ما من شك أن العفو الملكي الذي شمل بعض المعتقلين السياسيين والصحافيين، الذين شملتهم اعتقالات السنة الماضية في إطار ما يسمى بمعتقلي العهد الجديد وعلى خلفية قانون الإرهاب، قد حرك الملف الشائك الذي لا زال يلقي بظلاله على الحياة السياسية المغربية، سواء باعتبار إرث النظام الجديد لملفات العهد القديم، أو الملفات الجديدة التي جاءت في إطار متابعات السنة الماضية، وإن كان في هذه الحالة ارتبط أساسا بالاعتقالات التي شهدها الجسم الصحافي، خصوصا ملف الصحافي علي لمرابط، الذي أصبح مثل شوكة في حلق الذين كانوا وراءه. فهذا الملف أخذ أبعادا أكيد لم تخطر على بال أحد، حيث أصبحت انعكاساته السياسية على صورة النظام في الداخل والخارج خارج نطاق التحمل، بسبب نقل الملف إلى أبعاد دولية، خصوصا على الساحة الأوروبية داخل البرلمان الأوروبي والساحة الإسبانية، التي شكلت قاعدة دعم قوية للمرابط في مواجهة سجانيه، بطبيعة الحال دون أن نستثني من ذلك الملفات الأخرى، التي كان يرغب النظام في تصفيتها ضمن الهامش المسموح به في المرحلة السياسية.

فالنظام، وإن كان يعترف بثقل هذا الملف على الحياة السياسية، فإنه غير مستعد للذهاب بعيدا في إطار التصفية الكلية والنهائية له، خصوصا عدم الاقتراب مما لازال يعتبر لحد الآن خطا أحمر، وهو ملف اعتقالات بعد أحداث ماي ومخلفاتها المؤلمة.

لقد كانت أحداث 16 ماي مؤلمة من الجانبين، مؤلمة في الحدث بحد ذاته، لأنه أدخل على المجتمع المغربي معطى جديدا غريبا عنه، وهو العنف الدموي، البعيد عن طبيعة المجتمع وعن طريقة تفكيره في معالجة قضاياه السياسية، وهذه الطبيعة هي التي حمت الكغرب طوال العقود الماضية من كل الانزلاقات التي أصابت الدول الأخرى، سواء القريبة جغرفايا أوالبعيدة عنا، وكانت مؤلمة أيضا على مستوى الطريقة التي عولجت بها هذه الأحداث، والتي سترهن المستقبل الحقوقي والسياسي المغربي لسنوات طويلة قادمة، إن لم يكن لعقود، باعتبار الأحكام الثقيلة الصادرة خلال هذه المحاكمات، والتي أجمع الكثير من الحقوقيين والمنظمات المرتبطة بمجال حقوق الإنسان، أنها لم تتوفر فيها كل شروط الدفاع، وستضطر الدولة عاجلا أم آجلا للاعتراف بالجوانب المؤلمة لهذا الملف، والذي تناوله البعض بشكل محتشم خلال جلسات المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان الأخيرة، حول تحديد معايير السجين السياسي.

صحيح أن الدولة بإصدارها العفو الأخير، كانت تهدف إلى تحقيق مجموعة من الأهداف السياسية، تتجلى أساسا في استعادة بعض المشروعية التي بدأت تتآكل مع تحكم منطق الدولة والهاجس الأمني، والتي كان النظام يراهن عليها في بناء مشروعية وجوده وفق تصور جديد، يعطي الانطباع باختلافه عن ممارسات الماضي في أسلوب إدارة الدولة وقضاياها المتشعبة، وكذا إعطاء نوع من الدفع لتحقيق انفراج سياسي يمكن استغلاله إعلاميا وسياسيا لمصلحة النظام والأطراف المرتبطة به.

وكان هذا التوجه واضحا في طبيعة المفرج عنهم، دون المساس بطبيعة الحال بالثوابت، التي لازالت الدولة مصرة على تركها كأوراق في يدها، لاستعمالها في الوقت الذي تراه مناسبا. وكان هذا الأسلوب هو المعتمد دائما في معالجة الدولة لهذا الملف طوال العقود الماضية، فقد كانت تنفي وجود سجناء سياسيين، قبل أن تعود للاعتراف بذلك وفق الظرفية السياسية، التي تكون ناتجة دائما إما عن ضغوط خارجية أو من الرغبة في امتصاص حالة الاحتقان الداخلي، وهذا هو نفس السيناريو الذي تحكم في قرار الأربعاء الماضي.

صحيح أن الدولة أقدمت على خطوة مهمة بإطلاق سراح مجموعة محاكمة 1975 (سعد أحمد  خزار مصطفى) المرتبطة بملف اغتيال عمر بنجلون، وكذا مجموعة قضية وجدة 85 (حكيمي بلقاسم وعوقيل مصطفى)، لكنها لم تذهب أبعد من ذلك، بحيث إن إغلب المفرج عنهم في الملفات الأخرى كانوا قد اقتربوا من قضاء مدة عقوبتهم، وبالتالي، لم يكن هناك مانع من الإفراج عنهم، ولم تصل إلى توسيع القرار بالإفراج عن مجموعة المحاكمة العسكرية 1996 ومجموعة العدل والإحسان، التي يبدو أن المتحكم فيها أساسا هو العلاقة مع الجماعة التي ينتسبون إليها، وليس في قرار الإفراج عنهم، حيث إنه حتى داخل المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان لا يوجد خلاف في اعتبارهم سجناء رأي إلا في حدود “المتهم” مباشرة بالقتل العمد ضد طالب آخر في وجدة.

فملف العدل والإحسان لازال عالقا، ولا يساعد، بالتالي، في التقدم في تحقيق انفراج فيه، وكان واضحا من خلال العفو عن الصحافيين المرتبطين بملف عضو مجلس الإرشاد محمد العبادي، دون أن يشمل العفو هذا الأخير، أن هناك رسالة سياسية واضحة تريد الدولة إبلاغها للجماعة، وخلاصتها أن الوقت لم يحن بعد لحل هذا الملف ما دامت الجماعة لم تراجع أسلوب تعاملها مع الدولة، وخصوصا على مستوى الاعتراف لها بالشرعية الكاملة دينيا وسياسيا.

وإذا كانت الدولة قد حاولت استباق كل الأصوات التي يمكن أن ترتفع مجددا بمحدودية القرار الذي أقدمت عليه، وهو ما حاول ترويجه وزير العدل محمد بوزوبع، الذي يبدو أنه تم استيعابه من قبل مؤسسة المخزن إلى أبعد الحدود، ولم يعد يجد حرجا في تقديم تصريحات، سرعان ما تقدم المؤسسة السياسية الحاكمة على نقضها عبر قرارات عملية، وذلك عبر نفي بقاء سجناء سياسيين في المغرب، ودعوة الجمعيات والهيئات الحقوقية بإعادة النظر في مفهوم المعتقل السياسي وفق ما تنص عليه المعايير الدولية! فإن ما كانت تتخوف منه هو ما سقطت فيه بالضبط، حيث بدأت ترتفع منذ الآن بعض الأصوات من خلال اعتبار الملف “مازال مفتوحا”.

وإذا كانت الملفات المرتبطة بمحاكمة 96 والقضايا المرتبطة بمخلفات الأحداث الدامية لـ16 ماي ما تزال عالقة، فإن الملف الذي بدأ يضغط من الآن هو المرتبط أساسا بمعتقلي جماعة العدل والإحسان. فما هي الخلفيات المرتبطة بهذا الملف؟ هل الاستثناء مرتبط حقيقة بقناعة راسخة لدى الدولة بأنه ليس من حق هؤلاء التمتع بهذا العفو لعدم توفرهم على وضعية السجين السياسي، أم أن الملف أبعد من ذلك ومرتبط أساسا بالوضع الذي توجد عليه العلاقة بين الدولة وهذه الجماعة التي عادت لتكرير مواقفها من جديد، ولتنتقد في نفس الوقت الاستثناء الذي شمل سجناءها، الذين أمضوا أزيد من 14 سنة في السجن؟

هناك معطى جديد لا بد من التوقف عنده مليا، والمرتبط أساسا بالتحول الذي أحدثته في الساحة السياسية أحداث 16 ماي، والذي كانت تمظهراته الأساسية هي تقوية التحالف القائم بين الدولة والأحزاب السياسية، التي قادت المعارضة طوال العقود الماضية، وتم استيعابها عن طريق ما يسمى بحكومة التوافق، وخصوصا الشق المرتبط باليسار، وهذا التحالف قائم الآن على ضرورة تحجيم دور الحركات الإسلامية المرتبطة بالعمل السياسي، والتي تعمل في الساحة، سواء عبر استيعابها في اللعبة السياسية القائمة، أو التي تعمل في المجتمع، والكل يلاحظ الإجراءات التي اتخذت ضد حزب العدالة والتنمية لتقليم أظافره وتحجيم دوره السياسي، أو ضد جماعة العدل والإحسان والمتابعات القضائية، والتي وصلت حد متابعة عضوين في مجلس الإرشاد، محمد العبادي ونائب رئيس الدائرة السياسية عمر أمكاسو، وهو ما اعتبرته الجماعة محاولة لإرهابها والتشويش على المخلصين”.

وإذا كانت الدولة قد عالجت الشق غير المنظم من التيار المحسوب على الحركة الإسلامية بالأسلوب الذي اعتمدته بعد أحداث 16 ماي، فإنها استعملت أسلوب التضييق ومحاولة الخنق السياسي، خصوصا مع تزايد الإحساس بالقوة لدى الدولة والأجهزة الأمنية المرتبطة بها، فانعكاسات أحداث 16 ماي جعلت الدولة تشعر بعدم ضرورة الدخول في أية محاولة سياسية لاستيعاب الحركة في الواقع السياسي، أو على الأقل إبقاء العلاقة بعيدة عن منطق الصدام، بل بالعكس، فإن الهاجس الذي تحكم في هذه الوقائع وهو استغلاله لتصفية حسابات قديمة خدمة لأهداف ومصالح داخلية مرتبطة بترتيب البيت الداخلي، دون إغفال العنصر الخارجي المرتبط بالضغط الأمريكي ومخلفات 11 من شتنبر، وهذا هو المنطق الذي تحكم في علاقة الطرفين.

وبالمقابل، فإن الجماعة، التي تعتقد أنها غير معنية بما تعتبره بالاندماج في “السياسة السياسوية” التي تتحكم في الواقع السياسي المغربي، عادت من جديد، بمناسبة انعقاد الدورة الثامنة لمجلسها الوطني التابع للدائرة السياسية، وعلى لسان الناطق الرسمي باسم هذه الدائرة، عبد الواحد المتوكل، وكذا على لسان مرشدها العام، الشيخ عبد السلام ياسين، لتؤكد على ثوابت الجماعة، سواء في ما يتعلق بعلاقاتها المتوترة مع السلطة أو في نظرتها للعملية السياسية برمتها.

وهذا الخطاب القوي والحاد لن يساعد بالضرورة على دفع العلاقة مع النظام نحو الانفراج، وهو ما كرره البلاغ الصادر عقب الإعلان عن الإفراج عن المعتقلين السياسيين الأسبوع الماضي، وهو ما يؤكد، من وجهة نظرها، عدم جدية القرارات الصادرة عن النظام.

وإذا كان مرشد الجماعة في اجتماع الدائرة السياسية الأسبوع الماضي طيلة يومي 27 و28 قد حاول البقاء على مسافة من الخوض في المجال السياسي، مكتفيا بالتوجيه العام، والتذكير بثوابت الجماعة، القائمة  حسب تصريحاته- على التربية: “أوصيكم بالتربية قبل كل شيء وبعد كل شيء ومع كل شيء، وخصوصا على مستوى القيادة السياسية .. يستفزونكم للتنازل عن مبادئكم حتى تؤولوا إلى المسخ، اثبتوا وشاغلوا أنفسكم بلب الدعوة بالرفق وبالتي هي أحسن”، فإن رئيس الدائرة السياسية استعمل أسلوبا أشد صرامة، ربما استجابة لمتطلبات المنصب الذي يشغله، والذي يفرض تحديد مواقف الجماعة من القضايا التي تفتعل داخل الساحة السياسية والاجتماعية المغربية.

بل إن انتقادات عبد الواحد المتوكل شملت حتى السياسة التي انتهجتها الدولة في معالجتها لأحداث 16 ماي، وانعكاساتها السلبية على الواقع السياسي المغربي الهش، من خلال تصعيدها للقمع والاعتقالات بشكل عشوائي لضرب الحركة الإسلامية، مما يؤكد استمرار العقلية الاستبدادية المهينة للكرامة الإنسانية.

كما حمل المتوكل على العملية السياسية، من خلال انتقاده اللاذع للانتخابات والتي “لا تشكل إلى وظيفة واحدة هي تلميع وتزيين الصورة السياسية لنظام مستبد لا يطيق أية تعددية حقيقية”، وهو ما جعل الوضع الاجتماعي يزداد تدهورا، “فدار لقمان ما زالت على حالها، كساد اقتصادي وتفسخ اجتماعي وقلة من الطفيليين يعيثون في الأرض فسادا، فيما غالبية المواطنين مستضعفون يتخبطون في البطالة والفقر”.

فهل لعبت هذه النبرة الحادة دورها في معالجة الدولة لملف المعتقلين المرتبطين بالعدل والإحسان، خصوصا وأنها جاءت قبل أيام من القرار الملكي، أم أن الصدفة هي التي ربطت بين الحدثين فقط؟

كل الاحتمالات واردة، لكن الأكيد أن ملف العلاقات لازال شائكا، إن لم يكن يزداد تعقيدا، وغير مرشح للانفراج، مما يجعل بالضرورة الرغبة في طي الملف الشائك المرتبط بالاعتقال السياسي بعيدا.