يعج تاريخ الإسلام برجال الدعوة، وكل من نهض لدعوة ادعى أنه أهدي سبيلا من عزيمه. فإن كان طالب دنيا وسلطان اظهر أنه ناصر الإسلام ومثبت أركانه، وإن كان من علماء الشرع قارع خصومه بالنصوص والحجة ليظهر حقه على باطل خصومه، وإن كان صوفيا أو شيعيا عرض حقه مرتبطا بقضية وراثة وتبعية.

وقد لعبت الفتنة التاريخية المشجعة للفوضى دورا مهما في تكثيف الفتنة المرتبطة بالإنسان وسلوكه في العالم، فلا يزداد الإسلام في عين الناس إلا استغلاقا وقتامة. ومن يفكر للإسلام اليوم يعرض قرآن الله على تاريخ الأمة، ثم يعرض تاريخ الأمة على نموذج الإسلام الخالد فلا يتبين شيئا.

والناس اتباع لنخبة تملك صولة الملك وبرهان العقل وهيبة التقوى، فإن نحن حاولنا تحليل عقلية القادة والعلماء والصوفية على ضوء المنهاج النبوي فإننا نقترب من فهم اسلامنا والتعرف على شظاياه، وفي نفس الوقت نملك ثقة بالإسلام تمكننا من جمع تلك الشظايا. وقد ذكرنا في الفقرة السابقة حق أرباب القلوب وحق أرباب العقول، فلنقرنهم هنا بأرباب السلطة لنرى أين الحق وأنى تسرب، وكيف صدت الفتنة المسلمين عن اقتحام العقبة، لكي نجدد لنا علما منهاجيا وإرادة إيمانية إحسانية.

دعوة أصحاب السلطان في الإسلام كانت تقوم على مهدية ترجع الحق إلى نصابه. هذا معاوية بن أبي سفيان طلب حق القصاص للخليفة المقتول، والعباسيون طلبوا حقهم في قيادة الأمة لقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومثلهم الفاطميون وهلم جرا. وبعد الانتصار العسكري تقوم الدولة العاضة وتتبخر الدعوة وتتلاشى مع الأجيال، حتى تدول الدولة وتذهب ريحها. وحتى الدعوات الجهادية كدعوة يوسف بن تاشفين لا تخلف إلا دولة دائلة، لأن عوامل التفتيت النفسي تخرب رجال السلطان وتورثهم مع الأجيال رخاوة في الجسم وانحلالا في الخلق، يرث ذلك منهم صاغر عن كابر.

ودعوة علماء الشريعة دعوة لا تتصل بالمدعوين إلا من خلال الأوراق أو من على أعواد المنابر. فلهم مهديتهم يتوارثونها، ولهم “كبرياء العلم”، والعبارة شاهدة بتناقض شطريها على أن عقبة الفتنة يقف العلماء من ذوي الطيالسة والكبرياء العلمي عند أول خطوة فيها، فهم عند أنانيتهم لا يبرحون. وإن عممت فما قصدت الاستقراء، لكن قصدت وصف ظاهرة بينة جدا.

أما دعوة الصوفية فهي دعوة الرباني المتواضع الذاكر الخاشع، لكنها دعوة تورث كما يورث الملك. وكما يكون من رجولة مؤسسي الدولة شاهد على فسولة خلفهم المربي في الحرير فكذلك يكون كمال مؤسسي الطرق الصوفية شاهد على قصور أخلافهم لنفس السبب، وهو أن المال والجاه يستغنى بهما المرء فيطغى، ويهيئان له حياة الدعة والاسترخاء. فرجل السلطة الوارث لدولته ينهب اللذات ويتأله في الأرض، ورجل الزاوية ينوء يحمل العطاء الوارد ويسترخي مع عاداته إن استطاع اقتحام عقبة أنانيته وغفلته. وغالبا ما تجتمع الثلاثة فيقعد المتصوف الدعي بمكان أخزى من موقع العالم المتكبر.

ويمسخ العالم المتكبر دودة قارئة متملقة بنفس السهولة التي يتحول بها وارث التصوف بالوراثة النسلية الجسمية عن سنة أبيه أو جده إلى مذهب من يبتزون المال ويبيعون المحال.

ولعل علماء الشريعة أنجى الفرق وأقربها للسلامة، وذلك لسببين أحدهما نفسي والآخر سلوكي. فأما السبب السلوكي فهو أن علاقة عالم الشريعة بالمجتمع هي علاقة مصلحة متبادلة قبل كل شيء، فهو القاضي وهو المفتي وهو الواعظ وإمام الجمعة. ويبقى بعد ذلك منفردا لا يجمع جماعة، ولا يأخذ من الناس أتاوة، إلا ما جاء عفوا من تحلق طلاب العلم في داره بعد تحلقهم عليه في المدرسة مأجورا أو متطوعا، وإلا ما ينفحه من يعظمون العلم والعلماء. وللعلماء في عين المسلمين جلال وهيبة، إلا أن من يغشون بابه قليل لأنه لا يهب شيئا غير علمه ولا يعرض بضاعة غير وعظه، فهو لا يخوض في الحقائق ولا كرامة له أو بركة يدعيها، فذلك الشبب النفسي لنجاته. بضاعته تقيم على وجها ولا تقيم حظوة الدنيا وبركة الروح، بل تقدر أن تقديرا فيعرض ذلك للغبن.

أم رجل الدولة، وأما المتصوف بعد الصوفي، فهما يجمعان الناس، وهما يأخذان الأتاوة. ذلك يصلت يف القمع ويلوح بالجوزاء والغنائم والمراتب فيقبل عليه الناس رغبا ورهيا. وهذا كان أبوه داعيا إلى الله له نور وصدق يصيب الله بهما من أحبه وصحبه لمكانه من الله الذي تولاه. وكان يجتمع عليه الزائرون، وكان يقطن في راويته ورباطه المريدون ولا بد لكل جمع عابر أو ثاو من مبيت وطعام، فيأتي الناس بدريهماتهم ينثرونها في صدقة المسلمين، ويرث الإبن والحفيد الزاوية وقد نشأت فيها عادات، فمهما كان ابن الشيخ وحفيده رجل صدق وروجانية فإنه ضحية تربيته مثل الأمير سواء بسواء.

إن الأمير كلف نفسه عناء الخروج من بطن أمه كما يعبرون، فهو من المهد يوطأ لهم الفراس وتتهافت حوله الأماني كتهافت الخدم والحشم، وتقبل يده ورجله، ويتملقه ديدان القراء ومن يشبههم فيغذون أنانيته، ويترفونه في الغفلة واللهو. وماذا يكون من تلقي مثل هذه التربية؟ إنه ضحية مثل أمير الزاوية، بل إن هذا أجدر أن يُسِف أكثر من صاحبه لولا صحبة المريدين. أمير الدولة تخدمه أيد أجيرة وتحوم حوله أحلام معلولة بعلة تقبل النفاق. أما أمير الزاوية فتخدمه أيد صادقة وتعظمه وتحبه قلوب تعرف قدر البركة لأنها أصابتها وأخرى سمعت بالبركة وكرامات الولي فصدقت بالسمع وقبلت رجل الصبي ويده.

الأميران يرزحان تحت عبء الجاه والمال، والجاه والمال هما رافدا السلطان، فيتنكر أمير القصر للقرآن ووازعه، ويضل أمير الزاوية عن قرآنه بين لهوه إن انقلب لاعبا أو بدأ مشعوذا وبين أمواله يجمعها لبدا. فإن لم يضل هذا عن قرآنه قرآه قراءة تعبد وانعزال، وإن لم يتنكر ذاك وحصلت المعجزة، فما حديثه عن القرآن إلا حديث هاو غاو.

فمن هذا التحليل نتعرف على الانشقاق الثلاثي، ومنه نلمح طبع العقبة وشكلها وطريق اقتحامها ليجتمع لنا وازعا القرآن والسلطان في قيادة جهادية تجدد أمر هذه الأمة غدا. وقد نظرنا إلى منحدر التدهور التاريخي في قادته من أسفل، فلننظر إليها الآن من أعلى، من رأس الأمر ومنبعه لنجلو الرؤية، ونخرج بمعيار إنساني لرجل الدعوة، للداعي إلى الله السليم من وباء الأنانية ورهق الوراثة الشكلية وما يتبعها من المعوقات النفسية.

الداعي إلى الله، قبل أن تستحدت المصطلحات، وقبل أن تعمل عوامل التعرية التاريخية عملها في فتنة الصحبة والذكر والصدق، هو النبي والرسول، أو هو الوراث الكامل من هذه الأمة التي ختمت عليها النبوة والرسالة.

المحجة البيضاء دلنا عليها صاحبها عليه الصلاة والسلام بسلوك، ودلنا عليها ربنا بحكاية هذا السلوك النبوي المنهاجي، وبالتعلم والهداية للأسوة الحسنة. قال الله عز وجل لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم “قل هذه سبيلي ادعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعتني” فهذا يهدينا إلى أن الداعين إلى الله من هذه الأمة أشخاص يبتعثهم الله بعد نبيه فيتبعون النبي حتى يعطيهم الأتباع نورانية وبصيرة بها وعليها يدعون الناس إلى الله. وهذا أيضا يهدينا لنعلم طبيعة الدعوة الصادقة وغايتها، لأنها دعوة إلى الله وليست دعوة لعصبية ولا لطائفية. إنها دعوة موحدة تجمع المسلمين على الله يطلبون رضاه وجنته. وطلب الله وجنته طلب للغيب، فإن الله غيب وجنته غيب. والغيب لا يدرك إلا بالبصيرة فلذلك نعرف صدق الدعوة من وجود البصيرة وآثارها في هذه الكرامات التي تحكى معجزات الأنبياء وفي هذا الإيمان الذي يحمل صاحبه فيتجرد من الدنيا تعرضا لرضى الله وجنته. وهذا يشير للصوفية وصحبتهم، لشيخهم وكراماته، ونورانيته وزكاته.

ولا بد للمصحوب الداعي إلى الله على بصيرة أن يكون له من رسوله ميراث يؤهله ليكون تعبيرا بشريا للثقلين كتاب الله وسنة نبيه. فكمال ميراثه أن يكون من آل البيت الذين أمرنا أن نحبهم ونتبعهم. وقد رأى الشيعة أن آل البيت هم الإمام مولانا علي عليه السلام وبنوه، ولا يشك في هذا مسلم، ولا يقصر عن محبتهم إلا محروم. بيد أن سنة الله في الكون أن تسري الهداية بالميراث الروحي كما تسري خصائص الجسم بالتناسل البيولوجي. ويسرى من المصحوب المقبور لتابعه نوارنية ولا شك، إلا أنها لا تبلغ أبدا أن تعطيه الميلاد الروحي الذي يوجدك في عالم لا تولد فيه إن لم تكن لك أبوة، وإن لم تزرع في أرض نفسك فحولة الأب الروحي بذرة الحياة.

فآل البيت الداعون إلى الله الضروريون لتجديد الإيمان هم ورثة الكمال الروحي، لا يغني عن وجودهم أصحاب القبور أبدا، ولا يتأهل لوظيفتهم من انتسب بالجسم دون الروح. وتربي الروح فتدل بنورانيتها على أهليتها لحمل الرسالة وميراثها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر مما تدل بإسناد مشايخها. أما النسبة الجسمية فسلسلة الآباء والأجداد الطاهرين ذكر حسن ومغرس طيب، لكنها لا تخرج بصاحبها عن مرتبة العوام أو يصحب كاملا يحييه من موات.

آل البيت هم أهل القربي الذين سألنا الله ورسوله أن نوادهم ونحبهم، وهم من بلغ مرتبة سلمان بروحانيته فانتسب لرسول الله بالروح نسبة كاملة أو جمع إلى ذلك نسب الجسد فأضاف طهرا إلى طهر. وهذا يشير إلى الصحبة، واستمرارها، وإلى المحبة، وكل ذلك عند الصوفية الصادقين.

وطريق التربية الروحية هو المحجة البيضاء، في أول عتبتها صحبة وفي العتبة الثانية ذكر وتسبيح. وما بعث الله النبيئين والرسل إلا وهم مسبحون. فسيدنا يونس “التقمه الحوت وهو مليم، فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون”. وسيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره الله أن يسبح وأمرنا معه مالم يأمر بغيره. قال تعالى : “سبح اسم ربك الأعلى”. ونحن نتأسى بالرسل كما أمرنا الله. فيخبرنا القرآن أن التأسي والأتباع لا يتأتى إلا لمن ذكر الله كثيرا : لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا”.

والذاكرون الله كثيرا هم جماعة الصوفية خاصة، أما الآخرون فمنهم من يزعم أن الذكر ذكر بالقلب لا باللسان، وماذا نفعل بأمر الله لنا أن نسبح ؟ ثم إن تخصيص القرآن للذكر والتسبيح بالإسم دليل على منهاج التربية الصوفية كان المنكرين لا يقرأون القرآن وخليق بمن يجهل الغيب ولا يرجو الدار الآخرة انتظارا أن يعرض عنه القرآن بإعراضه عن ذكر ربه.

الصحبة والذكر لهما مؤهلات تتألق في صفائها عند الشيخ الصوفي الكامل، ويشرق نورهما على الاتباع فينم عن حق محير ضائع بين رجال الطروس وأصحاب الذوق والكؤوس. فهما الحزبان المتلازمان المتشاكيان المتعاديان. وبينهما انفرط العقد ودبت الوحشة. علماء الشريعة يريدون سلوكا شرعيا على ظاهر الكتاب والسنة، فهم حماة الإسلام. ويجيء أصحاب الذوق فيتحدثون عما وراء الإسلام، يتحدثون عن حلاوة الإيمان وعن كمال الإحسان، وهما ماهيتان يجعلهما رجل الأوراق جهلا وإن كان يقرأ القرآن وينطح في تلاوته ألفاظا لا مدلول لها في قاموسه إلا مدلولا منقولا وشكلا مقبولا.

إن ظاهر الإسلام هو شاطئ الأمان. وإن جذب الصوفية وغلبة عاطفتهم المحبة الذائقة للإيمان والإحسان لأمر تفزع منه قلوب العامة حتى ولو كانوا مفتين وكبراء. ولا حق للصوفية في إفشاء ما يفشونه لولا أن الجذب والحال، وهذه القشعريرة ولين الجلود شؤون لا يستجلبها المريد الصادق، وإنما ترد فتغلب. ويشمئز منها علماء الشرع ويشهرون الرقص الصوفي ويشنعونه، ولهم الحق إذ لا يعرفون الحال إلا عيونا جاحظة وهيئة مزرية لا تدري أجنون هو أم فنون للنصب والكذب. اترك الصادق يغالب حاله وتعال أنبئك بما أنبأك به من قبلي أمثال الغزالي الإمام الفحل رضي الله عنه.

إن ابتداعات المتصوفة التي اخفت عنك صدق الصادقين، وإن اصطلاحات الصوفية المتراكمة على الأيام تخفي وراءها حقيقة الحياة الأبدية. وضروري للمسلمين في يوم انبعاثهم أن يرقوا من المصطلحات وكل المظاهر الموروثة إلى سمت الصحابة واقتصادهم وتؤدتهم لكي يفتحوا بابا كان مغلقا شديدة مسالكه وعرة عطابة. أنه باب الوصول إلى الله رب الرحمة والمحبة. إنك أخي والله إن عبرت هذه الدنيا ولم تطلب كمالك لرجل مغبون غبنا لا يقاس. وإنك إن طغت عليك أنانيتك وعقلانيتك وعادتك فما تعلم أي جحيم تعيش فيه في الدنيا قبل الآخرة، ولن تعلمه حتى تصحب كاملا كما صحبنا، ولله المنة وله الحمد.

إن ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم والنبيئين حق مقسم لك منه نصيب إن تعرضت. وما تتعرض بعبادتك وحدها وعلماك إلا لمقام الإسلام، والإيمان، أما الإحسان فاطلبه عند داع إلى الله صاحب بصيرة. فمن هذا الداعي ومنك نفسك يبدأ بعث الإسلام. فإن كان الداعي وارث نبوة ذلك على خلاصك الفردي وأوصلك إلى مقام الرجال، وإن كان وارث رسالة ونبوة معا أهاب بك إلى الرباط لتجاهد في سبيل الله وتموت موتة معنوية تحررك لتكون في الدنيا حامل رسالة رسولك صلى الله عليه وسلم، ولتكون في الآخرة عند ربك في مقعد الصدق بعد أن تقربت إليه في الدنيا بالفرض والنفل حتى أحبك، فكان سمعك وبصرك، ويدك ورجلك. وما يدلك دعاة الإسلام إلا على عمل هل يوصلك إلى غاية حتى لأن من ليس داعيا إلى الله على بصيرة ووراثة بالسلوك إلى سيده والعبودية بين يديه. لا يعرف ذلك ولو كان يدعو لفرض ونفل مع دعوته لاسلامه الفكري. ولن يتم بعث الإسلام إلا باكتمال الدعوة اسلاما وايمانا واحسانا. وذلك هو المنهاج النبوي الذي نسيه الناس، وحفظه لك الصوفية بشرى من رسولك خالدة.