جميل أن نحتفي بالمنتخب الوطني لكرة القدم كل هذا الاحتفاء، جميل ذلك ولا عيب فيه ما دام هؤلاء الشباب حققوا بتونس إنجازا رياضيا هاما، بقيادة طاقم مغربي وفر للمغرب الكثير من الأموال التي كان يبلعها مدربون أجنبيون دون تحقيق نتائج تذكر..

جميل ذلك، لكن العيب كل العيب أن يكون الاحتفاء ليس بهدف تشجيع الكفاءات ومكافئة الطاقات المبدعة، إنما الدافع والباعث هو التوظيف السياسي لإنجازات أسود الأطلس، تنفيسا على الشعب الذي أصابه الإحباط بسبب فشل الحاكمين على جميع الأصعدة.

العيب كل العيب أن يصل التوظيف السياسي مداه في الاستخفاف بعقول الشعب إلى حد إيهامه أن الدولة قد وفت بكل التزاماتها بسبب إنجازات المنتخب المغربي. وكأنه بهذا الإنجاز الذي -تم السطو عليه- قد عولجت كل مشاكل المغرب من فقر وبطالة وأمية وتردي اقتصادي واجتماعي وسياسي.

جميل أن يستقبل المنتخب المغربي ذلك الاستقبال لأنه قضى أياما في تونس بذل فيها جهدا … من أجل الإمتاع والإبداع في كرة القدم .. لكن كم هم المبدعون المغاربة الذين لا نسمع بإبداعاتهم إلا في قصاصات الأخبار .. دون أن يلتفت إليهم أحد .. من هؤلاء ذاك العالم المغربي الذي سمعنا به في الآونة الأخيرة، والذي كانت له إسهامات هامة في الاكتشافات التي كانت على ظهر المريخ. من هو هذا العالِم؟ ما هي حياته؟ ما هو شعوره بما حققه من إنجاز؟ من نوه به من مسؤولي بلده؟ من احتفى به من المغاربة؟ سيل من الأسئلة، والجواب همل في همل!.

ثم لماذا لم نستقبل، مثل ذلك الاستقبال الذي حظي به منتخبنا الوطني، رجالا من هذا الشعب بذلوا الغالي والنفيس من أجل وطنهم؟ .. منهم من قضى في المنفى 20 سنة أو أكثر .. لماذا نستقبلهم بعبوسة مخافر الشرطة .. عوض بهجة الشوارع وأضوائها!؟ هل لأن الشعب المغربي وطني فقط في كرة القدم وليس وطنيا في باقي قضايا الوطن؟ وهو الذي أظهر نضجه وقوة تفاعله كلما جاد الحكام بفك القيد عنه في المسيرات والتظاهرات المناصرة لقضايا الأمة.

درس آخر في تلك الحركة الشعبية، التي عرفتها مختلف المدن، يقال لنا أنها مرت في أحسن الظروف، ولم تسجل أية خسائر مادية .. هذا القول يفند تلك الدعوى التي يواجَه بها المغاربة كلما أرادوا تنظيم تظاهرة أو مسيرة تضامنية .. فلماذا هذا الكيل بمكيالين؟ لماذا أحيانا تنظر السلطة للمغاربة على أنهم وطنيون وسلميون وناضجون .. وأحيانا أخرى تنظر لهم على أنهم عنيفون ومخربون .. وبالتالي لا حق لهم في التعبير أو التضامن.

ويبقى الدرس الأهم، ما حققه المدرب المغرب بادو الزاكي، رغم ما وضع في طريقه من عراقيل. هذا الإنجاز الهام بإمكانه أن يخلصنا من عقدة الأجنبي .. الأجنبي هو الذي يعرف .. وهو الذي يقدر .. وابن الوطن لا يعرف شيئا .. ولا يقدر على شيء .. فالمطلوب أن نعمم تجربة الزاكي على مختلف الميادين .. نسمح لكفاءات مغربية، لها غيرة على بلدها وشعبها، بخوض المغامرة، ونمكنها من الوسائل والإمكانات، ثم نسألها عن النتائج .. دون أن يعني هذا الاستغناء التام عن الخبرة الأجنبية، في مجال من المجالات إذا ثبت بالملموس أننا في حاجة إليها.

هيئة التحرير