أجرت أسبوعية “البيضاوي” في عددها لهذا الأسبوع، حوارا مع الأخ عمر أمكاسو نائب الأمين العام للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، نورد مضامينه:

“إن دعوتنا إلى الحوار والميثاق ليست جديدة، وليست وليدة ظرفية خاصة نعيشها، والمتابع للجماعة سيجد أن هذه الدعوة هي مطلب أساس رافق جميع أطوارها، لأن الأمر واجب ديني أولا قبل أن يكون ضرورة سياسية ملحة..

أما المشاركة السياسية العامة فليست محصورة في الانخراط في هذه اللعبة القذرة، و نفضل أن نبقى قوة هادئة، ومحتضنة من الشعب الرافض لهذه المشاركة المزيفة”.

جاء ضمن بيان الدورة الثامنة للمجلس الوطني أنكم مازلتم مصرين على رفض المشاركة السياسية ضمن المؤسسات، ذلك أنكم تكتفون بانتقادها من الخارج، ألا ترى أن هذا أسهل الأساليب لمواجهة الوضع، وأن هذا يعتبر هروبا إلى الأمام وعلى أية أرضية وضمن أية شروط يمكنكم المساهمة في اللعبة؟

يجب أولا التمييز بين المشاركة السياسية والمشاركة في المؤسسات ، فنحن في جماعة العدل والإحسان لسنا بحمد الله من الذين يحرمون المشاركة بصفة مبدئية، إنما نرفض المشاركة في الانتخابات التي يعرف الخاص والعام أنها ليست سوى واجهة عصرية للاستبداد المخزني، وأن ما ينتج عنها من مؤسسات مغشوشة لا تعبر عن الإرادة الشعبية، وليس أدل على ذلك من مقاطعة فئات عريضة تمثل الأغلبية لهذه المسرحية الممجوجة.

أما المشاركة السياسية العامة فليست محصورة في الانخراط في هذه اللعبة القذرة، بل نعتبر أنفسنا في خضم هذه المشاركة من خلال تفاعلنا مع الواقع وما نحن منشغلون به من الإعداد العام فضلا عن التربية والتعبئة والتعريف بتصورنا وبرامجنا ورؤانا السياسية. وبالتالي فنحن لسنا من الذين يكتفون بالانتقاد من الخارج، بل نعتبر أنفسنا قوة اقتراحية بالدرجة الأولى.لكننا كما جاء في” مذكرة إلى من يهمه الأمر” نفضل أن نبقى قوة هادئة، ومحتضنة من الشعب الرافض لهذه المشاركة المزيفة.

أماشروطنا للانخراط في ما يسمونه باللعبة، فقد عبرنا عنها في كتبنا وحواراتنا، وأساسها هو توفر إرادة حقيقية للتغيير وإشراك القوى الوطنية في الحكم، وما يتطلبه ذلك من القطع مع أساليب الاستبداد والفساد، والإصلاح الدستوري الذي يجب أن يحدد صلاحيات ومسؤوليات جميع المؤسسات بشكل عادل وواضح، وقبل ذلك كله لابد من حوار وطني شامل يفضي إلى وضع ميثاق على أرضية الإسلام التي تجمعنا وتشكل أساس انتمائنا وعنوان كرامتنا وعزتنا.

كيف تعتبرون أنفسكم محاصرين، وأن حصاركم يشكل عائقا أمام تقدم البلاد، ثم ألا ترون أن هناك نوعا من المفارقة حين تنتقدون ما تسمونه تضييقا في الوقت الذي يشيدون بقيام فروع وقطاعات الدائرة السياسية بعدد من الأنشطة وكذا مشاركة مسؤولي الدائرة السياسية في عدة منتديات محلية ودولية؟

إن بعض الملاحظين يزعمون أننا استحلينا الحديث عن الحصار، والواقع أننا فعلا حركة محاصرة: فجرائدنا منعت بغير حق (الصبح والخطاب و العدل والإحسان و الفتوة) والجمعيات التي لها أدنى ارتباط بأعضاء من الجماعة تعاني كل صنوف المنع والمضايقات، وحركاتنا وهواتفنا مراقبة باستمرار، ولا تزال ثلة من الشرطة مرابطة بباب منزل الأستاذ المرشد رغم زعم رفع الإقامة الإجبارية عنه، وبعض أعضاء الجماعة لا زالوا محرومين من جوازات السفر، وكل نشاط تشم فيه رائحة العدل والإحسان مآله هو المنع … وفي خضم هذا الحصار، لم نبق مكتوفي الأيدي ، وأنشطة فروعنا وقطاعاتنا التي أشدنا بها في البيان هي فقط جزء من عدة أنشطة مخطط لها لكن المنع والمضايقات طالتها، وليس هناك أدنى تناق ض بين التنديد بحصارنا ومثل هذه الإشادة، وهذا الحصار يشكل فعلا عائقا أمام تقدم بلادنا لأنه يحرم فئات عريضة من أبناء الشعب من المساهمة الحرة في البناء والإنقاذ، وسنظل متشبثين بحقنا في العمل الحر المسؤول والتنديد بالحصار الذي يريد أن يشل حركتنا والذي يشمل أيضا جميع الأنشطة الهادفة البناءة لحركات أخرى.

جددتم الدعوة خلال البيان لإقامة حوار وطني شامل، هل صحيح أنكم أصبحتم تشعرون بالعزلة،وهل هذا نوع من النقد الذاتي تمد عبره الجماعة جسور الود مع المجتمع الديمقراطي؟

إن دعوتنا إلى الحوار والميثاق ليست جديدة، وليست وليدة ظرفية خاصة نعيشها، والمتابع للجماعة سيجد أن هذه الدعوة هي مطلب أساس رافق جميع أطوارها، لأن الأمر واجب ديني أولا قبل أن يكون ضرورة سياسية ملحة. وقد ركزنا على هذه الدعوة في خطابنا الدعوي منذ التسعينيات لأن الأزمة وصلت في بلادنا مستوى خطيرا يتطلب تكاثف الجهود ولم الصفوف وتجميع القوى، وهذا هو سر إلحاحنا على الحوار في هذه الفترة الأخيرة. ونحن والحمد لله لا نشعر بأية عزلة، فعلاقاتنا مع المكونات الوطنية الأخرى في تقدم مستمر، و خطواتنا نحو مشروع الميثاق ماضية بشكل حثيث، ومن خصال منهاجنا التؤدة والتريث وعدم الاستعجال، لأننا أصحاب مشروع شامل ولسنا طلاب المناصب والمكاسب الآنية، وإصرارنا على مطلب الحوار والميثاق عنصر قوة في سلوكنا السياسي وليس عنصر ضعف أو استجداء.

تعتبرون في بيانكم أن الحرب على الإرهاب هي حرب على الإسلام، ألا ترون أن الحركات الإسلامية المحلية والعالمية هي من أعطت الفرصة لشن هذه الحرب من خلال مواقفها المتطرفة وفكرها التكفيري؟ ثم ألم تفكروا في ممارسة نوع من النقد الذاتي لمواقفكم وخطاباتكم على غرار بعض الحركات الإسلامية ما بعد 11 شتنبر 2001 و16 ماي 2003؟

إن الحملة الشعواء التي تشنها الولايات المتحدة الأمريكية على المسلمين بصفة مباشرة في العراق وأفغانستان وبصفة غير مباشرة في فلسطين من خلال دعمها السخي للكيان الصهيوني، وفي مناطق أخرى من وطننا الإسلامي، هي حرب مكشوفة على الإسلام وقيمه، وما نجده من غلو وتشدد ونزعة تكفيرية عند بعض الحركات المحسوبة على الإسلام لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نقبله مبررا لهذه الحرب، لأن هذه الحركات معدودة وأثرها محدود، والذي أعطاها المشروعية والامتداد هو واقع القمع ومستوى الانحراف عن نهج الإسلام والتضييق على الحركات الإسلامية المعتدلة .

ونرجو أن تدرك الولايات المتحدة الأمريكية ومن سار على نهجها بعد سنتين من الحروب المدمرة في أفغانستان والعراق أن مقاربتها لمسألة الإرهاب هي مقاربة خاطئة ولن تؤدي إلا إلى مزيد من الاضطرابات وردود الفعل ، وقد حان الوقت لتستمع هي ومن معها إلى المقاربات الأخرى التي تركز على جذور الإرهاب وأصوله وعلى رأسها دعمها السخي للكيان الصهيوني الإرهابي، ومساندتها اللامشروطة للأنظمة الاستبدادية التي ايتليت بها أمتنا, ولا ينبغي أن ننسى في هذا الصدد دور الولايات المتحدة في ترسيخ نظام صدام حسين وتقويته.

كما نرجو أن تتفهم دولنا التي انساقت في نفس المسار، ومنها مع كل أسف بلدنا ، أن الخطوات الأولى والأساس في محاربة التطرف والتشدد هي العدالة الاجتماعية والحريات العامة وضمان حقوق الإنسان وترك الحركات الإسلامية المعتدلة لتمارس مهامها في التربية والبناء والتغيير .

أما ممارسة النقد الذاتي، فهذا أمر حاصل عندنا باستمرار،ولا ننتظر هذه الأحداث وغيرها لنقوم بذلك، فحركتنا والحمد لله تسير وفق تصور واضح المعالم هو ما نصطلح عليه بالمنهاج النبوي، ولدينا ثوابت نتمسك بها في جميع المراحل، ولدينا هامش من المرونة نصانع به واقعنا ونكيف به تفاعلنا مع المستجدات حسب ما تتوصل إليه مؤسسات الجماعة من اجتهادات، وكل ذلك يخضع لتقويم مستمر، ولسنا بحمد الله ممن يجمد على شكل واحد من العمل. وبالعكس، فإن أحداث 11 شتنبر و16 ماي أكدت صواب منهاجنا في التغيير الذي يركز على اللاءات الثلاثة: لا للعنف، لا للسرية، لا للارتباط بالخارج.