قال الأمين العام للدائرة السياسية في حوار له مع أسبوعية الصحيفة إنه رغم وجود أحكام قضائية صريحة تؤكد أن الجماعة قانونية، فلا تزال السلطات تعتقل هنا وهناك أعضاء من الجماعة بتهمة الانتماء إلى جمعية غير مرخص لها، وهذا نموذج من الاستفزازات.. وانتقاد الحكومة شرف لها ما أحسب أنها تستحقه.

حضر الأستاذ عبد السلام ياسين بعض أشغال لقاء الدائرة السياسية وألقى فيها كلمة، هل يمكن أن تكشفوا عن مجمل ما قاله الأستاذ عبد السلام ياسين في هذه المناسبة؟

الأستاذ المرشد حفظه الله، كعادته تلامس كلماته قضايا متعددة، تربوية ودعوية وسياسية. وهناك أمور لا يمل من التذكير بها والإلحاح عليها في كل المناسبات. ففضلا عما أشار إليه من ضرورة الثبات، وعدم الاستجابة للاستفزازات المتكررة التي تتعرض لها جماعة العدل والإحسان، ركز على مسألة التربية باعتبارها أساس دعوتنا وقضية محورية في مشروعنا، كما حذر من العنف لما يترتب عليه من عواقب وخيمة عانت منها الأمة الإسلامية قرونا ولا تزال. وقد استشهد ببعض النصوص وأشار إلى بعض الأحاديث التي تبين مآل خيار العنف وما جر على المسلمين من نكبات. لذلك فقد أكد على ضرورة التمسك بالخط الذي اعتمدته الجماعة، وعلى خيار الرفق والرحمة والإشفاق على أمة أثخنتها الجراح، مستشهدا بما ورد في هذا الباب من أحاديث نبوية، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: “إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف”، و”إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه”، كما أنه نبه إلى ضرورة التجديد في أشكالنا التنظيمية وأساليب العمل وغير ذلك مما هو معدود من الوسائل التي يتعين تطويرها باستمرار، وألا نبقى أسارى بعض المألوفات إن تبين أنها غير مجدية ولا مفيدة للأهداف المرجوة. وقد نبه أيضا إلى الأخطار والانزلاقات التي تتهدد المشتغل بالعمل السياسي إن فرط فيما افترضه الله عليه من صلاة لوقتها وصيام وغير ذلك من الأمور المعلومة لدى المسلم مع إخلاص النية لله. فمن ههنا، كما يقول دائما، أي من التفريط في الأصول التربوية الربانية ينشأ الكثير من الصراعات والنزاعات التي يتولد عنها الفشل وذهاب الريح وضياع الأهداف الكبرى.

تميزت الفترة الأخيرة بعدة اعتقالات ومحاكمات شملت بعض أعضاء جماعتكم. كيف تدارستم قيام الدولة بهذه الممارسات تجاهكم؟

الاعتقالات والمحاكمات والمضايقات التي تتعرض لها جماعة العدل والإحسان ليست جديدة، وإنما رافقتها منذ التأسيس دون أن يكون لتلك أي مسوغ. وحتى يومنا هذا، ورغم وجود أحكام قضائية صريحة تؤكد أن الجماعة قانونية، فلا تزال السلطات تعتقل هنا وهناك أعضاء من الجماعة بتهمة الانتماء إلى جمعية غير مرخص لها. فهذا نموذج من الاستفزازات التي تتعرض لها، والتي أشار إليها الأستاذ المرشد حفظه الله ودعا إلى عدم الالتفات إليها ومواصلة العمل في ثبات لبث الوعي الإسلامي دونما إفراط أو تفريط، وبعيدا عن الاستخفاف أو المغالاة. ونحن واثقون بعون الله أن هذه المضايقات لن تزيد الجماعة إلا قوة وتماسكا، وأنصارا وتعاطفا، لا سيما وأن الإجراءات التي تستهدفها هي إجراءات تعسفية وظالمة بكل المقاييس.

من هم “الأعداء الحاقدون” (على حد تعبير البيان) الذين قد يكونوا وراء حملة التصعيد ضدكم؟

الأعداء الحاقدون هم أولئك الذين لهم مواقف مسبقة وعدائية تجاه الحركة الإسلامية عموما والعدل والإحسان بصفة خاصة، وينتهزون كل الفرص، بل يفتعلونها افتعالا، بغرض الإجهاز على الحركة الإسلامية، أو على الأقل محاصرة مدها المبارك. وكل من يذكر كيف استغل هؤلاء وأمثالهم أحداث 16 ماي الدامية وراحوا يحملون المسؤولية لكل الجماعات الإسلامية، هكذا، دون حياء. فبدل الحديث عن المسؤولين الحقيقيين والفعليين، جاء الاتهام عاما وشاملا. وهذا موقف لا يمكن أن يصدر إلا عن جاهل أو حاقد، وإلا فإن العقلاء بعيدون عن ذلك ويعرفون أن الإنسان بريء حتى تثبت إدانته وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى. إن هذه الفئة والتي تسمى أحيانا بـ”الاستئصاليين” مبثوثة في الإدارات وفي بعض المواقع المسؤولة، وهي تحرك هذه الحملات لتبث حالة الرعب وعدم الاستقرار في البلد ليتأتى لها البقاء في مواقعها والمحافظة على امتيازاتها، وإن كان ذلك على حساب الشعب وسمعة البلاد.

عبرتم في الدورة الأخيرة من أشغال المجلس القطري للدائرة السياسية “استعدادكم للتعاون مع المخلصين في هذا البلد”. هل هذه دعوة صريحة من جماعة العدل والإحسان إلى الترخيص لها بحزب سياسي؟

مسألة حزب سياسي هي مسألة جزئية، والمشكلة ليس أن يكون عندك حزب سياسي أو لا يكون. المشكلة أو الإشكال، كما يقولون، هو في أي إطار وفي أي مناخ سياسي يكون العمل. الآن عندنا أحزاب سياسية عدة، لكن الكل يشتكي صراحة أو ضمنا من حالة الاختناق المهيمنة، مما يجعل دور الأحزاب هامشيا جدا. لذلك، فالقضية الأساسية، المطروحة على بلدنا اليوم وبإلحاح تتطلب وقفة صريحة ومقاربة شاملة وإرادة سياسية حقيقية إن كنا نريد فعلا أن يتوقف النزيف، ونتجاوز حالة الركود العامة وما تهدد به من انهيار تام، ونؤسس لانطلاقة جادة وواعدة. وقد ذكرنا مرارا من أنه لا مناص من تدشين حوار وطني جاد يشارك فيه الجميع، لا يستثني منه إلا من استثنى نفسه، يتمخض عنه ميثاق تاريخي يؤسس لمرحلة جديدة من تاريخ بلدنا، تقطع مع ماضي الجور والفساد، وتتصدى لتحديات الحاضر ومطالب المستقبل بحكمة وروية وبعد نظر، بعيدا عن المزايدات الفارغة والشعارات الفضفاضة. ونعتقد أن الفكرة ليست مستحيلة ولا حالمة، وفي تاريخ الأمم والشعوب من التجارب المشابهة ما يكفي للدلالة على أننا لا نبتغي المستحيل أو نروم التعجيز، ولدينا من المؤهلات ما يكفي وزيادة لكي ندخل بإذن الله التاريخ من بابه الواسع ولا نبقى علىالهامش، كما هو الحال الآن، وأعتقد أن ما يجري في العالم اليوم، وفي عالمينا العربي والإسلامي بصفة خاصة، كاف لإقناع المتشككين والمترددين بإعادة النظر في مواقفهم والمباردة بصورة جماعية لإخراج البلد من هذه الحال المأساوية التي يعيشها.

سجلتم ملاحظة سلبية في حق مدونة الأسرة واعتبرتم أنها عجزت عن بلوع ما يتيحه الشرع الإسلامي، ومن ضمن ما جاء في نص البيان أن الباعث على وضعها لم يراوح مجرد الكسب السياسي والصيت الخارجي. هل يمكن أن توضحوا في ذلك أكثر؟

لا يتسع المجال للدخول في تفاصيل هذا الموضوع، وقد تحدثت أخواتنا في القطاع النسائي عنه في عدة ندوات واستجوابات، وبين السلبيات والثغرات المتضمنة والمحيطة بالمشروع. وحسبي هنا أن أشير إلى أن مشروع المدونة، فضلا عما يكتنفه من ثغرات تنبئ بفشله شبه المؤكد، إن لم أقل المؤكد، فإن السياق الذي جاء فيه والاعتبارات التي أملته كلها تؤكد عدم الاطمئنان إلى الشعارات المرفوعة والمبشرة بغد أفضل للمرأة. إن قضية المرأة لا يمكن أن تختزل في تغيير أو تعديل بعض النصوص. فهذا لن يحل المشكل. القضية، وكما قلت قبيل قليل، تحتاج كغيرها من قضايا مجتمعنا، إلى مقاربة شاملة وإلى مشروع متكامل متوافق عليه، مستند إلى إسلامنا وحضارتنا، ومدعوم بإرادة سياسية صادقة من نشدانها للتغيير، ومن رغبتها في إخراج البلاد من الفقر والأمية ومن الفساد الذي اكتسح الإدارة والقضاء والإعلام والصحة وكل المجالات، وإلا فإن أمثال هذه المبادرات لن تكون، في أحسن الأحوال، إلا مسكنات، سرعان ما يزول مفعولها، ويبقى الواقع بآلامه ومآسيه يفضح الخداع والاستخفاف بكرامة الإنسان وذكائه.

انتقدتم انخراط المغرب في مبادرة جنيف لإحلال السلام في الشرق الأوسط. على أي أساس بنيتم هذا الانتقاد؟

وثيقة جنيف ناقشها الكثير من المحللين والسياسيين وبينوا ما تنضوي عليه من مخاطر على القضية الفلسطينية بصفة عامة وحتى اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم بشكل خاص، واعتبروها منافية حتى للقرارات الصادرة عن الأمم المتحدة. وهي في الحقيقة لا تعدو أن تكون مجرد صيغة جديدة لمبادرات قديمة هدفها الأساسي إقامة دولة صورية، مشوهة الملامح، مقطعة الأوصال، لا سيادة فيها للفلسطينيين. ولذلك فإن الانخراط في هذه المبادرة أو دعمها يعتبر بوعي أو بغير وعي دعما للصهاينة وتشجيعا لهم على الاستمرار في مواصلة اغتصابهم للأرض المباركة وتنفيذ جرائمهم بحق إخواننا الفلسطينيين.

هل شهدت هذه الدورة من أعمال الدائرة السياسية إجراءات تنظيمية كإعادة انتخاب مسؤوليها أو ما شابه؟

في كل دورة تكون هناك إجراءات تنظيمية جديدة، إما بتعديل بعض القوانين أو تغييرها كلية إن تبين عدم صلاحيتها، واعتماد قوانين أخرى إن دعت إلى ذلك الحاجة، أو تشكل لجان أو ينتخب مسؤولون جدد أو غير ذلك. فهذه أمور عادية وتتم بصورة منتظمة وليس في ذلك أي غرابة. فنحن لا نزعم أن مؤسساتنا أو أساليب عملنا قد بلغت الكمال. لذلك فنحن نبذل قصارى جهدنا، رغم العراقيل الكثيرة والأجواء السياسية الثقيلة المهيمنة على البلد، لتطوير وسائلنا لتكون بإذن الله فاعلة وفي مستوى الأهداف المنشودة.

لم توجهوا أي انتقاد مباشر لسياسة الحكومة الحالية، إلى ما يرجع ذلك؟

انتقاد الحكومة شرف لها ما أحسب أنها تستحقه. فلو جاءت إلى الحكم عن طريق صناديق الاقتراع الشفاف، وعبر انتخابات حرة ونزيهة، لكانت أهلا للاحترام، وإن اختلفنا معها من أساليب التدبير وأهدافه وبرامجه، ولو كانت تحكم بالفعل لكانت جديرة باحترام أكثر وإن لم تكن راضية عن أدائها وغير موافقين لسياساتها. أما والحال كما يعلم الجميع، فإن انتقادها صرف للأنظار عن المشاكل الحقيقية، وشرود عن مكامن الداء، وتضليل للناس عن نقطة البدء الصحيحة للخروج من الأزمات المتراكمة والمحن المتوالية التي يكتوي بلظاها أبناء هذا البلد الكريم. لذلك فحكومتنا الموقرة إن كانت تستحق شيئا، فهي تستحق الإشفاق للدور التي قبلت طائعة أن تؤديه في الزمن، وهو دور غير مشرف على ما يبدو.

أجرى الحوار: نور الدين بنمالك