هذا تعبير الإمام الغزالي رحمه الله، يقصد بالقطب الأعظم الركن الركين من الإيمان: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتغيير المنكر إلى معروف بقوة اليد واللسان، ولا أقل من إضمار السخط على المنكر بالقلب.القطب هو قلب الرحا الذي حوله تدور، فشبه واجب القيام ضد المنكر ومعارضته ومحاربته بقلب الدين الذي يختل توازن الدين باختلاله.

قال رحمه الله: “فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيئين أجمعين. ولو طُوِيَ بساطُه وأُهْمِل علمُه وعمَلُه لتعطلت النبوة،واضمحلت الديانة،وعمّت الفَترةُ، وفشَت الضلالة، وعمت الجهالة، واستشرى الفساد، واتسع الخَرق، وخَرِبت البلاد، وهلك العباد، ولم يشعُروا بالهلاك إلا يومَ التّنادِ”.

وذكر رحمه الله من شروط إقامة هذا الركن الأساسي من الدين: التكليف والإيمان، والعدالة، والإذنَ من الإمام، والقدرة على النهوض به.

فالتكليف مفهوم إسلامي إيماني يعبر عن روابط العبودية لله عز وجل وعن روابط العباد المكلفين فيما بينهم، يتساءلون عن حق التكليف ويتحاسبون ويقيمون حدود الله على من أخل بالتكليف الشرعي.والإيمان والعدالة شرطان في المكلف بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إن المسلم لا كلفة عليه إلا بأركان الإسلام الخمسة، وناقص العدالة لا يؤتمَن على فريضة عامة يدور على سلامة تنفيذها صلاح الأمة. وإذن الإمام والقدرة شرطان تنفيذيان، لأنه إن تصدى كل مكلف عدل لتغيير المنكر مستقلا باجتهاده ومبادرته يوشك أن تعُم الفوضى، لا سيما في عصورنا التي عم فيها الجهلُ بالدين، وعمَّتْ البدَع والمناكرُ، فإن لم تُنَطْ مُهِمةُ تغيير المنكر بجهة عالِمة حكيمة تُعَرِّف المعروف والمنكر فهي الفوضى. وهي استعمالُ كلِّ مَنْ حمَت في صدره غَيرة عن حـق أو جهل أو تعصب قدرتَه في الانتقام، وإذاً يكون ما أفسدَ بغيرته العمياء أكثر مما أصلح.

كان الإمام الغزالي رحمه الله، في إبان مقاومته لفِتَنِ الفلسفة والعقائد الباطنية متوجها للمهمة التقليدية التي تفرغ إليها علماؤنا منذ افترق السلطان والقرآن. وهي مُهمة مقارعة أهل الأهواء والمذاهب الضالة.فكانت هذه حدودَ تكليفه وقدرته على تغيير المنكر والأمر بالمعروف.يدافع عن “الخليفة” المستظهر العباسي،يرى في وجوده الرمزي سدا منيعا ضد المنكر الأكبر المتمثل في العقائد الكفرية.

فلما كان في أواخر عمره، في مرحلة تأليفِ “الإحياء” وما بعدها، توسّع تصوُّره للمنكر والمعروف، ورأى في حكم الظَّلَمَةِ المنكرَ العظيمَ الذي تجب معارضته ومقاطعته. وهكذا يظهر لنا الوجهُ الخفيُّ لِما عاناه علماؤنا طيلة قرون الحكم العاض والجبري من غُصَص وما تأسفوا عليه من فوات القدرة والفرص. وفي آخر حياته رحمه الله، اعتزل الغزالي الدنيا وأهلَها فرارا بدينه، وأملا في أن يُربي أجيالا تحتفظ بعدَه بجذوة الإيمان متقدة.

قال رحمه الله: “الدخول عليهم (على الحكام الظلمة) فهو مذموم في الشرع. وفيه تغليظات وتشديدات (…). الداخل على السلطان متعرض لأن يعصِيَ الله تعالى إما بفعله أو بسكوته، وإما بقوله، وإما باعتقاده. (…). إن سجد أو ركع أو مَثُلَ قائما في سلامه وخدمته كان مكرما للظالم”.

ويفصل الإمام رحمه الله برنامج مقاطعة الظلمة، فلا يجوز قبول هداياهم، ولا غَشَيانُ أسواقهم، ولا التعامل مع قضاتهم وعمالهم، ولا استعمال ما بنوه من قناطر ورباطات ومساجد وسقايات.

ويقصد الإمام بالظلمة المستولين على الحكم بالسيف، وكانوا في زمنه السلاطينَ السلاجقة. كان لهم السلطان الحقيقي، ولم يكن “للخليفة” العباسي إلا الخطبة والبيعة الشكلية. وقد كتب سنجر السلطان السلجوقي إلى الإمام يطلب إليه أن يدرس في مدارس نيسابور وطـوس فامتنع وكتب إليه: “إن كل من ينطق بكلمة حق في هذه الأيام تعاديه حتى الأبواب والجُدران. وأنا سلمت الدنيا لأهلها. (…). والمقصود أن يُوَضَّحَ الحالُ، وأن تُعفوني من التدريس في نيسابور وطوس حتى أعودَ إلى زاويتي الآمنة، فإن الأيام لا تتحمل كلامي”.

ومن زاويته رحمه الله كتب إلى فخر الملك وزير سنجر يقول: “اعلم أن هذه المدينة أشرفت على الخراب والقحط. (…). فأغث! فأغث رعيتك! لا، بل أغث نفسك، وارحم هرَمك، ولا تضيع رعيتك (…). وإلا فأقم المصيبة والمآتم. (…). فعلاج هذه المصيبة ماءُ العين لا ماءُ العنب!”.

موقف الغزالي رحمه الله وتطوره مِن مقارعة البدع والضلالات في حيز سمح به السلطان نفسه نموذج لفقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حدود إمكانيات ذلك الزمان. ولا يمكن في غد الإسلام والخلافة الثانية أن نفهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حيزهما الضيق الذي تقلص إليه عمل من سبقونا بإيمان رحمهم الله، حاصرهم السلطان فتخصصوا في ملاحقة البِدع والضلالات (وهي مهمتهم على كل حال وواجبُهم) وتركوا السلطان الجائر يرتع في الدين.

بعدَ أن نعتبر بالغزالي وتطور موقفه، نرجع إلى النبْع النبوي لنستقي.

يقول الحبيب المصطفى المعلم صلى الله عليه وسلم: “من رأى منكم منكرا فليغيره بيده. فإن لم يستطع فبلسانه. فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان”. الحديث رواه مسلم وأصحاب السنن عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

وروى الترمذي عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “والذي نفسي بيده، لتأمُرُنَّ بالمعروف، ولَتنهَوُنّ عن المنكر، أو ليوشِكَنّ الله أن يبعث عليكم عقابا منه. ثم تدعونه فلا يستجاب لكم”.

الأمرُ العليُّ جاء بتغبير المنكر، لابمجرد النهي اللفظي عنه. والوعيد الشديد لمن لم يفعل ذلك يُؤْذن بعقاب من الله عز وجل، حتى إنه سبحانه، وهو الرؤوف بعباده الرحيم، لا يستجيب دعاء من لا يفعل ما أُمِرَ.

وجاء وعيد أشد في قوله تعالى: “لُعِنَ الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم. ذلك بما عصَوْا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهَوْن عن منكر فعلوه. لبيس ما كانوا يفعلون”. قال رسول لله صلى الله عليه وسلم يفسر لنا كيف اعتدى بنو إسرائيل بتركهم التناهي عن المنكر: “إن أولَ ما دخل النقض على بني إسرائيل أنه كان الرجلُ يلقَى الرجلَ، فيقول له: يا هذا! اتق الله فيما تصنع! فإنه لا يحل لك! ثم يلقاه من الغد وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيلَه وشريبه وقعيده. فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض”. الحديث رواه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.وقال فيه الحبيب المعلم صلى الله عليه وسلم: “كلا واللهّ لتأمُرُنَّ بالمعروف ولتنهَوُن عن المنكر، ولتأخذُنَّ على يَد الظالم، ولتأطُرنه على الحق أطرا”. وهو حديث صحيح.

حديث يرسم لنا خطوط مقاطعة أهل الباطل فُرادى، ومقاطعتهم بالإضراب العام حين يكونون قوة حاكمة غاشمة ونكون نحنُ قوة معارضة منظمة فقيهة في دينها الذي يهدد باللعنة من رضي بالمنكر وأهله وآكلهم وشاربهم وقاعدهم.

ويرحم الله الغزالي، فقد فصل ما يجب على المومنين من مقـاطعة الظلمة، فكان ذلك الفقه الذي بقي دفينا في الكتب زفرة حرَّى في زمانها، زفرة من عالم مجاهد آل به تطاوُل أهل الباطل واستعلاؤهم في الأرض إلى الانزواء مع “علماء الآخرة”.

ولغد الخلافة الثانية لا بد أن تكون قوة التغيير فقيهة في دينها، عارفة بـ”القطب الأعظم” فيه. لكن لا يكفي العلم بما هو المعروف والمنكر وتعليم ذلك للناس حتى يتوقوا إلى المعروف ويكرهوا المنكر. لا يكفي أن نكون قوة سياسية يلتف حولها الشعب، ويصوت لها، ويرفعها لسدة الحكم. بل لا بد أن نحصِّل على قدرة التنفيذ، وأن نبنِيَها حتى نكون قوة إرادية تغير بالفعل، وتفعل بوازعي القرآن والسلطان.

وإنه لقتالٌ شديد بين الحق والباطل، لا يحيى الحق إلا بإماتة الباطل، أو على الأقل حصرِه في نَفَقِ الصَّغَارِ. وعلى المرتبة الإيمانية الإحسانية الأخلاقية لجند الله، وعلى نموذجية سلوكهم وتفانيهم في نصرة دين الله، يتوقف نجاح الخطة. فإنه لا يُقيم دينَ الله في الأرض إلا مومنون جسمهم وجهدهم هنا وطموح روحهم في الآخرة.

قال الله تعالى يسرُد لنا صفات الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر: “إن اللهَ اشترى من المومنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة. يقاتلـون في سبيل الله فيَقْتُلون ويُقْتَلون. وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن. ومن أوفى بعهده من الله؟ فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به. وذلك هو الفوز العظيم. التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله. وبشر المومنين”.

لا غنى للإسلاميين عن قوة الرفض والمعارضة قبل الوصول إلى الحكم وبعده لدحض الباطل ومقاطعة أهله ودك أصوله. ثم لا يتأتى أيُّ تغيير وبناء وإحقاق للحق إلا إذا كان جند الله مؤهلين التأهيل الإيماني العلمي التنظيمي العملي التنفيذي الذي تندمج فيه الخصال الروحية الأخلاقية بالقدرات العقلية التدبيرية، وتوجهها. وبشر المومنين. والله ذو الفضل العظيم.