بداية نود أن نعرف قراء جريدتنا بالمحاوَر فمن هو محمد الزاوي؟

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه. أولا أشكر الإخوة الكرام على هذه المبادرة الطيبة التي سنحاول أن نصل بها الرحم الإيماني والجهادي مع أحبتنا وفي مقدمتهم الطلبة الذين نكن لهم غاية الحب والتقدير، فعبر هذا الحوار نحاول بإذن الله تعالى أن نتجاوز المكان والزمان لنعانق رجالا صنعوا التاريخ، والحياة بجهادهم الباسل الذي تصلنا فتوحاته وأصداؤه ومنها هذه الجريدة التي أبت إلا أن تضيف إلى جهاد الحركة والنضال، جهاد الكلمة والحجة. أنا محمد بن طيب الزاوي من مواليد سنة 1968 بالبيضاء، لدي 3 أخوات وأخ واحد، نشأت وترعرعت بمدينة تازة قضيت فيها فترة الشباب والدراسة، تابعت دراستي الجامعية بجامعة محمد الأول بوجدة إلى حدود السنة الثالثة علم الأحياء BG سنة 91 تاريخ الاعتقال، حصلت على الإجازة في شعبة الدراسات الإسلامية 96/97، ثم الإجازة في علم الاجتماع (97/98) وحاليا أدرس في السنة الثانية بالسلك الثالث تخصص مناهج البحث في العلوم الإسلامية بكلية الآداب بجامعة محمد الخامس بالرباط.

قوبل ظهور الإسلاميين في الساحة الجامعية بالقمع والتضييق من طرف فصائل اليسار والقاعديين منهم خاصة، فكيف كانت انطلاقة العمل الطلابي؟ وما هي سماته؟

كانت مواقف الطلبة الإسلاميين من العمل النقابي متباينة: منهم من يرفض الخوض فيه مطلقا تماشيا مع تصورهم للعمل الإسلامي فتم الاقتصار على الدعوة داخل مسجد الحي الجامعي، دون المساهمة الجادة على مستوى الفعل والمعارك الطلابية، ومنهم من كانت لهم مساهمة محتشمة لغياب تصور مكتمل عن العمل الطلابي وكان طلبة فصيل العدل والإحسان ينتظرون الفرصة السانحة للنـزول إلى الساحة وطرح تصورهم للعمل الطلابي.

وبخلاصة كان الطلبة الإسلاميون يعيشون حالة ترقب ومتابعة حذرة للساحة الطلابية لأسباب عديدة، أهمها القمع الممنهج، والإقصاء المعلن من طرف الفصائل اليسارية التي كانت تلمز الطلبة الإسلاميين بنعوت وتهم شتى: التزمت، الإرهاب، ومساندة طلبة الاتحاد العام بهدف القضاء على “أوطم” و …

كان الطلبة الإسلاميون محرومون من المشاركة في الحلقات، وكل من حاول الإدلاء برأيه اتهم بخرق الإطار وبأنه من أعداء الديمقراطية والتقدمية فكانت مبادئ أوطم سيفا ذا حدين: يؤطر الطلبة باسمها وتستعمل في نفس الوقت عصا، ومبررا لقمع طلبة الفصيل، فالمرحلة الأولى لظهور الطلبة الإسلاميين اتسمت بالإقصاء والاعتداء الذين برزا بشكل جلي في أحداث 1987 على إثر أمسية أقامها الرفاق بجامعة محمد الأول بوجدة وأعلنوا فيها كفرهم البواح.

فخصائص هذه المرحلة جعلت الإخوة يقتصرون على المساهمة في العمل الطلابي من بعيد وفي المقابل كان هناك اعتكاف وانكباب على الذات والتأطير الداخلي، ومحاولة اكتساب القدرة على الفعل الجاد والمسؤول. فالفصائل اليسارية كانت في أوجها وتمارس الإرهاب والاعتداء الجسدي على كل صوت يخالف نبرتها وبالتالي كان لابد من الصبر والتدرج في اقتحام العديد من العقبات.

اندلعت في يوم السابع من أكتوبر عام 1991، أحداث جامعية بين الفصائل الإسلامية وفصائل اليسار المتطرف، فما هي الأسباب الحقيقية الكامنة وراء اندلاع تلك الأحداث؟

إن تلك الأحداث لم تكن وليدة عام 1991 فقط، بل منذ أن وطأت أقدام أبناء الفصيل الساحة الطلابية وهم يتعرضون لشتى أنواع الإهانة والتضييق والحرمان من أبسط الحقوق الطلابية وهي المشاركة بنقطة نظام في حلقية نقاش.

ففي البداية كنا نمتنع عن الدفاع عن أنفسنا وقبلنا الإهانة على مضض واخترنا العمل إلى أن يتقوى عود الفصيل وتلتف حوله الجماهير الطلابية التي لها الحق في اختيار ممثليها ومن يقود معاركها، حينئذ ستجد الفصائل اليسارية نفسها مضطرة للخضوع لإرادة الجماهير فكان اقتناع الإخوة أن الرد على استفزازاتهم اليومية والدخول في المواجهة لن تجني منه الحركة الطلابية إلا خرط القتاد كما يقال.

أما بخصوص الأحداث الجامعية لعام 91 كانت لها سمات متميزة أججت الوضع وجعلته قابلا لانفجار الصراع، فقد تم الإعلان في عدة مواقع جامعية عن فصيل طلبة العدل والإحسان، وأظهر الفصيل قدرته على المبادرة وتأطير الطلبة وإشراكهم الواعي في القرار وإدارة المعارك النضالية مما دفع بالطلبة إلى الإقبال على الفصيل والاستبشار بمشروعه، وهذا شيء طبيعي لأن ما عاشته الجماهير الطلابية تحت قيادة اليسار من هستيريا العنف والإرهاب حيث كانت اللجان فوقية غير منتخبة بل تطبخ في الكواليس ولا يسع الطلبة إلا الإذعان والتزكية تحت طائلة من التمويهات المصطنعة، في حين نجد الفصيل يدعو إلى التحرر من الذهنية القطيعية ويفتح المجال أمام الطلبة للإدلاء بآرائهم وقيادة المعارك النضالية بأنفسهم بعيدا عن كل تحجير أو إقصاء.

ينضاف إلى هذا عامل آخر هو قطب رحى الأحداث أن المولود الجديد كانت ولادته الموفقة إيذانا بالرجوع إلى الأصل والفطرة والإيمان كل هذا جسده الفصيل على مستوى الخطاب والفعل النضالي اليومي. فالطلبة إذن كانوا ينتظرون من الإسلاميين عموما وفصيل العدل والإحسان خصوصا تحريرهم من قمع اليسار ومطرقته وسندانه وقبل هذا من إلحاده ودوابيته ولكن الفصيل نفسه كان سجينا ومحروما فكيف له أن يقود معركة التحرير هذه، بل إن ما تعرض له طلبة الفصيل من إذاية وتعذيب مستمر، وقابلوه بالصبر والاكتفاء بإشعار الطلبة بالمظلومية رسخ لدى الطلبة نظرة حقيرة على الإسلاميين والفصيل خاصة، وهذا يدل على أننا تحملنا الأذى الكثير، وتحلينا بصبر لم يتحمله على غير المتعاطف، كل هذا فجر سعار اليسار وغيظه فبدأ يفكر في أساليب أكثر وحشية من السابق علّه يحد من نشاط هذا الفصيل الفتي، أما على مستوى الشارع السياسي فقد كانت هناك اعتقالات استهدفت مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان واستمرار الإقامة الجبرية المضروبة على المرشد العام للجماعة منذ دجنبر 89، واعتقالات واستنطاقات هنا وهناك، واكبه إقبال الناس على الجماعة من مختلف الشرائح الاجتماعية وامتداد في الشارع السياسي والقطاع الطلابي مقابل أفول اليسار خاصة بعد تفكك المعسكر الشيوعي والدولة الحامية، فكان اليسار يعيش أيامه الأخيرة مما جعله يفكر في أساليب “الثورية” المعتادة لديه وهي جر الفصيل إلى المواجهة لتلطيخ سمعته مستغلا لذلك المنابر الإعلامية التي تستغلها الأحزاب اليسارية وكذا المخزن، ولتمكين النظام الحاكم من اعتقال نشطائه لعل ذلك يحفظ له ماء وجهه، ويعيد إليه الحياة من جديد، أضف إلى ذلك أن الفصائل اليسارية كانت ترغب في الظهور في الساحة الجامعية بمظهر الممثل للجماهير الطلابية، خاصة بعد الإفراج عن المعتقلين اليساريين سنة 89/90 وفي مقدمتهم إبراهام السرفاتي، الذي كان يحرض القاعديين ويحثهم على عرقلة نشاط الإسلاميين بشكل واضح، لكن إقبال الجماهير الطلابية والتفافها حول فصيل طلبة العدل والإحسان خيبت آماله وأفقدته الصواب وأشعرته بالموت والانتحار.

تعلمون أخي الزاوي أن أحداث أكتوبر 91 جاءت مباشرة بعد ارتكاب فصائل يسارية لجرائم دنيئة تمثلت في التبول على القرآن الكريم، والتبول في المسجد، وسب الله تعالى، وانتزاع حجاب المؤمنات والتهديد باغتصابهن. ألم تكن هذه الجرائم أسباب رئيسية في اندلاع الأحداث؟

هذه اللمحة وملامح عامة على الجو الطلابي الذي عاشه الإسلاميون والطلبة بصفة عامة كي أنطلق إلى السبب الأساسي الذي أدى إلى انفجار الأحداث فرغم القمع ومحاولة وأد وجود الطلبة الإسلاميين، استطاعوا الصمود وتجنب الصراع لإدراكه جليا أنه لا يخدمهم بقدر ما يخدم اليسار من جهة، والنظام من جهة أخرى، كانوا يعرفون أن هاته مؤامرة تحاك ضدهم نسجت خيوطها في الخفاء بين اليسار والنظام، فتجنبوا الصدام مما أدى باليسار إلى فقدان صوابه وإزالة القناع عن وجهه الكالح الذميم وذلك بالتبول على المصحف الكريم، والإقدام على نزع الحجاب، وفتح حلقيات لمناقشة الدين الإسلامي والاستهزاء به، والجهر بالإلحاد ليلا ونهارا، وغيرها من الجرائم التي عجز اللسان عن البوح بها أدبا مع الله تعالى، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.

يقال إن الفصائل اليسارية كانت متواطئة مع المخزن للحد من نشاط الإسلاميين، هل لديكم تعليق على هذا الكلام؟

قلت إن هذه مؤامرة بين اليسار من جهة والنظام من جهة أخرى ولهذا عدة أمثلة ودلائل دامغة، أولا: انتعاش اليسار خصوصا بعد إطلاق معتقليه، وإبراهام السرفاتي، كانت له تصريحات محرضة على دحض الإسلاميين، ثانيا: الفشل الذريع لمساومات النظام الحاكم الذي حاول تركيع الجماعة، هذا الفشل أدى به إلى إظهار نفسه أنه أقوى وقادر على تركيعها، فكانت اعتقالات كلية الطب بالبيضاء “24 يوليوز 91” وحوكم فيها الطلبة بتهم ملفقة كالسرقة الموصوفة والاحتجاز … وكان المنتظر الحكم عليهم بأحكام قاسية لكن اعتصام 19 غشت 91 الذي نظمته جماعة العدل والإحسان كان ضربة قاضية للنظام، أضف إلى ذلك ملاحظة النظام لنشاط الفصيل داخل الجامعة المتسم بالجدية ومحاولة الهيكلة لتجاوز الحظر العملي المفروض على أوطم.

وكي أبين تواطؤ النظام مع اليسار لابد من تبيان مصالحه تكلمت عن مصالحه محليا، أما إقليميا فقد كان هناك انتصار وامتداد للصحوة الإسلامية على مستوى المغرب العربي، والجزائر يحدها غربا موقع وجدة وكذلك على المستوى الدولي كانت هناك صحوة أعطت للعيان أنها قادرة على قيادة الشعوب الإسلامية نحو التغيير والتجديد والتحرر من التبعية الذليلة للغرب، خاصة بعد اندثار المعسكر الشرقي حيث برزت أمريكا للوجود واستحوذت على العالم وشحذت أسلحة العداء والمكر للإسلام فصرنا نسمع بـ”صراع الحضارات”.

بالنسبة لليسار كان يعتبر فاس كابول التي استعصى على المجاهدين الأفغان اختراقها، وكانوا يعتبرون وجدة مقاطعة تابعة لفاس، فالموقعين ظلا تحت نفوذ اليسار، وفي السنة الفارطة 90/91 أراد القاعديون الإعلان عن لجنة التنسيق الوطنية بجامعة فاس متجاوزين اللجان الشرعية المنتخبة، وبالتالي تجاوز الإسلاميين، لكن الوجود الإسلامي في هذا الأسبوع الثقافي أجهض هذه المحاولة بطريقة حضارية، وذلك بإيضاحه للجماهير الطلابية أن لجانهم مطبوخة في الكواليس، مما فجر سعار وغيض اليسار في الموسم الجامعي اللاحق.

بين النظام واليسار إذن تلاقت المصالح والأهداف، كان عدوهم المشترك هو الإسلاميون، فكان التآمر والمكر، وأوضح معطى تاريخي مهم للأجيال يبرز هذا التواطؤ هو أنه أثناء تواجدنا بمركز الشرطة جاء رفاق لفرز الإخوان النشطاء والتعرف عليهم وأنا شخصيا جاء رفيق قد دلّهم علي وعلى عدد من الإخوة، وبأذني هاته سمعت رجل أمن يقول لرئيسه: “جاء ثلاثة رفاق لمساعدتنا في فرز الإخوان النشطاء”. أضف إلى ذلك أن المحاكمة اقتصرت على طرف واحد، في حين أن المواجهة كانت بين طرفين طرف معتقل يعذَّب، وطرف آخر يتجول في الساحة الجامعية بكل حرية، كان الأولى حتى تمويها اعتقال بعض العناصر منهم، كذلك ما عرفته الساحة الجامعية أخيرا، وتلكس وزارة الداخلية دليل على تواطؤ مكشوف بين فريقين اختارا زواج متعة ولو بعد حين.

ننتقل إلى حدث مهم في حياتكم وهو الاعتقال، هل تتذكرون وقائعه وكذا التعذيب الذي تعرضتم له داخل مراكز الشرطة؟

كان الاعتقال بعد أذان مغرب يوم الجمعة 1/11/91 وتزامن مع عطلة المسيرة، معظم الإخوان غادروا منازلهم للعطلة، وآخرون مقبلون على المغادرة، بعد أذان المغرب نفاجأ باقتحام منازلنا من طرف البوليس، وقع هذا بعد ما تعرضنا له من ضرب واعتداءات خاصة الحدثين البارزين في 14 أكتوبر 91 بعد إنزال اليسار من فاس حيث اعتقدنا أن الأخوين بروز عبد الإله والبشير بخريشن توفيا لكونهما طعنا بالخناجر في صدورهما وفي كل أطراف الجسد، ولم يتركا إلا بعد أن أغمي عليهما وبقيا ملطخين بالدماء في الشارع المؤدي إلى كلية الآداب إلى أن جاءت سيارة الإسعاف لنقلهما إلى الإنعاش بمستشفى الفارابي، ومما يبرز التواطؤ هو أن النظام مجرد أن استعاد الإخوة الضحايا أنفاسهم أخرجوا لإتمام العلاج خارج المستشفى، كي يؤكدوا أن الإسلاميين لم يتعرضوا للضرب والاعتداء بل هم المعتدون، كان الإخوان في عداد الموتى فلم يصدق أي أحد منا خبر بقائهما أحياء، كانت كرامة ربانية! وأعظم بها من كرامة. بعد كل هذا لم يتدخل الأمن، كان اليسار يهجم على منازلنا والسيمي يرابط قربها، بل إن أفراده كانوا مرابطين بمخفر الشرطة القريب من منزل معروف بالاسفنجي الذي يقطنه الإخوان فلا تسمع لهم ركزا؛ لماذا لم يتدخل السيمي طيلة المدة التي كنا فيها مضطهدين، وتدخل في فاتح نوفمبر 91؟ فبعد طول المدة والصمود والثبات، أعلنَّا على مستوى الساحة الجامعية فتح المجال للصفح على المغرر بهم وعدم الانتقام بشرط التوقف عن الاعتداء وإشعارنا بالاعتذار، وكان الهدف هو تطويق هذه الأحداث وفك القمع الممارس على العديد من الطلبة الذين جروا إلى الأحداث وأصبحوا يحسون بسبب تورطهم في الاعتداء على الإخوان والأخوات أنه لا بديل لهم إلا بالاستمرار في المعركة إلى حين استسلام الإسلاميين، فوقع إقبال العديد من طلبة اليسار على منازل الإخوان طلبا للاعتذار مما استفز اليسار، وبدأت داخله بعض الصراعات وشبه انشقاقات وصلت حسب ما قيل إلى الاصطدام والتصفية الجسدية، طرف يرى ضرورة توقيف الأحداث والاعتداءات، وطرف آخر يرى الاستمرارية إلى حين استسلام الإسلاميين واعتزالهم للنشاط الطلابي.

كان إقبال اليساريين على الاعتذار لطلبة الفصيل إيذانا بترجيح الكفة لصالح الإخوان، وبالتالي انقراض اليسار من الساحة الجامعية وفتح المجال لفصيل طلبة العدل والإحسان، ثم إن القاعديين والمتعاونين معهم كانوا شرذمة قليلة، تم تطعيمها من طلبة فاس وطلبة من الحسيمة غادروا الجامعة منذ سنوات، كان الأمر مجرد إنزال لابد أن يتوقف مع طول الوقت مما جعل الشرذمة القليلة المحلية تتوقف وتخطط لما بعد عودة الرفاق المساندين إلى مواقعهم. طول المعركة لم يكن في صالح اليسار، ففي هذه الفترة بالذات تدخل الأمن، بعدما يقرب من شهر من المشادات وطرد الإسلاميين من المؤسسات الجامعية، وغليان مدينة وجدة حيث كانت جل خطب الجمعة تتناول -مستنكرة- الإلحاد المستشري في الجامعة، مما أدى إلى استنطاق بعض الخطباء، تدخل النظام واعتقلنا لإنقاذ ماء وجهه أولا وجاء وجه اليسار ثانيا وإنقاذ المؤامرة الفاشلة والزواج غير الشرعي مع اليسار، هذا من جهة، ومن جهة أخرى تشويه سمعة الجماعة وطلبة الفصيل. تم تطويق حي القدس بمختلف قوات الأمن فتم اعتقال بعض الطلبة المتواجدين فيما يسمى بمنـزل الاسفنجي بعد أن كسروا الأبواب بالعصي، فزجوا بنا في مراكز الشرطة، لنجد لائحة مدونة فيها أسماء الإخوة النشطاء، قرأوا الائحة وكل من يسمع اسمه يقف، هذا هو الفرز الأول.

هل تعرضتم للتعذيب داخل مخافر الشرطة؟

يبقى الكلام ضروريا عن التعذيب وأصنافه كي نوضح للأجيال، وهذا الشعب المستضعف بشاعة هذا النظام المخبوء، كانت أول خطوة للبوليس هو قراءة للأسماء المدونة في اللائحة (كذلك هناك شهادة استغلها الإعلام المرئي للطالب عبد السلام البوعثماني الذي اعتقل برفقتنا جاء إلى منزل الإخوان ليشعرهم بالاعتذار وعدم اعتدائه مستقبلا على الإسلاميين استجابة لمناشدة ونداء طلبة الفصيل الذي تحدثنا عنه فيما قبل، فأراد الطالب مغادرة المنزل لكنه امتنع عن الخروج منه في النهار خوفا من متابعة الرفاق، وفي المساء) وكنت من بينهم، أصعدونا إلى زنازن الطابق الأول واستقبلونا بالهراوات والسب والاستهزاء بالله سبحانه وتعالى، كنا نكبر أثناء صعودنا وكانوا يكبرون بدورهم استهزاء بالله، وباقي الإخوة باتوا الليل كله ساجدين على الحصى (الكاياس) حيث جرح العديد من الإخوان، أحسوا وكأنهم جالسين على مسامير بسبب حدة الحصى، تبول بعضهم في أماكنهم، الرؤوس منكوسة والعصي تهوي على الظهور دون توقف، تلكم ضيافة الداخلية واستقبال الحجاج.

كنا معصوبي العينين نضرب بالعصى في مختلف أطراف الجسد، ويصلنا صدى الإخوة المتواجدين داخل المكاتب المخصصة للتعذيب وكذا الكلام الساقط والاستهزاء بالإخوة والدين، ومكثنا في مركز الشرطة أسبوعا كاملا كله استنطاق وتعذيب، كان جهاز الاستخبارات يتناوب علينا صباح مساء، نستنطق ونعذب من طرف رجال الاستعلامات العامة RG صباحا ثم يخلفهم جهاز DST مساء، أتذكر أني تعرضت في إحدى الليالي للتعذيب الشديد بما فيه استعمال الكهرباء، ثم هددوني برميي إلى الرفاق كي يتولوا تعذيبي، وآخر ما فكروا فيه من الترهيب هو تصويب المسدس نحو رأسي مهددين إياي بالقتل، وفاجأتهم بقولي أني أريد أن أموت شهيدا وستفعلون بي خيرا إن تكرمتم علي بالشهادة.

أصدرت محكمة الاستئناف بوجدة أحكاما على معتقلي العدل والإحسان تراوحت بين سنتين وعشرين سنة، وأخرى بالمؤبد على ستة طلبة ليصل المجموع إلى ثلاثة قرون سجنا وغرامة مالية تقدر بالملايين.

ما هو تعليقكم على هذه المحاكمة؟ وكيف استقبلت رفقة أصحابك العشرين سنة سجنا نافذا الصادرة في حقكم؟

بالنسبة للأحكام كانت قاسية بكل امتياز وكانت متوقعة، فالإخوة والحمد لله استقبلوا هذه الأحكام بفخر واعتزاز، وقد فجروا نشوة الفرح على شكل أناشيد إسلامية معبرة … إن هذه الأحكام ما هي إلا سلسلة وحلقة من حلقات الاضطهاد لهذه الجماعة، ولنا كامل الاعتزاز أن نكون ممن ساهم ولو بقسط يسير في هذا البناء الضخم والصرح المجيد: “ثم تكون خلافة على منهاج النبوة”.

استفاد عدد من المعتقلين السياسيين من العفو العام الصادر سنتي 94 و98، ما هو سبب استثناء معتقلي العدل والإحسان وبعض الإسلاميين؟

ما يلاحظ في الاستثناءين أن شعار “طي صفحة الماضي” ما هو إلا بهرجة باهتة ومحاولة لدفن ماض مظلم مثخن بالجروح والآلام، وهل يصلح العطار ما أفسده الدهر؟ ظن الظالمون أنه بالزج بنا في السجون يستطيعون تركيعنا وأن يطفئوا فينا تلك الجذوة الإيمانية “ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون” بالنسبة لعفو 94 استثنينا على أساس أن نبقى ورقة لمساومة الجماعة والضغط عليها، كما أن مفهوم العفو الشامل من الناحية القانونية يطال قضيتنا مادامت شبيهة بقضية الإخوة المفرج عنهم في وجدة وسلا، وبالتالي فاستثناؤنا منه يعتبر وصمة عار في حق القضاء المغربي عامة والمجلس الاستشاري خاصة، أما بالنسبة لانفراج أكتوبر 98 فهو يثبت بالملموس علاقة ملفنا بالجماعة وأنه لا يمكن حله بمعزل عنها، لأنه حلقة من تاريخها الحافل بالعزة والإباء، فتأجيل دراسته إلى حين هو فتح لباب التفاوض مع الجماعة. كما أنه إعلان رسمي محتشم من الهوية السياسية لقضيتنا، فهل يعقل أن تمر ثمان سنوات من الاعتقال ويخرج المجلس الاستشاري بتوصية إعادة دراسة ملف طلبة وجدة “وأنه شائك يصعب تصنيف أفراده”، والطامة الكبرى أنه بعد مرور الستة أشهر المحددة لم يعلن عن نتيجة الدراسة المزعومة، فرحنا والحمد لله بخروج إخوة لنا إسلاميين قضوا مددا وصلت إلى 23 سنة وراء القضبان، وتسلمنا نحن من بعدهم مشعل الصمود والثبات إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا، وللتذكير فقد سبقت هذا العفو الهامل أربع محاولات من طرف لجنة من المجلس الاستشاري مكونة من شخصين قامت بزيارتنا وطلبت منا تحرير رسائل العفو والاستجداء، لكنها صدمت بالرد القوي من طرفنا والرافض لعطايا المخزن وفتات موائده المنصوبة على الذل والهوان ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين”.

عرفت مؤخرا الساحة الجامعية تشكيل لجنة التنسيق الوطنية، ماذا تعني لكم هذه الخطوة؟

لجنة التنسيق الوطنية خطوة طلابية أقدمت عليها أجهزة أوطم ومن شأنها أن تعجل الحلم الذي انتظرته الجماهير الطلابية منذ سنين، وهو عقد مؤتمر الاتحاد.

وماذا عن أوراق المؤتمر العاشر لفصيل طلبة العدل والإحسان؟

أوراق هذا المؤتمر دليل قاطع على أن العمل الطلابي لم يأت كرد فعل وإنما هو تراكم لتطورات واضحة ابتدأت منذ الثمانينات.

كلمة أخيرة توجهها لقراء رسالة الفتوة؟

إن محنة الداعية لا تكمن في سجنه وتعذيبه ونفيه بقدر ما تتجسد في ضمور فطرته وقصور همته عن اللحاق بركب الرجال، وما أدراك ما الرجال! “رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا” رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب”. إن مواجهة الحق مع الباطل لن تنتهي بجرة قلم أو دخول زنزانة أو صرخة مستضعف مكلوم فهي مواجهة أزلية مستمرة، سلاح المؤمن فيها الصدق والإيمان فإذا به يصبح حرا طليقا في سجنه وإذا بالزنازن الوهمية تمسي رباطات للعلم ومساجد للتعبد ومحارب لحفظ كتاب الله عز وجل، وستبقى شجرة “العدل والإحسان” تترعرع براعمها الطيبة المباركة وتمتد جذورها الأبية في أرض الصحبة حتى تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها غير آبهة بمكر الماكرين ولا بدسائس الحاسدين المتأوهين “قل هل تربصوا بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون” “قال انتظروا إنا منتظرون”.

الأخ محمد الزاوي نشكرك على هذه الإيضاحات والتوضيحات التي من الأكيد أنها ستجد صدى لدى كل باحث عن الحقيقة التي تحاول بعض وسائل الإعلام تعتيمها عبثا ونريد من خلال منبر رسالة الفتوة تقديمها ناصعة بلسانك، أملنا أن تنعم وباقي إخوانك المعتقلين بالحرية قريبا إن شاء الله.