رب عمر اتسعت آماده، وقلت أمداده. ورب عمر قليلة آماده، كثيرة أمداده.

أي رب عمر لشخص اتسعت آماده -بالمد جمع أمد كسبب وأسباب- أي اتسع زمنه حتى طال، وقلت أمداده -بفتح الهمز جمع مدد- أي فوائده، بأن كان الشخص من الغافلين. ورب عمر لشخص آخر قليلة آماده كثيرة أمداده؛ بأن كان من الذاكرين. كما وضح ذلك بقوله:

من بورك له في عمره أدرك في يسير من الزمن من منن الله تعالى ما لا يدخل تحت دوائر العبارة، ولا تلحقه الإشارة.

يعني أن من بورك له في عمره بأن رزق من الفطنة واليقظة ما يحمله على اغتنام الأوقات، وانتهاز فرصة الإمكان خشية الفوات، فبادر إلى الأعمال القلبية والبدنية، واستفرغ في ذلك مجهوده بالكلية، أدرك في يسير من الزمن من المنن الإلـهية والمعارف الربانية ما لا يدخل تحت دوائر العبارة لقصورها عن الإحاطة به، ولا تلحقه الإشارة إليه لعلوه في مقامه ومنصبه، فيرتفع له في كل ليلة من لياليه من الأعمال الصالحة ما لا يرتفع لغيره في ألف شهر، فتكون لياليه كلها بمنزلة ليلة القدر. كما قال أبو العباس المرسي: أوقاتنا والحمد لله كلها ليلة القدر. فالعبرة بالبركة بالعمر لا بطوله. وعلى هذا يحمل حديث: “البر يزيد في العمر” فإن المراد البركة فيه، بحيث يفعل فيه من الخيرات ما لا يفعله غيره في الأزمنة الطويلة الخالية من البركات.

الخذلان كل الخذلان أن تتفرغ من الشواغل ثم لا تتوجه إليه، وتقل عوائقك ثم لا ترحل إليه.

يعني أن الخذلان التام المؤكد أن تتفرغ من الشواغل، بأن كان عندك ما يكفيك من الدنيا الدنية، ثم لا تتوجه إليه بالاشتغال بما يقربك إلى حضرته القدسية. وتقل عوائقك التي تنقلك عن الإقبال عليه، ثم لا ترحل بكامل توجهاتك إليه.

قال الإمام القشيري: فراغ القلب من الأشغال نعمة عظيمة، فإذا كفر عبد هذه النعمة بأن فتح على نفسه باب الهوى، وانجر في قياد الشهوات، شوش الله عليه نعمة قلبه، وسلبه ما كان يجد من صفاء لبه.

الفكرة سير القلب في ميادين الأغيار.

يعني أن الفكرة المأمورين بها إنما هي سير القلب -أي جولانه- في مشاهدة الأغيار -أي المخلوقات الشبيهة بالميادين في الاتساع- قال تعالى: “قُلُ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ” يونس، الآية 101. ونحو ذلك من الآيات الدالة على التفكر والنظر في عجائب المخلوقات. وأما التفكر في ذات الله فإنه منهي عنه، لأنه لا تحيط به الفكرة. فإذا تفكر العبد في وجود المخلوقات هداه ذلك إلى وجود موجدهم، وهذا تفكر العامة. وإذا تفكر في الدنيا وقلة وفائها للطالبين ازداد تباعداً عنها، وهذا تفكر الزاهدين. وإذا تفكر في الحسنات وما يترتب عليها فعلها وازداد رغبة فيها، أو في السيآت وما يترتب عليها تركها ظاهرها وخافيها، وهذا تفكر العابدين التجار. وإذا تفكر في توارد النعم ازداد محبة في المنعم بها، وهذا تفكر العارفين الأحرار.‏