اعتبر الرئيس السابق للجمعية المغربية لحقوق الإنسان أن العفو الأخير لم يكن موضوعيا ولا يعبر عن اقتناع من طرف الدولة لطي ملف الاعتقال السياسي وخلق انفراج سياسي. وقال إن مفهوم الاعتقال السياسي لم يرد له تعريف في القوانين المغربية لكن ورد ذكر للجرائم السياسية في عدة نصوص في بعض القوانين المغربية.

كيف تقرأ العفو الأخير على مجموعة من المعتقلين؟ وهل يمكن اعتباره اقتناعا من الدولة لطي ملف الاعتقال السياسي وخلق انفراج سياسي؟

لا يمكن لأي أحد إلا أن يرحب بأي عفو يصدر على ما يمكن أن يعتبروا معتقلين سياسيين، لكن الملاحظ بالنسبة لهذا العفو الأخير أنه لم يكن موضوعيا، بمعنى أنه شمل بعض المحكوم عليهم في جرائم اغتيال، وإن كانت جرائم اغتيال سياسية، إنما لم يشمل آخرين اتهموا وحوكموا بنفس طبيعة الجرائم. المفارقة الثانية أنه تم العفو عن بعض معتقلي الرأي بينما لم يعف عن معتقلي رأي آخرين، مثل الأستاذ محمد العبادي الذي تم العفو عن ثلاثة صحفيين كانوا متهمين معه وحكم عليهم ابتدائيا بالإدانة بينما استثني هو مع أن ما نسب إليه يعتبر تهما تتعلق بحرية الرأي والتعبير.

لا أعتقد أن العفو يعبر عن اقتناع من طرف الدولة لطي ملف الاعتقال السياسي وخلق انفراج سياسي، لأن العفو إن كانت له أهمية فهي جزئية ونسبية. فطي ملف الاعتقال السياسي وخلق انفراج سياسي يتطلب مبادرة ومواقف وإجراءات أساسية يجب أن تقوم بها الدولة والحكم السياسي. من بينها أولا تصفية ملفات جميع الانتهاكات الجسيمة التي عرفها المغرب منذ الاستقلال والتي لم تُصَفَّ لحد الآن، مثل الاختفاء القسري والاختطافات والتعذيب والاغتيالات والتي تعتبر جرم دولة، ففي مناسبات وظروف معينة تدعي الدولة أنها ستصفي هذه الملفات، لكنها تظل مجرد وعود لا تتحقق، ونحن نتذكر أنه في سنة 1998 صرح الحكم بأنه سيصفي ملفات حقوق الإنسان خلال ستة أشهر، وأعطيت إشارة للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان. ومرت هذه الأشهر، وفي أكتوبر أو أبريل من نفس السنة كان المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان قد عقد ندوة صحافية وقدم بيانات حول ما سماه بتصفية ملف حقوق الإنسان، لكن كل ذلك لم يكن له علاقة بطي الملف. فقد كشف عن بعض الوفيات والاختطافات، لكن لم يحدد ملابساتها وتواريخها ومرتكبيها ومصير العديد من المعتقلين السياسيين، كل ما قدم كان عبارة عن “حقائق” جزئية وفضفاضة.

الانفراج السياسي يتطلب عدة مقومات، منها حل المسألة الدستورية وانتقال ديمقراطي حقيقي وإطلاق كافة المعتقلين السياسيين وضمان الحريات العامة وسيادة القانون واستقلال حقيقي للقضاء.

بعد العفو، عاد مفهوم الاعتقال السياسي إلى الواجهة، وتعالت عدة أصوات بضرورة إعادة النظر في مفهوم الاعتقال السياسي، كما طالب بذلك وزير العدل نفسه. كيف تحددون كفاعل حقوقي مفهوم الاعتقال السياسي؟

مفهوم الاعتقال السياسي لم يرد له تعريف في القوانين المغربية ولا يرد له مفهوم في المواثيق والقوانين الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان. لكن عبارة أو كلمة الاعتقال السياسي أو الجرائم السياسية ورد لها ذكر في القانون المغربي. وفي ما يخص غياب تعريف للاعتقال السياسي، فإنه راجع إلى كون النصوص القانونية لا تتوخى في الغالب التعريفات وتهتم بتحديد أركان الجرائم. أما الذي تولى تعريف وتحديد مفهوم الاعتقال السياسي والجريمة السياسية فهو الفقه القانوني. وينقسم الفقهاء في هذا الشأن إلى قسمين، منهم من يستعمل المعيار الذاتي ومنهم من يستعمل المعيار الموضوعي.

بالنسبة للفقهاء الذين يستعملون المعيار الذاتي، يقولون بأن الجريمة السياسية، والمعتقل السياسي المرتكب لها، هي الجريمة التي يكون الدافع إليها والغاية من ارتكابها مرتبطا بغايات سياسية وهو معيار واسع. فكل من كان دافعه إلى ارتكاب جريمة أهداف سياسية (الجريمة تشمل الجنايات والجنح والمخالفات) اعتبرت الجريمة التي ارتكبها سياسية، كيفما كان ضحية الجريمة، سواء له صفة سياسية أو لا. بالنسبة للمعيار الموضوعي، فيحدد الجريمة السياسية في كل جريمة كانت موجهة ضد الدولة وأجهزتها، أي عندما يكون موضوعها السلطة. وكما تلاحظون فالمعيار الذاتي أوسع.

وبالنسبة للقانون المغربي؟

قلت بأنه لا يوجد تعريف للجرائم السياسية في القانون المغربي، لكن ورد ذكر للجرائم السياسية في عدة نصوص في بعض القوانين المغربية. ونلاحظ أن المشرع المغربي يتجه إلى إلغاء هذه النصوص. فقد ورد ذكر للجرائم السياسية على مستوى اللجوء السياسي. فالقانون المغربي (ظهير صدر في 8/11/1958) لا يسمح بتسليم أي أجنبي موجود في المغرب إلى دولة أجنبية إذا كان مطلوبا في تهم أو جنايات لها صبغة سياسية، وهنا يعترف المغرب بالجرائم السياسية، أو إذا كان المطلوب لغايات سياسية، هذا بالإضافة إلى المواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب والتي تمنع تسليم اللاجئين إلى دولة أخرى إذا كانت ستتم محاكمته بطريقة غير عادلة أو سيتعرض للتعذيب.

كذلك ورد في قانون السجون ذكر للجرائم السياسية. فالظهير الصادر أيام الاستعمار عند تنفيذ العقوبة على اعتبار أنه لا يمكن أن نساوي بين “المجرم” السياسي والمجرم العادي. ومن هذه الامتيازات التي نص عليها هذا الظهير تخصيص جناح خاص للمعتقلين السياسيين واستفرادهم باللباس المدني وليس لباس السجن وعدم إلزامهم بالعمل داخل السجن. لكن مع الأسف في عهد الاستقلال، تم إصدار قانون جديد للسجون ألغى هذه الامتيازات. وهنا لا نعرف هل نتقدم أم نتأخر في المغرب.

كما يوجد في المسطرة الجنائية ذكر للجرائم السياسية، سواء في المسطرة القديمة أو الجديدة. وهنا سنلاحظ بأن هناك تراجعا في المفهوم وإلغاء بعض الامتيازات التي كان يتمتع بها مرتكبو الجنح أو الجرائم السياسية. فقد كان هناك نص في الفصل 96 من قانون المسطرة الجنائية، الذي حصلت فيه تغييرات، ينص على أن الجنح ذات الصبغة السياسية ولو ارتكبت في حالة تلبس لا يجوز الاعتقال فيها، أي أن يقدم مرتكبوها إلى المحكمة في حالة سراح ولا يمكن اعتقالهم إلا عندما يصبح الحكم بالإدانة بالحبس نهائيا. هذا الامتياز أيضا أزيل في تعديلات لاحقة مما يعد تراجعا. كما أن المسطرة الجنائية، سواء القديمة أو الجديدة، لا تنص على تطبيق الإكراه البدني على المحكوم عليهم في جرائم أو جنح سياسية. وهو ما يعد اعترافا من طرف المغرب بالجرائم والجنح السياسية.

إذن، الجريمة السياسية مذكورة في القانون المغربي، لكن يظهر أن هناك اتجاها لإلغاء الجرائم السياسية.

وهل هناك اختلاف بين معتقل الرأي والمعتقل السياسي؟

المعتقل السياسي بصفة عامة هو من يرتكب جريمة سياسية بدوافع وغايات سياسية صاحبها العنف أم لم يصاحبها. وتتعلق غالبا بالمس بأمن الدولة الداخلي أو المظاهرات التي يتواجه فيها المواطنون أفرادا أو جماعات مع الدولة ويحمل معتقلوها الصبغة السياسية.

جرائم الرأي هي جرائم سياسية، لكن من هو مرتكبها؟ فمن المفروض، حسب الدستور والمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، أن حرية الرأي والتعبير والعقدية والانتساب إلى الأحزاب والجمعيات… مضمونة. وبالتالي، فحسب هذا المفهوم لا يمكن أن تكون حرية الرأي والتعبير جريمة، بل إن الجريمة هي من يعتدي على هذه الحرية. فإذا عبر شخص عن رأيه في قضايا سياسية أو اجتماعية ووقع اعتقاله وحوكم يعتبر معتقل رأي ويعتبر من اعتقله وحاكمه هو من ارتكب جريمة. ولا يتصور أن تكون هناك جريمة رأي إلا في قضايا الصحافة وقضايا القذف والسب. ومع ذلك، فالمشرع لا يعاقب على جرائم القذف في حق الدولة ومؤسساتها إذا أثبت المنسوب إليه القذف صحة ما ينسبه إلى إدارة أو مسؤول ما أثناء قيامه بمهامه كاتهام وزير بالاختلاس أو الارتشاء أو تبذير الأموال العامة.

يمكن القول إن معتقل الرأي هو الذي لا يستعمل العنف في ارتكاب أفعاله ولا يحاسب إلا إذا تجاوز رأيه النقد المباح ولا يصل إلى حد القذف. هذا غير موجود في الواقع المغربي. فالكثير من الأشخاص عوقبوا بسبب تعبيرهم عن رأيهم اتجاه مواقف الدولة. فلا يمكن معاقبة الشخص لتعبيره عن رأيه ولو كان لاذعا. فمن حقه أن يبين موقفه من نظام سياسي معين كأن يقول إنه يحبذ النظام الجمهوري عوض الملكي لأسباب معينة أو العكس. لكن في البلاد غير الديمقراطية، يصبح النقد المباح ضد مسؤول أو رئيس الدولة يعاقب عليه خاصة أن قضاءنا غير مستقل.

أنتم كحقوقيين عندما تطرح عليكم قضايا وملفات ما هي المعايير التي تتوسلون إليها لتحديد وتصنيف معتقل الرأي والمعتقل السياسي؟

معتقل الرأي هو من يعتقل من أجل رأيه دون استعماله للعنف. وهناك معتقلو الرأي الذين يتجاوزون الحدود ويصلون إلى حد القذف في مواجهة الدولة أو المؤسسات العمومية. بالنسبة لقضية المعتقلين الذين يستعملون العنف، كالقتل والاغتيال ..، فقد طرحت على الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وهي قضية دقيقة كان فيها نقاش. فمرتكب العنف بدوافع سياسية يعتبر معتقلا سياسيا، لكننا فرقنا بين الذين استعملوا العنف في مواجهة النظام أو الدولة، وهؤلاء اعتبرناهم معتقلين سياسيين، وبين الذين ارتكبوا العنف لدوافع سياسية ولكن ضد المواطنين، مثل الإرهابيين، هؤلاء اعتبرتهم الجمعية معتقلين سياسيين لكن لم تتبناهم.

في رأيك ما هو الدافع وراء مطالبة وزير العدل بتحديد مفهوم الاعتقال السياسي؟

لم أستمع لما قاله وزير العدل، ولكن مفهوم الاعتقال السياسي يحدده الفقهاء وأعطيت مثالا حول ذلك. والمشرع المغربي يتبنى المعيار الذاتي فيما يخص الجرائم السياسية والمعتقل السياسي. وأنا ضد إزالة هذه المفاهيم من التشريع المغربي، لأنه أردنا أم لم نرد، فهذا تعريف فقهي متعارف عليه عالميا وهناك من يضبط تعريف الاعتقال السياسي ويعطي امتيازات للمعتقلين السياسيين. فحتى لو كان بعض المعتقلين يحاكمون في قضايا تتعلق بأمن الدولة الداخلي ونتيجة استعمالهم العنف، فإن دوافعهم تظل سياسية. ومن الغريب أن المعتقل السياسي في المغرب لا يتمتع بأي امتياز بالمغرب على خلاف ما يسمى بالامتياز القضائي وامتياز بعض رجال السلطة. والمغرب يتشدد ضد مرتكبي الجرائم السياسية أكثر من تشدده ضد مرتكبي الجرائم العادية، سواء على مستوى البحث، حيث كانت تزور لهم المحاضر ويعذبون ووقعت عدة اغتيالات واختطافات في حقهم.

الذين تم استثناؤهم من العفو الأخير، ألا ينطبق عليهم مفهوم الاعتقال السياسي؟

هؤلاء معتقلون سياسيون، لكن استثناءهم هو الذي خضع لاعتبارات سياسية مثلما وقع لمحمد العبادي من “العدل والإحسان” الذي يعتبر فقط مشاركا، بينما الذي نشر المقال هو الذي يعد المتهم الرئيسي، لكن جرى استثناؤه لأن الدوافع السياسية والكواليس والتنازلات والضغوطات هي التي تتحكم في العفو، لكن مع الأسف منذ الاستقلال لحد الآن لم يتحمل البرلمان مسؤوليته لأنه يمكنه أن يصدر العفو الشامل، فبقي العفو الخاص بيد الملك مضاف إليه العفو الشامل.

لماذا لم يمارس البرلمان لحد الآن حقه في إصدار العفو الشامل؟

لأن البرلمان لا يمثل الإرادة الشعبية، وكافة البرلمانات التي تعاقبت كانت وما زالت صنيعة الحكم. فهي مدينة له ولا يمكن لها أن تصدر عفوا شاملا عن أشخاص منسوب إليهم معارضتهم للحكم، ورغم الطلبات التي قدمتها الجمعيات الحقوقية مرارا في هذا الشأن، لم يستجب البرلمان لهذه الطلبات.

استثناء محمد العبادي وطلبة “العدل والإحسان” من العفو ألا يعتبر موجها ضد العدل والإحسان؟

هذا هو تقديري الشخصي. فمجموعة طلبة وجدة متهمون باستعمال العنف ضد طلبة آخرين وهم معتقلون سياسيون، ولكن المفارقة الموجودة في هذا العفو أن الذين اغتالوا عمر بنجلون صدر في حقهم العفو رغم أنهم كانوا مدفوعين من طرف جهات مسؤولة على أعلى المستويات في النظام السياسي، لكن تم استثناء مجموعة وجدة المتهمة بنفس تهم الذين اغتالوا عمر بنجلون، أي استعمال العنف.

جريدة “الصحيفة” العدد 145، 16/01/2004