تريد تربية رجال ونساء ربانيين. وليست التربية الجهادية إنشاء جيل من الأصحاب المتبتلين، بل إنشاء جند الله المقاتلين، الطالبين وجه الله، الراغبين في الشهادة في سبيله.

الصحبة في الله إن كان لا يغذوها ذكر الله لا تلبث أن تصبح ألفة طبيعية تولد عصبية مفرقة. والصحبة مع ذكر الله والاجتماع عليه بدون مشروع جهادي يتحدث عنه، وينفذ، ويستعد لتنفيذه باختيار العناصر واختبارها، صحبة وجماعة لا يعدو خيرها دائرة أفراد منقطعين عن المجتمع كأنهم أعضاء مشلولة فيه.

الصدق خصلة إيمانية جامعة تناقض :

1- النفاق بشعبه، وأهمها الكذب في الحديث، وإخلاف الوعد، وخيانة الأمانة، والفجور في الخصام. فاختيار الوارد يكون على هذه الأربعة حتى نطمئن أنه خرج من دائرة النفاق. وليس العمل الإسلامي الجهادي كالعمل الحزبي السياسي. هذا في أقوى أشكاله- وهو التنظيم الشيوعي-انضباط حديدي على فكر موحد وقيادة مطاعة، وذالك التزام كلي بأمر الله وأمر رسوله، وبمحبتهما ومحبة المؤمنين، وبتلقى تربية شاملة تعيد صياغة الشخصية روحيا وفكريا وعمليا، وبالانتظام الجهادي بالشورى والطاعة. العمل الحزبي انتماء سياسي مصلحي حركي لا علاقة له بالعقيدة والخلق والمعاني السماوية، حركة أرضية نضالية مصلحية. والجهاد الإسلامي يشترك مع النضال الحزبي في التدافع بوسائل الأرض الفكرية والعضلية والعلمية والمادية والتنظيمية، لكنه يتفوق عليه بنصر الله الموعود وشروطه التوحيد لله عز وجل والاجتماع عليه، والإقبال على فضله، والالتزام بشرعه. فمتى فرط جند الله في هذه النقطة، متى دخلتهم العناصر المنافقة، متى كان في تربيتهم وتنظيمهم ما ينافى الصدق، نزلوا إلى مستوى أعدائهم وخصومهم وتخلف عنهم نصر الله. وأصبح إسلامهم مجرد فكر وسياسة وإديولوجية فارغة من ذكر الله والإقبال عليه والسير إليه.

2- البقاء على العادات والذهنيات والأنانيات الموروثة. لا بد من تغيير شامل في الفرد والعلاقات داخل الجماعة. لا بد من هجرة إلى الله ورسوله بقطع حبال الجاهلية. والهجرة المطلوبة في حق الفرد المؤمن والجماعة المجاهدة في عصرنا هجرة معنوية. أول خطوة فيها هجرة ما حرم الله، ثم قطع ما يربطنا بالماضي قبل التوبة، والتعالي على حاضر الفتنة، وترقب نصر الله بالتخطيط للمستقبل والاستعداد له.

3- البقاء على الإسلام الموروث عقيدة وعبادة وعلاقات. فجند الله يجب أن يعطوا للإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره حقه. ما يحدث من خلاف بين المسلمين في المذهب آفة من آفات الإسلام الموروث. ويتفرع عنه آفات أخرى تشل حركة المسلمين وتعوق المحاولات لجمعهم. فبعض المؤمنين يفهم الإيمان ومعرفة الله سلوكا كليا، وبعضهم يعتبر كل ذلك علما وجدلا. رحم الله الإمام البنا قال في أصوله: «معرفة الله تبارك وتعالى وتوحيده وتنزيهه أسمى عقائد الإسلام. وآيات الصفات وأحاديثها الصحيحة وما يلحق بذلك من المتشابه نؤمن بها كما جاءت من غير تأويل ولا تعطيل. ولا نتعرض لما جاء فيها من خلاف بين العلماء. ويسعنا ما وسع رسول الله صلى الله وسلم وأصحابه : «والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا» آل عمران، 7.

4- الرضى بالأوهام والخرافات المتفشية في الشعب المسكين المحروم المجهل. فإن كان الصدق مواجهة قوية للباطل الطاغوتي فإن تصحيح قواعد العقيدة في الصف وحوله، وفي القاعدة الشعبية، شرط أساسي للمواجهة، فإننا لا نستطيع مقاومة الباطل وبيننا آثار من الباطل. يقول الإمام البنا رحمه الله : «والتمائم والرقى والودع والرمل والمعرفة والكهانة وادعاء معرفة الغيب، وكل ما كان من هذا الباب منكر تجب محاربته(إلا ما كان من آية من قرآن أو رقية مأثورة)».

5- الرضى بأنصاف الحلول في أهدافنا وفي مؤهلات جند الله. فالمؤمن القوي الأمين كامل الإيمان، المستكمل له باستمرار، هو وحده القادر، بعون الله، وفي تلاحم مع الصف، أن يحدث في المجتمع التغيير الإسلامي. نموذج لهذا المؤمن عمار بن ياسر رضي الله عنه الذي أوذي في الله فصبر، وبرهن بصبره على صدق إيمانه. لزم المصطفى صلى الله وسلم وخلفاء، وجاهد معهم حتى مات في سبيل الله. وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : «عمار مليء إيمانا إلى مشاشه» رواه البزار عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها. والمشاش مخ العظام.

6- أما شجب أنصاف الحلول بالنسبة للأهداف والوسائل والغاية الإسلامية فنجده عند الإمام البنا رحمه الله في أصوله : «الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعا. فهو دولة ووطن وحكومة وأمة. وهو خلق وقوة ورحمة وعدالة. وهو ثقافة وقانون وعلم وقضاء. وهو مادة وثروة وكسب. وهو جهاد ودعوة وجيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء».

7- التجميع التكاثري دون اختيار العناصر واختبارها. ويقول الإمام البنا رحمه الله ورضي عنه في خطبته في المؤتمر الخامس : «وإن كثيرين يستطيعون أن يقولوا، ولكن قليلين من هؤلاء يثبتون عند العمل. وكثير من هذا القليل يستطيعون أن يعملوا. ولكن قليلا منهم يقدرون على حمل أعباء الجهاد الشاق والعمل العنيف. وهؤلاء المجاهدون، وهم الصفوة القلائل من الأنصار، قد يخطئون الطريق ولا يصيبون الهدف إن لم تتداركهم عناية الله. وفي قصة طالوت بيان لما أقول. فأعدوا أنفسكم، وأقبلوا عليها بالتربية الصحيحة والاختيار الدقيق. وامتحنوها بالعمل، العمل القوي البغيض لديها، الشاق عليها، وافطموها عن شهواتها ومألوفاتها وعاداتها».

لا نعرف صدق الوارد ولا استعداده إلا إن برهن على ذلك بأعماله، بمواقفه بصلاحيته للطاعة والتنفيذ، بقدرته على ضبط نفسه.

ويختبر الوارد باستمرار حتى نعرف نضجه وصدقه، ثم يبقى الاختبار ومطالبة كل مؤمن باعطائنا برهان صدقه على طول طريق الجهاد. فليس الأمر امتحانا يؤدى مرة واحدة ثم يركب العضو أنانيته ويستقر في علياء عضويته. الأمر أعظم من هذا، فمن كان يرجو الله عز وجل فليوطن نفسه على اقتحام العقبة وليشمر لذلك ما دام حيا. فإذا مات في سبيل الله فإلى رحمة الله ورضوانه. وإذا مات قلبه يودع من الصف.

ويراقب الوارد على مدرجة الخصال العشر وشعب الإيمان، ويلاحظ سلوكه، ويقوم من كان صالحا للتقويم. فإذا تبين أن فيه خصلة قادحة، أو كان في مجموعه ثغرة لا يمكن أن تسد بالتربية، فلا حاجة لإثقال كاهل التنظيم به. الأمر جد فينبغي أن يكون الامتحان صارما ومستمرا.

8- الغموض في كفاءات الأفراد، ونواياهم، ومشاركتهم للجماعة في تصورها للعمل، ورضاهم بأسلوبها، ونظامها، وإماراتها وخطها السياسي.

العضو المهاجر والنصير دعامتان في بناء الجماعة، يمنعان أن يسقط، ووتدان لخيمة الجهاد، يشدانها أن تعصف بها الرياح.

الأعضاء في الجماعة حاملون، فمن أتانا واردا تحمله الجماعة وتحتضنه في دفء الصحبة. لكن الجماعة تنتظر منه أن يستجمع قواه باطراد يواكب يقظة همته، وتمتن ذمته، وصدق عزيمته، ليحمل مع الجماعة وتحت إمرتها أعباء الجهاد.

من الناس قوالون يدعون كفاءة ليست لديهم، ومنهم من يزعم أنه فهم هدفك وأنه معك، ومنهم من يظهر رضاه بخطك ونظامك، حتى إذا حلت ساعة التنفيذ وجاء البلاء هرب الأدعياء. فالأولى للجماعة ألا تربط عقدا إلا مع من تأنس منهم ألا يهربوا، وألا يعصوا وألا يخذلوا. قال الله تعالى يصف القوالين من المنافقين : «ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة، فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت. فأولى لهم طاعة وقول معروف. فإذا عزم الأمر فول صدقوا الله لكان خيرا لهم» محمد 20-21

فلو صدقوا الله ! الصدق مع الله !

الصادق مع الله من يموت مع الصادقين في سبيل الله لزوما بعهده وعقده. قال الله تعالى : «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين» التوبة119

مع، مع الصادقين !

وقال عز وجل من قائل : «من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر. وما بدلوا تبذيلا ليجري الله الصادقين بصدقهم»الأحزاب 23-24..

ما يبدل الصادقون، وما يتبدلون، ولا ينقضون عهد الله. وإذا لقوا فئة يثبتون ويذكرون الله كثيرا ويفلحون.

ليكن البند الضمني في عقد الإمارة التعاهد على الموت في سبيل الله. ليكن منادي الصادقين على رؤوس الواردين : «إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، أولئك هم الصادقون» الحجرات، 15.

لا تصلح العناصر المتشككة والقابلة ليشككوها، ولا البخيلة بأموالها وأنفسها عن الله لبناء.

نرقب الوارد والعضو لنعرف ونقوي صلاح أمره على مستوى الخصال العشر : صدق صحبته لنا وانضمامه لجماعتنا، صدقه مع الله ورسوله، صدق ذمته وهمته وهجرته ونصرته، صدق بذله للمال والنفس والجهد، وصدق إقباله على العلم، صدق عمله ينجزه ويتقنه، صدق سمته وتميزه، صدق صبره وتحمله وضبطه لنفسه وشؤونه، صدق توجهه إلى الأهداف الجماعية والغاية الفردية الإحسانية، صدق طلبه للموت في سبيل الله.