إخواني، أخواتي،

يشهد العالم الإسلامي اليوم أحداثا جساما، وأياما عصيبة لعلها الأشد منذ قرون، فقد تداعى عليه الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، وتنادوا من أجل إحكام سيطرتهم على الشعوب المسلمة، والحيلولة دون أي محاولة للنهوض والتحرر. فبعد أن ظن الناس أن الاستعمار المباشر قد عفى عليه الزمن وولى إلى غير رجعة، والاستعمار غير المباشر في طريقه إلى الزوال، ها هي ذي الولايات المتحدة الأمريكية تأتي بقضها وقضيضها، وخيلها ومخيلاتها عابرة آلاف الأميال، لتدشن مرحلة الاستعمار الجديد، وتحتل أرض العراق، وتخطط بما تقيمه من قواعد على أنها  لا مرحبا بها- تنوي السكن والاستقرار في المنطقة.

وبعد أن ظن الناس، بعد سقوط جدار برلين وانهيار المعسكر الشيوعي، أن التوتر على مستوى العلافات الدولية سيخف، وأن التواصل بين الشمال والجنوب سيتقوى ويزدهر، وأن أسباب التغاضي عن الممارسات التي تتنافى وحقوق الإنسان والكرامة الآدمية لم يعد لها من مسوغ، فإن الأوضاع الحالية والتحولات الجارية تسير خلافا للمتوقع، والكيل بمكيالين مازال بعد الأسلوب المتبع. ومعاناة المسلمين في كثير من بقاع العالم، وكاشمير والشيشان وبلاد الرافدين وفلسطين متواصلة بالليل والنهار، ولا سيما الجرائم الصهيونية بالأرض المباركة التي تتصاعد دون اعتراض أو نكير.

وبعد أن حسب ناس أن بعض المواقف العنصرية التي تنبعث هنا أو هناك ما هي إلا أثر من ماض سحيق عما قليل تتلاشى وتضمحل، أمام قيم الحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة، ها نحن نشاهد اليوم انتفاضة في دول مثل فرنسا، ولجانا تؤسس، وحلقات نقاش واسعة من أجل الحسم في مصير قطعة قماش صغيرة تغطي الرأس؛ إنها ظاهرة الحجاب التي زعموا أنها تهدد أمن وسلامة النظام في فرنسا. ورحم الله زمانا كنا نظن أن براءة الاختراع لمثل هذه المزاعم السخيفة حكر لأنظمتنا، لا ينافسها فيها أحد ولكن، كما يقال، إذا عرف السبب بطل العجب.

فقد صدرت قبل سنة تقريبا دراسة بعنوان “أبعاد التغلغل اللوبي اليهودي في فرنسا وانعكاساته على الأمن القومي العربي”، رصدت تاريخ اللوبي اليهودي في فرنسا، وأهم مؤسساته ومنظماته، وارتباطها بإسرائيل.. واستغرقت مراكز القوى، وجهات الضغط اليهودية وما تمثله من ثقل في السياسة الفرنسية. وقد بينت الدراسة أن اللوبي اليهودي يشكل إطارا تنظيميا عاما يعمل في داخله جمعيات ومنظمات يهودية وصهيونية تعدادها نحو ثلاثة آلاف منظمة في مختلف المجالات. منها منظمات دينية كمجمع باريس الذي يشرف عليه الحاخام الأكبر جوزيف سترو، ومنظمات اجتماعية وأهمها الصندوق الاجتماعي الموحد، ومنظمات صهيونية متشددة معروفة بتبنيها لشعار “أطردوا العرب من فرنسا” وفي طليعتها الوكالة اليهودية والاتحاد الفيدرالي (وفرع منظمة بناي برث).

وتمتلك الجالية اليهودية في فرنسا العديد من النوافذ الإعلامية التي تروج لمواقف الصهاينة، ومن بينها أربعة محطات إذاعية واسعة البث، وعشرات المحطات الأخرى محدودة الانتشار، وقناة تلفزية

تشارك في الحملات المناهضة للفلسطينيين وعشرات الصحف والمجلات والدوريات الأخرى، والكثير من المواقع على شبكة الانترنيت..

أحداث كثيرة، موضوعها الأساس الإسلام والمسلمون، بعضها يبكي ويؤلم، وبعضها يثير الدهشة والاستغراب، والصهاينة يؤلبون على أبسط ظهور إسلامي وفي أي مكان خشية أن يقوى ويتجذر، “ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين”.

أما على المستوى المحلي، فلا تزال دار لقمان على حالها، بل إن الوضع يزداد سوءا وقتامة، فالمفسدون يعربدون في البلاد طولا وعرضا، وخيرات البلاد تذهب سدى، أو يحتوشها شرذمة من الطفيليين الذين ينتعشون في أجواء الفساد كما تنتعش الحشرات في المياه العكرة، وأحوال الناس تزداد ترديا، وشبابنا، جيل المستقبل، يعاني البطالة، والضياع وانسداد الأفق، والكساد عام، إلا بسوق الرذيلة والفاحشة فإنها نافقة ونشطة تشي بحال قوم ضحكت من تبلد إحساسهم الأمم، والفشل والخسار يلاحق السياسات المعتمدة على كل الصعد ومن كافة المجالات، في التعليم، في الصحة، في الإدارة، القضاء، الاقتصاد، وفي كل شيء، ولا غرابة في ذلك، بل الغريب هو ألا يقع ما نرى، أو يحدث غير ما نشاهد.

ولعل لصرف الأنظار عن السياسات الفاشلة المعتمدة، وعن المشاكل المتراكمة الاجتماعية والاقتصادية وغيرها، أو امتثالا لمن نصبوا أنفسهم لهذا العالم قادة، فجرعوا المستضعفين من المهانة والذل ألوانا، أو لكل ذلك، ازداد الضغط على الحركة الإسلامية في بلدنا ولا سيما جماعة العدل والإحسان. وفي الحقيقة فإن المضايقة والملاحقة لم تتوقفا منذ أن تأسست هذه الجماعة إلى اليوم. ولازالت الاعتقالات التعسفية والمحاكمات الصورية والمداهمات العمياء لبعض البيوت مستمرة.

وقد نشطت هذه الممارسات بصفة خاصة بعد حوادث 16 ماي الدامية، علما أن الحركة الإسلامية عموما في المغرب، والعدل والإحسان خاصة معروفة بمواقفها النابذة للعنف، محتسبة لله ما أصابها من محن أصبحت معلومة لدى العام والخاص، فضلا عن المتتبعين من أهل المروءة والإنصاف. ولا يخفى أن الغرض من مثل هذه الممارسات المخزنية المخزية، والتي لا تنضبط بقانون ولا مشروع ولا حتى المعهود من الأعراف، هو بث الرعب والهلع في نفوس الناس كي ينصرفوا عن سبيل الله جملة أو يقبلوا بدين الانقياد، وحكم الاستبداد، ولا يجرؤوا على دعم الصالحين من هذه الأمة لإحقاق الحق وإبطال الباطل وتحكيم شرع الله. تلك بعض أعراضهم وما تخفي صدورهم أكبر، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

إن ما يجري في عالمنا اليوم، أيها الإخوة والأخوات، ولا سيما ما يتعرض له المسلمون من فحش فاحش هنا وهناك، والمضايقات المستمرة للحركات الإسلامية الجادة، كل ذلك لم يجد نفعا في محاصرة المد الإسلامي المبارك، وإنما كان له مثل وخز الإبر في الضمائر والنفوس، إذ ما فتئت توعظ الوسنان، وتستفز الغافل ليؤوب إلى رشده، ويقبل على ربه، وينتفض لكرامته المهدورة، وعزته المفقودة. لكن في نفس الآ،، وهذه من المفارقات العجيبة، يبدو أن هذه الضغوط قد أوهنت بعض القيادات الإسلامية، حتى إن بعضهم قد غير الاتجاه بـ180 درجة، وتخلى عما ينبغي الاستمساك به، ومال إلى ما لا يبنغي، وطفق يمينا وشمالا يبحث ليؤصل لمواقف الخنوع للحكام، ويدافع عما ظننا أن التجارب المريرة قديما وحديثا قد كفتنا مؤنة تبيان تهافته وفحش خطئه.

فرغم الأحاديث النبوية الوضاحة والمعجزة التي تحدثت عن الخلافة الراشدة، وعن الانقلاب الذي حولها إلى ملك عاض فملك جبري، وأطاح بالحكم الشوري ليحل محله الاستبداد الفردي، فكان كما قال صلى الله عليه وسلم، وما ترتب عنه من ظلم وقهر وطغيان، اكتوت بلظاه الأمة طوال قرون ولا تزال، فإن بعضهم ما فتئ يصر بعناد عجيب أن ما تم لم يكن خارجا ولا مناقضا لشريعة الإسلام، ويدافع باستماتة عن الاجتهادات التي أصلت للانحراف وزعمت أن الإمامة لم تنعقد فقط بالبيعة، وإنما تنعقد أ]ضا بالاستيلاء بالقوة والغلبة وغير ذلك مما ينافي البيعة الشرعية في أبسط شروطها.

وبعضهم، بعد أن أفهم القارئ على أنه الحق الذي ينبغي أن يجلس إليه مجلس التلميذ من الأستاذ، ويقبل ما يلقي إلأيه على أنه الحق الذي لا مرية فيه، أتي بما قيل إليه أنه لم يستطعه الأوائل من كتيب صدرا مؤخرا زاعما أن الملك العاض داخل في معنى الخلافة الراشدة بدلالة السياق، سوى أن الخلافة الراشدة تمثل الكمال والملك العاض والجبري دونها مرتبة، وبالتالي فلا غبار عليه ولا اعتراض مؤكد من الناحية الشرعية. ثم ذكر أِياء أخرى كلها تفتل في حبل الانصياع للحكام والقبول بالأمر الواقع.

وسبحان الله، فالنصوص صريحة وواضحة؛ وحيثما تحدثت عن الملك العاض والملك الجبري، فهي تشير صراحة إلى الانحراف الذي سيطر على الحكم الإسلامي الراشد. ثم إن الألفاظ التي استعملت لوصف طبيعة الحكم بعد لخلافة الراشدة ليس بكل تأكيد للمدح أو التنويه، وإنما هي أوصاف قدحية تحذر وتنبه من مغبة القبول بهذا الانقلاب والتصديق على هذا الانحراف. هذا فضلا عن النصوص الأخرى وشواهد الواقع التي تعضد هذا الفهم وتقويه. لكن طوى التقليد، ثقل الموروث، وضغط الواقع، وذهاب الإرادة كلها عوامل يمكن أن تؤثر على وضوع الرؤية، وسلامة الفهم، وصواب الموقف. وقد يشخص سوء الفهم، والخطأ في التقدير عما هو أعجب وأغرب كما توضحه الرواية التالية:

أخرج الإمام أحمد بسنده إلى عبد الله بن الحارث بن نوفل (وهو ثقة من كبار التابعين) قال: إني لأسير مع معاوية عن منصرفه من صفين، بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعمار: “ويحك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية؟” فقال عمرو لمعاوية: ألا تسمع ما يقوله هذا؟ فقال معاوية: لا تزال تأتينا بهنه أنحن قتلناه؟ إنما قتله الذين جاؤوا به”.

يقول الشيخ القرضاوي، حفظه الله، معلقا على هذا النص، إن هذا الفهم لو استقام لجاز لنا أ، نقول من معاوية أيضا إينه قتل عمه حمرة بن أحخد، وقتل مصعب بن عمير، وعبد الله بن جحش، وأنس بن النضر، وغيرهم من السبعين الذين قتلوا في غزوة أحد، ومثلهم كل من قتلوا في غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا خروج عن ظاهر اللغة والعقل والشرع والعرف.

ليس من العيب أن تتعدد الاجتهادات أو تراجع المواقف لتكون أبعد عن الخطإ أقرب إلى الصواب، ولكن العيب أن يكون ذلك نتيجة الضغوط المتواصلة وأثرا من آثار الهويمة النفسية ليس إلا، أو نتيجة التوهم بإمكانية ممارسة الدعوة خارج السنن الكونية والقوانين الإلهية. إنها ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها الدعوة لظروف قاسية، ولنا في رسول رب العالمين، وإمام الدعاة والمجاهدين، صلوات الله وسلامه عليه، الإسوة الحسنة وكلنا يذكر ما لقيه من أجل تبليغ دعوة ربه مما يجل عن الوصف.

وليس معنى هذا أننا ينبغي أن تتكلف استشارة دواعي الملاحقة والاضطهاد لنثبت أننا على حق أو أن اجتهادنا هو عين الصواب. فهذا لا يقول به عاقل، وإنما المطلوب هو العمل بقدر الوسع والطاقة وفق الاجتهاد أو النهج المعتمد، فإن يصبك بعض الأذى أو تعترضك بعض المعوقات، فما أنت بأول ولا آخر من أوذي في سبيل الله.

وهنا يطرح السؤال المحوري الذي قلما ينتبه إليه بعض الإسلاميين وهو: من يجتهد وكيف يجتهد ومن أين يعرف أنه قد أصاب فيما ذهب إليه؟ فهل باستظهار الحرص، والاطلاع علىتراث الأجداد يتحقق المراد؟ وهل باعتماد فتاوى قبلت في زمان غير زماننا، وعالجت واقعا مباينا لواقعنا، يمكن أن نؤسس لاجتهاد يناسب “قالب الزمان” وظروف المكان كما يقتضي ذلك الشرع والفهم السليم لمقاصد الدين؟

لقد تنبه الأستاذ المرشد حفظه الله إلى هذا الجانب مبكرا، وكتب فيه ما شاء الله. وكلنا يذكر مقالته التي بعنوان: العقل والنقل والإرادة.

ونحسب، ولا نزكيه على الله، أنه أتى الأمر (وأسطر على كلمة الأمر) من بابه، فآتاه الكريم الوهاب من فضله، مما مكنه من رسم الخطالسياسي والتربوي لدعوة العدل والإحسان، فكان الإمداد المبارك، وكان التوفيق وكان التأييد الرباني والمنة لله. وما فتئت الأيام تؤكد صواب مذهب العدل والإحسان السياسي والتربوي والدعوي، ولعل ما هو آت أعظم بحول الله، وذلك الظن بالمولى سبحانه. وما يعرفه أبناء العدل والإحسان، مما لا خبر لكثير من الناس به، من رباطاتهم ولقاءاتهم، وبعض أمورهم الخاصة والعامة، ما هي إلا بشرى معجلة لعباده الضعفاء البرآء من كل دعوى، على أن هذه الدعوة مستمسكة بهدي النبوة، ومعتصمة بنور الكتاب العزيز، وموعودة بما وعد به كل من اتقى وأحسن وثبت وتوكل على الله وعمل صالحا. “قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون”.

أيها الإخوة، أيتها الأخوات، إننا مدعوون اليوم وغدا لأمر جلل، واحتمال الخطأ كبير وواسع جدا لكثرة ما يعترض العامل مما هو موضوع للنظر ومحل للاجتهاد، والموفق من وفقه الله. إن تحصيل العلوم الشرعية والمعارف التي أصبحت ضرورية شق لا بد منه، ولكن كل ذلك لا يجدي نفعا إلا أ، نكون صالحين فيتولانا الله. فينور القلوب والعقول ويقوي الإرادات ويهدي للتي هي أقوم، فعلى هذا ينبغي أن نعول، ولمثله ينبغي أن نعمل.

وأختم بكلمات نفيسة، تشد إليها الرحال، كما يعبر بعض الفقهاء حين يعجبهم القول السليم. وهي للعالم الرباني ابن القيم رحمه الله رحمة واسعة. يقول معلما على ما جاء في وصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه لابن موسى الأشعري قاضيه بالبصرة حيث قال: “الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة. اعرف الأشباه والأمثال وقس الأمور عند ذلك”، يقول: “صحة الفهم وحسن القصد من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عبده، بل ما أعطي عبد عطاء بعد الإسلام أفضل ولا أجل منهما، بل ساقا الإسلام، وقيامه عليهما (…) وصحة الفهم نور يقذفه الله في قلب العبد يميز به بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد… (أعلام الموقعين)”.

وفي مكان آخر يقول: “فالفهم نعمة من الله على عبده، ونور يقذفه الله في قلبه يعرف به، ويدرك ما لا يحرك غيره ولا يعرفه، فيفهم من النص مالا يفهمه غيره، مع استوائهما في حفظه، وفهم أصل معناه. “ثم يضيف قائلا: “إن الفهم عن الله ورسوله عنوان الصديقية، ومنشور الولاية النبوية، وفيه تفاوتت مراتب العلماء (…) ثم ذكر ما تميز به ابن عباس رضي الله عنهما في فهمه لسورة “إذا جاء نصر الله والفتح” وقال: “إن هذا الفهم يدق حتى يصل إلى مراتب تتقاصر عنها أفهام أكثر الناس، فيحتاج مع النص إلىغيره، ولا يقع الاستغناء بالنصوص في حقه: أما في حق صاحب الفهم: فلا يحتاج مع النصوص إلى غيرها”.

بهذه الكلمات أختم سائلا المولى سبحانه أن يمن علينا بحسن الفهم، وسلامة القصد، وألا يكلنا إلى أنفسنا طرف عين ولا أقل من ذلك وأن يجمعنا والمسلمين عامة على الهدى والتقى وعلى أقوم السبل لإعلاء كلمة الله. ثم الصلاة والسلام علىخير خلق الله وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.