بقلم: عبد الرحمان أحمد خيزران

تقديم:

للأمة تاريخ يجتهد العقلاء في معرفته للاعتبار. في موضوعنا هذا نتعرف على جانب من اقتراح الأستاذ عبد السلام ياسين لفهم التاريخ ، اقتراح اصطلح على تسميته “القراءة المنهاجية للتاريخ”(1).مقومات هذه القراءة وأسسها- الموجودة في كتب المنهاج النبوي التي ألفها الأستاذ- تسعى أن تنظر في التاريخ من أجل الوقوف عند المحطات الكبرى، لمعرفة الانحراف من أين جاءنا ومتى وكيف ؟ ولعل الباعث في ذلك هو “توزين العامل الذاتي” في معركة البناء المستقبلية لخلافة منهاجية على المنوال الأول.

فالقراءة المنهاجية لا تقفز على تاريخ أمتنا كما ينادي بذلك بعض ذرا ري المثقفين، الذين وجدوا ضالتهم / ضآلتهم في تاريخ وحضارة وهوية غربية, وهي أيضا -القراءة المنهاجية- لا تقدس التاريخ كما يفعل بعض المسلمين بل مفكر يهم، فيتغنون بقوة الأمويين وآل العباسيين وشوكة العثمانيين. وهكذا اختارت القراءة المنهاجية للتاريخ موقفا وسطا من تاريخ أمة وسط.

ولعل من أبرز ثمار هذه القراءة، ما نلحظه من وضوح في الفهم ووحدة للتصور عند أبناء العدل والإحسان وكل من استرشد بمفاتيح هذه القراءة, حيث تجد آليات ومفاهيم واضحة ومشتركة، كالانكسار التاريخي الأول والثاني ونتائجهما، والحدود الفاصلة بين الخلافة المحمودة والملك المذموم، والتحولات الخطيرة التي عرفتها العلاقة بين الدعوة والدولة، ومفهوم القومة والترف وغيرها.

هذا الموضوع يحاول أن لامس أدوات الفهم وآليات التحليل التي تعتمدها القراءة المنهاجية للتاريخ, وهو ما عبرنا عنه من خلال العنوان الفرعي “نظرات في الأسس” أي الأسس المنهاجية لقراءة التاريخ.

وللتوضيح أكثر، تتوخى الأسس الإجابة على أسئلة محورية من قبيل:

بماذا نقرأ التاريخ ؟ وكيف ؟ ولأي هدف ؟

هذا ويمكننا توزيع هذه الأسس حسب هذه المحاولة البسيطة إلى دعامات ثلاث من خلال محاور ثلاثة:

المحور الأول: الدعامة الإيمانية التربوية.

المحور الثاني: الدعامة الفكرية التحليلية.

المحور الثالث: الدعامة البنيوية الهيكلية.

غير أنه وقبل الخوض في صلب الموضوع، أجد الضرورة تفرض أن نقف عند سؤال مدخلي مؤسس، لماذا التاريخ أصلا ؟ أ ليس في الأحداث الحاضرة المتسارعة ما يغنينا عن هذا الاهتمام بوقائع ولت، قد تستغرق تثبتا وفهما وتحليلا من الوقت والجهد الذي من الأولى توجيهه للتعاطي مع هذه الأحداث؟

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين:

“اعتبار المؤمنين بالتاريخ يسترشد بقول الله تعالى: “ولولا دفاع الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض”. حكمة الله عز وجل وسنته التي لا تتخلف ولا تحابي أحدا”(2) ويقول أيضا: “وإنما نطيل في إيراد المواقف التاريخية للمسلمين لننظر إلى جريان الأحداث عليهم وتأثير النزاعات المذهبية والسياسية والشخصية عليهم وعلى أحكامهم” (3) ويقول “لا نستهين بما تعطينا دراسة التاريخ من دروس”(4)

وهذه بعض الدروس:

– معرفة الخروم والانشقاقات الرئيسية التي طرأت على جسم الأمة(5)

– معرفة أصولنا التاريخية ونكباتنا التاريخية (6)

– فحص الذات بغية معرفة الخذلان من أين جاءنا “أسبقية الاعتبار بنقائص الذات” (7)

– رجوعنا إلى التاريخ يحيلنا إلى حدث محوري “الانكسار التاريخي ” (8)

بعد هذا الاستطراد القصير, لنبسط الحديث عن الأسس.

المحور الأول: الدعامة الإيمانية التربوية.

نقصد بهذه الدعامة القواعد الإيمانية التي ينبغي على المؤمن الشاهد بالقسط أن يستعصم بها ويتمسك بحبلها وهو يحاول أن يستقرأ الأحداث التاريخية ويجلى أسرارها وينفذ إلى أسبابها ويخلص إلى نتائجها، وهي دعامة مركزية على مستوى أسس التحليل التاريخي تنسجم ومحورية الجانب التربوي والمفاهيم الإيمانية الغيبية في مشروع العدل والإحسان بأكمله.

هذا وسنشير ضمن هذه الدعامة إلى مفتاحين تربويين إيمانيين.

أولا: نقرأ التاريخ بعينين:

من أهم مميزات التفكير المنهاجي: خاصية التوازن, أي إعطاء كل الجوانب حقها بحيث لا يخفي أحدها الآخر، سواء فيما يخص أدوات الفهم أو تناول الأحداث موضوع الفهم. و لمجانبة هذه الخاصية آثار عكسية على الأفهام والسلوكات, فإما إغراق في التحليلات والوقوف عند الأسباب والمسببات مع التغييب التام” للعين التي تقرأ مواقع القدر الإلهي”، وهو بالتالي عقل اجتذبه جبروت العقلانية ولم يتفتح لفعل الغيب، وإما قلب اطمئن لقضاء الله وقدره وأغلق العين التي تقرأ ناموس الله” فلم ينظر في الأسباب الكونية فكان دون الفاعلية الإيمانية الكاملة.

لذلك فتوازن التفكير المنهاجي شرط أساسي للفهم السليم والبناء القويم، سواء في تعاطينا مع أحداث التاريخ أو حاضر ومستقبل الأمة المستخلفة. وعلى هذا الأساس تعتمد القراءة المنهاجية للتاريخ أسا محوريا، فتفتح عينيها معا في تناول الحدث بحيث “لا تزيغ العين التي تقرأ ناموس الله في التاريخ بالعين التي تقرأ مواقع القدر الإلهي” (9) فالمؤمن الشاهد بالقسط يقرأ تاريخ أمته بقلب راض وعقل باحث محلل، يقول الأستاذ ياسين: “إنما المؤمن بالله وقضائه وقدره فينظر في الأسباب الظاهرة, تكون نظرته عوراء إن لم يفعل لكنه ينظر أيضا إلى قدرة الله تعالى وقضائه وتصرفه المطلق في ملكه من خلال العلل والأسباب أو بدونها” (10) ويجدر بنا أن نذكر هنا، أنه بسبب خلل هذه العلاقة التكاملية بين القلب والعقل في فهم التاريخ، زاغت أقوام وانحرفت مذاهب.

فظهر في تاريخ الأمة من ركن إلى الهامش بدعوى أن ما يجري من انحراف ـ في الحكم خاصةـ قدر لا يدفع، وليس للإنسان إلا ما قدر له، والتاريخ قدر، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وهو قول حق أريد به باطل ، ففقدت الفاعلية التاريخية في وقت كانت الأمة أحوج شيء إليها، وغاب عن أصحاب هذا المنطق ـ الذي يفضي بنا إلى ذهنية القعود – الأمر الإلهي بالعمل والبناء والجهاد، والسنة النبوية التي تربى عليها الصحابة الكرام وجسدها شعار سيدنا عمر” نفر من قدر الله إلى قدر الله” وندفع القدر بالقدر.

وهو فهم موجود في أبناء الأمة إلى اليوم، خاصة وهم يرون التخلف الكبير لمجتمعاتنا وشعوبها الرازحة تحت نير حكام الجبر، وفي الضفة الأخرى التفوق الحضاري الهائل والهيمنة الشاملة للغرب. فلا يقفون عند أسباب ضعفنا وقوتهم وتخلفنا وتقدمهم بل يركبون المركب السهل وهو الاستسلام بدعوى القدر, يقول الأستاذ ياسين: “ولا تكون النظرة إلا عوراء إن انغلقت العين المراقبة للكون وأسبابه وانتصبت العين الإيمانية الغيبية تترجم وتفسر لا خبر عندها بالعلة والمعلول كما شاء الله تعالى أن تكون علاقتهما مفهومة عقلا مترابطة متساوقة” (11).

وفي المقابل نجد انحرافا في الاتجاه الآخر أعطى للعقل وحده سلطة الفهم والحسم والحكم، وانغمس الناس في التحليلات التاريخية الأرضية التي لا تتعدى أدواتها التحليلية “الدوافع النفسية والسياسية والاقتصادية أيها كان العامل الحاسم في الواقعة” (12) فكان مصيرها الطبيعي التخبط والخلط والخبط, والأكيد أن هذا الانحراف الخطير هو أكثر شيوعا اليوم، قعدت له” الفلسفة الأنوارية” فكانت “الذهنية المغربة” التي لا تؤمن إلا بما ترى وتسمع وتعقل، وهي مع هذا لا تكتفي حتى تعضد ذلك بالبراهين الدقيقة المبنية على التجربة الحسية الملموسة، ولا شيء بعد ذلك. يقول الأستاذ ياسين : “التحليل التاريخي الذي لا ينظر إلا بعين واحدة, نظرة عوراء دنيوية غابت عنها الآخرة, يحاكم تاريخ المسلمين إلى شمولية سياسية اجتماعية اقتصادية يقيس بمعيار المادة في عالم الأسباب والمسببات” (13) هكذا, وحتى لا تكون “نظرة عوراء” تسعى القراءة المنهاجية أن تنظر إلى التاريخ بعينين مفتوحتين معا, القلب والعقل: ” بقلب مطمئن نقبل تاريخنا لكن بعين فاحصة” (14)

ثانيا: الصحابة ومرحلة الفتنة الكبرى /الأدب والجرأة.

إذا كانت الفقرة الأولى قد أشارت إلى مفتاح أساسي في الفهم – فهم التاريخ وكذا الحاضر والمستقبل – وهو مفتاح عام ينسحب على أحداث التاريخ جميعها, فإننا في هذه الفقرة نقف عند مفتاح خاص، يستعصم به أساسا في تحليل حدث خاص “مرحلة الفتنة الكبرى” والتعامل مع رجالاتها “الصحابة” رضوان الله عليهم.

لقد تواترت أمهات الكتب التأريخية في تناولها للأحداث التي عاشها مجتمع العمران الأخوي الأول, وذلك بعد مرحلة النبوة وقسط من الخلافة الراشدة, إبتداءا من مقتل سيدنا عمر رضي الله عنه، فتشكل نواة بني أمية بجانب خلافة سيدنا عثمان، فاغتياله رضي الله عنه، فاستشهاد الإمام علي كرم الله وجهه، ليبتدئ عهد جديد “الملك العاض”. هذه المرحلة وما تلاها من أحداث جسام عرفت أهم الانشقاقات والخروم الرئيسية بل الانحراف الخطير والصدمة القاسية, وقد اصطلحت عليها كتب التاريخ “مرحلة الفتنة الكبرى”.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “غيرنا يغض حياء من فتح تلك الصفحات وآخرون من حزب الشيطان يثيرون تلك الأخبار لزعزعة المسلمين بإسلامهم وتشكيكهم في قيمة الحق الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم” (15). إن حزب الشيطان وهم يمعنون في ذكر هذه الأخبار، تحكمهم نية خبيثة تروم زرع الشك والتشكك في قلوب المسلمين نحو صحابة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم بل اتجاه دين الله كله, خاب سعيهم آمين.

غير أنه من جهة أخرى يتحاشى علماء المسلمين ومفكريهم فتح تلك الصفحات كلية – وقد رفعوا لذلك شعارا “تلك أحداث طهر الله منها أيدينا فلنطهر منها ألسنتنا” مخافة الوقوع في أعراض الصحابة رضي الله عنهم، خاصة والأحاديث جاءت تنهى عن ذلك وتدعو إلى محبتهم وتوقيرهم وتعظيمهم، وحول هذا الفهم يقول الأستاذ ياسين بعد أن أورد كلام القاضي ابن العربي وهو يتحدث عن هذه المرحلة “. نلاحظ في نثر فقيهنا وقاضينا أبي بكر تغاضيا حييا عن ذكر ما نشب بين الصحابة من نزاع وقتال. فيتخطى الجمل وكارثة صفين …إلى أن يقول : “وهكذا أمسك علماؤنا وأوصوا بالإمساك عن ذكر تلك المآسي الدموية”. (16)

فكيف لنا أن نتعامل مع هذه المرحلة الحساسة من تاريخ الأمة ؟

إن الوضوح يقتضي القول بصعوبة الأمر, فالأمر النبوي واضح بالكف “كفوا عن أصحابي” وبالاقتداء “أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم”. إن هذا المركب الصعب – تحليل هذه الأحداث مع لزوم الأدب للصحابة الأحباب- يحتاج إلى العناية الإلهية والتأييد الرباني ليسهل، فيكون التناول نورانيا يعطي للصحابة الكرام مكانتهم وللأحداث حقها، الباعث في ذلك إعادة بناء الأمة المحمدية، يقول الأستاذ ياسين “ولئن كان نبش الماضي للوقوف عنده والتعرض للصحابة الكرام بالنقد وقد قضي ذلك الأمر, حتما لا يعني الشحيح بدينه, فإن رفع جانب من الستار بقدر ما نتبين الأسباب التاريخية للانكسار المريع واجب” (17)فكيف أكون “الشحيح بدينه” المساهم في “رفع جانب من الستار”؟

إنه المفتاح التربوي الثاني: الجرأة والأدب.

نقصد بهذا المفتاح الجمع بين واجب وضرورة، بين واجب الأدب مع السادة الكرام وضرورة الوقوف عند بداية الانكسار التاريخي لإعادة الجبر.

فلا بد من الجمع بين الأمرين لتكتمل هذه القاعدة وإلا ففي تغييب إحداهما قصور عن المنهاج النبوي, ولعل الأمر قد يسهل إلى حد بعيد إذا قلنا أن الأدب ينبغي أن يسود أساسا عند ذكر الصحابة رضوان الله عليهم والحديث عن شخصهم، في حين أن الجرأة التحليلية تستحضر عند تناول الأحداث لذكر الأسماء بمسمياتها.

وللتوضيح أكثر هذا بيان لحضور هذا الأس في التحليل المنهاجي لهذه المرحلة.

أدب جم: يكفي أن يتذكر المرء أن الله تعالى قد اختار الأصحاب لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ليمتلأ قلبه محبة وتعظيما وتبجيلا لرجال “صدقوا ما عاهدوا الله عليه” لذلك يتربى أهل المنهاج النبوي على هذا الأدب، فالصحابة الكرام مثلنا، وجهادهم نموذجنا، ومحبتهم واجبة، وخلافتنا الثانية على منوال خلافتهم الأولى ننسجها.

هذا ويتجلى هذا الأدب في التحليل التاريخي لهذه المرحلة من خلال أمرين أساسين:

– الأول يرتبط باللغة : ففيما يخص اللغة التي تتناول بها الأسس المنهاجية هذه الأحداث، يمكن القول أنها لغة أدب بامتياز، بحيث تختار بعناية كبيرة تعابير دقيقة وكلمات عفيفة.

وهو أمر ليس بالهين، فقد يفقد سياق التحليل التعفف والأدب، وقد أشار الأستاذ ياسين إلى وقوع الأستاذ أبو الأعلى المودودي من خلال كتابه ” الخلافة والملك” في هذا المزلق, يقول الأستاذ ياسين : “جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر أن نكف عن الأصحاب. فلم يسع كاتبنا وهو في سياق تحليله أن يتعفف عن ذكر الإمام سيدنا عثمان رضي الله عنه, غفر الله لنا وله وللجميع”.(18)

وإليكم هذه الصورة المنهاجية جميلة التعفف:

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين وهو يذكر تشاور الصحابة حول من يخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فبعد مناقشة المسألة في سقيفة بني ساعدة, اجتمع رأيهم على أبي بكر الصديق فبايعوه. وكان تنافس الأنصار والمهاجرين على الإمارة في افتتاح ذلك المجلس تسابقا إلى الخير ما خلف حزازات وطوت الأيام سريعا ذلك النقاش في ظل الأخوة وفي ظل جلائل الأعمال” (19)

أضع الإصبع والقلب والعقل على هذه الكلمات: مناقشة, تنافس, تسابقا إلى الخير, ما خلف حزازات, النقاش في ظل الأخوة, في ظل جلائل الأعمال. عبارات جميلة دقيقة تحفظ للصحابة مكانتهم و تعطي للحدث حجمه دون تضخيم أو مبالغة.

الأمر الثاني الذي يظهر التعفف وحسن الأدب هو حجم فتح تلك الصفحات:

أي ينبغي الإطلالة على تلك المرحلة التاريخية بقدر ما نستخلص الحكمة، وندرك الأسباب التي رسمت خطا تراجعيا للتاريخ, و إلا فإن التوسع في ذلك دون ضوابط قد يكون مدخلا لتسرب معان إلى القلب نحو الصحابة الكرام خاصة للذي لا دليل معه, يقول الأستاذ: “نحن نقصد كشف جانب من ذلك الستار بمقدار ما نتبين كيف تجري قوانين الله ونواميسه في الكون على البر والفاجر على المسلمين وغير المسلمين” (20)

ويقول أيضا “أمر مرا سريعا مقتضبا على مسيرة مؤلمة فما قصدي بسط الوقائع” (21)

ويقول: “نطوي هذه الصفحة المؤلمة إذ تكفينا العبرة” (22)

إذا فكشف جانب من ذلك الستار بمقدار إدراك العبرة، والمر السريع المقتضب – إلى جانب اللغة العفيفة – مقومات أساسية لالتزام الأدب.

الجرأة المطلوبة: إذا كان البعد الأول لهذا المفتاح التربوي يستحضر العفة والتعظيم والأدب مع شخص الصحب الكرام ، فإن البعد الثاني يتجلى في الجرأة المطلوبة والشجاعة الكافية للوقوف عند أحداث الفتنة الكبرى، مبتدأ التفتت التاريخي، يقول الأستاذ المرشد: “إن فهم الانكسار التاريخي الذي حدث بعد الفتنة الكبرى ومقتل ثالث الخلفاء الراشدين ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه ضروري لمن يحمل مشروع العمل لإعادة البناء على الأساس الأول” (23)

إن الباعث في ضرورة فهم هذه المرحلة بالضبط له مسوغان أساسيان:

1. تأثير تداعيات الفتنة الكبرى على التاريخ اللاحق : بحيث بداية الانحراف المتجلية في انتقاض عروة الحكم وذهاب الشورى والعدل والإحسان وتدشين حكم وخطب السيف، كلها فتن حلت بالأمة مع نهاية السنة الثلاثين، حيث طويت صفحة الخلافة الراشدة وبدأت مرحلة الملك العاض مع بني أمية، هذه التصدعات الخطيرة أثرت على المراحل اللاحقة، وهكذا “يتصادم جيشا علي الخليفة ومعاوية طالب الملك في صفين، فينفصم بين المسلمين ما كان يجمعهم ، ويبدأ الانحلال في وشائج جماعة المسلمين انحدارا، قرنا بعد قرن، إلى ما نشاهده من غثائية وتمزق” (24) لذلك ينبغي “فهم طبيعة هذا الانكسار، ومغزاه بالنسبة لتسلسل الأحداث وتدهورها بنا إلى الدرك الذي نجد الآن فيه أنفسنا” (25) فهي “رجة عظيمة مزقت كيان الأمة المعنوي فبقي المسلمون يعانون من النـزيف في الفكر والعواطف منذئذ” (26)

2. إن المسوغ الثاني الذي يفرض التزام الشجاعة في تحليل هذه الوقائع، هو الحاجة إلى استخلاص العبر من أجل إعادة بناء الخلافة الثانية، فينبغي معرفة الانحلال من أين بدأ وكيف، لنعيد الفتل في حبل هذه الأمة ونقوم ما انتقض من عرى الإسلام. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين : “لن نفهم أسباب التمزق الذي نعيشه ولن نفهم اتجاه ومعركة وأهداف الخلاف المذهبي بين الشيعة والسنة ثم بين السلفية والصوفية إلا بالنظر إلى الانشقاقات الرئيسية التي طرأت على جسم الأمة الموحد….إنما نورد نصوصا تاريخية لنرى كيف احتل الحقد والغضب والعداء والعدوان محل الأخوة والألفة والتآزر العضوي. وما دمنا ننشد الرجوع للوحدة الأخوية العضوية فلننظر إلى الطريق من أين تشعبت” (27)

إن الذي يعاني من “إطراء الذات التاريخية” ويأبى إلا أن يعتبر الاستعمار بداية لانشطارنا التاريخي، لا يمكنه أن يدرك أسباب ومواطن الانحراف، وحقيقة تأثيرها على حاضر الأمة المحمدية ” الانكسار التاريخي حدث محوري في تاريخ الإسلام . وسيبقى فهمنا لحاضر الأمة ومستقبلها مضببا بل مشوشا غاية التشويش إن لم ندرك أبعاد تلك الأحداث وآثارها على تاريخنا” (28)

لذلك فالبناء المستقبلي محدد أساسي للوقوف عند هذه المرحلة “إن رجعنا بالطمأنينة الإيمانية ، إلى مبعث الخلاف وميلاد الفتنة بقصد العلم المؤسس لعمل يوحد ولا يفرق ، يفتح الجرح ليضع فيه دواء لا ينكيه، فعسى نعلم ونعمل” (29)

إن الجهاد المنهاجي يروم -إلى جانب الغاية الإحسانية- تحقيق الغاية الاستخلافية” ولن نفهم منهاج إعادة الخلافة إن بقينا نغطي وجوهنا كلما ذكرت تلك الفترة العنيفة “(30).

إذن ضروري أن نرجع إلى هذه المرحلة، المهمة جدا في حياة الأمة الإسلامية، ولكن بضابط حاسم حتى لا تزيغ الأقدام، تعظيم كامل للصحابة رضي الله عنهم وشجاعة تامة في تناول مرحلة الفتنة الكبرى وما تلاها من أحداث جسام، إنه: الأدب الذي لا يغيب الجرأة والجرأة التي تفقد الأدب.

نخلص في نهاية الدعامة التربوية الإيمانية من خلال هذين المفتاحين التربويين إلى القول:

نلتزم الأدب عند انفتاح القلب لمواقع القدر الإلهي.

ونستحضر الجرأة عند انفتاح العقل لناموس الله في الكون.

والأمران متلازمان لا ينفكان.

الـمراجـع

(1) القراءة المنهاجية للتاريخ جزء من تصور اكبر، يطرحه الأستاذ ياسين في مشروع تغييري شامل، تربوي جهادي وإيماني فكري وفردي جماعي لإعادة صياغة الإنسان وتصحيح مسار الأمة .ولمعرفة هذا المشروع يرجع اساسا الى كتاب المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا وكذا الإحسان بجزأيه والعدل الإسلاميون والحكم ثم باقي الكتب.

(2) الشورى والديموقراطية ص. 200

(3) مجلة الجماعة عدد 4، الأستاذ عبد السلام ياسين: العقل والنقل والإرادة أو أزمة منهاج ص 28.

(4) كتاب: رجال القومة والإصلاح ص 44.

(5) مجلة الجماعة، مرجع سابق ص 28.

(6) الشورى والديموقراطية ص 251-250.

(7) نفسه ص 199.

(8) نظرات في الفقه والتاريخ ص 28.

(9) نفسه ص 28.

(10) نفسه ص 35.

(11) نفسه ص 28.

(12) نفسه ص 35.

(13) نفسه ص 70.

(14) نفسه ص 20.

(15) نفسه ص 28

(16) الخلافة والملك ص 31

(17) الخلافة والملك ص 31

(18) نظرات، م س ص 31

(19) الخلافة والملك ص 28

(20) نظرات، م س ص 28

(21) الشورى والديموقراطية ص 241

(22) الخلافة والملك ص 39

(23) نظرات، م س ص 27

(24) الشورى والديمقراطية ص 241

(25) نظرات، م س ص 27

(26) نفسه ص 28-27

(27) مجلة الجماعة،م س ص 28

(28) نظرات، م س ص 27

(29) نفسه ص 30-29

(30) الخلافة والملك ص 31