ما يزيد على أربعة عقود والمغرب يتخبط في مشكلات كبرى استعصت، لشدة تجذرها، على الحل أو حتى على التخفيف منها، بسبب أن كل المحاولات المنتهجة كانت، وما تزال، صغيرة، إلى حد الضحالة أمام عظم تلك المشكلات.

خلال هذه المدة تكلست الأوضاع على كل ما هو فظيع ومكروه ولا إنساني. سياسيا لا تزداد الأساليب المخزنية إلا ترسخا بما هي انفراد بإدارة الشأن العام، وحتى الخاص، وإقصاء لكل رأي معارض إلا من قبل العزف بنفس معزوفة الجوق المخزني، وإرهاب وكبح حركة من تأبى على الترويض، ثم إفراغ العملية السياسية، بما هي انتخابات ومجالس ومؤسسات، من كل ما يمت إلى جوهرها بصلة، وهو الاختيار الحر، لتبقى الحقيقة الساطعة أنها لعبة ممجوجة يختار لاعبوها وتحدد نتائجها وترسم أدوارها سلفا في الردهات الخاصة. فكل الأساليب السياسية المتبعة تأخذ طابع البهرجة والدعاية، وتأتي عادة في سياق حملة ترويجية أو للتغطية على الأوضاع البئيسة، وهذا يمكن أن ينطبق على طريقة إجراء الانتخابات وتشكيل الحكومات وتوظيف ملفات المشاكل الحدودية، وطريقة التعامل مع الملفات الحقوقية (قضية الاعتقال السياسي) التي لم يثبت حتى الآن أن معالجتها تتم بهدف الطي والتسوية وإنما تكون غالبا بدافعين: ابتزاز الخصم والمعارض وإحناؤهما، ثم طمأنة الرأسمال الأجنبي، والدليل القاطع لإثبات صدقية هذا الاستنتاج أنه في الوقت الذي يتم طي صفحة تضم بضعة معتقلين، يحتفظ بصفحات أخرى مغبرة بغبار السجون، بل الأخطر أنها تأتي متزامنة مع فتح ملفات جديدة تضم المئات أو الآلاف كما هو الحال الآن حيث نجد في مقابل إطلاق سراح 33 معتقلا تم حشر أزيد من ألف معتقل جديد لم يتمتعوا بالمحاكمة العادلة ويعانون من أشد أنواع القهر داخل السجون.

فالأمر لا يتعلق بطي صفحة من سجل، إنما القضية أكبر وأعمق من ذلك، المطلوب طي عقلية وسلوك مركبين على الاستبداد واعتماد العنف الوسيلة الأساسية في التعامل مع الآخر، والثابت الآن أن نفس العقلية مازالت هي المتحكمة وإن تلونت بألوان وأصباغ قد تغري النظرة الأولى لكنها لا تصمد أمام عوامل التعرية القوية لتنكشف عن النتوءات والتشوهات القديمة.

أما الاقتصاد فقد وصلت به درجة الإنهاك إلى الحد الذي لم تبق تنفع معه الإجراءات المسكنة الترقيعية لأن عوامل الإضعاف أكثر فتكا واستعصاء على الإجراءات الخجولة التي تأخذ هي أيضا طابع الحملات القضائية والجعجعات التي ينقشع غبارها ليجد المغاربة أنفسهم أمام نفس الوضع المتخن بالرشوة وتعاظم أخطبوط الاقتصاد العائلي والفئوي الذي تستحيل معه أية منافسة من طرف الرساميل المتوسطة أو الصغيرة، ناهيك عن استمرار قحط الخزينة المركزية بسبب الاستنزاف الخارجي (المديونية) والداخلي (الأجور العليا والاختلاسات ونفقات المناسبات) إضافة إلى معضلات الرشوة والمخدرات والتهريب الذي يحترفه الكبار وهو يخرق السوق الداخلية ويسبب الكساد للمقاولات الصغرى.

أما اجتماعيا فلم يعد خافيا على متتبع أو مواطن أن شعارات دعم الفقراء وافتعال مناسبات الهبات الرمضانية لا تجدي إلا في ضمان يوم من دون صرير أمعاء جائع من بين ملايين الجوعى الذين يزدادون فقرا في مقابل قلة متنفذة ما تزداد إلا توسعا في الغنى واحتواشا لكل خيرات المغرب.

لم يكن همي الأول هنا هو تعداد مشكلات مغربنا العزيز، ولا أظن أني جئت فيها بجديد فهي يعرفها القاصي والداني، بل يكتوي بها كل المغاربة ويتنفسونها مع كل استنشاق وزفرة، بقدر ما يهمني أن نتلمس المدخل الحقيقي للطريق السليمة السالكة إلى الحل الواقعي. وما أرى من مدخل لذلك إلا تكاثف الجهود والتفاف الإرادات في حوار صريح ومكشوف ومفتوح لكل أبناء المغرب ويخلص إلى ميثاق يكنفه التراضي لا الإكراه والتساوي في المسؤولية لا تنصل البعض وطهرانيته على حساب تلويث الآخرين وتحمليهم كل المطبات، ميثاق ينطلق من هوية الشعب ويشرك طاقاته ومكوناته ويتحرك في مساحة مريحة من الوضوح والشفافية عوض ما ينغمس فيه بلدنا من ضباب وغموض لا ينتعش فيه إلا اللصوص.

تفاصيل هذا المدخل نتطرق إليها في مقال قادم بحول الله تعالى.