الحمد لله الذي خلق الإنسان فصوره، وأحسن تصويره، وشق صدره ونور بصيرته وأسمعه الأصوات وأيقظ ضميره. ورزقه حكمة العقل فميز بين الباطل والحق فأعلى مناره، وشيد أسواره.

الحمد لله الذي جعل الكون فسحة للنظر والاعتبار، ونوعه فكان فيه الليل والنهار واليابسة والبحار، والظلمات والأنوار، وحبب الإيمان وزينه في قلوب الشباب الأبرار، وقهر الظلمة باسمه القهار وأعز أولياءه، فصب عليهم نصره وفتحه وحصنهم من كيد الكائدين، ومكر الأشرار. إنه حليم ستار. ولسان حالهم في كل زمان يقول:

“يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد. يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار”

عجبت لمن رأى الحق فابتغى الهوى عنه بديلا، وذاق حلاوة الإيمان، فتركه واختار غيره سبيلا. وأعجبت بشباب فر بدينه من عموم الشواطئ إلى ما كان خاليا من الشطئان. فما أن مرت بعض السنين والأعوام، حتى أدرك الفارون أنهم ليسوا وحدهم يريدون الطهر والأمان، وإنما جماهير المسلمين يحبون مجامع الإيمان، ومجالس القرآن وإن كان ذلك في بعيد القرى ونائي الشطئان. فاتبعوا الفارين بدينهم من قبل والتحمت القلوب تحت منة الرحمان وهدوا إلى سبيل الرشاد. وراحوا يتلون ويتدارسون آي القرآن ولسان اصطيافهم وترفيههم يقول:

“يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد. يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار”

فبعد أن كان في وحشة الشواطئ وقفر الوديان، عدد قليل من الناس يرفعون الأذان في أيام العطل، ويعودون إلى بيوتهم وأحيائهم فيكثرون من التعارف والتآلف من أجل الآخرة، ويستثرون من المعارف للآخرة، وإذا بالفطر تستيقظ، والقلوب تنتفض وتلتحق في ما يستقبل من الأيام حتى صارت المخيمات تغيض الشيطان، وتتحبب للرحمان. وأضحى المفتي الذي يحرم السفر إلى الشواطئ، ينادي الناس أن الاستجمام بضوابط الدين وأخلاق الشرع ممكن في هذا الزمان، ولينظر أحدكم الإقبال الكبير على هذه الشواطئ. وليسأل في نوادي الجماهير الشعبية واستعداداتهم في هذا العام ورغبتهم في الاستفادة من الصيف على مأدبة الإيمان.

“يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد. يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار”

ذاك ما كان في قريب الزمان في مصطافات العدل والإحسان. تاب التائبون، وارتوى الظمآن، وتحاب المسلمون وسبحت معهم الأكوان، وتعارفوا من أجل الآخرة وتزودوا على موائد الإيمان، فزغردت معهم الحيتان، وتكرم معهم الإنسان، والتحق بهم القاصي والدان، والمقل والمكثر، وكل ذلك في دقيق الميزان يوم لا ينفع مال ولا بنون ولا خلانا إلا من اجتمع على التقوى وأتى الله بالقلب الطاهر السليم من كل شر وسوء.

ذاك ما غاض الشيطان، فراح يوسوس أن “الإسلاميين” يضربون النسوان وأنهم يحرفون الشبان والولدان، ويرتكبون جريمة “الأذان” في عموم الشطئان، اعتقلوهم وليكن ما كان، وامنعوهم، خوفوا منهم الناس فلا أثر لهم ولا برهان.

فكان مما كان جديد الزمان، أن اعتمد الطاهرون على الله، وعليه حقا كان التكلان، وقالوا للناس بلسان الرفق، وطيب الكلام، وحسن الخلق، ومتسع الابتسام أننا منكم يا أهل الإسلام، وأنتم منا يا عباد الرحمان فهيا نمشي على الأرض هونا وإذا خاطبنا الجاهلون نقول سلاما. وهيا نعبد الله في كل مكان ونصلي على رمال الشطئان فأذن المؤذن وفر الشيطان ونادى المنادي.

“يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد. يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار”

فتعانق الشبان وأدمعت العيون فياضة على الخدود، واستترت الشابات وتلقوا من أخواتهن الورود، ونزلت رحمة الودود، وتاب الجميع وهبوا بالدعاء أن تب علينا واغفر لنا فإننا يا ربنا لن نخلف الوعود واجعلنا من الركع السجود، إنك رؤوف ودود.

وإننا بالرفق والحلم والعفو ندعو كل مسلم دعاة إلى الخير العميم، وأنهم على الدرب القويم، وأن صحبتهم شفاء لكل سقيم، وأن الكينونة معهم دواء لكل عقيم، فاللهم سدد وأبرم لهذه الأمة الأمر العظيم، أمر خلافة رسول الله عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام.

“يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد. يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار”