حديث: “رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر” لا يثبت عند المحدثين، ولا يصح معناه، ولا ينبغي، إن قصدَ المستشهد به أن مجاهدة النفس تقوم مقام الجهاد. ذلك أن المجاهد لنفسه، المحاسِبَ لها، الحامل لها على الطاعات والإكثار من النوافل وعلى الورع والزهد والمكاره لا يعدو في أحسن الحالات إن أخلص النية أن ينتفع بالثواب في خاصة آخرته. فإن كان مع المجاهدة إرادة وتربية وصدق الوجهة إلى الله تعالى مع السابقة فيدرك المجتهد المجاهد لنفسه ما شاء الله من مراتب الصلاح والولاية والصديقية، ويخرج من الدنيا، إن ختم الله له بالحسنى، نسأل الله عز وجل لنا ذلك ولأحبابنا وإخواننا وللمومنين والمومنات، وهو صالح في نفسه.

فأصحاب المجاهدة صنفان: عُبَّاد زهاد كثيرو النوافل لا حظ لهم من الإرادة ولا رائحة عندهم من طلب وجه الله عز وجل ولا خبر عندهم من رقائق التربية وصفاء الصوفية. وصنف ثان هم الصوفية الأولون الذين تتسم طريقتهم التربوية بإمساك خِناق النفس والشدة عليها، والزهد الحسيِّ والمعنوي، والمداومة على العزلة والصمت والجوع والسهر والذكر. وعن هؤلاء الصالحين وطريقتهم نتحدث في هذه الفقرة.

لا يعدو صوفية المجاهدة رضي الله عنهم أن ينتفعوا برياضة نفوسهم وأن ينالوا المقاصد الفردية. وإن تسلّى بعضُهم بترديد حديث الجهاد الأكبر والأصغر، الذي له وجه على كل حال، فإنما يَنْصِبون خيالا يتمتعون بتأمُّله لَمّا فاتهم الجهاد الحقيقي الذي عمَرَ القرآن بذكره والإشادة به، وعمرت السنة حياةَ الصحابة عملا بانيا مؤسِّسا تجاوزت نتائجه وفضائله الأفرادَ، فبه تكونت الأمة، وبه عاشت، وعليه عزَّتْ. ونال مع ذلك به جهابذة الصحابة السابقون من المهاجرين والأنصار مراتب في الولاية والقرب من الله عز وجل ودرجات الجنة ما لا يتيسر مثله لمن جاهد نفسه لنفسه، ما تعدت حياته بالإيمان عتَبة فرديَّته.

والقول عن طريقة الشكر التي تلت في مَهْيَع التصوف طريقة المجاهدة مثلُ ذلك. في كلٍّ خير، وخيرٌ كثير رفع الله مقامَهم، لكنَّ النموذج الصحابيَّ، بوجود الصحبة النبوية العظيمة وبوجود الجهاد، هو مُرتقى طموحنا في مَهْيَع السلوك الجهادي بين يديْ الخلافة الثانية الموعودة المقصودة إن شاء الله تعالى وتقدس.

قال الإمام عبد القادر: “كل من لم يكن في بدايته صاحب مجاهدة لم يجد من الطريقة شمّة”. ويستشهد الشيخ عبد القادر بكلمة أبي عثمان المغربي رحمه الله حيث يقول: “من ظن أنه يفتح له شيء من هذه الطريقة أو يكشَف له شيء منها بغير لزوم المجاهدة فهو في غلط”. ويورد كلمة أبي علي الدقاق رحمه الله إذ يقول: “من لم تكن له في بدايته قَومةٌ لم يكن له في نهايته جَلْسَةٌ”. يقصد بالجلسة جلوس الشيخ لتربية المريدين. ويقصد بالقومة هذه النهضة القلبية الاجتهادية التي ينهضها طالب الحق بعد اليقظة والتوبة.

ولنا في كلمة “قومة” مأرب وإليها عودة عن قريب إن شاء الله.

وقد رسخت في أذهان العامة وقارئي كتب المناقِبِ وحياة الأولياء صورةٌ عن الولي الأشعث الأغبر المغرق في المجاهدة. لا يكون عندهم وليا ولا يبلغ في عرفهم العامي ذِروَة الكمال إلا من اخضرت أشداقه من أكل الربيع، ويبِس جلده على عظمه من هزال التقشف. هذا التصور الناتج عن الجهل بالدين وعن الجهل بفقه السلوك الذي اخْتُصَّ به الصوفية تحريف وانحراف نحو الرهبانية التي ما أنزل الله بها من سلطان.

كان المريد عبد القادر الجيلاني في بدايته على قدر غير قليل من التقلل والتقشف، فلما تقدم في سلوكه ونضج زرعه وطاب غرسه وبلغ درجة المعرفة لبس لباس العلماء، وهو من أكابرهم رواية ودراية وتحصيلا، وتوسع في الحلال باقتصاد أوساط الناس رحمه الله.

قال: “زرعي قد نبت وتجَمَّل، وزرعُك كلما نبتَ أُحْرِقَ، كن عاقلا! دع رياستك وتعال اقعد ههنا كواحد من الجماعة حتى ينزرع كلامي في أرض قلبك. لو كان لك عقل لقعدت في صحبتي، وقنعت مني في كل يوم بلقمة، وصبرت على خشونة كلامي. كل من كان له إيمان يثبت ويَنْبُتُ، ومن ليس له إيمان يهرُبُ مني”.

يعطي الإمام الصحبة أهميتَها، وهي في المكان الأول. لا تكون المجاهدة بدونها إلا غلُوّا في التعبد قد يكون قاطعا عن الله عز وجل من حيث لا يدري المُعانِي المُكابِدُ الذي يعتمد على جهده وعمله من دون الله، فإذا هو طريح جريح سليب قتيل على حافة الطريق. ثم يعطي الشيخ عبد القادر للمجاهدة حقها، ويضعها في نصابها بعد الصحبة فيقول: “يا قوم! أنتم تَعْدُون خلف الدنيا حتى تعطيَكم، وهي تعدو خلفَ أولياء الله حتى تُعْطيَهم. تَقِفُ بين أيديهم ورأسُها مُطَأطَأٌ.

“اضرب نفسك بصَمْصامةِ التوحيد، والبَسْ لها خَوْذَةَ التوفيق. خُذْ لها رمح المجاهدة وتُرْسَ التقوى وسيف اليَقين. فتارَةً مُطاعَنَة، وتارة مُضارَبَةٌ. ولا تزال كذلك حتى تذِلَّ لك وتصير راكبا لها : لجامها بيدك، تسافر بها بَرّاً وبحرا”.

لاحِظْ استعماله رضي الله عنه ألفاظ القتال وأدواته من مطاعنة وضرب وصمصامة ورمح وترس. وهيهات يبلغ المِثْلُ الممثَّلَ به إن كان مع سائق الدولة ومدبِّر الاقتصاد وقائد جند الله المجاهدين في سبيل الله الداعين إلى الله المتقدمين إلى موعود الله مثْلُ ما كان عند الأبرار الأخيار الفارين بدينهم من حب الله والغيرة على دين الله والحرص على سنة رسول الله وإِرادة القرب من الله ورفع الهمة إلى الله، ثم زادُوا عليهم بما كان مع الصحابة من نية الجهاد، وممارسة الجهاد، والصبر على الجهاد.