فيما يبدو أنه محاولة للتقليل من شأن الخطوات التي اتخذتها حكومة المغرب في الآونة الأخيرة لتحسين سجل حقوق الإنسان، قالت جماعة “العدل والإحسان”: إن ملف الاعتقالات السياسية ما زال مفتوحًا في المغرب، واعتبرت استمرار اعتقال أعضائها راجعا لـ”حسابات سياسية” تهدف السلطة من ورائها إلى ممارسة الضغط على الجماعة.

وقالت الجماعة الإسلامية المحظورة: إن الوضع السياسي الحالي في المغرب لا يتيح تعددية سياسية حقيقية وإنما “تعددية حزبية مُراقبة” من السلطات التي “لا تريد أن تعترف بالجماعة رغم وجودها في المجتمع كقوة تقوم بدورها كما ينبغي”.

وجاءت اتهامات الجماعة للحكومة المغربية بعد تصريحات أدلى بها وزير العدل المغربي محمد بوزوبع أكد فيها أن صفحة الماضي المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان قد طويت وأنه تم الإفراج عن كل المعتقلين السياسيين.

وقال فتح الله أرسلان الناطق الرسمي باسم “العدل والإحسان” لـ”إسلام أون لاين.نت” الإثنين 26-1-2004: إن تصريحات بوزوبع “ليست المرة الأولى التي يدعي فيها مسئول حكومي (مغربي) أن ملف الاعتقال السياسي قد طوي”. وأضاف أنه “سبقها تصريحات من مسئولين سابقين لكن ثبت عدم صحتها بعد ذلك”.

وأصدر العاهل المغربي محمد السادس الأربعاء 7-1-2004 عفوًا عن جميع الصحفيين الملاحقين أو المدانين وعن عدد من الناشطين الإسلاميين المعتقلين في خطوة وصفتها وكالات الأنباء بأنها تهدف إلى ترك انطباع جيد عن حقوق الإنسان في المملكة.

وشمل العفو الملكي 12 إسلاميا صدرت بحقهم أحكام بين أعوام 1970 و1990 ليس منهم أعضاء معتقلون بجماعة “العدل والإحسان”.

وجاء هذا العفو بعد قليل من تدشين الملك محمد السادس الهيئة الجديدة المسماة “الإنصاف والمصالحة” المكلفة بتسوية ملفات انتهاكات حقوق الإنسان في الفترة من 1960-1990.

كما صادقت الحكومة المغربية في 6-1-2004 على مشروع قانون إلغاء محكمة العدل الخاصة، في خطوة اعتبرها وزير العدل بوزوبع “تكريسا للسياسة التي ينتهجها المغرب في مجال تخليق الحياة العامة ومحاربة الفساد وإقامة دولة الحق والقانون”، موضحا أن القانون الذي كان مطبقا بهذه الهيئة القضائية لم يكن يوفر كافة شروط المحاكمة العادلة.

“ورقة ضغط”

ورأى أرسلان أن سبب استثناء أعضاء “العدل والإحسان” من العفو يعود إلى أن “إرادة السلطة في هذا الأمر غير صادقة ولا تخضع لمعايير موضوعية، بل أساسها سياسي وليس حقوقيا، واستثناء معتقلينا وغيرهم يدخل في إطار هذه الحسابات السياسية”.

وأضاف أن السلطة “ربما تعول على جعل هذا الملف ورقة ضغط علينا بقصد المساومة، لكننا نطمئنها ابتداءً أننا لن نخضع لهذا المنطق ولن نساوم على مبادئنا، وليس أمام المسئولين إلا تسوية هذا الملف والتعبير بصراحة عن حسن النية والإرادة في تجاوز مخلفات الماضي وتركة الملفات القديمة الملفقة ظلما وعدوانا”، على حد قوله.

من جهة أخرى اعتبر الناطق الرسمي باسم “العدل والإحسان” أن ما تؤكد عليه الصحافة المغربية من أن الجماعة تعيش عزلة سياسية مجرد “خطأ شائع”.

وأضاف: “نحن أبناء هذا البلد ونخالط أفراده بشكل يومي ومستمر، ونتبنى قضاياه ونعبر عن آماله وآلامه، ونخفف من معاناته بما يتيسر لنا من إمكانيات. لكننا نرفض الانخراط في مسلسل الدجل والكذب على الشعب، ونرفض تزكية سياسات غايتها الإجهاز على حقوق الشعب وقيادة البلاد نحو الهاوية”، بحسب تعبيره.

“خارج الحقل الرسمي”

وأكد أن الجماعة منخرطة في العمل السياسي منذ نشأتها لأن “مشروعها عنوانه العدل، وتحقيق العدل في مختلف المجالات يقتضي عملا سياسيا”، حسب قوله.

وعن سبب غياب “العدل والإحسان” عن الفعاليات والأطر السياسية القائمة، اعتبر أرسلان أن الأمر راجع لكون “الجماعة تعمل من خارج الحقل السياسي الرسمي”. وقال: إن القيادات في جماعة “العدل والإحسان” تعتقد أن الاشتغال من داخل الحقل الرسمي، في ظل تلك الشروط المفروضة، ليس له من مردودية إلا ما تصفه بـ”تكريس الاستبداد”.

“لا تعددية حقيقية”

وقال: إن الوسط السياسي الرسمي حاليا في المغرب -كما تراه العدل والإحسان- “لا يتيح إمكانية تعددية سياسية حقيقية. وكل ما يمكن إتاحته تعددية حزبية مُراقبة، وليس هناك توازن في توزيع السلطات”.

ورأى أن “البرلمان والحكومة لا سلطات حقيقية لهما في مقابل ما تتمتع به جهات أخرى”. ودلل على ذلك بقوله: “إن كل الملفات الحيوية تعالج عن طريق لجان بعيدا عن الحكومة والبرلمان”، مضيفا أن هذا أحد الأسباب التي تجعل “العدل والإحسان” ترفض “الانحصار داخل دائرة ضيقة”.

وأضاف: “نعبر عن اختيارنا السياسي الواضح من خارج تلك الدائرة ولنا وسائلنا وأساليبنا التي تميزنا في عملنا السياسي، والمغاربة يعرفون هذا جيدا، من خلال مذكرة إلى من يهمه الأمر -التي بعثها الأستاذ عبد السلام ياسين مرشد الجماعة لملك البلاد، ويعرفونه من خلال الحضور القوي للجماعة في مختلف المبادرات السياسية المستقلة (…) يعرفون ذلك رغم ما يمارس في حقنا من حصار وتضييق وإقصاء واستثناء”.

وكان ياسين أرسل في 28 يناير 2000 ما أسماه “مذكرة إلى من يهمه الأمر”، وهي رسالة مفتوحة إلى الملك الجديد للمغرب محمد السادس، يحثه فيها على “تقوى الله عز وجل في الشعب ومصالحه ورد المظالم والحقوق التي انتهكت في فترة حكم والده”.

وأسس ياسين العدل والإحسان في 1981 واتخذت تسميات عديدة من “أسرة الجماعة” إلى “جمعية الجماعة” إلى “الجماعة الخيرية” لكن السلطات لم تعترف بها. وفي عام 1987 حملت جمعية “الجماعة الخيرية” اسم “العدل والإحسان” تحت إرشاد ياسين.

وقال أرسلان: “إن العدل والإحسان جماعة دعوة إلى الله تعالى، وإنها تركز على تربية الإنسان تربية إيمانية قبل كل شيء ومع كل شيء وبعد كل شيء”.

الحوار مع الدولة

وأشار الناطق باسم “العدل والإحسان” إلى أن “الحوار مع الدولة منعدم الآن؛ لأن السلطة هي التي ترفض ذلك، ولا تريد أن تعترف بالجماعة رغم وجودها في المجتمع كقوة تقوم بدورها -كما ينبغي- رغم الحصار والتضييق والتشويه والتعتيم”.

ورفض أرسلان تقييم تجربة “حزب العدالة والتنمية” الذي خاض غمار المشاركة السياسية. لكنه أكد عدم اقتناع جماعة “العدل والإحسان” بمشاركة إسلاميي “حزب العدالة والتنمية” في المؤسسات السياسية القائمة. وقال: “نحن غير مقتنعين بذلك، وعلى يقين بأن نتائجه ستكون هزيلة مقارنة مع حجم التضحية والخسارة. والزمن وحده كفيل بتوضيح هذا الأمر”.

وتعتبر جماعة “العدل والإحسان” أن الإصلاح غير ممكن والمشاركة غير مجدية قبل القيام بإصلاح الدستور المغربي وتغيير بنية النظام وتوفر إرادة حقيقية لديه للإصلاح.

لا انغلاق

ورفض أرسلان الاتهامات الموجهة لجماعة “العدل والإحسان” بالانغلاق على قضاياها الخاصة وعدم الاهتمام بقضايا مصيرية في حياة الأمة ككل، مثل قضايا التطبيع مع إسرائيل والقضية الفلسطينية والاحتلال الأمريكي للعراق.

وقال: إن موقع الجماعة على الإنترنت “ساحة لمواجهة التطبيع وفضح رواده، وإعلان التضامن مع المسلمين في كل مكان”. وأضاف أن “مؤسسات الدائرة السياسية للجماعة تنظم أنشطة ثقافية وفكرية للتحسيس بقضايا أمتنا.. ونشارك بفعالية في المؤتمرات العربية والإسلامية المخصصة لقضايا العرب والمسلمين رغم ما يمارس علينا من حصار وتضييق”.

واعتبر أن “العمل الداخلي للجماعة يصب -آخر المطاف- في تحرير البلاد الإسلامية؛ لأن التحرير لا يكون فقط بالاحتجاج والمسيرات التضامنية -وإن كان هذا ضروريا- ولكن أيضًا بتكوين تلك الشخصية الإيمانية المعتزة بدينها والموظفة لطاقاتها العلمية والعملية لدى كل مسلم ومسلمة”.

خلافة المرشد

على صعيد آخر قال أرسلان: إن العدل والإحسان لا تعاني من معضلة في مسألة اختيار مرشد يخلف ياسين (المولود في 1928) لأنها “تعتمد على مؤسسات واضحة الاختصاصات”.

وقال: “إن موضوع الخلافة ليس مطروحا عندنا بالحدة التي يتصورها الناس وكما يقع بالفعل في التنظيمات السياسية، وحينما تطرح المسألة (قضية الخلافة) في الوقت المناسب، فالذي ستجمع عليه الجماعة سيتحمل المسئولية مكرها غير مختار ولا راغب؛ لأننا نتعامل مع الأمر على أنه مسئولية أمام الله وأمام الأمة”.

الرباط- مريم التيجي- إسلام أون لاين.نت/ 26-1-2004