ليست هناك قضية أخطر من الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين اليوم من قضية الجدار الفاصل الذي تبنيه حكومة شارون على الأراضي الفلسطينية والذي يعد أكبر جريمة ترتكبها “إسرائيل” بحق الشعب الفلسطيني لأنه باختصار شديد يعبر كل مشاريع السلام ويخلق واقعاً احتلالياً يحول دون قيام أي دولة فلسطينية موصولة الأجزاء كاملة السيادة.

وللأسف فإن بعض الأقلام المبشرة بحلم السلام مع “إسرائيل” ترى أن معركة الجدار الفاصل ليست معركتنا الأساسية وإنما المعركة الحقيقية هي القفز من فوق الجدار بمشاريع السلام وهو كلام يثير الضحك والسخرية لأنه يعبر عن منطق ساذج في بيع الوهم.

واعتقد أن معركة الجدار الفاصل هي معركة سياسية وأمنية وقانونية وتاريخية يجب خوضها وعدم الاستهانة بها لأنها ترسم ملامح المستقبل القادم والعلاقة بين الجانبين خاصة وأن هناك حملة استنكار دولية ضد هذا الجدار العنصري.

وكعادتها انزعجت “إسرائيل” أشد الانزعاج عندما وافقت أغلبية 90 دولة مقابل ثماني دول على إحالة موضوع الجدار الفاصل إلى محكمة العدل الدولية كي تبدي رأيها، وعلى طريقة خذوهم بالصيت قبل أن يغلبوكم صرح مستشار شارون وهو رعنان جيسين بأن قرار الجمعية العامة بإحالة موضوع الجدار الفاصل إلى محكمة العدل الدولية إنما يمثل محاولة لنزع الشرعية عن حق الشعب اليهودي في أن تكون له دولة يهودية يمكنه الدفاع عنها وأن القرار هو بمثابة استغلال مجموعة من الدول بصلافة الجمعية العامة للأمم المتحدة لإنكار حق دولة أخرى.

والحقيقة أن هذا الكلام خال من أي منطق أو شرعية بل إن اللجوء إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة هو عين المنطق لكي يتم تحويل الملف إلى المحكمة الدولية لتقول كلمة العالم في قضية تهدد الأمن والاستقرار والسلم في الشرق الأوسط.

وبالإضافة إلى المعركة القانونية يجب أن يكون الجدار هو المعركة السياسية بمعني أنه لا تكون هناك أية مفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين إلا بعد وقف البناء في هذا الجدار وهدم ما تم بناؤه لأن استئناف المفاوضات في ظل بناء الجدار يعني التسليم بالنتائج التي يخلقها هذا الجدار أو بمعنى أدق هو القبول بعدم قيام دولة فلسطينية.

“إسرائيل” تحاول تصوير الأمر على أنه وسيلة لمنع الفلسطينيين من القيام بعمليات استشهادية من أجل توفير الأمن للإسرائيليين، والحقيقة أن هذا الجدار لن يمنع الاستشهاديين من الوصول إلى قلب “إسرائيل”، كما فشلت من قبل كل الجدر الإلكترونية المكهربة وغير المكهربة من منع وقوع تلك العمليات.

ولعل الاطلاع على تفاصيل هذا الجدار وما تحقق من بنائه حتى الآن يكشف بشاعة هذه الجريمة، فالجدار حسب الخطة الموضوعة يمتد لمسافة 650 كلم تم حتى الآن بناء نحو 250 كلم وقد أدى ذلك إلى تضرر 250 ألف فلسطيني وفقد 30 ألف مزارع وسائل عيشهم وتحولت حياة الفلسطينيين في تلك المناطق إلى جحيم لا يطاق فالمزارع أو صاحب الورشة قد يضطر إلى قطع عشرات الكيلومترات ليصل إلى مزرعته أو ورشته بعد أن كان الأمر لا يتطلب منه سوى عشرات الأمتار.

وعندما يكتمل تنفيذ هذا المشروع لن يتبقى سوي 40% من مساحة الضفة الغربية وهي المساحة التي ستكون باقية لإقامة الدولة الفلسطينية المؤقتة والتي ستتحول مع الأيام ومشاريع الاستيطان الجديدة والجدر العازلة التي ستستجد إلى دولة مستحيلة لأن طريقة بناء الجدار لا تخلو من أي دلالة سياسية.

وبشكل متواز مع جدار “إسرائيل” العظيم تقوم حكومة شارون ببناء جدر عازلة حول بعض المدن كما هو الحال في مدينة قلقيلية التي تحولت إلى معزل يفرض على سكانها العبور من منفذ واحد وكذلك تحولت مدينة طولكرم إلى معزل آخر بحيث تتحول غالبية المدن والقرى الفلسطينية إلى معازل بحيث لا يتبقى من الدولة الفلسطينية ما يمكن التفاوض عليه لقيام دولة مستقلة ذات سيادة.

وعلى الرغم من كل هذا يصر الإسرائيليون على إنكار هذه الأضرار بل إن شارون يدعي أنه مجرد إجراء أمني ويزعم مسؤول آخر أن الجدار لن ينتزع أكثر من 10% من الضفة.

وعلى الرغم من أهمية هذه المعركة التي يمكن أن يخوضها الفلسطينيون وبالذات المعركة القانونية فإن السؤال المنطقي هو: هل سيمنع المجتمع الدولي “إسرائيل” من استكمال المشروع؟ اعتقد أن الإجابة بالنفي ستكون أكثر ترجيحاً لان المجتمع الدولي لم يحرك ساكناً حتى الآن وما زال يكتفي بالاستنكار والإدانة.

أما أميركا فما صدر عنها حتى الآن لا يتجاوز حدود الانتقاد أو إظهار التبرم والضيق على النحو الذي يعني لشارون الاستمرار في عملية البناء وسرعة الانتهاء من المشروع والانتقال إلى المشاريع الأخرى المبيتة ولعل هذا هو ما دأبت عليه “إسرائيل” منذ تولي شارون وحكومته المتطرفة زمام السلطة.

وموازاة مع المشاريع الإسرائيلية الاغتصابية تقوم حكومة شارون بنسف كل المبادرات الهادفة حل الصراع وتوفير المناخات التي تسمح باستئناف المفاوضات وقد بدا ذلك واضحاً في كل المبادرات الإقليمية والدولية والتي كان آخرها خريطة الطريق التي تبنتها أميركا.

وأمام ما يحدث من محاولات لفرض واقع فلسطيني جديد وإجبار الشعب الفلسطيني على التنازل عن حقوقه المشروعة وتقطيع أوصال دولته كيف يمكن أن يتحقق السلام ويغدو واقعاً معاشاً وكيف يمكن التفاؤل بمستقبل المنطقة وما زالت “إسرائيل” تضرب بالقرارات الدولية عرض الجدار الذي يمثل أكبر جريمة بشرية في هذا العصر.

وكيف يمكن للمرء أن يتفاءل بقيام دولة فلسطينية في ظل انتشار الأذرع الاستيطانية وتحويل المدن والقرى إلى كانتونات معزولة يستحيل التواصل فيما بينها إلا عبر بوابات عليها الحراسة الإسرائيلية.

الأيام القادمة ستحمل في طياتها الكثير من المفاجآت إلا أن الأمر المؤكد أن استمرار شارون في بناء الجدار الفاصل لا يحمل أي خير للسلام في المنطقة وهنا يصبح التذكير بأن غياب السلام مرتبط بغياب الشرعية الدولية وأن ازدواجية المعايير لا يمكن أن تحق الحق أو تبطل الباطل.

ولا يعني الانتصار في محكمة العدل -إن حدث- هو نهاية المشكلة الفلسطينية فأميركا لم ولن تؤيد أي قرار ضد “إسرائيل” ويجب أن يدرك الجميع أن السكوت على ما يحدث يجعل “إسرائيل” دولة فوق القانون ويشجعها على المضي في مشاريعها دون أي تردد أو استحياء.

ولا شك أن نجاح شارون في تنفيذ الجدار العازل سيضع الفلسطينيين أمام الأمر الواقع وسيفرض عليهم قبول أحد الخيارين الأول القبول بدولة ممزقة الأوصال منقوصة السيادة والخيار الثاني هو الدولة الواحدة أي دولة “إسرائيل” الديمقراطية التي يعيش فيها الفلسطينيون دون أدنى تمييز على أساس العرق أو الدين!!

*إعلامي مصر