ذ. فتح الله أرسلان نود في البداية أن تقيموا نتائج الانتخابات الجماعية بصفة عامة وحزب العدالة والتنمية بصفة خاصة.

هي محطة أخرى من محطات الفساد العام في المغرب، حيث حضر كل شيء إلا المواطن؛ حضر الفساد المالي وفساد الذمم والفساد الحزبي، فتجد حزبا خون حزبا بالأمس يتحالف معه اليوم. ومن النتائج المعلنة يمكن أن نستخلص أربع خلاصات كبرى:

1. رغم التفنن المفضوح في اللعب بالأرقام فقد جاءت النتائج صارخة في وجه مهندسي المسرحية ومعلنة تفاهة اللعبة وسخافتها.

2. أعلنت غالبية الشعب المغربي رفض الاستمرار في المساهمة أو الخضوع للعبة العبث السياسي.

3. أن مسكن الانتخابات انتهى مفعوله في التغطية على المطلب الحقيقي وهو الحل الجذري لمعضلة الفساد.

4. ملحاحية ائتلاف الإرادات الصادقة والأيادي النقية للدفع في اتجاه إنقاذ الوضع من كارثة مدمرة تهدد المغرب.

أمام هذا لا يبقى معنى لأي رقم معلن مهما تضخم أو هزل، والانخراط في قراءة أي رقم هو قبول جديد وبصفة احتيالية بالدخول في تنويم سياسي أصبح مرفوضا بكل أشكاله.

ولماذا قاطعت جماعة العدل والإحسان هذه الانتخابات؟

إن مقاطعة جماعة العدل والإحسان للانتخابات المحلية تأتي في سياق موقف الجماعة من المشاركة في الانتخابات ومؤسسات الدولة بصفة عامة؛ وذلك لاعتبارين أساسين، هذا إذا افترضنا جدلا أنه مسموح لنا بالمشاركة أصلا: الاعتبار الأول مرتبط بما يشوب العملية الانتخابية من خروقات ومس خطير بنزاهتها وشفافيتها والاعتبار الثاني يخص طبيعة المنظومة السياسية بالبلد والأعراف السائدة مما يجعل مؤسسات الدولة مؤسسات صورية وخادمة وليست مقررة.

يلاحظ على جماعة العدل والإحسان أنها قللت من أنشطتها وتحركاتها بعد الأحداث الأخيرة، ما هو تعليقكم؟

الجماعة تسير وفق برامجها المسطرة مسبقا في مختلف المجالات والواجهات، وما يمكن أن يستشعره المراقب من قلة في الأنشطة فمرجعه إلى سببين:

1. التعتيم الإعلامي الذي نتعرض له والغياب القهري لمنبر إعلامي خاص بنا نتواصل من خلاله مع الرأي العام.

2. المنع الذي تقوم به أجهزة المخزن لعدد من الأنشطة التي نريد تنظيمها في الفضاءات العمومية.

إذن الأمر يتعلق إما بتعتيم إعلامي أو حصار مخزني وليس باختيار من الجماعة كما يشي بذلك السؤال.

يعرف على جماعتكم أنها كانت تنظم المخيمات الشاطئية لماذا لم تنظم هذه السنة هذه المخيمات؟

إن مبادرة الجماعة بتنظيم المخيمات الشاطئية كانت تهدف إلى إيجاد مخيمات نموذجية تستجيب لحاجيات كثير من المصطافين وفي مقدمتها مراعاة الأخلاق من حشمة ووقار وتوفير الأمن والترفيه. وقد وفقت الجماعة بفضل الله سبحانه وتعالى في ذلك، مما جعل المصطافين يتقاطرون عليها بالآلاف، الأمر الذي أغاض السلطات وجعلها تقدم على منع هذه المخيمات بالعنف والإرهاب.

ولكي تفوت الجماعة الفرصة على التيار الاستئصالي في البلاد، وتجنبا للدخول في معارك هامشية واستنـزافية تتنافى مع الأهداف الاستجمامية للمخيمات، كان قرار الجماعة بتوقيف تنظيم هذه المخيمات إلى حين آخر. والنتيجة المستخلصة من كل ذلك أن الناس مع العفة وليس مع الميوعة، ثم تأكدت بالمقابل، من خلال المنع، سياسة فرض الرأي الواحد ضدا على الديمقراطية واحترام الرأي الآخر.

منذ أزيد من 20 سنة على تأسيس جماعة العدل والإحسان، كيف تقيمون تجربتكم، وهل تشعرون أنكم نجحتم فيما خططتم له داخل جماعتكم؟

إن ما أنجزته الجماعة بتوفيق الله سبحانه وتعالى خلال أزيد من عقدين في جبهات عدة لا يمكن الاستهانة به من جهة كما لا يمكن إضفاء طابع الكمال عليه من جهة أخرى.

فهي تجربة خصبة وغنية كانت تخضع باستمرار للتقييم والتقويم على ضوء المنهاج النبوي -الذي يختزل نظرتنا إلى التغيير- وما تزال.

وعلى العموم فما تحقق خلال العقدين المنصرمين، بفضل الله، جعل الجماعة قوة مؤثرة لا يمكن تجاوزها بأي حال من الأحوال.

ونحن لا نملك أمام هذا الأمر إلا أن نشكر الله سبحانه وتعالى على ما أعطى وأنعم وجاد.

وما هو الوضع القانوني الآن لجماعة العدل والإحسان؟

الأمر حسمت فيه محكمة الاستئناف بالقنيطرة سنة 1990 والمجلس الأعلى للقضاء بعد ذلك حين أكدا معا قانونية الجماعة.

لكن المشكل هو إصرار السلطة على حرمان الجماعة من حقوقها في التنظيم والحركة والاستفادة مما يضمنه القانون للهيئات المشروعة، ونحن جماعة مشروعة بالمقياسين القانوني والواقعي.

ما هي طبيعة علاقتكم الآن بالأحزاب بصفة عامة والحركات الإسلامية بصفة خاصة.

نحن نحمل الود لكل الناس والهيئات، عدا من يحاربنا أو يحارب مكونات هويتنا، ونمد يد التعاون لكل فاضل، ونجتهد في توفير المناسبات لمد الجسور والحوار البناء، ونستجيب لمن دعانا لمثلها، ونرحب بأية مبادرة جادة للحوار أو التعاون الذي لا يقصي أحدا، ولا يهمنا في ذلك أن نكون الداعين أو المدعوين. لكن ما تحقق إلى الآن من نتائج ما زال دون المأمل، لكن يبقى الأمل في الأفضل مفتوحا ورهينا بالإصرار واستحضار عامل الزمن وعمق الهوة التي شرختها معاول الهدم المخزني لعقود طويلة. ونعتقد أن الكوارث السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية التي يعيشها المغرب ستسرع بذلك.

هل يمكن أن نتكهن في المستقبل القريب بتحالف بين إمارة المؤمنين والحركات الإسلامية قصد مواجهة الخطر العلماني الذي يسعى إلى الحد من سلطة الإّسلام؟

لسنا عامل توازن في يد أحد.

يرى البعض أن الحركات الإسلامية تستغل الدين لأغراض سياسية، ما هو تعليقكم؟

إن الذين ينعتون الحركات الإسلامية باستغلال الدين لأغراض سياسية يقعون في مغالطة كبرى سواء عن قصد أو عن غير قصد.

فدين الله الذي هو الإسلام يقتضي منك الاستسلام لله سبحانه وتعالى في كل أوامره ونواهيه. والمسلمون عموما مطالبون شرعا بالامتثال لأمر الله في ذواتهم كما هم مطالبون شرعا بالعمل على أن يسود أمر الله في كل مرافق الحياة.

وليست الحركة الإسلامية مذنبة إن تعاطف معها الناس لالتزام أبنائها ولأصالة مطالبها.

ونحن ندعو، بكل صدق، هؤلاء المعترضين أن ينافسونا في هذا الأمر بأن يقيموا دين الله في ذواتهم ويعملوا على إقامته في حياة أمتهم، فيفوزوا برضى الله سبحانه وتعالى ويفوزوا برضى العباد ما دام ليس هناك أحد وصي على الإسلام كما يدعون.

صرح محمد الأمين الركالة مؤخرا لصحيفة أسبوعية أن الحركات الإسلامية المغربية تفتقد إلى نص تأسيسي فلسفي يعكس فهمها للدين، ما هو تعليقكم؟

أنا أتحدث عن جماعة العدل والإحسان التي أعرفها حق المعرفة، فهي تمتلك من الوضوح الكافي للعمل على كل الصعد انطلاقا من مشروع نظري شامل ومتكامل مخطوط في آلاف الصفحات، ومهضوم في عقول قيادات الجماعة وأعضائها. وسؤال التأسيس النظري طرحناه قبل تأسيس الجماعة، وفق ما يطلبه منطق التغيير، وأجبنا عنه بكتاب ّ”المنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفا” المستند في اجتهاداته إلى كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقراءة الواقع انطلاقا منهما لا الخضوع للواقع وإخضاعهما له، ثم أتى التنظيم بعد ذلك وشرع في التفاصيل التي أعطت عشرات الكتب والنشرات التفصيلية.

في نفس السياق صرحت نادية ياسين للصحيفة بأن على الدولة أن تدعم جماعة العدل والإحسان، ما هو تعليقكم؟

دعوة الأخت نادية جاءت على إثر الحديث عن أحداث 16 ماي، والمقصود منها أن الاستمرار في محاصرة الجماعة أو كل قوة حية لها مشروع واضح وتنبذ العنف وتؤمن بالحوار سيجعل البلد مفتوحا على دوامة العنف لا قدر الله.

ما هو تعليقكم على اتخاذ الحكومة مجموعة من التدابير من أجل إرساء توافق بين سياسة الدولة وتعاليم الإسلام والالتزام المذهبي للمغرب؟

لنسمها ترقيعات أو تلفيقات والتي لكثرتها وارتجالها أصبحنا معها أمام وضع شائه.

ولتقريب المعنى أكثر لنقل أنها “ديماغوجية” فجة للتغطية على الاستهداف الرسمي لأسس الإسلام، وإلا فقل لي أين تضع هذه البهرجة المسماة “تدابير” أمام السماح الرسمي بانتشار الخمارات والمواخير وتشجيع مظاهر التفسخ الأخلاقي في الشارع والإعلام، خاصة المرئي منه، وإغلاق عدد هائل من المساجد ومنع العلماء المستقلين عن التوجيه المخزني من اعتلاء المنابر واستهداف التعليم لإفراغه من كل ما يمت للإسلام بصلة!؟ القضية أبعد ما تكون عن الموافقة وأقرب ما تكون من المفارقة والمفاصلة.

ذ. أرسلان كنتم دائما تؤاخذون وتعاتبون على الحركات الإسلامية انخراطها في العمل السياسي، هل لا تزالون متشبثين بهذه الأفكار؟

نحن لا نعاتب الحركات الإسلامية على انخراطها في العمل السياسي بل نعتبر ذلك واجبا. ما نؤاخذ عليه بالمغرب هو المشاركة في الانتخابات للأسباب السالفة الذكر.

ما هو تقييمكم لمشروع مدونة الأحوال الشخصية الذي قدم مضامينه ذ. بوستة لجلالة الملك؟

لم يظهر من ذلك شيء بعد، وإن كان واقع الحال وثقله يظهر ضعف وارتجالية جل “المشاريع” المخزنية التي تستند إلى “لجان” تفتقد للمشروعية، من خلال إقصائها لعدد من الهيئات والشخصيات التي تفكر باستقلالية عن التوجيه المخزني، وكذا للسياق الذي غالبا ما يكون رد فعل أو جوابا عن انفجار سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي.

وماذا عن التغييرات الأخيرة التي عرفتها أجهزة الأمن، كيف ترون دلالات هذه التغييرات؟

لا يمكن حجب الشمس بالغربال، فالجريمة ضاربة أطنابها في كل شارع وزقاق، والرشوة والفساد المالي معششان في عقول المسؤولين والتنقيلات والتغييرات الشكلية لا تفيد شيئا إذا ظلت العقليات والسياسات هي هي.

ثم دلني على جهاز في الدولة بقي سليما من التورط في شكل من أشكال الفساد حتى يمكن للمواطن أن يطمئن إلى أن “للتغييرات” دلالة، فمن يغير من؟ والحال أننا رأينا “كبارا” أشرفوا على “حملات” و”حركات” وتغييرات افتضح أمرهم اليوم وأخبارهم ملطخة بها صفحات الجرائد.

ومرة أخرى نؤكد أن الترقيعات والحلول الجزئية والحملات أساليب فاشلة، وإن هي إلا عملية تسابق، مأسوف عليها، مع سيل هادر جارف تضع في طريقه أكياس رمل وهو يجرف ويجرف نسأل الله اللطف.

ما هي كلمتكم الأخيرة في نهاية هذا الحوار؟

لقد انتهت الآن ملهاة الانتخابات والصخب الإعلامي الذي صاحبها، وسيستفيق الجميع على واقع البؤس والبطالة والتخلف والأفق المسدود، فهل من مستجيب لنداء العقل فنتداعى جميعا لميثاق يخرجنا من النفق المسدود والدوران في حلقة مفرغة لا تنتهي إلا لتبدأ ولا تبدأ إلا لتسترسل؟ أم أن القوم سيحافظوا على سياسة النعامة ولا يفتحوا أعينهم على الحقائق المهولة التي سارت إليها الأمور؟

“والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون”.