الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الهادي إلى صراط مستقيم، وعلى كل من دعا بدعوته، واقتدى بسنته.

أما بعد،

فإن الإنسانية في مجملها تتعرض اليوم لضغوط عنيفة من حاجاتها الاقتصادية وضرورة تنظيم الموارد وتقنين استغلالها، وتتعرض لتضاغط القوميات والقوى العسكرية بعضها على بعض إرادة الاستئثار بخيرات الأرض والظهور الحضاري والتفوق الثقافي، والمسلمون في الأرض ضعاف مغلوبون مسلوبون، يعانون الضغوط العالمية ويتدحرجون على هامش الصراع العملاق حين يكون بلدهم فقيرا، وتحت كلكل الإرادات المستغلة وتهديدها إن تكن ببلدهم خيرات يتلهف عليها الاقتصاد الجاهلي المحموم.

وفي معمعان الصراع العالمي ترتفع أصوات الدعوات إلى الباطل من غرب الجاهلية وشرقها على شكل إديولوجيات تصور الإنسان دابة اقتصادية تتصارع قطعانها على المعاش وتوزيعه، إما تقترح تأطير القطيع وسوقه إلى “جنة الشيوعية” وإما تندب حظ القطيع المسلوب الحرية وتنادي على بضاعات السوق الحرة في الغرب الرأسمالي حيث ينظم القطيع في طوابير يحدوها نشدان اللذة وتعصرها عصرا شديدا مقتضيات الإنتاجية والجدوى والفاعلية.

تلك دعوات الجاهلية في كلمتين، يسمعها المسلمون ويقرأونها حين ينظمها أو يكتبها الجاهليون، وحين ترددها ذريتنا الخاسرة المرتدة بين ظهرانينا، ويعانيها المسلمون معاناة سلبية حين تخاطبهم بلسان الحاجة اليومية يضخم من تنزلها علينا فراغ أسواقنا إلا من بضاعاتهم وفراغ عقولنا إلا من أفكارهم وفراغ قلوبنا إلا من حوافز جاهلية صرفة أو جاهلية منافقة يصبغها لنا المرتدون من الذرية بصباغ مزيف في معرض الواجهات القومية المتنابزة بالألقاب.

على بساط فقرنا الذي لا تبرئنا منه الدولارات المتكاثرة لدى بعضنا، وعلى بساط العنف الذي يبطش بنا من تكالب الأمم علينا ومن عدوان طائفة منا على طائفة، وعلى بساط الذلة بعد أن هزمتنا شرذمة من الصهيونيين، ماذا تكون دعوة الإسلاميين، وهم الفئة اليقظة من المسلمين وسط السبات العام عن الحق، لإخوانهم وللعالم؟ إنها إلا تكن دعوة إلى الله تكن دعوة جزئية وتكن عاجزة عن توضيح المبهم في طريق المسلمين وطريق الإنسانية، وعن الهداية لغاية طريق الإنسان في رحلته بين لحظة الميلاد الجسمي والموت الجسمي وما بعد الموت من حياة أبدية، إنها إن تكن دعوة مقابلة للدعوات الجاهلية على مستوى المعاني الأرضية والحاجات الحسية لن تعدو أن تكون إديولوحية مصبوغة قاصرة، نعم لا بد أن نذكر المسلمين ونذكر الإنسانية كلها الحاضرة والمستقبلة أن الإسلام يعني فيما يعني أن يسود العدل المجتمع البشري وأن يعطي الإنسان حرياته وحقوقه، وإذا جادلنا المعاند الكافر أو المرتد الممسوخ واحتج بالتاريخ كما يفهمه واحتج بتخلف المسلمين وعزى ذلك لإسلامهم فإن منطلقنا، لنتجاوز العناد والجهل بالإسلام والكيد الصغير له، أن نرفع الحوار إلى أفق المعنى والغاية، إلى أفق المصير بعد الموت، إلى الله عز وجل، وأن نربط دعوتنا، معشر الإسلاميين، بموكب النور، موكب النبيئين والشهداء والصالحين منذ آدم عليه السلام إلى عيسى عليه السلام حين ينـزل بالعدل والإسلام، ينبغي أن نرفع الدعوة إلى الله ونربطها بحلقات السلسلة النورانية من رجال الدعوة إلى الله الذين دانوا الله بالإسلام لا فرق في ذلك بين آدم وإبراهيم الذي سمانا مسلمين ومحمد الأمين عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام.

الدعوة الإسلامية دعوة إلى الله فذاك سموها، ودعوة إلى المسلمين النائمين عن الحق ثم إلى الناس أجمعين فذاك عمومها، ومن خلال الدعوة وأثناءها بعد أن تتفتح لها القلوب، وتستنير بها العقول، وتلتفت بها الوجوه المعرضة عن ربها إلى نور الهداية الربانية الموحى بها إلى الرسل والنبيين، يولد في ضمائر المسلمين وضمائر من يستجيب لدعوتهم من الناس قبول شريعة الله وقانونه المنزل، وتولد رغبة عند رجال الدولة المسلمين أن يحكموا بما أنزل الله، وعند علماء المسلمين همة ليجتهدوا في منهاج إسلامي لحل الأسئلة التي تطرحها على الأمة معقدات الاقتصاد والتنظيم والتربية والتسليم وعند الفريقين عزمة للتعاون على البر والتقوى.

إن دعوتنا دعوة إلى الله لكنها تنبعث في زمان ومكان، ليست نداء ملائكيا في جو معقم، فما بد أن نغالب عليها بكل ما نملك من صدق تيارات الكفر السائدة بسيادة الجاهلية على الأٍرض، وعواصف الشك والخوف المتحكمان في علاقات الحكام والمحكومين ببلاد الإسلام، وفي علاقات طوائف المسلمين بعضهم ببعض، وما بد من أن نصدق إخواننا من رجال الدعوة وإخواننا من رجال الأحزاب السياسية وإخواننا من رجال السلطة والحكم بحقيقة انتمائنا وحقيقة قيادتنا وحقيقة ما نريد.

من كلمة ماضية إلى طريقها موجزة نقول: إن انتماءنا إلى الله وحده وإلى رسوله والمومنين، وإن قيادتنا وقدوتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإننا نعمل لتكون كلمة الله هي العليا، فذاك ما نريد، ثم ندعو الناس جميعا لينتموا لما ننتمي إليه، وندعوهم ليكتشفوا أن لله رسلا بعثهم إلينا بالحق وجعل إمامهم رجلا اسمه محمد بن عبد الله عليه سلام الله وصلاته، وندعوهم للعمل على نيل السعادة الأبدية بإسلام وجوههم إلى الله والاحتكام إليه وطاعته والاعتراف بسيادته، ويعني هذا أن كل ولاء غير الولاء لله وفي الله نحن برءاء منه، وأن كل إسلام ليس على اتباع محمد صلى الله عليه وسلم ليس منا ولسنا منه، وأن كل كلمة لا تترجم عن كلمة الله في كتبه المبين ضلال وغواية.

وقد أوجزنا الجواب عن سؤال أهل الإيمان رجال الدعوة وأهل السياسات وأهل السلطان ليعرف الكل، إن قدروا، أن الحق غايتنا وأن الصدق رائدنا ننفذ إلى موضوع هذه المجلة وهو التماس الحكمة، ونعني بالتماس الحكمة البحث عن الصورة الكاملة للدولة الإسلامية المنشودة في تضرعات رجال الله المجاهدين، الموعودة في أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلام ربنا عز وجل الذي تكفل لنا، إن آمنا وعملنا الصالحات، أن يستخلفنا في الأرض وأن ييمكن لنا ديننا الذي ارتضى لنا وأن يبدلنا من بعد خوفنا أمنا.

نعم، هذا معنى التماسنا الحكمة، ونعرض ذلك إن شاء الله بحكمة، وإلى الحكمة ندعو رجال الدولة في بلاد المسلمين فنعرض عليهم أن يرفعوا سوطهم عن رجال الدعوة، فإن سجون بعضهم لا يزال يئن فيها المعذبون من المسلمين، وإلى الحكمة ندعو رجال الحكم في بلدنا المغربّ بمثل ما ندعو إليه زملاءهم في بلاد الإسلام وبأن يوسعوا لنا على مائدة الديموقراطية إن أرادت هذه لنفسها وقارا ويرفعوا عن الإسلاميين الحجر حتى نتنظم على وضح النهار، أفليس لنا حق إلا في معاتم التنظيمات السرية التي يلجئ إليها بعض حكام المسلمين أمة الخير أمة الدعوة لينصبوا لها بعدئذ الفخاخ؟ إن أعداءنا من الذرية الخاسرة المرتدة من الشيوعيين وأضرابهم يزعمون أن الإسلام يعني التعصب الديني ويعني التخلف ويعني العنف، ويحطون بكل وزنهم ونفوذهم لتحظر تنظيمات الإسلاميين حتى يضطر شباب هؤلاء المتحمس النابض غيرة وطهارة إلى استعمال وسائل الحركية السرية فتنقض عليهم مخالب العداء وتخلى منهم الميدان ليصفو الجو لدعاة الباطل والزنادقة، فمن الحكمة أن يستيقظ الحكام لهذا الكيد سيما في المغرب الديمقراطي، ألا وإننا لن نعنف ولن نقر عنفا ولن يدفعنا لصبيانيات التنظيم السري من يكرهون لنا النمو والرجولة الا إننا قوم مجاهدون نحدث أنفسنا بجهاد ونريد جهادا ونسمي عملنا جهادا، وما دامت بلادنا الإسلامية دار إسلام يسمح فيها أن تنظم أحزاب “مسلمة” شيوعية أو اشتراكية، وأخرى مسلمة قومية عن يمين هؤلاء أو هؤلاء، فلم يسمح بتنظيم مسلم إسلامي لا توضع كلمة من وصفية بين هلالين لأنه يدرك مسؤوليته كعامل يوقظ الوسنانين وينبه الغافلين؟

هذه المجلة الملتمسة الحكمة تطالب أول ما تطالب بإنصاف الإسلاميين ورفع اليد عنهم، وتطالب بمنحهم حق المواطنة وحق التعبير وإلا فوا خجلة الديمقراطية ! وتطالب أن يعترف لهم بحق التجمع والتنظيم وإلا فهو اعتراف لدعاة الباطل بأن ما يسعون إليه بكل نفوذهم من طرحنا على هامش العمل السياسي هو المصير المحتوم الذي تذخره لنا الدولة أيضا، ولعل هذه تفهم أن عاطفة الأمة معنا، وأن هذه الأمة لن تتحرك الحركة الحية القوية إلا باليقظة الإسلامية التي نريدها، وأن كبتنا واضطهادنا في مصر وغير مصر، في ليبيا وخارجها، إنما هو زرع للكراهية لن يغص بحصاده إلا رجال الحكم إخواننا الذين ننصح لهم فلا يسمعون نصحنا.

ها نحن أولا، نفتح ذراعي الأخوة واسعين لرجال السياسة مهما كانت انتماءاتهم الحزبية، خلا الشيوعيين الملاحدة ومن جهر بالفسق، واستهان بالدين، ونفتح ذراعي الإخوة واسعين لرجال الحكم ما أقاموا الصلاة، نفعل ذلك عن صدق لا عن تملق أو خوف لكن لنبدأ بكلمة الرفق والرحمة حوارا هادئا نذكر فيه لهؤلاء وأولئك أن الإسلام ما بعث الله برسالته النبيين ليقتلوا الناس بل ليحيوهم، وأن الإسلام يترعرع في جو الرحمة من بذرة المحبة، وأن نظرتهم المسبقة عن الإسلام أنه تزمت وإرهاب وعنف وجمود فكري، أو رجعية أو تطرف أو غير ذلك لا تليق بعاقل مفكر يعلم أن أعداء الإسلام حرصوا عبر القرون ويحرصون أن يكرهوا لنا ديننا ويعموه عنا بضباب أراجيفهم، فاسمعوا لنا إخواننا إن شئتم، وأن تعرضوا وتتكبروا فالله غي عن العالمين، وما نحن إلا حملة رسالته وسينصر الله دينه كما وعد، فاعلموا، إخبار غير طامع في رفد مخلوق منكم، أن الإديولوجيات مفلسة لا محالة في أرضنا الإسلامية ولن ينبت فيها إلا الإسلام ويصلح فكرا مستنيرا، وعملا ماضيا، وجهادا لتبليغ كلمة الله للعالمين.

للمثقفين العقلانيين منكم أن يسخروا من مثل هذه التأكيدات في الهواء، نعذرهم إن كانوا لم يرتدوا بالمرة عن دينهم، وندعوهم ليسمعوا إلينا على صفحات هذه المجلة لنفتح عليهم بإذن الله الآفاق الفكرية والعملية التي يجليها الإيمان لنظرنا، وليصبروا علينا إن لم يعمهم الغرور العقلاني حتى نتم جملنا.

إن كان من قبيل المستحيل أن ننتظر من الشيوعيين والمرتدين أن يفهموا عنا أو أن يصدقونا ويومنوا بأن الإسلام رحمة وهم الجاهليون عنفا وكفرا، فإننا نعلم أن من رجال الأحزاب السياسية ورجال الحكم من لا تزال لديهم مسكة من دين، بل منهم من نلتقي به في المساجد ومن نسمع عنه استعدادا للخير يعلم الله أننا نستطلع الأخبار لنعلم مَن مِن الناس يقوى على هذه الدعوة أكثر منا فيكفينا فضلا أن نبلغه إياها ونحببها إليه ونصحبه حتى تكتمل يقظته، ويعلم الله أننا ندعوه بالغيب أن يهدي إلى هذه الدعوة رجالاهم اليوم في الجاهلية السوداء أو في ربضها في الفتنة القاتمة كما يدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه أن ينصر هذا الدين بأحد العمرين في عهد جاهلية الفاروق.

لن نألوكم نصحا ولو أعرضتم عنا وتكبرتم، فأنتم الخصم وأنتم المحاور، نحن رجال الدعوة في أول الطريق، ونحن مختلفون بيننا نعاني من عقابيل الخلافات المذهبية المزمنة، ونعاني من صعوبات تعترض كل من يؤسس بناءه على معالم مندثرة تحت الركام وعلى رأسه تساقط ضربات الأعداء الكائدين من البعيدين المبعدين والأنسباء الأقرباء، أولئك بكراهية جوهرية يدفع ظلامها النور المنفتح، وهؤلاء بتجهم من نسجت في قلبه وعقله عناكب الدعايات وسواسا مظلما.

نحن رجال الدعوة في أول الطريق لكن نستفيد من تجارب غيرنا، ونستفيد من تجاربكم بالذات وفشلكم حين تتلمذتم للجاهلية وترجمتموها لأنفسكم أفكارا ملوثة بالجهل بالله والعنف على الناس، وترجمتموها إلينا فيما نشاهده من تكالبكم على المال والجاه وفساد ضمائركم وفسولتكم بعد ذلك وعجزكم عن حل مشاكل الاقتصاد ومشاكل الخصومات مع العالم والمصالحات، وفشلكم عن دفع عدونا المشترك عن مسجد الله الحرام، لا تغضبوا إن حاورناكم بعد الأخوة بهذه الرزايا التي تعرفونها لطبقتكم فمن النصح الأخوي ما لا تحمله إلا العبارات البليغة، الله يعلم ما في قلوبكم من إيمان لا حساب لنا في ذلك، لكنا نرى ما تفعلون، والله يقول لنبيه عن قوم لا يبين ما في قلوبهم من نفاق إلا من خلال أفعالهم: }أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا{. وقد كفانا إعراضا عنكم زمان سكوتنا، وما أفاد الوعظ، فلعل القول البليغ يوقظ منكم من أراد الله به خيرا، وفقكم الله للإيمان وإيانا.

نحن رجال الدعوة نغلط كما تغلطون، لكننا نصحح أغلاطنا على نور قلوبنا المتفتحة على الله وعلى ضوء عقولنا المتفتحة على كتابه المنـزل وكتابه المخلوق كتاب العالم، لا يغرنكم أن رصيدنا من التجربة لا يزال قليلا وأن رصيدنا الفكري المجدد لا يزال في ألفبائه فتعتزوا بما ترجمتم عن ماركس من فكر وعن لينين وذريته الثورية من “ممارسة” وتظنوا أنكم وحدكم الأذكياء، تعلموا أننا قوم نحب العلم ونلتمس الحكمة، وإننا نتبع الخطوة الخطوة بأقدام ثابتة على إيمان لا أرض الضغمطية العقلانية كما تقولون. فما أسرعنا أن نتعلم.

نحن رجال الدعوة على خلافات بيننا تولدت لنا من قعودنا للجدل عبر القرون، واليوم ها نحن نهضنا للعمل فلن تلبث سحائب سوء التفاهم أن تتبخر، وإن من يسعى منكم للمراهنة (وهذا من تعابيركم الجاهلية) على أن خلافاتنا ستطول لتضربوا بعضنا ببعض إنما ينفخ في رماد.

إن شاءت طبقتكم أن تفهم أن الشعوب الإسلامية قلوبها مع علمائنا القائمين بالدعوة إلى الله وأنها لا تمنحكم إلا حثالة الانتهازيين (كما تعبرون) من بينها يجارونكم في مضمار المصالح المقضية والذمم المقتضى عليها فلتفعل، فإن لم تشأ فالذرية الخاسرة المرتدة التي تحتل مدارسنا وجامعتنا قسرا تكفر بنينا وبناتنا، وبنيكم وبناتكم وتربيهم على الزندقة والإلحاد الشيوعيين كفيل مكرها وبأسها أن يضطركم للتفكير الجدي في الرجوع إلى الشعب المسلم، أي في الرجوع إلينا أهل الدعوة، أي في الرجوع آخر الأمر لله عز وجل الذي قيضنا للجهر برسالته.

إنكم معشر الطبقة السياسية تقتبسون حلولا لما يواجهكم من مشاكل فتترجمون لأنفسكم وإلينا الجاهلية وفكرها وممارستها، ونحن نلتمس الحكمة، ومعناها في كلمة ضبط الوسائل الكونية الزمنية، وتركيبها على كيفية تمكننا من الحياة على شريعة الله ومنهاج رسوله، أنتم إنما تلهثون خلف الجاهلية تلتقطون أفكارا وممارسات لتثبتوا أنكم قادرون على تدبير معاش لقومكم، ونحن لا ننكر ضرورة تدبير المعاش، لكنا نريد لنا ولكم الحياة الطيبة التي وعد الله بها من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مومن، إن سعيكم للمعاش وحده، ويا سوء ما دبرتموه لنا من معاش، فما عدوتم المعاش الدوابي الجاهلي ولن تعدوه، أما إن تعرضنا لموعود الله عز وجل للمومنين العاملين عملا صالحا فستنتفى عنا في نفس الوقت حقارة التابع وخسة الإنسان المرتكس في دوابيته.

لعلكم إلى هنا تقولون: أي حوار هذا ! بل أية خطبة ! مهلا فالكلمات المصلصلة البليغة عنف لفظي لابد لكم أن تحتملوه كفاء عنفكم علينا الذي لا يوصف، وما عهد العبد الخاسر فرعون مصر عنا ببعيد، عنفنا اللفظي إنما يرمي، فيما يرمي إليه، أن يكره إليكم حال الإنسان الغافل عن الله ربه وخالقه ورازقه، ويكره إليكم التردي، زيادة على ما ترديتهم، في مجاملة الجاهلية ومخالطتها، واستمروا في القراءة، فنحن على وشك أن ننتقل من الخطبة لمطارحة الأفكار بعضها إزاء بعض عسى أن نحبب إليكم الإيمان بجمال ما نعرضه عليكم من حكمة الإسلام في معالجة ما تألفونه من قضايا.

منحنا الله الإيمان فله الحمد وله الشكر، نسأله عزت قدرته أن يمنحكموه، ومنحنا مهلة لنتأمل العالم وساكنيه وصراعاتهم بنظرة متكاملة يتيحها لنا تطلعنا للواقع من واجهتين: واجهة نحن فيها مع الله نستعرض فيها صنعه في خلقه، وأخرى نحن فيها مع الخلق نذوق حلو خبراتهم ومرها ونتفاعل مع من يمارس سلطته علينا نحن الشعب المسلم ومع من ينظر إلينا ليرى رد فعلنا عند الوقائع، أما أنتم فلا تجدون في زحمة مسؤولياتكم اليومية أو خصامكم الحزبي حين تكونون داخل الحكومة أو خارجها وقتا للتأمل، فها نحن نعرض عليكم وعلى أنفسنا، نحن الشعب المسلم المحب للعلم الملتمس للحكمة، دعوتنا إلى الله من خلال نظرتنا للعالم ومشاكله، وللمستقبل وآفاقه وللحاضر والماضي في عموم الزمان والمكان اللذين كانا ويبقيان وعاء لهذا الإنسان الذي يؤمن بالله أو يكفر، يعنف عنف الجاهلية على أخيه الإنسان أو يكنفه بالرحمة الإسلامية.

الإيمان في قلب رجل الدعوة رحمة، وينبغي أن يكون في عمل المسؤولين المسلمين حكمة، الإيمان رحمة وحكمة علاقة بين العبد وربه، وعلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان، نرجع إلى سمو الدعوة وعمومها قبل أن نصوغ الأسئلة التي يطرحها علينا العصر ويطرحها علينا واقعنا الفقير العنيف الذليل كما نعبر، المتخلف كما تعبرون، نرجع إلى ذلك السمو وذلك العموم لنتحرر بالفكر من خلافاتنا معشر أمة الخير أهل الدعوة ريثما نتحرر منها في ميدان العمل، ولكي نؤكد أن حوارنا معكم يا أيتها الطبقة من أمتنا المخزونة على إسلامها يعني أيضا من وراءكم من كل سامع واع من بني الإنسان في هذا الزمان وبعده، لن تعوقنا المشاكل الإقليمية الزمنية الملحة علينا وعليكم الحاجبة عنكم لا عنا آفاق التآخي والمحبة والأمل الملازم للمومنين.

ألفتم ممن يريد أن يساهم في “لعبتكم الديمقراطية” !هكذا تقولون وتشهدون، أن يقدم برنامج عمل، فاقبلوا من أن نكون من الذكاء بحيث نرتب أسبقياتنا فنبدأ بالشريعة ثم المنهاج ثم يأتي وقت برنامج العمل بحول الله.

أما الشريعة فمستقاها كما تعلمون كتاب الله وسنة رسوله، وأما المنهاج النبوي فنحن برعاية الله جادون في صياغته لعقول هذا الزمان المعصرنة، فمن خلال المنهاج نعرض عليكم وعلى أنفسنا، نحن الشعب المسلم، كتاب الله وسنة رسوله، وإنما أكرر على مسامعكم ومسامعنا المكتظة بشعارات الوقت كلمة الشعب لتفهموا من أيسر طريق، وإلا فالكلمة الإسلامية هي الأمة.

وضع الأسئلة

نسأل الأسئلة نفسها: فيم تطرح؟ وإلى أي حد تكون صياغتها متضمنة الجواب؟ فإنك إن طرحت أسئلة عتيقة لوقتك وظروفك كما طرحها أناس عفى عليهم الزمن تكون أقرب إلى التخلف الفكري منك إلى الذكاء ونفاذ الرأي. وإنك إن انغلقت في مجال الصياغات المستوردة قبل أن تطرح على نفسك أسئلة لحل مشاكلك الخاصة فقد حكمت على نفسك أن تبقى رهنا في التبعية الفكرية والعملية، وإنك إن حكمت على نفسك بالعجز عن استكشاف آفاق لحل مشاكلك حلولا مخترعة فأنت أعجز عن تجاوز العالم الدوابي الجاهلي المتحدر في مزالق جاهليته، لا نبحث عن الأصالة إذ نسائل الأسئلة، فالأصالة مفهوم نسبي لا يعني شيئا في نظر الإسلام، أن تكون أصيلا في تفكير مثقفينا المفتونين هو أن تسبق إلى اكتشاف إقليم جديد أو منسي في دنيا الناس، أي على مستوى الجاهلية، يعطيك شخصية متميزة بسحنتها الجنسية وتاريخها وفلكلورها وثقافتها إلى ما سوى ذلك من الألوان السطحية التي لا تخبر حرفا واحدا عن معنى الإنسان ووجوده على الأرض ومصيره بعد الموت. إننا إذ نسائل الأسئلة نحذر من الجاذبية الفكرية الجاهلية التي تستولي على المثقفين من قرائنا أن تتسرب بعض مفاهيمها إلى كلمنا، وإننا إذ نرد إلى عتاقتها أسئلة الغابرين نعني إرادتنا التحرر من خلافات علمائنا المسلمين ونشير إلى تفاهة من لا يزالون عالة على إديولوجية ماركس وممارسة لينين يتكففون على مائدة الجاهلية الحمراء، وهي تفاهة لا تقل عن تفاهة الفئة الأخرى من تلامذة الجاهلية الذين يفكرون بمنظار منتسكيو ومقدمي فلاسفة الجاهليين، الجاهلية والعنف ونصلى نحن بضرام نارها أول من يصلى، لذلك لا نستطيع رفع بصرنا عن بغيهما الغازي لديارنا وطغيانهما الفكري على عقول أبنائنا.

لا نضع الأسئلة في أفق صاف هادئ بل نضعها ونحن وسط تجهمات العدو المتربص المتعدد الوجوه المتعدد المداخل إلينا، هذا العدو هو الجاهلية بشقيها، ونصوغ أسئلتنا صياغة مغايرة لنقترح حلولا بديلة لحلول الجاهليين، فإن بديل الشيء إنما يكون في حجمه وأبعاده، يشبهه ويصلح أن يحل محله، وبما أن الحلول الجاهلية تتركز على مسلمة الكفر بالله أو التبرئ من الاهتمام بوجوده أو عدمه وعلى مسلمة أن الإنسان دابة زمنية تلفظها الأرحام وتبلعها الأرض فإن الحلول الإسلامية ليست بديلا لشيء بل هي الحلول الفذة التي تصلح لقيام الأمة المسلمة الشاهدة على الناس، وقبل أن نمضي قدما نذكر أن تعبيرنا بالحلول إنما نفهم منه روافد الحكمة، أي المعالجات الجزئية لمشاكل الإنسان، كل مشاكله، وأهمها غفلته عن الله، فإذا اجتمعت تلك الحلول كان عمل إسلامي حكيم، أي كان الحكم بما أنزل الله وكانت شريعته مطاعة.

كيف نضع الأسئلة إذن، وكيف نصوغها بعصرنا الذي من نعمته كيت وكيت ولكي يصمد اتجاهها إلى الغاية التي من أجلها خلق الإنسان وهي عبادة الله والتقرب إليه لينال الإنسان في الدنيا كماله الروحي الأبدي؟ إن كيفية وضع الأسئلة واتجاهها وتضامنها لغاية بينة هو ما يسمى بلغة الوقت “المنهجية”، ونستعمل نحن اللفظ القرآني وهو “المنهاج”، ويعني الطريقة المؤدية إلى الله عز وجل في سياج الشريعة المطهرة، سنرجع إلى المنهاج النبوي ومعناه بالنسبة للجهاد الإسلامي في زمننا وظروفنا بحول الله، وسنرجع إليه طويلا بعونه عز وجل فإن مشروع صياغة منهاج العمل الإسلامي لا يكفي للعمل فيه إلا جهود جماعية يتكاثف فيها بلاء رجال الدعوة العلماء المستمر.

نكتفي في هذا المقال بطرح أسئلة المنهاج طرحا مقتضبا ماضيا في طريقه حتى يتيح الله مناسبات لتحديد المفاهيم وضبط التصورات، وهذه ضرورة ملحة لأن عقولنا المضبوطة شديدة الكلف بالتصورات المضبوطة سيما وخصومنا الذين ندعوهم إخواننا تعبيرا عن رفقنا بهم واستعدادنا للتلطف بهم حتى يفهموا عنا كثيرا ما ينعتون كلامنا بمضغ الألفاظ لأنهم غذوا بمفاهيم وتصورات لحنها ماركس وهيجل أو ديكارت وحزبه، فذلك اللحن الجاهلي كل متاعهم الذي به يعتزون، فمتى جاءهم خطاب على أسلوب القرآن نفرت عقولهم وحزنوا على تلك التماثيل الجاهلية المنتصبة في أذهانهم المتراقصة في مخيلاتهم.

اشتهر الفكر الماركسي بانه أبرع من طرح أسئلة العدالة الاجتماعية، والممارسة اللينينية بأنها أجدر من طرح أسئلة العمل من أجل تحقيق هذه العدالة، هذه الشهرة أخذت تضمحل بسرعة في المجتمعات الأوربية التي باضت الماركسية واللينينية بعد أن تأمل عقلاء القوم نتائج ذلك الفكر وتلك الثورية من خلال بطش ستالين وانتصاب دولته معه وبعده جبارا حقيقته التسلط في الأرض.

واشتهر الانفتاح الليبرالي عند قوم آخرين بأنه وحده يطرح الأسئلة في اتجاه ضمان حرية الإنسان ورفاهيته، ولا تزال تنكشف حقيقة العالم الليبرالي منذ فضحها لينين فضحا وسماها امبريالية، فهي اليوم كشقيقتها الجاهلية الأخرى الحمراء جبار متسلط في الأرض، وهما تقتسمان الهيمنة علينا أمة الإسلام ضمن من تهيمن عليهم من شعوب العالم المغلوب على أمره.

أما عند المفتونين منا فشهرة الفكر الماركسي تزداد تألقا، وتزداد اللينينية عرامة، رغم أن أساتذة ذريتنا الخاسرة أخذوا يطرحون اللينينية ويردون لماركس ما اخترعه ماركس من وصف ساخر للدين حين سماه أفيون الشعوب، الجاهليون من الذرية الخاسرة والمفتونون من أرباضها ببلاد الاشتراكيات يمشون خطوات خلف من علمهم الفكر الملحد وممارسة الجاهلية متخلفين فكريا وتنظيميا، والآخرون في تخوم الليبرالية لما يدركوا أن المجتمع الذي يقلدونه مجتمع ينخر فيه العنف والفساد الخلقي وأن الفكر الذي يترجمونه يتخبط عاجزا عن حل مشاكل الاقتصاد والتضخم المالي والبطالة وسائر أمراض الجاهلية التي تضخ علينا من رشاشها بل تغرقنا مع ما يلتهمنا من بضائع الجاهلية وفكرها وعاداتها.

طرح ماركس أسئلة العدالة الاجتماعية في تصورين أحدهما فلسفي وهو “الألينة”، ولعل الشيوعيين من أبناء جلدتنا يترجمونه بكلمة التغريب أو الاستلاب، والثاني سماه فائض القيمة، وكلا التصورين يعرفان داهية الإنسان أنها في سلبه من معناه وهو امتلاكه لعمله وحرية عمله وحقه في علمه، وفي سلبه من نتيجة عمله والربح المادي الذي يحققه عمله وسيتأثر به الرأسمالي.

لو كان الإنسان دابة أرضية لكان تعريف ماركس تعريفا عبقريا ولكانت معادلة: الإنسان = دابة عاملة معادلة تستحق الاعتبار، الماركسية وضعت أسئلة لدابة أرضية ووضعية موقوتة من مراحل الرأسمالية لذلك تسقط في ميزان معنى الإنسان وفي ميزان فلسفات الاقتصاد إلا في العقول الخفاشية.

وطرح لينين استراتيجية العنف الطبقي والتطاحن على السلطة، ونجحت استراتيجية الثورة الطبقية وكان الثمن كذا وكذا مليون قتلهم ستالين، ستون أو ثمانون، وكانت النتيجة طبقية جديدة داخل المجتمع الستاليني وجبروتا في الأٍرض، فلذلك تسقط اللينينية اليوم حتى في حساب الجاهليين العقلاء.

أما الجاهلية الزرقاء فأسئلتها ليست بذلك الوضوح، لكنها هيأت أجوبة نلمسها في ما بنته من هذه المجتمعات الاستهلاكية التي يأكلها العنف وهي لاهية في دوابية اللذة: تلك الجاهلية بالمعنى المزدوج: جهل بمعنى العنف، وجهل بمعنى الكفر بالله والجهل به أي الكفر بالإنسان والجهل به.

بعد أن طرحنا الجاهلية وموضوع أسئلتها وصياغتها لهذه الأسئلة بالجملة، نريد أن نضع تنبيها بأن العقل هبة مشتركة بين المومن والكافر، وأستعمل هنا كلمة عقل بالمعنى المتعارف لا المعنى القرآني، فالمعنى القرآني للعقل هو الإيمان بالله، العقل إذن قدرة مشتركة وهو وعاء الحكمة بالمفهوم القرآني لدى المؤمن ووعاء الحكمة بمعناها الدارج لدى مفكري الجاهلية ومدبريها، ونحن نلتمس الحكمة فلا ننكر أن في ما طحنه الجاهليون في أفكارهم وما مارسوه ويمارسونه من كيدهم على الأرض مادة يليق أن نغربلها بحثا عن المهارات والدرايات الإنسانية، وإنما فات فكر الجاهليين وعملهم أن يكون حكمة بالمفهوم القرآني لأن منطلقهم مخطئ حيث جحدوا وجود الله أو نظموا مجتمعاتهم على أساس “اللائكية” فجحدوا تبعا لذلك أن يكون للإنسان معنى إلا أنه دابة محرومة ينبغي أن ينتصف لها من مستغلها، أو دابة خلقت للمتاع واللذة.

الجدلية الفلسفية في الفكر الماركسي، والجدلية الثورية بعدئذ، أو الجدلية الضمنية في الممارسة الاجتماعية حيثما كان تعارض بين جماعة وجماعة وتنازع اجتماعي وانصراف إلى المرآة المادية ينظر فيها المجتمع نفسه، أما المنهاج النبوي فهو حين يطرح الأسئلة يضع الإنسان أمام خالقه في تقابل بين الرب والمربوب والمرسل الأنبياء بالهداية والمرسل إليهم، ومن هذا المنطلق نبدأ في طرح أسئلتنا.

ما معنى الإنسان، وما مصيره؟

في وضع التقابل بين الخالق والمخلوق تظهر وحدة الجنس البشري الذي يشارك الكون كله في مخلوقيته ويختص، وبعده جنس الجن، بكونه محل نظر الله في الكون، كرمه الله وبعث إليه الرسل ودعاه بواسطتهم للهدى، وطلب الدار الآخرة ورضى الله عز وجل وشرف هذا الجنس البشري بالتكليف بالعبادات والسعي إلى الله ليظهر ما أودع فيه من استعداد للكمال الروحي.

هذه هي رسالة الحق التي جاء بها الأنبياء والرسل للناس كافة يخبرونهم بالغيب كما أوحى إليهم به، لكن الناس يكذبون الرسل يلتفتون عن الحق الموحي به يعوقهم عن التصديق عوائق أنانيتهم المستكبرة وعقلياتهم العقلنية أو ما دون ذلك وعاداتهم في المتاع واللذة والتجدر في المكانة الاجتماعية وراحة متابعة الهوى والشيطان والرأي العام السائد.

الناس يأبون أن ينظروا إلى أنفسهم ويسألونها: من أين وإلى أين؟ ولم وجدت ومن أوجدني؟ وإن فعلوا فقليل منهم من يرضى بالجواب السهل البسيط الذي جاءت به الرسل، إنما يقفون عند أجوبة لقنوها من العقلية التي تكونت لهم ومن الثقافة التي زرعت في كيانهم فينكرون الله وينكرون البعث بأقيسة منطقية إن كانوا سذجا، أو بإلحاد “علمي” مدروس أو بلامبالاة الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم.

يأبى الإنسان أن يرفع نظر قلبه ليتطلع لسر الوجود ويؤثر دعة الغفلة واللهو وحب الشهوات، لذلك ينزلق من الوضع الذي يكون بصره شاخصا فيه إلى خالقه يتلقى دعوته ويعمل على الشريعة الإلهية ملبيا النداء فتتشعث همته من وحدة الغاية إلى تعدد الأهداف وتشتت الجهود والإخلاد إلى الأرض واهتماماتها في أفق محدود، فهي إما دهرية ساذجة أو دهرية متطورة تسمى وجودية أو تاريخانية أو مادية جدلية إلى غير ذلك من المذاهب.

إذا طرحنا سؤال المعنى والمصير فيجب أن نطرحه بالنسبة لأفراد الإنسان ومصير كل فرد بعد الموت، فإن معقد كل عمل وكل علم لما هو شعور كل فرد بنفسه ومعنى وجوده، وإن مجتمعا يتكون من أفراد وتربطهم دواعي الوطنية والقومية والعرقية والفخر الحضاري غير مجتمع يحمل أفراده على التعاون هم الآخرة وضرورة تهيء الحساب فيها، ليس الإنسان المادي الصانع الجاهلي، ولا الإنسان المفتون في دار الإسلام الغافل عن ربه، اللذان يلزقان بقيم الأرض لزوقا منكرا كالإنسان المومن الموحد الغاية، ولا المجتمع الإسلامي المنشود الذي نطرح أسئلتنا معالم لتأسيسه بممكن دون بناء أفراد يعملون لآخرتهم فيكونون بذلك أقدر على امتلاك مشاكل دنياهم.

يقول أعداء الإسلام أننا قوم رجعيون ننظر إلى خلف ونحلم بتجدد عهد غبر ونتحجر على ماض مات، تلك أمانيهم نسخر منها كما يسخرون، وننبههم إلى أن المتخلفين فكريا من أدعياء الإسلام الذين يبررون غواياتهم باستدعاء الماضي بعد أن يموهوه لا يكفي تحليلكم لوصفه، ويصفه الله تعالى كلما ذكر لنا في كتابه المنافقين وتظاهرهم بالإسلام وكيدهم له باسمه.

يقول أعداء الإسلام بشعارهم، ذات اليمين وذات الشمال، أن الإسلام رجعية، ماذا يعني هؤلاء المتحكمون في التاريخ في زعمهم العارفون بمساره ومراحله ومآله المحتوم بكلمة رجعية؟ إنهم يقابلونها بمفهوم التقدمية، وعندهم تقدم ورجوع في خط تاريخاني مادي أرضي كافر، أولئك الدهريون المحدثون إن كانوا فلاسفة ومثقفين أو حاملي شعارات من جملة المنافقين الذين تعج بهم الديار.

عندما نستعمل كلمة: “مصير”، فإنما نعني بها المفهوم القرآني لا مفهوم تلامذة الفلسفة الهيجلية الماركسية، فمصير المؤمن بالله واليوم الآخر مصير يرجوه سعادة في الجنة وحظوة عند ربه ونورا أبديا وكمالا روحيا، فإن كانت هذه الكلمة اللامعة في ضمائر أجيالنا ببريق الوعد الخلاب كلمة “التقدمية” تعني الكثير في تخطيط وشعارات واستراتيجية الاشتراكيات القومية ببلادنا، فإنها لا تعدو علاقات الأرض وعلاقات الإنصاف في المعاش والحرية بما تلوح به لكل فرد من فرص المتاع وتسلق السلم الاجتماعي.

ولاشك أن من يعد الناس بهذا كله خير ممن يجرمهم منه، لكن أين نحن من موعود الله الذي يصف لنا مصير الإنسان بعد الموت حيث يلقى ربه وهو عنه راض ويخلد في النعيم بجواره؟ هذه تقدمية أسمى ولاشك، وهي تمر من الطريق الوعر طريق العدالة الحق والحرية المكرمة للإنسان لا التي تربت عليه لينحدر في دوابيته، لا نحب أن نتبنى شعارات الجاهلية فنقول، إن الإسلام تقدمية، فنضل ونضل بمجاراة فكرهم وتعبيرهم، لكنا نحرص أن نطرح أسئلتنا ونحن نحدد مفاهيمنا في وجه شعاراتهم، إن الإسلام إخلاص الوجه لله بشخوص البصر إليه، بصر الهمة، وهذا يقتضي طاعته، وقد أنزل تعالى أن نحكم بالعدل وأن لا نكره الناس على دين وأن نكرم الإنسان من حيث هو إنسان، يكفيه مؤهلا لهذا الإكرام أن لا يقاتلنا في الدين، فكل العوائق في وجه المومنين الصائرين إلى ربهم التي تمنع دون هذا ينبغي أن تزال، فإذا قلتم العدل، قلنا نعم وزدنا عليه ما أمرنا الله به من الإحسان، وإذا قلتم الحرية للإنسان من حيث هو إنسان قلنا نعم لمن لم يحاربنا في الدين.

ومن بعد ذلك وقبله فمصيرنا غير مصير التاريخيين الدهريين، إذ التاريخ يمر عندهم على منحدر الحتمية التي تؤدي إلى “جنة الشيوعية” الموهومة، ونحن مصيرنا إلى الله في جنته ورضاه، لنا معنى واتجاه، ومعناهم، في رأي أنفسهم، أنهم دواب تأكل وتروث وتبتلعهم الأٍرض آسفين على لذات لم ينهبوها قانعين بمجد اجتماعي تركوا سمعته.

أي مجتمع؟

المجتمع الاشتراكي، كما يحلم به منظور الاشتراكية، مجتمع عدل وحرية، أما في ممارسات الاشتراكية “العلمية”، وهي وحدها التي تحققت في روسيا وغيرها، فتتنافى فيها العدالة الاجتماعية والحرية، ونرى اليوم زعماء الغرب الجاهلي يكشفون هذه العورة من خصومهم إذ ينادون بحقوق الإنسان وينتصبون للدفاع عنها إعلانا عالميا عن أنهم حماة الإنسانية المعذبة في دهليز الاشتراكية المؤدي إلى الجنة الموعودة.

نحن بكل نبضة قلب مسلم مومن مجاهد في الله ننشد سعادتنا أولا قبل سعادة المجتمع، وسعادتنا التي نريد ونرجو سعادة في الآخرة دار الخلود، وهذه من كل مومن أنانية سامية لا تنسفل به أبدا إلى الأثرة واستغلال الضعيف، فأنا لا يعنيني إلا أن يرضى عني ربي ويتم لي نوري، لكن ذلك لا يمكن إلا إن أمسكت بخناق أنانيتي الأرضية وروضتها على طاعة الله بالإحسان، بعد العدل في حق الناس جميعا، وكل فرد فرد في أمة الإسلام بعد أن تحيى إن شاء الله تدفعه نفس الرغبة إلى نفس الموقف من الناس أجمعين.

الجاهلية تتراوح مجمعاتها بين مجتمع الفردية الأنانية في غابة الرأسماليين ومجتمع المجموعة كما نحتها ستالين وفي كل الثورات الاشتراكية نجد أن المد الثوري يؤول إلى اشتراكية علمية، ويستعصي على الاشتراكيين حيثما تولوا الحكم أن يغيروا مجرى الجشع الإنساني والاستغلال الاجتماعي الطبقي إلا بالمذابح الفظيعة ثم لا يكون إلا طبقية بيروقراطية ولو بعد حين، ومن يتأمل مذابح الكامبدج وتململ الصين الشيوعية في بحثها عن طمأنينة بيروقراطية بعد الأمل الذي كان عقد على نموذجها يتبين سبيل المجتمع الناعم باشتراكية نجحت والمجتمعات السائرة على ذلك النهج الرهيب.

واشتراكيونا يجهرون بشعارات الاشتراكية الديمقراطية الأوربية، نوع منها أو نسيب قومي لها “أصيل”، لكنهم عندما يكونون وحدهم لا يفكرون إلا بالاشتراكية “العلمية” أي بماركس أي ماركس يصادق استحسانهم، فقد وزعوه مراحل وشخصيات…

ويقول المموهون من الأدعياء أو الأغرار الجاهلون منا باشتراكية إسلامية فيخلط الأولون عن قصد ومماراة ويخلط الأغرار عن غموض في الفكر لا عن قصد تحريف الإسلام، لا أذكر ديدان القراء الذين يلفظون العبارات اللزجة، فأولئك لا يفهمون ما يقولون.

إن المجتمع الإسلامي الذي نريده مجتمع إسلامي وكفى، ومتى سميناه اشتراكيا أو أضفنا إليه نعتا غير ذلك عرضنا فكرنا للخلط ومزجنا اهتمامات الأرض بمعاني السماء، فأين الغاية العلوية من الأهداف المادية وإن كانت تلك لا تبلغ إلا عن طريق هذه !

أي إنسان؟

مجتمعات الجاهلية ومجتمعاتنا المفتونة في وحداتها القومية ملفوفة، في رجعية العرق ورجعية الانتماء الإٌقليمي الإيديولوجي، ونستعمل كلمة رجعية وهي من الحراب التي يشرعها في وجوهنا الأعداء، وهي من كلامهم، ليفهموا ما نقصد، الإنسان فيها خسر إنسانيته وخسر نفسه بالكل لأنه غاد رائح في كبد يومي دائم لينتج ويستهلك، إنه دابة اقتصادية لا غير، وتكافأ هذه الدابة بالمتعة المصنوعة صناعة جماهيرية، أو بالثقافة في دنيا الجماهيريات الشعبية، تلك المتعة وهذه الثقافة هي كل معنى الإنسان الخاسر، فأي إنسان نريده؟ أي ما هي الكرامة الإنسانية التي أعلمنا الله بأنه خص الإنسان بها وعلمنا كيف نحفظها عليه؟ إن سلطة الدولة في الأنظمة الجاهلية تسهر على تأمين الحاجيات من طعام وكساء وأمن وصحة وراحة، وهي تنجح في ذلك، على كل حال، أكثر منا، وهذا يؤدي بإجمال معنى تخلفنا، لكن إرضاء هذه الحاجات لا يعد تكريما للإنسان إلا باعتبار جسمه، أي باعتباره دابة فقط، فلو جعلت هذه الحاجات في مكانها وجعل إرضاؤها أساسا ماديا لبناء روحانية الإنسان بالإيمان وتصعيد الحوافز ومرمى عن الهمة لكان ذلك هو التكريم الحق.

إنسان لله وإلى الله صائر على شريعته، هذا هو خليفة الله في الأٍرض هذا هو النموذج الإنساني نحو كماله وسعادته، وحوله ينتظم بنو الإنسان في مجتمعاتهم باختلاف أديانهم وأعراقهم، وباختلاف مروآتهم الفردية.

وهنا نأتي بمفهوم محوري في تصنيفنا للإنسان على سلم الإيمان مع الإبقاء على وحدته بانتمائه للجنس البشري، المروءة بالمعنى الذي نقصده، تصف القيم الإنسانية المشتركة بين الناس أبيضهم وأحمرهم مومنهم وكافرهم، المروءة هي أرضية الاستعداد الخلقي الجبلي، فالكرم وعلو الهمة وحب الصدق والغيرة على الظلم ونصرة الضعيف وحب الخير بصفة عامة خصال مشتركة بين الناس، وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما قال: “خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا” نسب الجاهلية خيرا، وما هو إلا هذه المروآت، ومتى زال حجاب الكفر أو الغفلة عن ذي المروءة أصبح من خيار المسلمين.

هذا يعني أن الإسلام لا يعتبر هذه النسمات الإنسانية أرقاما وجماهير بل يهتم بالأفراد ويحلهم محلهم على حسب استعدادهم ويستصلح المروآت لا يكسرها.

فالعناصر الإنسانية التي ببلاد الإسلام، مهما كان فكرها وانتماؤها الحزبي، تستصلح لغد الإسلام الموعود ويعرف فضلها واستعدادها ويفتح لها مجال العمل، ما بينها بين أن تصبح من خيار الأمة إلا أن تفقه دينها وتخدم بكفاءتها الإسلام، ثم إن سلم المروءة يجمعنا بالجنس البشري كله على صعيد آخر غير صعيد الإيمان، فمروءة الشيوعي منهم أو من بني جلدتنا الغضب على الظلم الاجتماعي ونصرة المظلوم، وهي مروءة كبيرة يرفعها الإسلام ويعرف حقها، وتجارب الأمم ومهارتها مروآت ما أحوجنا إلى تأملها وغربلتها لنغسلها بماء الإيمان ثم نستعين بها على أمرنا.

إن المروءات وأصحابها من الجاهليين قيم إنسانية مرفوعة حيثما كان الإنسان، وهي عملة مشتركة، وأرضية يستنبت عليها العمل الصالح متى سقيت بماء الإيمان.

هذا ننبه إليه لأن الفلسفات الإنسية التي تعنى بالإنسان تجعله غاية نفسه صبغت فكر بعضنا حتى أصبح يزعم أن ما يصلح لنا هو إنسية قومية لا أدري أهي شعار باطني نلبسه دون إسلامنا أو دثار نتلفع به من ظاهره، ذاك خلط في المفاهيم، علمنا الله !

أية حوافز؟

أخلاقيات الأفراد تتظافر وتتجمع في أخلاقيات جماعية وعلى أساس هذه وتلك يبني نظام الأمم وتتماسك مؤسساتها السياسية ومعاملاتها الاجتماعية، ونحن أمة المسلمين نعاني أشد ما نعاني من خراب الأخلاق وطغيان الأنانيات، ولشد ما تنادي القيادات السياسية في دار الإسلام إلى ضرورة التعبئة وشد العزائم، بعضها ينادي إلى تعبئة قومية ويعني مجد الجدود، وأخرى تنادي إلى تعبئة ثورية تقدمية وترفع الشعارات، وكل ذلك واجهة ينصبها القادة يخاطبون من خلفها عاطفة الغضب على العدو الأجنبي وعاطفة الغضب على العدو الطبقي ليخلقوا حوافز تجمع الجهود وتنفذ إلى الهدف القومي الثوري الذي يتلخص في واجب التنمية، ما معنى التنمية في منطق القادة وما معناها في عقلية الشعب المسوق؟ سؤال يستنطق فيه هؤلاء وأولئك فلا يشيرون إلا إلى الغايات المادية البعيدة المنال لأن القادة ما عرفوا أن يقترحوا على الشعب المسلم إلا أهداف المعاش وقلبوا سلم الحوافز فسخروا شعور الأمة العميق بإسلامها لإرساء واجهات القومية والثورية، ولسفالة الأهداف وفساد النيات تمتنع التنمية ويضيع الشعور الإسلامي العميق متبخرا في شعارات منافقة.

واجهات كذب وخراب في الأخلاق وانهيار في الذمم: الرشوة هي النظام المتعارف عليه في كل مستويات المعاملات والمحسوبية واهتبال الفرص للسرقة والغش واحتكار الأموال، حوافز أنانية لا تعرف معنى للحلال والحرام وحتى للمروءة الإنسانية التي تجعل المرء معتزا بذاته يأنف أن يريق ماء وجهه من أجل كسب مادي مهما كان.

إن بناء الإنسان في دار الإسلام غدا يوم انبعاثنا أن لم يتخذ الشعور الإيماني منطلقا لن يكون إلا بناء صوريا، وإن الدول الإسلامية حين تلد هيكلا إديولوجيا أو مخططا اقتصاديا أو أسلوبا سياسيا وتدعو إليه الشعب قائلة: هذه ثورتكم، هذه انتفاضتكم إنما تنسب نسلها لمن هو منه بريء، وهكذا تلصق القيادات السياسية على جبهة الشعب المسلم في غيبوبته خطوط فكرها هي وإرادتها هي وتريد أن توهمه أن تلك الخطوط سمات فخار تشيد بعبقرية الشعب المسلم.

إن الدولة أعجز من أن تخلق في الشعب حوافز أعلى من تلك التي ترتكز على الخوف والطمع، وإنما يستطيع أن يحرك الأمة إرادة إيمانية استجابة لدعوة إيمانية، فرجال الدعوة هم وحدهم القادرون على تربية الأمة وإيقاظ أفرادها وتعهدهم والحداء لهم بنشيد الجهاد في سبيل الله، إن للدولة في دار الإسلام شأنا أي شأن في رعاية حساب المالية وإدارة الأشياء، وبما أن الدولة هي آخر الأمر مجموع موظفيها وهيكل سلمها الإداري فقدرتها على إنجاز مهماتها رهن بعمل رجال الدعوة في حقل التربية ورفع الهمم وترميم الذمم.

بأية إرادة نواجه المستقبل المكتوم المكفهر بنذر الكوارث الاقتصادية والعنف القومي، وبأية إرادة نواجه مشاكل حاضرنا الذابل الفقير المشتت؟ يقول التاريخاني الدهري: “إن الحتمية تقودنا على خط الجاهلية حتى الثورة العمالية، فالبناء الاشتراكي فجنة ماركس” ونقول نحن: “إن تباشير الانبعاث الإسلامي تبسم لنا في ملل الأمة من الشعارات الكاذبة وفي تعطشها للطهارة الخلقية والسمو الروحي ثم في إصغائها بعناية وتلهف لرجال الدعوة حين ينادون حي على الصلاة حي على الفلاح”.

أي تضامن؟

قال الله تعالى: “إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي” صدق الله العظيم. هذه الثلاثة المنكرة مرتبطة ببعضها، فحيث يكون البغي تنتشر الفحشاء وحتى تنكر كل أعمال القوم الباغين، والفحشاء كل عمل ابتعد عن شريعة الله، فالبغي هو الظلم الاجتماعي المنافي للعدل، والمنكر هو تعطيل الإحسان الذي أمر الله به، أي المعروف المقبول في العلاقات من حسن رعاية مصالح الناس كافة وضمان الخير العام لهم، فإذا اجتمع البغي والمنكر، أي إذا عطل العدل وعطل الإحسان فتلك هي الفحشاء الاجتماعية وهي ما تشكو منه هذه الأمة.

إن نداء العدل الاجتماعي نداء قوي جدا لأنه المروءة التي يستجيب لها كل الناس، وقد أساء إلى الإسلام بعض قادته السياسيين وبعض المدجنين من علماء الشريعة وكثير من الانتهازيين بين الفريقين الذين ساهموا، كل بحصيلة بغيه وإمعيته وانتهازيته، في إلصاق سمعة الفتور نحو الضعيف بالإسلام، لهذا نحرص كل الحرص أن نوضح في هذه الرسالة من مجلتنا أننا نشعر شعورا قويا نحو الظلم الاجتماعي، ونؤكد أن العدل آكد واجبات الحاكم وأن الإحسان فسحة أمام المسلم الموسر ليعود بخيره على ذوي القربى، الأقرب فالأقرب، كل المسلمين ذوو قربى بعضهم من بعض، الزكاة نعم ! لكن بعد الزكاة ثم حق حتى يتم أقصى ما يمكن من الإنصاف وأحب ما يكون من المساواة !إننا مع عمر رضي الله عنه بلا تحفظ، فنحن معه على السنة المحمدية، إذ خليفة راشد أمرنا باتباع سنته، إننا معه بكل عواطفنا وإرادتنا في عزمه أن يأخذ من الأغنياء ويرد على الفقراء، إن ما يتربص بكم يا أغنياء هذه الأمة هو الحقد الطبقي والحرب الطبقية، وسيقتلكم الشيوعيون إن استطاعوا لينصفوا المظلوم، وستكونون عند الله مسودة وجوهكم خجلا لأنكم ساهمتم، بأنانيتكم وجمعكم الحطام، على انتصار الاشتراكية في بلاد الإسلام، أي القضاء على دين الله، نحن ندعوكم للإسلام أيها الأغنياء وأيها الحكام، ويعني الإسلام أن تفكوا تضامنكم الطبقي الاستغلالي وتعطوا المحرومين نصيبهم من الرزق الذي رزقكم الله، أن لا تفعلوا بحافز الإيمان وتسارعوا لتحكيم كتاب الله وسنة رسوله فسيفعل ذلك بكم وبأموالكم رغم أنوفكم وبأيد الاشتراكيين من أبنائكم الذين سيطأون مع رقابكم كل القيم التي ندعوكم إليها لا قدر الله.

أية أفكار؟

يتخذ بعض الحكام في دار الإسلام فتاوى المدجنين من علماء الشريعة مطية توصلهم إلى حيث يبررون كل أعمالهم النابعة من فكرهم القومي الثوري أو القومي الآخر، وهكذا يستحيل علم الحق وهو علم الشريعة المطهرة إلى بضاعة تشكل وتصبغ على هوى الزبون الذي يعطي على علمية التمويه المال والجاه والكراسي.

كان العلم في عرف المسلمين ولا يزال هو العلم بما أنزل الله وبما أمر وبم فعل رسول الله وبما قال وأقر، وكان العالِم هو الإمام في الأمة والمرشد والمربي وحامي الدين، كان هو رجل الدعوة المؤيد بما عنده من الحق المنصور باجتماع الأمة عليه في وجه الحاكم، ولم يلبث أن انفصم ما بين رجال الدولة من آصرة الاحترام والاستنصاح وبين رجال الدعوة وبقي بعض رجال الدعوة صامدين يصدعون بكلمة الحق وبعض رجال الدولة يستمعون، وكثير من الجانبين باع دينه لصاحبه.

واليوم يقال: هذا عالم دين استصغارا لمكانته وتمييزا له عن العلم الرائج في الوقت وهو علم المادة وعلم استصلاحها وصناعتها، ومن هذا العلم المادي علم السياسة وعلم الاقتصاد، مادتهما الإنسان في مجتمعه، بأفكار سياسية يتحرك الطبقة المعنون بالأمر العام، وهي أفكار مستوردة لما كان ! والعلم الحق، العلم بمعنى الإنسان ومصيره وعلاقته بخالقه وبما يقربه منه أصبح هينا على الأمة حين هانت على العلماء أنفسهم واستقالوا من المهمة التي كتبها الله عليهم وهي أن يقودوا الأمة وينيروا لها الطريق.

إننا بحاجة لعلماء حق العلم ليعطونا أفكارا نعمل بها، ليترجموا لنا كتاب الله وسنة رسوله قوانين واضحة قابلة للتطبيق على تدرج لنتحرر من الإديولوجيات، إننا بحاجة لعلماء يمارسون مسؤوليتهم التربوية ويفرضون على رجال الدولة الخروج من التبعية الفكرية ومن ضلال الحكم بغير ما أنزل الله.

هلموا يا رجال الدعوة، يا علماء المسلمين إلى ربكم !

أي نظام عمل؟

من يبدأ الخطوة الأولى نحو بعث الإسلام؟ ثم ما العمل وما أسلوبه وما غايته؟ أيمكن التحول بفعل ينصب على الشعب من أعالي السلطة السياسية؟ أم لابد من غضب جماهيري يؤطره في المبدأ والنهاية نخبة من المثقفين العقلانيين؟ أهو إصلاحية أم ثورية؟ أهو سياسة رجعية يمينية أو طفرة يقوم بها أهل اليسار؟ نضع أولا للناس تحديا عاليا إن تعلقت به همم بعض رؤساء دولنا، هذا التحدي هو عمل عمر بن عبد العزيز الخليفة الصالح، إنها سابقة فذة لكنا نقول للناس لعل الله تعالى يرفع بعض عبيده من قادتنا لتلك الهمة القعساء ! فلا نغلق باب إمكانية بعث الإسلام من أعلى، لكن على شرط عمر بن عبد العزيز.

أما بعد، فإن مفاهيم الإًصلاحية والثورية واليمين واليسار مفاهيم جاهلية، ونحن رجال الدعوة يإيماننا بالله نتميز عن مروآت اليسار الاشتراكي وعن محافظة خصومهم على ذلك المستوى بارتفاعنا إلى الله، إننا نرى من رجال السياسة الجاهليين من برم بالتقسيمات السياسية إلى إصلاحية وسط ويمين ويسار وصار يدعي أنه خارج كل تلك التصنيفات، لعله يبحث عن إنسية من نوع ما، لكن أنى له أن يكون مع الله بإيمانه ومع الناس بالرحمة الصادقة والحدب الذي لا ينتظر جزاء على الأرض بل يطلب الآخرة وجزاءها.

عملنا نحن أمة الإسلام يوم نتولى المسؤولية عمل مرتبط بالله من حيث الغاية والحوافز والشريعة وبالعالمين من حيث الأخوة في الله، ومن بعدها الأخوة في الإنسانية، نكون من المحسنين لأننا نعبد الله كأننا نراه، ونحسن للمسلمين ذوي قربانا وللناس كافة لأنهم عيال الله، لن يكون عملنا “لعبة” بين الناس بقوانين الديمقراطية المفتوحة الغربية ولا بقوانين الديمقراطية المركزية المنغلقة وراء الستار الحديدي في روسيا والستار الدموي في كامبدج، ولن يكون عملنا تقليدا قرديا لترتيبات الناس وشكلياتهم، سنخترع عملا إسلاميا في أشكاله، وسنجدد الإيمان الخالد الذي لا تنال منه تغيرات الزمن ووسائله، الإصلاح تعبير لا بأس به إن كان يعني القضاء التام على البغي وأسبابه وعواقبه، والثورة تعبير لا بأس به إن نزعنا سم العنف الذي يعبر عنه لنصنع منه ترياق القوة.

للعمل الإسلامي غدا يدان، يد مفتوحة بالخير وهي يد الدعوة، ويد حديدية هي يد الدولة، فإذا صغت عمل اليدين كان الرفق ولم يكن العنف وكان نداء الفلاح لكن بصوت جاهر لا ينكسر، لا تحسبوا أن العمل الإسلامي أخلاقية مترهلة ولا قسر جاف، نحن رجال الدعوة، في انتظار أن يستجاب لندائنا، لا نملك إلا أن نفتح يد الرحمة لعناق الأخوة نضم فيه كل من قبل أن يصادقنا في الله ويؤاخينا، وعلى رجال الدولة أن ينظروا في أمرهم لعلهم يدركون أن يدا واحدة لا تصفق، ولن يصادفوا إلا خواء ما داموا يعرضون عن الدعاة إلى الله أو يلاحقونهم بالتحقير والكيد والتعذيب.

أي شكل حضاري؟

الثقافة الجاهلية تمثل روح الظلام الهاجم علينا في ديارنا، ومسارب هذا الروح إلينا هو حاجاتنا إلى أشياء الحضارة الجاهلية وأنماط نظامها وأشكال بناها المرصودة للتعامل مع الإنسان الدوابي بالإنسية الجماهيرية الكاسحة لكل الإنسان أو بإنسية التحرر من كل التزام خلقي في بلاد الفردية الغابوية، وإذا كان المعنى الجذري للحضارة هو فن تعامل الناس في المجتمع، أي تحاضرهم وتعايشهم وتفاعل بعضهم مع بعض بم يليق من لطف بالإنسان واحترام لشخصيته ورفع لاعتباره عند نفسه وعند المجتمع فإن الحضارة الجاهلية هاوية بهذا المعيار، فالإنسان في كولاك الجماهيريات مهضوم الكرامة، وكل بلاد الاشتراكيات العلمية كولاك، والإنسان في غابة الرأسمالية يعصف به العنف وتصنع منه الحضارة الصناعية لولبا في الآلة الجهنمية المنتجة التي تبتلع مع خيرات الأرض وطاقاتها وطيب مائها وهوائها روح الإنسان، والإنسان في الحضارة الجاهلية بشقيها قد انتهى من اعتبار نفسه أي شيء غير الدابة المسوقة بعصا النظام المجموعي أو بضرورة التوقيت الصناعي وحشر المدن المضببة المزدحم الجهنمي، هذا إن لم ترم الحضارة الجاهلية الإنسان في هوامش الإجرام والمخدرات وقطعان الهبيز، ويصبح الإنسان الجاهلي تحت نير حضارته يبتغي معنى لوجوده ويتلهى بالمطالبة بالحرية إن كان في شرق الجاهلية وبالعدل إن كان في غربها، أما نحن فلا تزال تفتننا الحضارة الهاوية بإفرازاتها من منتوج صناعي وفني، وتروج لهذه الفتنة ثقافتنا المترجمة عن الجاهلية، وهذه الترجمة تضاعف من رذائلها لأن الذي يترجم لنا عميل مفتون باع روحه للجاهليين أو شيطان ملحد يزوق ويوسوس.

إن مشروع الانبعاث الإسلامي لا يكون له المعنى الكامل إلا إن اقترح على المسلمين اختراع حضارة إسلامية تتخذ من الأشكال في التنظيم والإنتاج والتربية والمعاملة اليومية والإدارة والعمارة ما يساير إحياء الإنسان من موت الكفر والغفلة عن الله ويعاضده.

وإن صفة الحضارة الإسلامية الأولى هي النظافة العامة: نظافة الذمم ونظافة الناس والمدينة والأشياء، ونظافة كل هؤلاء مما يلوث المعنى والجسم من أوحال الأخلاق الرديئة وأوحال الشهوات ففي هذه الأوحال تعيش الديدان الطفيلية التي تنجس المجتمعات بانتهاب الأرزاق وتدفع المحرومين إلى ممارسة رذائلهم على مستوى أحط وأخس، مثال ذلك أن الطفيلي في الطبقة المترفة من المجتمع يحتاج إلى أرجاس ثمينة يسخر في سبيل إنتاج وسائلها عامة المجتمع، فتتحول نية المجتمع الاقتصادية والإنسانية آلة لإرضاء هوى ذلك المترف وبالمحاككة تسري الرذيلة من أعلى إلى أسفل ومن مخدر الجاه والمال إلى مخدر الحشيش ودهان الأحذية.

ثم بعد النظافة البشر والاستبشار والأمل الباسم للإنسان، فإن الحضارة الجاهلية حضارة مكفهرة سوداء، ويكفي أن نفتح سمعنا لتأوهات الجماعات التي تتأسف على فساد البيئة بفعل تلك الحضارة الملوثة (بفتح الواو وكسرها).

أي أسلوب؟

نضع كلمة الرفق أول ما نضع، ففي بدء الانبعاث ونهايته يجب أن يسود الرفق في أسلوب معاملة الإنسان والأشياء، إن الطفرات المحرومة والاستعجال الثوري والعنف الطبقي نزعات تتربص كل من يريد التغيير على درب التخبط الطويل، وكل ما أسس على العنف لا يبني إلا مجتمعا على غرار ما نراه من صنع ستالين بروسيا، فالعنف هناك لم يمت بموت الجبار الشيوعي، وإنما تجدر في المجتمع واستبدل قتل الأجسام بقتل العقول والنفوس في المستشفيات العقلية”.

الأسلوب الإسلامي رفق في غير ضعف وقوة في غير عنف، فللدعوة إلى الله أسلوبها وهو رحمة صرف، ولدى الدولة أسلوبها في المعالجة وهو أسلوب القوة التي توقف الناس عند حدود الله، وبين رفق الدعوة الرحيمة ورفق القوة التي لا تعنف مجال للإنسان كي يفكر ويسترشد ويفر من غلواء الذي يوشك أن يقع في حدود الله إلى رجولة الذي يختار الصدر الرحيم.

إنه رفق التوبة، ولها باب مفتوح لا ينغلق إلا عند قيام الساعة، ومهما كانت سوابق الإنسان ففي التوبة متسع له بعد رد المظالم، ورد المظالم يعني في السنة العمرية، سنة ابن عبد العزيز، إعادة الرشي والمنهب إلى مالكيه المظلومين، ويعني عندنا فوق هذ تسوية الماضي بحذافيره بحيث لا تراق دماء الرجال، أرآيتم كيف اهتدى الصينيون إلى مروءة “النقد الذاتي” فلطفوا به من عنف أمثال ستالين ! ما أجدر تلك المروءة أن تتأملها !

إننا معشر المسلمين نسير في طريق العنف، وقومياتنا المتناحرة نعرض عليها لحل تطاحنها الطبقي الداخلي ولحل تطاحنها بينها أسلوب الإسلام لمعالجة الفتنة.

هذا في بلاد يعترف قادتها بالإسلام دينا، أما حيث الدولة لاييكية والقادة مرتدون مثل تركيا فللدعوة ذراعان قويان لا بد منهما لقتال الكفر، وإلا فلا دعوة في أحضان نسل المارد “أتاتورك” في زعمه، فالكلمة تعني “أب الأتراك”، إنما كان أبا للكفر ورائدا له في بلاد الإسلام، لعنه الله.

وفي انتظار بعث إسلامي يقوده مثل عمر بن عبد العزيز وعلى شرطه، أو انبعاث إسلامي تتوق إليه أفئدة الشعب وتعمل له وتبدو بوادره في تحمس شباب الأمة للطهارة والرجولة وإظهاره إسلامه في الجامعات والمدارس والمساجد، ما هو موقفنا.

ما موقفنا ومنطق الأحداث يتجه بكل البلاد الإسلامية إلى ضرورة الحل الإسلامي !

في إيران طغى الظلم وعنفت دولة صنيعة للجاهلية حتى جاءها غضب الشعب المسلم من أسفلها فنسف الظلم وضرب لنا وللعالم مثلا، قوة كانت قومة المومنين بإيران لا عنفا، وإنما العنف استعمال القوة في غير محلها.

إننا نضرب للحكام مثل عمر بن عبد العزيز فيظن أصحاب الإديولوجية المغذون بمفاهيم خارجة عن إطار الفكر الإسلامي أنه حلم ومثالية، وقد يكون من اللازم لكل مقبل على حركة من المسلمين أن يضع في أفق تفكيره وحسابه إمكان تحول مفاجئ في القمة تحت ضغط القاعدة الإسلامية وضغط الضرورة العامة، ولا يمكن إلا أن يكون تحولا من مدار النموذج اللبرالي والاشتراكي إلى مدار النموذج الإسلامي، وهنا يكون مفيدا ذكر عمر بن عبد العزيز وعمله وسابقته.

نعم الأفراد لا يصنعون التاريخ وحدهم، لكن قيادة الشخصيات القوية لها الأثر الأول في كل حركات التاريخ.

يمكن أن يحتج محتج أن الشخصيات القوية إذا كانت ذات ماض ومتورطة في طبقية صنائعها وحسابات مصالحها وشروط حلفائها تفقد كل ميزات القوة بل كل مقومات الشخصية، ولعلها ترشح نفسها للعب خلف واجهات الإسلام متذرعة “بالكلام الفارغ” حول عمربن عبد العزيز.

نعم هذا هو الأقرب لكل توقع.

لكن رفق الإسلام المبدئي وصرامة الإسلام بعد ذلك حدان للسيف التاريخي المصلت على رقاب قادة البلاد الإسلامية: فإما وجه عمر بن عبد العزيز، وهيهات !

وإما عمامة الخميني فإن الشعوب الإسلامية لن تثق إلا بالصالحين وسط الفساد الصادقين وسط الكذب.

إننا نطالب حق المواطنة أن نعبر وننتظم كما نشاء، فهل نكون حزب معارضة، وهل نلتمس حلفاء من رجال الأحزاب، أم هل نكون عرضة ليلعب بنا الساسة ويتخذوننا لمواء في زحفهم نحو السلطة أم هل نسعى نحن للمصالحات والتنازلات وهما خلاصة في السياسة أم هل يكون رفقنا انحلالا تدخل إلينا منه تيارات الأهواء وحب البدعة والرئاسات.

إن إلى جانب الرفق فضيلة أخرى ضرورية في أي عمل جدي: إنها فضيلة “الصبر”، فنحن عازمون أن نصبر نفسنا للمهمة الشاقة مهمة جمع كلمة رجال الدعوة ثم مهمة تربية جيل مومن، فلن نستعجل ولن تستخفنا المغريات، إننا لسنا للبيع ولا للمساومة، فقد بعنا أنفسنا لله وأموالنا بأن لنا الجنة، فمن يزيدنا على ما بعنا به؟ لن تستخفنا المغريات إلى الطريق المنحدر فنحن سائرون بحول الله صعدا في جهاد أنفسنا وإعداد القوة لغد الإسلام القريب بحول الله ومتى تم إفلاس القوميات، وفي الوقت الذي نختاره نحن، سنقول إرادتنا وسنبرز للعمل على وضح النهار.

موقفنا واضح: إننا نتخذ لنا شعارا قول الله عز وجل يخاطب المؤمنين، من كان منهم أهلا للشهادة وهم رجال الدعوة، ومن كان منهم مسؤولا عن العدل وهم رجال الدولة: }يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى{.

فنقول لكم يا رجال الدولة: “اعدلوا ! اتقوا الله ! احكموا بما أنزل الله ! أما نحن فنقوم لله نشهد بينكم، نراقب ونرى قسطكم أو أقساطكم، لا نريد ما في يدكم من متاع الدنيا وزينة الجاه، وها أنتم في شنآن من أمركم، وقديما قال المثل العربي: في بيته يوتى الحكم !” فإن فتحنا لكم يد الأخوة فإنما نفعل لتخطوا أنتم إلينا الخطى اللازمة، لا لكي نبيع آخرتنا بدنياكم !

أية وسائل؟

من معاني قيام المومنين بالشهادة لله انتصابهم كأمة نموذجا للأمم قويا محبوبا، ومن مقومات القوة توافر الوسائل المادية وتدبيرها التدبير الحكيم، أي أنه لابد من اقتصاد قوي يكون القاعدة المادية للأمة الإسلامية.

المواد الأولية والمال وفيران في أيدي المسلمين، رغم أن التوزيع يتراوح بين البؤساء العالة على الإحسان الأممي في بنغلاديش وبين البذخ في دول البترول، يتجاوب الفقر المخزي والترف الفاضح من صحراء القوميات الإسلامية، وتتهاطل الدولارات كما يتهاطل النسل المبارك إن شاء الله فيضغط المال الوفير في اتجاه تصنيع مصنوع مشتري جاهز ومعه ضرورة انقسام الأمة الإسلامية إلى مالكين متخمين في منصات القرار الحاكم وإلى سواد متعاظم من الإجراء، ويضغط تهاطل بني آدم في اتجاه مطالبة تلح فأكثر على العدل الاجتماعي وتصبو إليه مهما كانت الوسيلة.

يعني هذان المال والتضخم الديموغرافي يجريان بنا إلى استقطاب طبقي بين دولة إسلامية ودولة وداخل هذه الدول واحدة بواحدة، والاشتراكيون يحبون هذا ويعلمون أن كل ما يخدم استقطاب الطبقات الاجتماعية يفسح لهم الطريق كي ينفخوا في مناخر الأجيال المحروسة حميم الثورة ولهب الكراهية، والمال لا يزداد إلا تهاطلا والنسل كذلك، فإما أن يقتسم هذا المال وينفق على إحياء الإسلام حقا، وذلك ينتشل الذرية الكثيرة المباركة، بإذن الله، من مخالب الكفر، وإما ينفق أقل القليل منه على بناء بضعة مساجد وتوزيع آلاف من المصاحف ويتلف جله على موائد القمار وفي مواخير البلاد السياحية .. وعندها ستتعلم الذرية المباركة، إن شاء الله، أي إسلام يعرض في واجهات القوميات الآيلة للإفلاس.

ثم لا بد من اختراع اقتصاد نظيف لا يلوث الإنسان، معناه ! ولا جسمه، وإن الطريق العسير جدا يبتغي منا تضامنا وتقللا ووقوفا جماعيا، نحن المسلمين المتفرقين كثيري العدد، في سوق المساومة، على النظام الاقتصادي العالمي، لكي ترسى قواعده على حسابنا.

إن إقامة اقتصاد إسلامي قوي يريد بناء رجال يستطيعون أن يستقلوا لنا بالتكنولوجيا بعد أن يحذقوها، ويقوموا لنا بمعاناة التخطيط أو التنفيذ الاقتصاديين، ولا يمكن إنهاض رجال من ذلك المستوى لمثل تلك المهمة إن لم ينهض بنا جميعا روح إيماني قوي، إن لم يتجدد إيماننا وتجدد يقظتنا بحيث نتطهر من رجس الجاهلية فنتعلم منه الحكمة ولا نلقف منها العادات الاستهلاكية، لن يغني عنا شيئا تكديس المعامل الجاهزة في بلادنا بل سيزيدنا ذلك تبعية لأعدائنا.

ما يجمعنا وما يفرقنا؟ فرضت علينا نكبات ماضية جنتها أيدينا أن نتفرق من أمة إسلامية واحدة قوية إلى دويلات متنافرة، وما أفقنا إلا على صعقة أعدائنا بنا طورا بعد طور منذ عهود القتال وأهم النكبات نكبتنا في ديننا من جراء الاستعمار الذي وطد للكافرين في بلادنا فلم يغادروها إلا بعد أن مسخوا ذممنا وزرعوا الفكر العلماني الملحد في أجيالنا، فهو احتلال لا يزال مستمر في أعمق الأركان من كيان عقول قادتنا للطبقة السياسية.

فبين القوميات، وهي الصيغ الجاهلية التي تكرس حرقتنا، خصام محتدم وعراك وقتال، وفي داخل كل دولة من دولنا الإسلامية افتراق في مستوى الفكر ومستوى المعاش، وافتراق في الإرادة والشعور، فالشعب المستضعف فقير جاهل لكنه يشعر شعورا راسخا بانتمائه للإسلام، والطبقة المتعلقة في الطرف الآخر تنعم بالأرزاق لا تحس بأن الشعب يوطأ تحت النعال.

دولنا الصغيرة متفرقة بانتمائها لهذا المعسكر أو ذاك من معسكري الجاهلية، وهي تصطف حماية لمصالحها، وتحت قهر الروادع السياسية والاقتصادية وإغراء المغريات حيث تأمر الدولة المهيمنة من الدولتين الجاهليتين، فبإرادة الحليف الولي الجاهلي تتصرف، ويلاتنا قليلا أو كثيرا، لذلك ترى خصوماتها القومية فيما بينها تفتر أو تشتعل بحسب تحرك الذين يمسكون خيوط هذه الدمى العملاقة.

دولنا تحت هذا الضغط والتضاغط بين الأمتين المسيطرتين على العالم لا وقت لها ولا قسمة لتفكر وتنفذ وحدة بين المسلمين مخططة متدرجة، كل دولة تدعي حبها للوحدة بين المسلمين لكنها غير مستعدة لبذل ما يقتضيه الموقف من تأن وتسامح وتنازل عن الإديولوجيات المفرقة، الإسلام وحده والشعور بالأخوة الإسلامية التي ينبض بها قلوب هذه الملايين الجمة هو الجامع لشتاتنا في عالم الواقعيات القومية، وإن رجال الدعوة هم دعاة وحدة بين المسلمين، فمتى بلغت الضرورات الاقتصادية غاية حدثها وعزم رجال الدولة على التفكير الجدي في الوحدة الإسلامية العامة التي لا تخصص عرقا دون عرق فسيجدون رجال الدعوة أسبق للعمل على التوحيد، إننا معشر الشعب المستضعف نشعر بالأخوة والوحدة عبر هذه الحدود القومية مع كل من له غيرة على دين الله ومع كل نبضة إسلامية وتحرك إسلامي.

لكن لا بد لرجال الدولة ابتداء من أقاليمهم الحالية أن يبدأ بتحقيق العدل ويحملوا الناس على جادة الشريعة الواحدة، إن الشعب المستضعف المسكين يئن تحت ظلم الطبقية الظالمة، وأنه لابد من توحيد الأمة في الأرزاق في حيز الدويلات القومية وعلى مستوى التناسب في الرخاء بين الدويلات بعضها مع بعض إن لم يكن العدل بالإسلام فسيدفع الشيوعيون بكل قواهم ليقع التمايز الطبقي ثم ليحتدم الصراع الطبقي، فأنتم تعرفون استراتيجيتهم، أي تخطيطهم الحربي.

لا ننكر وجود طبقات، بل إن الغريب أن يتأخر الوعي الطبقي كما يريده الإيديولوجيون الحمر رغم تأجج الكراهية في قلوب المحرومين فرادى فرادى، هذه الكراهية تتجمع الآن بسرعة ويذهب وقودا لها ما تبقى لنا من دين، إننا الآن مجتمعات كراهية وإن دعوة الإسلام دعوة محبة، لكن لا محبة إلا بمحو الفروق الاجتماعية في الأرزاق وفي فرص التعلم والصحة والأمن.

الكراهية تولد الخوف، والخوف يولد الحرب الأهلية، والحرب الإقليمية، والحرب العالمية، فدعوتنا إلى الله دعوة محبة أي دعوة أمن وسلام داخل مجتمعاتنا الإسلامية وعلى العالم.

لا نطلب من العالم إلا أن يعترف بوجودنا وأن يقبل أن لنا قانونا نقدسه ونحكم به، وبعد ذلك لا ناقة لنا ولا جمل في نزاعات عملاقي الجاهلية، وبهذا فالإسلام إذ يأمر بالعدل الاجتماعي بين أفراد الدولة الواحدة يساهم في محو دواعي الكراهية ويمهد للسلام العالمي.

أي سلام اجتماعي يمكن ما دام الرأي يستبد به زعيم ثوري تقدمي غذي بالماركسية، بنوع منها قومي أو ببديل لها تحت طلاء إسلامي، أو يوزع على أحزاب ضمن اللعبة الديموقراطية العتيدة؟

إن أفكار المستبدين من زعمائنا تتراوح بين فكر أمثال العبد الخاسر وجنون من هم على نهجه، وإن الأحزاب السياسية متنازعة نزاعا لا علاج له، أولئك وهؤلاء لا أمل في تجاوب الشعب معهم لبعدهم عن الإسلام وتنكرهم له أو لعبهم به شعارات منافقة، وما منهم إلا من يزايد دعاوى التقدمية لكيلا ينبعث له منافس أكثر تقدمية وأعنف حركة وأعلى صوتا، إن هذه الأحزاب وأولئك الزعماء يزيدون الأمة تفرقة، وفي مغربنا دعاة للتحزب القبلي يعمقون الفلسفة العرقية ويغنون بمجد الأجداد، دعاوى جاهلية تجد في تيار التقدمية مطية لتلعب بالعقول وبمصير الأمة.

إن قضية الإسلام قضية واحدة، وإن الحل الإسلامي حل واحد، مشاكلنا متعددة متفرقة بتفرق الأفكار وتفرق الإرادات، والذي يجمعنا هو إرادة الشعب المسلم الواحد وشريعة الله الواحدة.

فمن يمثل هذه القضية السامية العامة الواحدة؟

إنهم رجال الدعوة المتحدون على الغاية، لا عبرة باختلافهم الراهن لأنه في الأسلوب والمذهب، أما خلافنا مع الأحزاب القومية فخلاف جوهري لأن غايتهم، إن سمت، لا تعدو قيم المروآت، وإن هبطت فإنما هي تخريب صرف وضلال صرف.

مجلة الجماعة العدد 2

1339هـ 1979م