج لأنه إلكتروني مكهرب ، و ذات مرة اكتشفوا مجموعة من العمال تتسلل يوميا عبر هذا الجدار الإلكتروني ، و لم يكونوا بحاجة إلى إمكانات كبيرة ، فقد استخدموا سلما ذو شعبتين و صمموه ليكون طويلا ، حيث يلقون بطرفه الأول إلى داخل السياج من الجهة الأخرى و من ثم يصعدون عليه دون أن يمسوا الجدار الإلكتروني ، و هي ذات الطريقة التي يعتقد الصهاينة أن منفذي عملية شلومي في مستوطنات شمال فلسطين قبل سبعة أشهر قد استخدموها للتسلل إلى فلسطين ، خاصة و أن الصهاينة وجدوا في اليوم التالي للعملية سلما مخبأ في أحد الجبال .

12 – إذا لم يستطع الكيان حماية حدوده مع الأردن و التي يرابط على حراستها جيشان ، فهل سيستطيع ذلك داخل الضفة المتداخلة أصلا مع مدنه ؟!! .

13 هل سيكون هذا السياج أكثر تحصينا من الأسيجة التي تحيط بمستوطنات الضفة و القطاع ، والتي لا يجد المقاومون صعوبة في اختراقها و التنقل داخل بيوتها أو حتى الخروج منها ثانية كما حدث في مستوطنتي أدورا و كارني تسور في الخليل ؟!! ، أما فيما يتعلق بالمستوطنين و البالغ عددهم في مستوطنات الضفة نحو 200 ألف مستوطن فهم من أكثر الفئات الصهيونية معارضة لهذا السياج إذ يعتقدون أنهم حينها سيكونون فريسة للمقاومة الفلسطينية خاصة وأن هذه المقاومة ستكثف عملياتها ضدهم إن هي وجدت صعوبة في التسلل إلى العمق الصهيوني ، هذا عدا عن أن كثيرا من القوات الصهيونية التي ترابط الآن داخل المستوطنات ستضطر إلى الانتقال إلى مواقع على هذا الجدار الفاصل مما سيعني تقليل الحراسة على هذه المستوطنات في نظر أولئك المستوطنون ، الذين يخيفهم أكثر ما يخيفهم في هذا السياج هو بدء عملية التفكير لدى الصهاينة بأن الأمن هو حماية الداخل الصهيوني و عليه فهي بداية عملية الهروب من مناطق الضفة ، و بتسلسل هذا التفكير و تطوره مع ضربات المقاومة المتلاحقة فإن المستوطنين يظنون أن النظرية الأمنية المقبلة ستكون من أراد الأمن عليه التوجه إلى داخل هذا الجدار ، و عليه فما عليهم سوى الرحيل حسبما يعتقدون . و عليه فإن مستوطنو الضفة سيكون مصيرهم مثل لحد لبنان .. و الحقيقة و إن كان في هذا المنطق بعض الصحة ، إلا أنه من الناحية العملية لن يكون بهذا السيناريو ، فمن يبنون هذا التفكير على أساس أن المقاومة ستتوقف داخل الـ 48 هم واهمون ، إذ أن هذا العمق لن يكون آمنا ، لسبب بسيط و هو أنه لا يوجد عمق أصلا ، إذ إن فلسطين من ناحية الشكل هي مستطيلة الشكل ، و الشكل المستطيلي للدولة من الناحية العسكرية هو أشدها بؤسا لأنه يعني حدودا طويلة بعرض محدود ، و هو وضع لا يمكن حمايته بشكل من الأشكال ..

إن من يعتقد أن مثل هذا السياج سيحميه عليه أن يتذكر أن عددا من مقاتلي مخيم جنين تمكنوا من الإفلات من داخل المخيم و من مساحة لا تتجاوز الكيلومتر المربع الواحد محاطةٍ بآلاف الجنود الصهاينة ، و عليهم أن يعلموا أيضا أن محمود أبو هنود قد أفلت من مئات الجنود الصهاينة الذين أحاطوه في عدة أمتار في عصيرة الشمالية بعد أن قتل منهم ثلاثة جنود ، فكيف بسيل من المتسللين لديهم آلاف الخيارات للعبور و على مساحات ممتدة طولها مئات الكيلومترات؟!! .

لقد وعت المؤسسة الأمنية الصهيونية ذلك جيدا و عليه فإن المسئولين العسكريين الصهاينة يكونون حذرين في تصريحاتهم حول جدوى هذا الجدار ، فبتتبع تصريحاتهم واحدا تلو الآخر لم يجرؤ واحد منهم إلى الآن على القول لشعبه إن هذا السياج سيمنع العمليات الاستشهادية ، بل أقصى ما وصل إليه هؤلاء إلى الآن هو قولهم : “إن هذا السياج سيخفف عمليات التسلل ، سيسهل مهمات الجيش الصهيوني في مراقبة ما يمسى بالخط الأخضر” ، ليس أكثر، و عليه فإن الصهاينة سيجدون أنفسهم بعد إنشاء هذا السياج و قد ركضوا وراء السراب ، ذات السراب الذي ركضوا وراءه في أعقاب عملية السور الواقي ، حيث تهاوت أحلامهم مع أول هجوم فدائي هزّ أركان هذا المجتمع المتشتت ..

و لكن بعيدا عن كل ذلك يجب عدم إغفال الأضرار التي سيتركها هذا السياج على أوضاع المواطنين سكان القرى المحاذية لهذا الخط و لا سيما في جنين و طولكرم و قلقيلية ، و التي تتمثل في عدد من الأوجه منها :

10مصادرة آلاف الدونمات من أراضي هذه القرى لتصبح وضعيتها ” منطقة عسكرية مغلقة” ، مما سيترتب عليه آثارا اقتصادية كبيرة على المواطنين الذين يعتمدون الزراعة في هذه المناطق ، ففي جنين يشق هذا السياج طريقه في أخصب أراضي فلسطين ، أراضي سهل مرج ابن عامر ، و قد بدأت بوادر ذلك تلوح من الآن ، حيث يمنع المواطنون منذ عدة أسابيع من الدخول إلى حقولهم في هذا السهل ، و يتم إطلاق النار عليهم بين الفينة و الأخرى ، و قد استشهد نتيجة ذلك عدد من المواطنين و هم يقومون بحصاد المحاصيل في حقولهم ، إضافة إلى أن هذه الأراضي الزراعية قد أصبحت مسرحا للدبابات تصول و تجول فيها و هي تمعن خرابا في المزروعات ،

11عزل عدد من هذه القرى عن محيطها ، كما يحدث في محيط قرى يعبد ، عانين ، رمانة ، زبوبة ، الطيبة ، في الخط الغربي لجنين و المحاذي لأم الفحم و منقطة وادي عارة ، فحسب القرارات الصهيونية الجديدة فإن دخول هذه المناطق سيكون حكرا في الفترة القادمة على سكانها ، و الغريب أنه في قرية يعبد مثلا أقيم حاجز عسكري دائم في محيط أحراش يعبد ، و كانت يعبد بموجبه قد أصبحت جزءا من أراضي الـ 48 ، و يتم التعامل مع من يدخل إليها على أنه داخل إلى أراضي الـ 48 ، و هذا يتسبب بمعاناة كبيرة لسكان هذه القرى في التنقل .

12مكوث الجيش الصهيوني بشكل دائم في هذه القرى كما يحدث الآن ، إذ تتعرض هذه القرى إلى منع للتجول بشكل يومي و تحيط بها الآليات العسكرية بشكل دائم و يتم تفتيش بيوتها باستمرار .

عن: المركز الفلسطيني للإعلام