كثر الحديث، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من شتنبر، عن غلو بعض الجماعات المسلحة وغير المسلحة المحسوبة على الحركة الإسلامية، لكن الأقلام تجف حين يتعلق الأمر باليمين المتطرف ويصبح الحديث عنه في وسائل الإعلام شبه منعدم.

اليمين المتطرف الأوربي له أحزاب سياسية معترف بها ويصدر الجرائد والمجلات وتتعدد مواقعه على الانترنيت. وهو يركز في خطابه على نشر النزعة العنصرية في صفوف الأوربيين. والخطير أن هذه الأحزاب أضحت تحقق انتصارات متوالية خلال الانتخابات، وتحصل على نسب مهمة من أصوات الناخبين.

خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة في سويسرا حصل الاتحاد الديمقراطي للوسط (UDC) الذي يتزعمه Christoph Blocher -وهو من أحزاب اليمين المتطرف- على 27,7% من أصوات الناخبين مما جعل منه الحزب الأول في سويسرا، هذا النجاح ساهم فيه بشكل كبير زعيمه Blocher الذي يعتبر السويسري الوحيد الذي تتخطى شهرته السياسية حدود دولته، وهو دكتور في الحقوق وكولونيل سابق في الجيش وصاحب مصنع كبير يشغل 3000 عامل، وقد اعتمد خلال الحملة الانتخابية على خطاب معادي للوحدة الأوربية ممررا أفكاره في الحقد على الأجانب.

قبل سويسرا عرفت بلجيكا تقدما لليمين المتطرف الفلامنكي خلال الانتخابات التشريعية ليونيو 2003، حيث أصبح حزب Vlaams Block الذي يتزعمه Filip Devinter أول حزب في مدينة Anvers، واستقراءات الرأي ترشحه للحصول على 20% من أصوات الناخبين البلجيكيين خلال الانتخابات البلدية، والأوربية ليونيو 2004.

بالنسبة لهولندا حصلت لائحة Pim Fortuyn على 26 مقعدا خلال الانتخابات التشريعية ليناير 2003، وهي نتائج مذهلة نظرا لما يعرف به الشعب الهولندي من بعد عن العنصرية، ويمكن تفسير هذه النتائج من خلال ربطها باغتيال Fortuyn قبل الانتخابات مباشرة. أما مشاركة هذا الحزب في الحكومة فكانت فاشلة، مما فتح المجال لأحد أعضائه بتأسيس حزب سماه اليمين الجديد New Rechts يحمل شعارات أكثر تطرفا مثل مواجهة تقدم الإسلام في هولندا .. ويستعد بحماس للانتخابات المقبلة.

وخلال الانتخابات التشريعية التي جرت في مارس 2002 بالبرتغال حصل الحزب الشعبي على 8,75% من الأصوات وأصبح زعيمه Pcrult Portas وزيرا للدفاع.

وقد شهدت الانتخابات التشريعية لعام 2001 بالدانمارك تقدم مهم لحزب الشعب الدانماركي Dank Folkparti بزعامة Pia Kjaersgaard حيث حصل على 12% من الأصوات، وقد عرف دخوله للحكومة تعقيدا لقوانين الهجرة لا سابقة له بأوربا، لكنه بعد هذا الإنجاز يظهر أن قيادات هذا الحزب نسيت شعارات مناهضة العولمة التي طالما نادت بها وساندت الحرب على العراق مرسلة عددا من جنودها إلى أرض المعركة.

أما النمسا فهي أول دولة أوربية وصل فيها اليمين المتطرف إلى الحكومة بشكل قوي وبطريقة ديمقراطية، وذلك خلال الانتخابات التشريعية لعام 1999، حيث دخل الحزب الليبرالي النمساوي (FPO) بزعامة Jarg Haider الساحة السياسية بقوة، لكنه انقسم إلى اتجاهين بعد ذلك مما أضعفه وكسر شوكته.

ويبقى اليمين المتطرف حاضرا في إيطاليا بزعامة Umberto Bossi وفي بولونيا بزعامة Andrzej Lepper وفي فرنسا بزعامة Jean-Marie Lepen وفي النرويج بزعامة Carl Hagen وفي سلوفاكيا بزعامة Vladimir Meciar وفي رومانيا بزعامة Corneliu Vadim Tudor…

هذا التعصب المنتشر في أوربا يعرف عند المحللين السياسيين بالشعبوية المعاصرة Le populisme moderne وهو من تنظير Gustave Le Bon صاحب كتاب  La psychologie des foules الذي صدر عام 1895، ولاشك أن النازية والفاشية هي من مظاهر هذا التطرف، ولقد أدت كلاهما إلى إشعال فتيل الحرب العالمية الثانية التي دمرت أوربا.

وخلال التسعينيات من القرن الماضي فتح المجال للعصبية الصربية بعد انهيار المعسكر الشرقي، فدمرت البوسنة والهرسك وسفكت الدماء وعذبت الأبرياء … ولم تكتف بهذا فانتقلت لكوسوفو وعاتت فيه فسادا.

هذا الخراب والدمار هو درس للأوربيين ودرس لدعاة القومية العربية من بني جلدتنا، ولقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الوباء الخطير، روى البخاري عن جابر رضي الله عنه قال: “كنا في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار. فقال الأنصاري: يا للأنصار! فقال المهاجري: يا للمهاجرين! فقال صلى الله عليه وسلم: دعوها إنها منتنة!”.