بحلول السابع عشر من شهر فبراير، يكون حلم تحقيق وحدة مغاربية في إطار اتحاد المغرب العربي، أو المغرب الكبير كما يحلو للبعض تسميته، قد مر عليه خمسة عشر عاما شهد فيها الاتحاد عدة تقلبات جعلت الأمل يبقى حُلما حتى إشعار آخر..

لقد كان الاتحاد أمل الشعوب المغاربية في تحقيق التقارب والتعايش، خصوصا وأنهم جميعا أبناء منطقة واحدة، وأبناء لغة واحدة، وأبناء دين واحد وثقافة واحدة، وبالتالي فهم أبناء حضارة واحدة.. فكان لقاء “زيرالدة” المنعقد في 10 يونيو 1988 بمثابة الأمل في تأسيس إطار مغاربي وحدوي، الأمل الذي كان سيزيد من تمتين أواصر الأخوة والتضامن، وبالتالي العيش في كنف وحدة نحن الآن في أشد الحاجة إليها أكثر من أي وقت مضى، خصوصا ونحن نعيش زمن التكتلات بحيث يبقى الاتحاد الأوربي وتجاوزه لأغلب العوائق حتى أنه اعتمد عملة واحدة موحدة، صار الآن خير نموذج يحتدى به.

كان الإعلان الرسمي عن ميلاد اتحاد المغرب العربي في السابع عشر فبراير من عام 1989، في “قمة مراكش”.

وتعود ظروف تأسيس الاتحاد بعد القمة العربية المنعقدة في الجزائر، وبالضبط خلال لقاء “زيرالدة” المنعقد في 10 يونيو 1988 والذي جمع قادة دول المغرب العربي حيث تم وضع برنامج خاص تحت إشراف لجنة مغاربية عليا أسندت إليها مهام الإعداد لتأسيس “اتحاد المغرب العربي”.

كان لإعلان ميلاد الاتحاد وقعه الإيجابي على شعوب المنطقة، وكان حُلم الاتحاد يراود كل الهيآت الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وكانت المؤسسات التي ستنبثق عن الاتحاد بمثابة الآلية المغاربية الموحدة التي ستمكن من مواجهة الصعاب، وتحدي العقبات…

فكانت الأهداف المنبثقة عن معاهدة إنشاء “اتحاد المغرب العربي” تنص خصوصا على تمتين أواصر الأخوة التي تربط الدول الأعضاء وشعوبها بعضها ببعض.. و تحقيق تقدم ورفاهية مجتمعاتها والدفاع عن حقوقها، والمساهمة في صيانة السلام القائم على العدل والإنصاف، والعمل على تحقيق حرية تنقل الأشخاص وانتقال الخدمات والسلع ورؤوس الأموال بينها… هذه بعض من الأهداف التي كان المتوخى منها تمتين تلك الأواصر في اتجاه إيجاد فعل اتحادي مغاربي على جميع الأصعدة، وأملا معقودا في جعل منطقة المغرب العربي منطقة سلم وتآخي ووحدة اقتصادية..

إلا أن الواقع العملي أكد أنه بعد 15 سنة من التأسيس، بدا حُلم الاتحاد في اتجاه التبخر إن لم يكن قد تبخر فعلا، وأن الأحداث والمواقف السياسية لبعض الأطراف المشاركة في الاتحاد، قد أدت إلى إجهاض هذه التجربة، وبالتالي تكسير الحلم حتى صارت جميع المؤسسات التابعة للاتحاد مجمدة ولا وجود لها إلا على أوراق المقررات، وصارت شكلية فقط..

فالأمانة العامة للاتحاد في الرباط، ومجلس شورى الاتحاد في الجزائر، والهيئة القضائية في نواكشوط، والجامعة المغاربية في طرابلس بليبيا، والأكاديمية المغاربية للعلوم أيضا في طرابلس، بينما احتضنت تونس المصرف المغاربي للاستثمار والتجارة الخارجية..

وعوض تحقيق حرية تنقل الأشخاص أصبحنا أمام إغلاق الحدود من جانب، وفرض التأشيرة من الجانب الآخر. وعوض مد جسور التعاون والتآخي، عملت بعض الأجهزة على افتعال مناوشات ومشاكل، وصارت تتدخل في الشؤون الداخلية، بل وباتت تفرض حلولا تمس السيادة الوطنية. فأجهضت التجربة وصار الحلم الذي كاد في يوم من الأيام أن يصبح حقيقة، صار كابوسا مخيفا يهدد أمن واستقرار المنطقة برمتها.

فلماذا لم ينجح “اتحاد المغرب العربي” في وضع لبنات استمراريته وتحدي العقبات والاقتداء بالتجربة الأوربية؟

الأكيد هو أن الآلة المغاربية قد اشتغلت أثناء السنوات الثلاث الأولى للتأسيس، وعملت على إحداث روابط سياسية واقتصادية، تمثلت الأولى في المؤسسات الموازية للاتحاد، بينما شملت الثانية عدة اتفاقيات أبرمت في إطار الاتحاد..

إلا أن المشاكل السياسية التي فرضت نفسها على المنطقة من جهة، ومبدأ فرق تسد الذي ينتهجه الغرب في وجه كل محاولة توحيد أو اجتماع عربي، جعلت مؤسسة “اتحاد المغرب العربي” تعرف جمودا عمليا بين أعضائها.

كما كان للموقف الجزائري تجاه مشكل الصحراء، الدور الرئيس في سيادة أجواء التوتر بين المغرب والجزائر، هذا إلى جانب الأوضاع الداخلية للجزائر التي كان لها بدورها وقع سلبي على استمرار العلاقات بين مجموع بلدان المغرب العربي.

كما كان لقضية “لوكربي” وقع سلبي آخر على تطور العلاقات بين بلدان الاتحاد الخمس التي لم تجرؤ على تكسير الحظر المفروض على ليبيا من طرف الولايات المتحدة الأمريكية ولندن. وبذلك يكون العامل السياسي قد أثر على تطور العلاقات المغاربية وجعلها تتقزم منذ الدورة العادية السادسة المنعقدة في تونس في بداية شهر أبريل من سنة 1994..

لكن، وأمام هذه العوائق التي تحمل طابعا سياسيا بالدرجة الأولى، وعزيمة لم ترق بعد لدرجة تجاوز الحدود الإقليمية المصطنعة، نجد مقابل ذلك، هرولة مغاربية في اتجاه الانفتاح على بلاد العم سام، بل والتطبيع مع الكيان الصهيوني..

وعوض العمل على تجاوز العراقيل المصطنعة بين بلدان الجوار، وتوفير جو التقارب المغاربي.. نرى أن الجميع صار يتخذ من التقارب الأمريكي الإسرائيلي، الأنموذج الأمثل.

وفي هذا السياق، نعيش الآن في المغرب متاهات الاندماج والانصهار في السياسة الاقتصادية الأمريكية، وذلك من خلال الاتفاقية التجارية التي ستأتي على الأخضر واليابس.. كما أننا نعيش دوما حقيقة التطبيع مع الكيان الصهيوني الذي يعيث في أرض فلسطين فسادا، كما هرولت موريطانيا في وقت سابق بتدشين علاقات ديبلوماسية رسمية مع الكيان، وعودة الحيوية والدفء إلى العلاقات الإسرائيلية الجزائرية والتونسية.. هذا في الوقت الذي صارت ليبيا تنادي بتوجهها الإفريقي وتدعو إلى إقامة دولة إسراطين !

لقد تأكد أكثر من مرة أن إسرائيل تراهن على المغرب العربي لأسباب سياسية واقتصادية أمنية وجيوسياسية.. كما أكدت العديد من الدراسات أن أسواق المغرب العربي تستهلك سنويا ما يفوق 30 مليار دولار من المنتوجات الصناعية والزراعية الإسرائيلية.. كما بدا جليا أن الأنظمة القائمة على زمام أمور دول المغرب العربي، قد أخفقت في تجسيد أي تنظيم اقتصادي مشترك، فبالأحرى إيجاد تكتل سياسي ناجح.

إن المسألة الأساسية التي يواجهها الاتحاد هي كيف يحوِّل مشروعه التاريخي الحضاري الذي يستند أساسا إلى حقائق الدين واللغة، وحقائق التاريخ والحضارة المشتركة، وعامل القرب الجغرافي، والهموم المشتركة، إلى واقع معاصر يتطلب وحدة وانسجاما وألفة أكثر من أي وقت مضى..

الآن، وبعد 15 سنة من الجمود، وبعد بروز تكتلات سياسية واقتصادية عالمية، هل تتحرك الآلة السياسية المغاربية كي تعمل على تحطيم جدارات القطيعة، وبالتالي إخراج الاتحاد من الجمود إلى الفعل والعمل، وتفعيل باقي مؤسساته السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، أم أن منطقة المغرب العربي ستظل محكومة بمنطق المصالح الشخصية وتحت وطأة ضغوطات الاستعمار الداخلي والخارجي؟