تقديم:

رفعت استئنافية وجدة جلسة محاكمة ذ. محمد عبادي، عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان، إلى يوم 16 مارس الجاري، وذلك بعد أن استمعت لمرافعات هيأة الدفاع وتعقيبات النيابة العامة التي استأنفت الحكم الابتدائي الذي برأ ذ. محمد عبادي من تهمة التحريض.

والجدير بالذكر أن الملف المتابع فيه ذ. محمد عبادي، قد عرف إصدار عفو على الفاعلين الأصليين من الوجهة القانونية، وتم استثناء عضو مجلس إرشاد العدل والإحسان. وقد اعتبرت هيأة الدفاع هذه المحاكمة سياسية بالدرجة الأولى، ومحاكمة تخص حرية الرأي والتعبير.

الوقائع:

في البداية، استدعت هيأة المحكمة الأستاذ محمد عبادي بعدما اعتبرت القضية جاهزة، وبعد التثبت من هويته شرعت في استفساره حول مضامين الأجوبة التي قدمها على أسئلة الصحافيين من جريدة الحياة المغربية، تلك التي تعتبر موضوع المتابعة. وقد بدأت المحكمة التدقيق والتفصيل في العديد من الكلمات والمعاني حتى صار الأمر بمثابة محاكمة للنوايا.

وفي رده على أسئلة المحكمة، أكد الأستاذ محمد عبادي أن الكلام موجه للأمة الإسلامية بصفة عامة، وبأن الحديث النبوي الشريف المعروف بحديث الخلافة، هو حديث يتنبأ فيه الرسول صلى الله عليه وسلم لواقع الأمة، ولا يقصد به شخص أو مكان بعينه. وأضاف الأستاذ محمد عبادي بأن المقصود بالتغيير الوارد في الحوار، إعادة تربية الإنسان، وبأن التغيير المطلوب يجب أن يستقى من المنهاج النبوي الشريف.

أما الحديث عن الملك العاض الذي طلبت النيابة العامة من ذ. محمد عبادي تفسيره، فقد تم التأكيد من خلال توضيحات محمد عبادي، أن ذلك لا يمكن إخراجه من سياق الحديث، وبأن التاريخ قد شهد انكسارا في عهد الدولة الأموية، وبأن اللفظ هو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والإيمان والتصديق بكلام رسول الله واجب ويدخل في إطار الإيمان بالغيب.

وفي استفساره عن المقصود بالمسؤولين، أكد محمد عبادي بأن المقصود بذلك المسؤولون الذين يتحملون المسؤولية ويخرقون القانون.

كما طالبت النيابة العامة ذ. محمد عبادي تفسير المقصود بكلمة الجهاد الواردة في نص الحوار، وبالفرق بين الخلافة والإمارة، واعتبرت توضيحات محمد عبادي بأنها تمويه لما كان يريد التصريح به صراحة، ولأجل ذلك استعمل المعاني الإسلامية حتى لا يكون في حرج.

بعض تعقيبات الدفاع أكدت أن مسار اتهامات النيابة العامة يذهب في إطار محاكمة النوايا، وبالتالي الرجوع إلى القانون المشؤوم المعروف بـ”قانون كل ما من شأنه”… وما استئناف النيابة العامة الحكم الابتدائي الذي برأ محمد عبادي من تهمة التحريض إلا دليلا يؤكد مدى رغبة النيابة التمسك بإبطال حكم ابتدائي أنصف محمد عبادي ولو من تهمة واحدة، وبالتالي مطالبتها هيأة المحكمة التصريح بمتابعة المتهم بكل التهم المنسوبة إليه، والقول ببطلان استئناف الدفاع المطالب بسقوط الدعوى العمومية بدعوى أن تصريحات ذ. محمد عبادي المقصود بها المغرب والنظام المغربي وليس الأمة الإسلامية كما جاء في أقواله أمام المحكمة.

انطلق الدفاع في مرافعاته خلال الجزء الثاني من المحاكمة بتقديم شرح وتخريج مستفيض للحديث النبوي الشريف (حديث الخلافة)، وذلك باعتماد ذ. محمد أغناج من هيأة البيضاء، على ثلاثة عشر تخريجا من كتب الحديث التي تشرح معنى الحديث المتابع بسببه الأستاذ محمد عبادي بتهمة الإخلال بالاحترام الواجب للملك بالاعتماد على عبارة “المُلك العاض”.

كما طرح ذ. أغناج على المحكمة، ومن أجل الربط بين شخصية “المتهم” والخطاب المستعمل، ضرورة رجوع المحكمة إلى فهم الخطاب الإسلامي ومعانيه التي تعتمد أساسا على الأصول الشرعية، وذلك بحكم أن المتابع في هذه القضية، شخصية ذات تكوين إسلامي شرعي بالدرجة الأولى. ولذلك يبقى عرض النيابة العامة من ربط موضوع الاستجواب بشخص الملك في المغرب هو توريط ذ. محمد عبادي في التهمة المتابع من أجلها، وبالتالي استبعاد المعنى العام الذي يخص العالم الإسلامي..

مرافعة ذ. العربي المريني، من هيأة البيضاء، أكدت أن الماثل أمام المحكمة يحاكم لأجل أفكاره، وبالتالي فهي محاكمة سياسية بالدرجة الأولى، بحكم أن ذ. محمد عبادي عضو في مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان والمسؤول الأول على المنطقة الشرقية. وأضاف أن المحاكمة هي محاكمة لجماعة العدل والإحسان التي يتبنى أعضاؤها نفس الرؤى التي يتابع من أجلها السيد محمد عبادي، وتساءل هل يمكن محاكمة كل أعضاء الجماعة!

كما أكد ذ. العربي لمريني أن بعض الجهات اختارت المواجهة مع العدل والإحسان، وذلك عن طريق المحاكمات والتضييق، وأضاف بأن نهج العدل والإحسان الذي ينبني على التربية المنهاجية ونبذ العنف لن يتغير، مؤكدا أن الجماعة لن ينبطح أعضاؤها أمام مثل هذه الاستفزازات.

كما ذهب الأستاذ المريني إلى التأكيد على أن الاتجاه العام الذي سارت عليه النيابة العامة من أجل إدانة السيد محمد عبادي، هو تفسيرها الخاص لمضامين الاستجواب، بينما أفكار الحوار كلها مستمدة من أفكار جماعة العدل والإحسان الواردة ضمن كتب مرشدها الأستاذ عبد السلام ياسين المنشورة علنا وبترخيص قانوني، ومتداولة داخل وخارج المغرب.

وذهب ذ. عبد الله فحتات من هيئة تطوان إلى التأكيد أن من أهم مميزات الخطاب القرآني أنه يتناول الموضوع بصفة عامة، وبأنه غير مقيد بأي زمان أو مكان. وأضاف أن الحديث لا يرتبط بأي شخص معين…

وفي مناقشة للتهم المتابع من أجلها ذ. محمد عبادي، أكد أن الحوار يصف وضعا سياسيا دون ذكر لأي جهة معينة، وبأن الحكم الابتدائي اعتمد على النيات وليس الأقوال أو الأفعال؛ وبما أن النيات هي عبارة عن استنتاجات، فهي تحتمل عدة تأويلات، ولذلك، فإن الأحكام يجب أن لا تنبني على التأويلات..

وأكدت الأستاذة سيف الدين أن النيابة العامة قدمت ملفا فارغا، ولا يحتوي على أي دلائل مادية. وهو نفس الأمر الذي أكد عليه ذ. العمراني من هيأة وجدة، الذي أضاف بأنه ليس هناك أي ركن مادي في المتابعة، وبأن العيب على من لم يفهم كلام السيد محمد عبادي. كما أكد ذ. العمراني أنه كان على النيابة العامة أن تقيم الدليل المادي على هذه المتابعة، وبأن إهانة المقدسات تستوجب تأكيد العناصر المتابع بها المتهم، وذلك عن طريق التصريحات المباشرة بالصفات والأسماء.

كما رأى ذ. هداجي من هيأة مراكش أن مرافعة النيابة العامة لم تأت بأي جديد كدليل قطعي يؤكد إدانة السيد محمد عبادي، وإنما اعتمدت على استنتاجاتها الخاصة. وأضاف ذ. هداجي أن القضاء يجب أن يبحث عن العدل وتحقيق العدالة، وليس على الإدانة، مؤكدا أن القضاء في مرحلته الابتدائية أدان السيد محمد عبادي بالاعتماد على الشك؛ وبأن الواقع يؤكد براءة ذ. محمد عبادي لأن التصريحات التي أدلى بها من خلال الاستجواب، تتحدث من أعالي التاريخ، وبأنها تعبر عن طرح نظام متكامل عن الخلافة الإسلامية كما سطرها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

أما النقيب عبد الرحمن بنعمرو فقد انطلق في مرافعته من حيثيات الحكم الابتدائي، وأكد لهيأة المحكمة أن الملف خرق القانون على أكثر من واجهة وعلى أكثر من مستوى، سواء في شقه المتعلق بقانون الصحافة، أو ما تعلق منه بالقانون الجنائي، أو على المستوى الدستوري والمواثيق والقوانين الدولية. وقبل أن ينطلق النقيب بنعمرو في طرح الخروقات القانونية، وجه نداء للمحكمة حاثا إياها على ضرورة أن يحمي جسم القضاء نفسه من الخروقات، كما وجه كلمة للنيابة العامة مؤكدا أنه إذا كانت هناك تعليمات ما، فإنه على النيابة أن تطور بدورها تعاملها وتطلب أن تكون التعليمات كتابية …

إن القانون يتحدث عن إثبات الوقائع التي تحددها النيابة العامة، وفي هذا الصدد أكد النقيب بنعمرو أن النيابة العامة في هذه النازلة لم تحدد أية وقائع، بل اعتمدت على تفسيرها الخاص وتأويلاتها لبعض العبارات الواردة في الاستجواب من أجل إدانة السيد محمد عبادي. ومن أجل توضيح ذلك، قام النقيب بنعمرو بعرض قانوني يشرح فيه فصول المتابعة مع ربطها بالعبارات الواردة في نص الحوار بحيث تناول التهم الموجهة للسيد محمد عبادي بالتفصيل، وأكد أن المتابعة غير قانونية، وذلك لعدم توفرها على شروط الإدانة سواء من وجهة قانون الصحافة أو القانون الجنائي.. وشدد التأكيد على أن المواثيق الدولية سيما تلك التي تتعلق بحرية الرأي والتعبير وحقوق الإنسان عامة، والتي صادق عليها المغرب ويؤكد عليها في كل المناسبات، بل ومدرجة في الدستور المغربي، لا تتماشى ومنطق المتابعة حتى وإن كان هناك ما يثبت قيام السيد محمد عبادي بتصريحات يمكن اعتبارها مباشرة، وذلك لأن حرية الرأي مضمونة قانونيا ودستوريا.

وقام النقيب بنعمرو بتقديم شرح مستفيض في تعريفه لتهمة التحريض، وتهمة الإخلال بالاحترام الواجب للملك، وتهمة المس بالنظام الملكي، وربط ذلك بالعبارات التي اعتمدتها النيابة العامة حيث خلص إلى أن المتابعة مبنية على عبارات مطلقة غير محددة، ومؤكدا أن محاكمة السيد محمد عبادي هي محاكمة الرأي والتعبير.

وبعد أن قدم بعض العبارات من كتاب للمستشار الملكي محمد معتصم الذي يتحدث عن الملكية وعن النظام الملكي، ويناقش الملكية بعبارات واضحة ومقصودة، طالب النقيب بنعمرو النيابة العامة متابعة المستشار الملكي لأنه أخل كثيرا بالاحترام الواجب للملك كونه قد مس بالنظام الملكي(!).

وفي آخر مرافعته طالب النقيب بنعمرو هيأة المحكمة بتحكيم القانون أولا، وبوضع حد لمثل هذه التسيبات.

كان مسك الختام الأستاذ عبد اللطيف الحاتمي الذي أخذ الكلمة متجاوزا الأعراف  كما قال- بعد مرافعة النقيب، وأكد ابتداء أنه لم يكن يوافق هيأة الدفاع في المسار الذي انتهجته في المرافعات لسبب بسيط هو أنه لم يكن للأستاذ محمد عبادي أن يتابع بعد أن وقع العفو على الفاعلين القانونيين (مدير النشر والصحفيان)، وذلك  يقول ذ. الحاتمي- لأن العفو يُلزم عدم المتابعة. لكن الأستاذ الحاتمي نزل عند رغبة غالبية الدفاع، ووجد أن هذه الأخيرة قدمت عروضا متناسقة وممتازة جعلت المحكمة الموقرة على الأقل تتابع قضية من نوع خاص.

في مرافعته، أكد ذ. الحاتمي أن ظهير العفو يذهب إلى أن العفو الخاص يُمنح على الفعل وليس على الشخص، وبالتالي فإنه لا يمكن قانونا متابعة الأستاذ محمد عبادي بتهم تم إصدار عفو بصددها في حق فاعليها الأصليين.

وفي عرضه لبعض المطبوعات الخاصة بجماعة العدل والإحسان (مجلة الجماعة)، خصوصا في عددها السابع والعاشر حيث يقدم الأستاذ عبد السلام ياسين ملخصا للمنهاج النبوي، وتفسيرا للحديث النبوي الشريف المتابع من أجله ذ. محمد عبادي، كانت مفاجأة الجميع عندما أدلى الأستاذ الحاتمي بمراسلة خاصة موجهة من الخزانة الملكية إلى الأستاذ عبد السلام ياسين، حيث يطلب فيها مدير مديرية التوثيق التابعة للمديرية الملكية السيد عبد الوهاب بن منصور من الأستاذ عبد السلام ياسين تزويد الخزانة الملكية بنسخ من مجلة الجماعة قصد الاستفادة منها .. وهنا ساءل المحكمة والنيابة العامة عن المتابعة والخزانة الملكية تضم نسخا من المجلة التي تحتوي على الحديث النبوي الشريف الذي يتحدث عن الملك العاض والملك الجبري والخلافة الراشدة!

ومن أجل أن تتمكن المحكمة من متابعة هذه القضية، طالب الأستاذ الحاتمي من الهيأة الاطلاع على المنهاج الخاص بجماعة العدل والإحسان، مؤكدا أن خطاب الجماعة معروف وقديم. وفي آخر مرافعته طالب المحكمة بالحكم بسقوط الدعوى العمومية.

في الختام:

لم تجد النيابة العامة أي تعقيب سوى قولها بأن العبارات الواردة في الحوار اتخذت من التعابير الإسلامية ستارا لكي لا يفهم منها المعنى الحقيقي والذي أراد المتهم في نظرها قوله. ولم يتضمن تعقيبها سوى مطالبتها المحكمة تشبثها بالتهم المنسوبة للمتهم، وتمنت في الأخير أن يعم مثل هذا النقاش القانوني الجاد جميع محاكم المغرب.

انتهت المحاكمة بعد خمس ساعات كانت كلها عبارة عن دروس في السياسة والقانون، تأكد من خلالها أنه حان الوقت لكي يأخذ الجسم القضائي في المغرب زمام الأمور بين يديه، وأن يصبح القضاء سلطة مستقلة لا تخضع لأي سلطة سوى سلطة القضاء.

كما أكدت المحاكمة أن الوضع السياسي في المغرب أصبح، كما كان، يقتضي استبعاد التعليمات وتطبيق القانون، وبأن دور القضاء كما جاء في المرافعات هو البحث وتحقيق العدل والعدالة وليس الإدانة.

وقد حضر المحاكمة كل من الأمين العام للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، السيد عبد الواحد متوكل، والناطق الرسمي السيد فتح الله أرسلان، وعضو مجلس الإرشاد السيد محمد العلوي، وأعضاء مسؤولون في الجهة الشرقية، كما عرفت ساحة المحكمة حضور عدد هام من أعضاء جماعة العدل والإحسان لمؤازرة الأستاذ محمد عبادي عضو مجلس الإرشاد.

مقتطفات من حيثيات الحكم الابتدائي

… وحيث إن المحكمة من خلال دراستها للحوار المنشور بجريدة الحياة المغربية عدد 19 ولاسيما العبارات التالية:

1- نعم إن أول انكسار حدث في تاريخ المسلمين كان على مستوى الوضع السياسي حيث تحولت الأمة من خلافة راشدة إلى ملك عاض، ومن تم المرض يسري في جميع المجالات ولا يزال، ومن العبث بدء الإصلاح من مجالات أخرى دون إصلاح الوضع السياسي …

2- الجماعة موجودة في الساحة وتتغلغل بشكل طبيعي في جميع الشرائح وتتهيأ لمستقبل قريب إن شاء الله، مستقبل الخلافة على منهاج النبوة …

3- ماذا يعني شعار العدل والإحسان، فمن بديهيات العدل تحكيم شرع الله المنـزه عن الهوى وإقامة خلافة راشدة على منهاج النبوة…

4- نريدها قومة سلمية تجعل النظام يستجيب لمتطلبات الأمة وينحاز لها بدلا أن يطبق عليها مخططات الدول الاستكبارية التي تجعل شعوبها لقمة سائغة في فمه…

5- فالأمة عندما تقتنع بالإسلام فإن الحكام إما أن يستجيبوا وإما أن يحزموا حقائبهم ويلتحقوا بالدول التي رضعوا من ألبانها…

يتبين لها (المحكمة) واقتنعت اقتناعا قاطعا بكونها في معانيها الواضحة قد رتبت إخلالا بالاحترام الواجب للملك ومساسا بالنظام الملكي من خلال وصف النظام السائد بكونه ملكا عاضا وبأن ما يسمى بالجماعة تتهيأ في المستقبل القريب إلى الخلافة على منهاج النبوة، وكذا من خلال العبارة التي تشرح شعار العدل والإحسان التي تجعل من بديهياته إقامة خلافة على منهاج النبوة والتي تفيد بمفهوم المخالفة بكون  حسب المقال- بأن النظام الملكي لا يمثل الخلافة الراشدة على منهاج النبوة…

لهذه الأسباب، أصدرت المحكمة وهي تبث في القضايا الجنحية علنيا وابتدائيا وحضوريا بالحكم الآتي نصه: مؤاخذة المتهم محمد العبادي بن عبد السلام من أجل ما نسب إليه من المشاركة في الإخلال بالاحترام الواجب للملك والمساس بالنظام الملكي.