نحن لسنا أصحاب نظرة تشاؤمية، بل على العكس من ذلك فنحن رغم كل ما نراه حولنا من مظاهر الإحباط والإخفاق نظل متفائلين لأننا دعاة إلى الله عز وجل قبل كل شيء، والداعية الحق لا يعرف شيئا اسمه اليأس أو القنوط أو التشاؤم. متفائلون، وتفاؤلنا مصدره إيماننا بالله عز وجل، وتصديقنا بوعده ووعد رسوله صلى الله عليه وسلم الذي وعد بالتمكين للذين آمنوا ووعد بخلافة ثانية على منهاج النبوة بعد مرحلتي الملك العاض والملك الجبري اللذين تصطلي الأمة بنيران ظلمهما.

يحملكم خصومكم في حقل السياسة نظرة تشاؤمية في علاقتكم مع النظام السياسي الحاكم في المغرب، ما هي الأسباب التي تكمن وراء ذلك؟ بمعنى هل مرد ذلك إلى الأدبيات السياسية لتنظيمكم “العدل والإحسان” أم لأسباب أخرى، ما هي؟

نحن لسنا أصحاب نظرة تشاؤمية، بل على العكس من ذلك فنحن رغم كل ما نراه حولنا من مظاهر الإحباط والإخفاق نظل متفائلين لأننا دعاة إلى الله عز وجل قبل كل شيء، والداعية الحق لا يعرف شيئا اسمه اليأس أو القنوط أو التشاؤم. متفائلون، وتفاؤلنا مصدره إيماننا بالله عز وجل، وتصديقنا بوعده ووعد رسوله صلى الله عليه وسلم الذي وعد بالتمكين للذين آمنوا ووعد بخلافة ثانية على منهاج النبوة بعد مرحلتي الملك العاض والملك الجبري اللذين تصطلي الأمة بنيران ظلمهما.

وإذا كان بعض الخصوم يصفوننا بما يحلو لهم من كوننا متشائمين أو انتظاريين أو غير ذلك من الأوصاف القدحية، فسبب ذلك ببساطة رفضنا القاطع لتسمية الأشياء بغير مسمياتها، فنحن لا ننساق مع من يسمي الفساد إصلاحا، والظلم عدلا، والاستخفاف بشرع الله تعالى إيمانا، والأحادية السياسية المفرطة تعددية وديمقراطية. سببه أننا لا نريد أن ننساق وراء شعارات منمقة كاذبة لا أساس لها في الواقع، حيث يرفع شعار طي صفحة الماضي في الوقت الذي تشهد فيه البلاد أبشع صور الانتهاكات الحقوقية، وقد أجمعت على ذلك تقارير دولية وإقليمية ومحلية. ويرفع شعار الانتقال الديمقراطي في الوقت الذي يحتكر فيه المخزن كل السلط، ليس فقط السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية، بل يحتكر سلطا أخرى من مثل سلطة الإعلام والسلطة الاقتصادية. ويرفع شعار العهد الجديد في الوقت الذي أثبتت فيه التجربة استمرار أشكال التزوير وطرق التلاعب بإرادة المواطنين. ويرفع شعار المفهوم الجديد للسلطة في الوقت الذي يستمر فيه المخزن بنهج سياسة الإقصاء والقمع والتخويف ضد معارضيه.

ولتوضيح الرؤية أكثر أٌقول أن المخزن في المغرب رسم دائرة ضيقة حوله وعمل عبر مر العقود على إدخال كل الفاعلين إليها، وبالفعل نجح إلى حد بعيد في ذلك، حتى أصبحنا نلحظ معارضة الأمس، ذات القناعات الاشتراكية، تلوك شعارات النظام وتنصب نفسها مدافعا عنه في كل المناسبات رغم تاريخ صراعها المرير مع هذا النظام. وكل من دخل الدائرة وطاف حول قطبها، فهو مرضي عنه، منعم مكرم، أما من أراد الاستقلال باختياره خارج تلك الدائرة، رافضا لتلك الأحادية المميتة، فهو في نظر المخزن وفي نظر أطرافه، “متشائما” و”خارج التاريخ” و”خارج الديمقراطية” ولا يستحق إلا القمع والإقصاء، وهذا حال جماعتنا، جماعة “العدل والإحسان”. وللأسف الشديد ففي الوقت الذي يحتاج فيه المغرب إلى كل أبنائه من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه تقصى الجماعة ويحاكم أعضاؤها وتسلب حقوقها.

وإنها لخسارة كبرى للمغرب والمغاربة أن تصادر حريتنا، رغم أننا ندعو إلى التمسك بآليات الديمقراطية ونرفض العنف رفضا قاطعا، ونحمل مشروعا مجتمعيا واضح المعالم والمنطلقات، لنا كل اليقين بأنه يجيب عن انتظارات المغاربة، كل المغاربة، في الحاضر والمستقبل.

قلتم في حوار حديث “جريدة الأيام”، “إن ما يقع ويجري في المغرب، هزات كبيرة تفرض مراجعة الحسابات، وأول المعنيين بهذه المراجعة هم أولئك الذين قادوا البلاد إلى ما نعاني منه وتتخبط فيه” من تقصدون بذلك؟ وكيف تتصور “العدل والإحسان” هذه المراجعة؟ بمعنى هل من خلال محاكمة لهذه الفئة، أم من خلال تغيير النظام القائم؟

نقصد الذين يعرفون حق المعرفة، ويعرف الشعب ذلك أيضا، أنهم ارتكبوا العديد من التجاوزات في حق الشعب المغربي والتي مسته في دينه وحقوقه وحريته وظروف عيشه. وهؤلاء موجودون في مختلف أدراج هرم السلطة. والشكل الذي نراه في العدل والإحسان ليرجع هؤلاء عن سياساتهم التي أوصلت البلد إلى ما نرى من اضطراب وتوجس هو أن يكفوا أولا عن التمادي في هذا الخط إيذانا منهم بالاعتراف بعدم صوابية سياساتهم، وذلك في أفق بداية نهج أسلوب مخالف معالمه إعادة الحرية إلى الشعب وقواه، وإرجاع الحقوق إلى كل ذي حق، والانطلاق من دين الشعب وهو الإسلام، والتأسيس لمشهد سياسي حقيقي يعمل فيه الجميع انطلاقا من آليات صلبة عمادها احترام صوت الشعب ورفع التعليمات والتحكم في الهيآت السياسية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة وسلطها على ركائز الوضوح والشفافية وعدم التركيز وإقران كل سلطة بمسؤولية ومحاسبة.

كل هذا طبعا لن يؤتي ثماره المرجوة إلا باعتماد أسلوب سلمي ومتدرج وحواري لا يستثني أحدا وهذا ما نصطلح عليه بالميثاق.

أثير مؤخرا نقاش مغربي حول ما سمي بمشروع “مدونة الأسرة الجديد”، كان في السابق محل معارضة من طرف بعض الأطراف الإسلامية، وعلماء الدين والأئمة، في حين غيروا الآن مواقفهم منه، وكذلك الأمر بالنسبة لكم في “العدل والإحسان” التي سبق لأبنائها أن شاركوا في مسيرة تنديدية بالمشروع، مسيرة الدار البيضاء 12 مارس، بماذا تفسرون ذلك؟

أؤكد مرة أخرى بأن مشاركتنا في مسيرة 12 مارس لم تكن ضد خطة إدماج المرأة في التنمية، ولكن شاركنا للتعبير عن رفضنا للتوظيف السياسي لقضايا المرأة لتصفية حسابات ضيقة أو كسب مكاسب شخصية أو التمويه عن القضايا الحقيقية. كما أصحح بأن النقاش حول مشروع مدونة الأسرة بقي نخبويا وسريا ولم تشرك فيه كل الأطراف المعنية، وطال الإقصاء فيه فعاليات أساسية ووجهات نظر تعتبرها السلطة والحكومة مشوشة على اختياراتها وسياساتها.

أما موقفنا من هذا المشروع فسيبقى على ما كان عليه، لأننا لا نعتبره جاء بجديد، وليس في مستطاع إصلاح قانوني مهما بلغت درجة إتقانه أن يصلح الأوضاع إن لم يصحبه إصلاح في أوراش أخرى مثل القضاء والتعليم والإدارة، وإن لم يسبق هذا وذاك تأهيل للمواطن المغربي وتخليق للمؤسسات، وهذا جزء مما نسميه بالتربية، لأن هذه التربية هي التي توجد، بفضل الله سبحانه وتعالى، الإنسان القوي الأمين القادر على التفاعل مع أوراش الإصلاح هاته.

اعتقلت المصالح الأمنية مؤخرا أربعة أعضاء من جماعة العدل والإحسان بحي “الشيشان”، وقامت بمواجهة بينهم وبين معتقلين محسوبين على تيار “السلفية الجهادية” الموصوف بالعنف، وذلك على خلفية وجود علاقة بين الطرفين، ما هي خلفيات هذا الملف إذا كانت خطابات الجماعة في “العدل والإحسان” دائما تؤكد بعدها عن العنف؟

أبتدئ من حيث انتهى السؤال؛ وأؤكد مرة أخرى أن من مبادئ الجماعة الأساسية نبذ العنف، وهذا معروف لدى أعدائنا قبل أصدقائنا، لكن إصرار السلطة على إلصاق تهمة العنف بنا لا يخلو من خلفيات سيئة الغرض منها خلط الأوراق والتشويش على الرأي العام وتشويه سمعة الجماعة ، وهذا ما يجعلهم يقدمون على مثل هذه الاعتقالات العشوائية.

أما فيما يتعلق بالمواجهة بين معتقلينا الأربعة وباقي المعتقلين فإنه إجراء نظنه عاديا في إطار استكمال التحقيق، ولا يمكن الحكم عليه إلا بعد نتائجه، ومما توصلنا به أنه أسفر عن انتفاء العلاقة بينهم، مما يجعلنا نستغرب لاستمرار الاعتقال في ظل غياب أية تهمة أو قرينة.

ما هو تفسيركم للضغط المستمر على مرشد الجماعة وعائلته الشيخ عبد السلام ياسين حفظه الله؟

إن ما يتعرض له الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله من تضييق عانى منه لأزيد من ثلاثين سنة تنوع بين السجن والاحتجاز التحكمي والحصار في البيت وأخيرا الاعتداء على أفراد عائلته بحرمانهم من السفر لأداء مناسك الحج، واعتقالهم في العاشر من دجنبر 2001 ومحاكمتهم محاكمة ماراطونية مازالت فصولها مستمرة إلى اليوم، كل هذا له تفسير واحد هو كبح كلمة الحق والعلم الصافي والحركة المتئدة المتزنة التي يحملها هذا الرجل، و يعطي أيضا الانطباع بأن ذلك مجرد انتقام بعدما استعصى السيد المرشد على وسائلهم وأبى أن يرضخ لإرهابهم وإغرائهم، و”يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين”.

مرت فترة طويلة على الانتخابات التشريعية في المغرب التي نددتم بها قبل وبعد إجرائها وقلتم هي بمثابة در الرماد في العيون، ولا خير يرجى منها، الآن كيف تقيمون الوضع بصفة عامة بعد انقضاء هذه الفترة؟

الوضع الحالي، حيث هناك ركود سياسيي، وبؤس اجتماعي، وكساد اقتصادي، وبطالة منتشرة في صفوف الخريجين وغيرهم، وأمية بمختلف أنواعها ضاربة أطنابها وسط فئات عريضة من المجتمع المغربي، وحالات للتسول أصبحت تخجل كل مغربي ومغربية، هذا هو الوضع الحالي وللأسف الشديد، والذي لم تفد الانتخابات بشقيها التشريعية والبلدية في تغييره، لأنها كانت بالفعل بمثابة در الرماد في العيون. فالانتخابات في المغرب، ونظرا لطبيعة النظام القائم لم تكن في يوم من الأيام ذات طبيعة تنافسية، أي مشرعة على التنافس الحر بين الأطراف السياسية، بل الانتخابات عندنا هي الأخرى ممنوحة، شأنها شأن الدستور، فالنظام هو الذي يمنح، في هذه الانتخابات، النتائج التي شاء لمن شاء ومتى شاء وكيف شاء. وبالتالي فهذه الانتخابات من ألفها إلى يائها يراد لها أن تصب في الدعاية السياسية للنظام، وتلمع صورته، وتظهر بأنه نظام ديمقراطي، في الوقت الذي يكتوي فيه العديدون بنار تسلطه واستبداده.

وإذا كان النظام حاول بطرق شتى تصوير الانتخابات الأخيرة على أنها انتخابات مخالفة لسابقاتها، وإذا كان تموقع العديد من الفاعلين داخل الدائرة التي تحدثنا عنها آنفا، جعلهم يسايرون النظام في دعواه، ويجمعون على أن الانتخابات حرة ونزيهة، فإننا نلحظ أنه كل ما تقدم الزمن إلا وظهرت أصوات من هنا وهناك تؤكد أن الانتخابات عرفت تزويرا وتحريفا.

للأسف الشديد لم يكن في العهد الجديد من جديد إلا فيما يتعلق بأساليب الضبط والتزوير، حيث ابتكر النظام أشكالا وطرقا جديدة للضبط، منها ما هو قانوني، ومنها ما هو سياسي. وهذه حقيقة أصبح يقرها الآن مختلف الفاعلون السياسيون.

أضف إلى ذلك أنه بإلقاء نظرة على الدستور، يمكن أن نستنتج أن الانتخابات في ظل الشروط الحالية لا يعول عليها في التغيير، حتى وإن كانت حرة ونزيهة، وهذا مستحيل في ظل النظام القائم، لأن ما تفضي له الانتخابات من مؤسسات كالحكومة والبرلمان لا مصداقية لها ولا صلاحيات. فكل السلط محتكرة من طرف الملك.

كيف تقيمون علاقتكم مع الأحزاب والحركات الإسلامية في دول الجوار مثل تونس والجزائر وموريطانيا؟

علاقتنا بمختلف الأطراف، سواء داخل المغرب أو خارجه، علاقات تتفاوت من طرف إلى آخر، ولكنها والحمد لله لا تصل إلى التصادم والعداء لأننا لا نعتمد العنف أو الترهيب وسيلة لعملنا ولكننا ندعو إلى الرفق والحوار ومعالجة كل المشاكل والخلافات بالوسائل السلمية. ولأننا رجال دعوة بالأساس نحرص على تبليغ رسالتنا بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، ولا نتصور المخالف لنا عدوا ولكننا نعتبره في أسوأ الأحوال خصما سياسيا نشترك معه في حمل هم الأمة. وإرادة إصلاح أحوال العباد والبلاد أمر يجمعنا ويجب أن نفتل فيه ونقويه.

أما الحركات الإسلامية فتربطنا بها علاقات محبة وتآزر في إطار ولاية عامة أوصانا بها الله تعالى “والمومنون والمومنات بعضهم أولياء بعض”، ولكننا لا نعتبرهم امتدادا تنظيميا لنا، ولا نحن امتداد تنظيمي لهم، فلكل واحد أساليبه الدعوية الخاصة، وطريقته في العمل التي تناسب خصوصيات بلاده، ونستفيد من تجاربهم كما يستفيدون من تجاربنا. ونسأل الله تعالى لهم الفرج والتوفيق في دعائنا لهم بظهر الغيب.