قبل اعتقاله يوم 22 أكتوبر الماضي  يقول أحد طلبة العدل والإحسان- كانوا يروجون عنه، بحكم أصوله الصحراوية، أنه يدعم جبهة البوليساريو.. لكنهم بعد ذلك اختاروا أن يلصقوا به تهمة الإرهاب..

الحبيب بن مريت  يضيف الطالب- بغض النظر عن انتمائه إلى جماعة مواقفها تجاه العنف واضحة، ولها رؤية لا لبس فيها بهذا الخصوص، فهو طالب جامعي يعي ما يقول ولا يمكنه، حتى وإن كان بالفعل متفقا مع تلك العمليات الإجرامية، أن يصرح بما يدينه أمام العموم، فما بالنا إن كان عضوا بمكتب تعاضدية كلية الحقوق بمراكش، اعتاد أن يخاطب الطالب في التجمعات الجماهيرية..

16 ماي و”العدل والإحسان”..

وإلى حدود الأيام الأخيرة لن يظل الحبيب العضو الوحيد بجماعة العدل والإحسان الذي توبع بتهم لها علاقة بملف “16 ماي”، وإن كانت ملابسات اعتقال 4 أعضاء لهم علاقة بالجماعة بالدار البيضاء الأسبوع ما قبل الماضي لا زالت غامضة.

ولن تظل أحكام السجن خاصة بزملائه الطلبة، بل ستطال، أيضا، أحد أبرز أعضاء قيادة الجماعة محمد عبادي.

ففي يوم الإثنين الماضي، ستصدر ابتدائية وجدة حكمها بسنتين سجنا نافذا في حق عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان. وتعود أسباب المتابعة  حسب ما نقله موقع الجماعة الإلكتروني- إلى تصريح سبق أن أدلى به الأستاذ محمد عبادي لجريدة “الحياة المغربية”، حيث اعتبر تفسيره لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حول الخلافة على منهاج النبوة مسا بالاحترام الواجب للملك، وتحريضا على أعمال تمس بسلامة البلاد، وكيفية انتقاده لمشروع قانون الإرهاب الذي كان يجري تحضيره آنذاك، أي قبل أحداث 16 ماي، على أنه تحريض يمس بسلامة الدولة.

وكان تعليق الموقع على الحكم هو أنه “في انتظار تعقل السلطة وإتاحة الفرصة لقضاء الاستئناف لإنصاف المظلومين  على غرار تبرئة استئنافية طنجة للأستاذ عيسى أشرقي، عضو مجلس الإرشاد من كل التهم المنسوبة إليه- بعيدا عن ضغط التعليمات والقرارات الفوقية، لا نملك إلا التعبير عن قلقنا من هذا التوجه الذي لا مكان فيه لحرية التعبير، والذي لا يخدم من قريب أو بعيد مصلحة بلادنا”.

وهو نفس الاعتبار الذي جعل الناطق الرسمي باسم الجماعة، فتح الله أرسلان، يتريث في الجواب عن سؤال تصعيد الدولة ضد جماعته، “سننتظر صدور حكم الاستئناف لنرى”، يقول أرسلان، الذي لم يخف في تصريحه لـ”الأيام” أن الحكم، في نظره حكم سياسي وليس قضائيا.

أنا شخصيا، يقول، حضرت للمحاكمة واستمعت لمرافعات الدفاع التي أثبتت أن الملف فارغ، لدرجة أن الجميع غادر قاعة المحكمة وهو مقتنع أن الحكم سيكون بالبراءة، لكننا فوجئنا بهذا الحكم (سنتان سجنا نافذا)، خاصة وأن القضية تتعلق بحرية الرأي والتعبير، والمتابعون فيها صحافيون (الزملاء مصطفى قشنني والميلود بوتركي وعبد العزيز جلولي)، لكن، مع الأسف  يضيف أرسلان- حتى الصحافة لم تتعامل مع الملف بالشكل المطلوب، وكان هناك نوع من الإهمال من طرفها.

حرب الجامعات من جديد..

وباستثناء هذه القضية، فإن احتكاك السلطة بالجماعة سيبرز مجددا على ساحة الجامعة. فبكلية الحقوق بالدار البيضاء، مثلا، سينطلق مسلسل “الحرب” صباح يوم الإثنين 13 أكتوبر الماضي، حيث منع الحرس الجامعي طلبة العدل والإحسان من الاستفادة من تجهيزات المؤسسة بغرض استخدامها أثناء تنظيمهم لأيام “التعارف الطلابي”. فبعد أخذ ورد، تدخل الحرس بشكل عنيف خلف إصابات بليغة في الوجه والجمجمة لثلاثة طلبة، ورضوضا وجروحا في مختلف أنحاء الجسم لثلاثة آخرين، وتم اعتقال ثلاثة منهم وتقديمهم إلى وكيل الملك في اليوم الموالي، قبل أن تصدر في حقهم ابتدائية الفداء-درب السلطان حكما بالسجن لمدة شهرين.

وغير بعيد عن البيضاء، ستعرف كلية الحقوق بالمحمدية في نفس اليوم (13 أكتوبر) اجتياحا من طرف قوات الأمن، مباشرة بعد عقد طلبة العدل والإحسان لحلقة نقاش داخل المؤسسة، خلف بدوره إصابات في صفوف الطلبة إلى جانب اعتقال بعضهم وإدانة أربعة طلبة بعد ذلك بالحبس لمدة ثمانية أشهر من طرف ابتدائية المحمدية.

وفي مساء يوم 22 أكتوبر، ستعتقل السلطات الطالب الحبيب بنمريت، المشار إليه أعلاه، مباشرة بعد مغادرته لساحة الجامعة التي كان يتحدث فيها بحلقة نقاش طلابية، وستشن سلسلة من مداهمات البيوت أسفرت عن اعتقال 11 طالبا قبل أن يخلى سبيلهم.

هذه المعطيات وغيرها جعلت الكتابة العامة للتنسيق الوطني للاتحاد الوطني لطلبة المغرب (لا يعترف بها إلا فصيل طلبة العدل والإحسان) تقول إن فشل الدولة في تنـزيل مقتضيات القانون الجديد للتعليم العالي وبنود الإصلاح البيداغوجي، دفعها، وبهاجس أمني محض، خوفا من أية حركة احتجاجية طلابية على هذه الأوضاع التي تزداد تعقيدا وسوءا يوما بعد يوم، إلى قمع الطلاب والتنكيل بهم بالاعتقال، كما هو حاصل في عين الشق والمحمدية ومراكش.

وقد بلغ مجموع الأحكام الصادرة لحد الساعة ثلاث سنوات وشهرين سجنا نافذا، كما وصل عدد المطرودين من الجامعات إلى أزيد من 30 طالبا (21 منهم بجامعة المحمدية)، أفلا تشكل كل هذه الإجراءات مظاهر تصعيد جديد ضد جماعة العدل والإحسان من طرف الدولة؟

رسالة نهاية التساهل..

بخلاف تريث أرسلان، يذهب د. محمد ضريف المتخصص في جماعة العدل والإحسان، إلى أنه ينبغي الفصل بين ملف عبادي وبين ملف الجامعة، معتبرا أن الحكم الصادر في حق قيادي الجماعة لا يحمل اي أبعاد سياسية تهم استراتيجية الدولة تجاه العدل والإحسان؟ فإن كانت هناك رسالة يحملها هذا الحكم، رغم أننا أمام أحكام قضائية  يقول ضريف- فإنها ستكون رسالة موجهة للجميع.

لا يجب أن ننسى  يضيف- أننا لا زلنا نعيش آثار الخطاب الملكي لـ29 ماي الماضي، حيث تحدث الملك عن عدم التساهل مع كل من يمس بهيبة الدولة.

أما بالنسبة لما يحدث بالجامعة، فهو بالنسبة إليه يختلف عما كان يجري سابقا، فهذا أول دخول جامعي بعد 16 ماي  يقول- والجميع كان يتساءل حول طبيعة الإجراءات التي ستتخذها السلطة من أجل الحد من الوجود القوي للإسلاميين داخل الجامعات، والمغزى من تعليق إدارة الجامعة لقانون الإرهاب على سبوراتها.

وكيفما كان الجواب ، فما يراه أرسلان هو أن المحاكمات التي تستهدف طلبة جماعته، والقمع الذي يتعرضون له، يفيد أن الدولة تريد القضاء على كل صوت يقول “لا”.

وبالمناسبة  يقول- أسجل بتأثر كبير انسحاب جميع الفصائل والأحزاب من الجامعة، فرغم ما يقع من اعتقالات ومحاكمات، فلا أحد يحرك ساكنا، مؤكدا أن فصيل جماعته قد تحمل مسؤوليته التاريخية للوقوف بجانب الطلبة بعدما أدار الجميع ظهره لهم.

فهل هي فقط حسابات حقوق الطلبة ومصالحهم التي تجعل طلبة العدل والإحسان يتحدون منع السلطات لأنشطتهم، ويتعرضون للقمع والمحاكمات؟ وهل هو فقط فشل الدولة في تمرير مشروع إصلاحها الجامعي الذي يجعلها تواجه طلبة العدل والإحسان بالمحاكمات والتدخلات العنيفة؟

أسئلة من المؤكد أن أجوبتها توجد بعيدا عن رحاب الجامعات وأروقة وزارة التعليم العالي.