للشعوب على اختلاف أعراقها وعقائدها حاجات لها علاقة مباشرة بكرامتها واستقرارها، وهي دائما ترنو إلى إشباع حاجاتها، التي على رأسها الحرية والسيادة والأمن بفروعه المختلفة، الأمن السياسي، والأمن الغذائي، والأمن الفكري، والأمن الاجتماعي، وغير ذلك، وفي عالمنا العربي والإسلامي حرص الغرب على أن يسلب شعوبنا حريتها وسيادتها وأمنها بكافة فروعه، مما جعلها تعيش حالة من التململ والغليان التي كثيرا ما كانت تفضي إلى اندلاع حالة من الانتفاضة والثورة على الأنظمة التي تتربع على العروش وفي نفس الوقت لا تلتفت إلى تلبية حاجات الشعوب، ولكن ما تلبث آلة القمع لدى أنظمة الفساد أن تأخذ دورها في التصدي لثورة الشعوب، لأن أنظمة التخلف تضع لنفسها منزلة فوق منزلة الوطن، فمن ثار عليها ولو كانت ثورته انتصارا للوطن فسيرمى بالتمرد والخيانة، وهكذا يستمر التوتر بين الشعوب وأنظمتها، بل ويتصاعد يوما بعد يوم، ومن المؤكد أن الثورة في النهاية ستؤدي إلى سقوط الأنظمة ولو بعد حين.

ولكن في ذروة الصراع المحتدم بين الشعوب المقهورة وأنظمتها المتسلطة سرعان ما يظهر على حلبة الصراع قوى الشر على المستوى الدولي، القوى الاستعمارية التي كانت ترى في استقرار أنظمة التخلف واستمرار نفوذها مصلحة قومية عليا لها، فإذا وجدت أن النظام قادر على البقاء والاستمرار قدمت له العون وكل أشكال الدعم العسكري والسياسي والأمني والإعلامي حتى يتمكن من لجم ثورة الشعب، وإذا تبين لها أن الكفة ترجح لصالح الشعب وأن النظام يعيش أيامه الأخيرة عندها تعمل على حرف توجهات الجماهير باتجاه نظام جديد لن يكون في نهاية الأمر إلا نسخة كربونية من النظام القديم الذي ثارت عليه الشعوب.

هذا ما كان عليه الحال حتى عقود متأخرة من القرن السابق، ولكن اليوم نرى أن الحلبة تشهد حضورا قويا ومؤثرا لقوى محلية واعية وفاعلة لا تخفى عليها أساليب قوى الشر الاستعمارية التي ترى مصلحتها في إبقاء أقطارنا العربية والإسلامية في حالة من التخلف الحضاري المستمر، وعلى رأس هذه القوى المحلية تقف الحركات الإسلامية التي تجذرت في ضمائر الشعوب، تنشر الوعي والمعرفة، وتحمل هموم هذه الشعوب المقهورة، وتدافع بكل قوة عن قضايا الأمة العادلة، وتقدم بجهادها وتضحياتها نموذجا راقيا يحفظ للشعوب كرامتها وحريتها واستقلالها وأمنها، وفي نفس الوقت لديها الاستعداد التام لمواصلة مواجهة الهجمة العسكرية الإرهابية التي يقوم بها الاستعمار ضد شعوب المنطقة كي يحول دون نهضتها، كما أن هذه الحركات الإسلامية تملك مشروعا حضاريا ترى فيه قوى الاستعمار تحديا لمشروعها الحضاري الذي يفتقر إلى القيم مما يجعله غير قادر على البقاء، وهذا الحضور القوي للحركات الإسلامية في عالمنا العربي والإسلامي جعل الاستعمار يشعر معه – رغم ما يملك من قوة – بالقلق على مستقبل تماسك قبضته على المنطقة العربية والإسلامية.

وفي ظل هذا الواقع الجديد بدأ الصراع في المنطقة يتبلور بوضوح بين قوى الشر والعدوان المتمثلة في الاستعمار الحديث، والحركات الإسلامية التي تمثل أمل وضمير الأمة، ولقد حشد الغرب الصليبي كل قواه لهذه المعركة، ففي الوقت الذي كان ينهي فيه احتلاله المباشر لغالبية أقطارنا العربية والإسلامية قام بزرع الكيان الصهيوني الذي يمثل قاعدته المتقدمة في قلب الأمة العربية والإسلامية، هذا الكيان الذي على سلم أولوياته الحيلولة دون نهوض الأمة من جديد، ولكن الغرب لم يكتف بذلك فما لبث أن عاد من جديد لسياسة الاحتلال المباشر، فقام بغزو العالم العربي والإسلامي لإنشاء قواعد عسكرية ثابتة سواء في أواسط آسيا باحتلال أفغانستان وإقامة القواعد فيها وفي الدول المحيطة بها، أو في قلب عالمنا العربي بغزو العراق وإنشاء قواعد ثابتة في المنطقة.

كما أن الغرب عمل جاهدا على محاصرة الحركات الإسلامية اقتصاديا وتجفيف مصادر تمويلها، حتى بلغ الأمر بأمريكا أن تقوم بتجميد أرصدة المؤسسات الخيرية الإسلامية التي تقدم الدعم للشعب الفلسطيني الذي يعيش حالة من الحصار والدمار على يد الاحتلال الصهيوني.

ثم تمادى الغرب في حربه المعلنة على الإسلام بتصديه السافر إلى القيم الإسلامية كما تفعل فرنسا الآن وهي تعلن الحرب على الحجاب الإسلامي الذي يمثل جزءا لا يتجزأ من عقيدة هذه الأمة بنص القرآن الكريم، لتحرم المرأة المسلمة من حريتها في ممارسة عقيدتها، في الوقت الذي يزعم فيه الغرب أنه يمثل عالم الحرية والعدالة والمساواة، ولا يخفى ما تقوم به أوروبا وأمريكا من تضييق على مواطنيهم المسلمين.

ومن أخبث ما يقوم به الغرب في حربه التي باتت معلنة ضد الحركات الإسلامية تحريضه المتواصل للأنظمة القائمة في عالمنا العربي والإسلامي، وممارسة الضغوط عليها لتقوم نيابة عنه بمواجهة تلك الحركات والتصدي لها، وإمعانا منه في إخفاء حقيقة نواياه الخبيثة ضد الإسلام فقد مارس عدوانه تحت عنوان محاربة الإرهاب، ولم يكتف بهذا الحد ولكن قام يحرض العالم بأسره ليجنده في معركته ضد الإسلام.

من الواضح أن القوى المتصارعة غير متكافئة، إلا أن القوة الهائلة التي يحشدها الغرب في هذه المعركة توحي بأنه يعيش حالة من القلق والخوف الشديدين ولا غرابة في ذلك، فهو يدرك أنه رغم الإمكانات المادية القليلة التي يمكن للحركات الإسلامية أن تحشدها في المعركة إلا أنها تملك عناصر قوة هامة تمكنها من الثبات والاستمرار في المقاومة حتى بلوغ الأهداف، وعلى رأس هذه العناصر العقيدة الإسلامية التي تغرس في أتباعها حب الجهاد والاستشهاد، ومعاني العزة والكرامة، كما تغرس فيهم عدم الرضوخ والاستسلام لمنطق العدوان والإرهاب، مما يعني رفض الهيمنة الغربية، وعدم التهاون معها وهي تسلبنا حقوقنا الوطنية المشروعة، وتسلبنا ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا.

ومن عناصر قوتها أيضا أنها حركات جماهيرية، تعبر بصدق عن إرادة الجماهير في التحرر والاستقرار فلا يمكن لأي قوة في العالم اجتثاثه

هذه المعركة تدور رحاها اليوم في فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان وكشمير والفلبين، ورغم نجاح قوى الشر في تجنيد قوى محلية عملت على التصدي للحركات الإسلامية ومواجهتها إلا أن هذه القوى المحلية أخفقت في تحقيق الأمن لقوى الشر.

من كل ذلك بات واضحا أن المعركة التي تخوضها الحركات الإسلامية نيابة عن الأمة معركة طويلة، وأنها مرشحة للاستمرار، وأنها لن تتوقف حتى تحقق أهدافها، وإلى أن يسلم الغرب بذلك ويعترف بعجزه عن مواصلة المواجهة سيدفع ثمنا باهظا، هذا الثمن كفيل أن يترك بصماته على الخارطة الدولية، وأن يعيد رسمها من جديد وقد تزحزح الغرب عن موقع الصدارة.