انطلقت بالعاصمة الفرنسية باريس مظاهرة للمطالبة بحرية ارتداء الحجاب شارك فيها الآلاف معظمهم من الفتيات والنساء المحجبات، وذلك يوم الأحد 21 دجنبر 2003 أي في نفس الأسبوع الذي ألقى فيه الرئيس الفرنسي: CHIRAC خطابه الذي أعلن فيه عن عزم فرنسا منع الرموز الدينية داخل المدارس وغيرها من مؤسسات الدولة، وأضاف أن هذا المنع سيتم بموجب قانون يصادق عليه البرلمان.

قانون العلمانية هذا، الذي يراد له الخروج إلى حيز التنفيذ قبل السنة الدراسية المقبلة، يهدف بشكل واضح إلى منع المسلمات من ارتداء الحجاب داخل المدارس والإدارات … أي أنهم يريدون تلميذات وطالبات وموظفات .. لا يرتدين الحجاب وهي سياسة انتهجتها فرنسا منذ سنوات عدة.

والمدهش أن الخطاب جاء بعد تسلم CHIRAC تقريرا حول الموضوع، بأقل من أسبوع، وهي سرعة غريبة في التعامل مع هذا الموضوع مقارنة مع المواضيع الأخرى، وقد سلمت اللجنة “STASI” هذا التقرير المكون من 68 صفحة (التقرير منشور بجريدة “Le Monde” عدد 18313 بتاريخ 12 دجنبر 2003) صباح يوم الخميس 11 دجنبر 2003 بعد مشاورات ماراطونية أشرف عليها مثقفون فرنسيون معروفون كـ: ALAIN TOURAINE المتخصص في علم الاجتماع وPATRICK WEIL المتخصص في علم الاقتصاد وRENE REMOND وGILLES KEPEL المتخصصين في العلوم السياسية وHENRI PENA RUIZ المتخصص في الفلسفة.. بالإضافة إلى مجموعة من السياسيين دون أن ننسى شخصين من أصول عربية هما محمد أركون أستاذ تاريخ الفكر الإسلامي بجامعة السربون وحنيفة شريفي عالمة اجتماع، ويرأس اللجنة BERNARD STASI الذي ترأس الأممية الديمقراطية المسيحية بين عامي 1968 و1993.

وقد خلصت اللجنة إلى مجموعة من القرارات أهمها تأكيدها على منع الرموز الدينية داخل المدارس الفرنسية، وبهذا تكون فرنسا قد أخذت اتجاها بعيدا عما تدعيه من حقوق الإنسان لأن حرية التدين تعتبر من أهم هذه الحقوق. كما أن دول عريقة في مجال الحريات لا تضيّق على المسلمين والمسلمات ومن هذه الدول: بريطانيا، السويد.. بل حتى الولايات المتحدة الأمريكية التي تشن الحروب على المسلمين في شتى بقاع العالم لا تمنع الحجاب لا في مدارسها ولا في جامعاتها ولا في الوظائف العمومية.

والقانون تعارضه جميع المجالس التي تمثل الدين الإسلامي والمسيحي واليهودي بفرنسا، كما تعارضه ثلاثة من الأربع نقابات الرئيسية لرجال التعليم (FSU) و(SGEN-CFDT) و(FERC-CGT) بالإضافة إلى فدرالية آباء التلاميذ (FCPE) والاتحاد الوطني للتلاميذ (UNL). مما يطرح السؤال الكبير الآتي: أين هي أوجه الديمقراطية في قرار سعادة الرئيس؟ أم أنه لا مكان للديمقراطية في القرارات حين يتعلق الأمر بالإسلام والمسلمين.

نذكر فقط أنه حين يتكلم أحد عن اليهود بما لا يعجبهم يتهم بمعاداة السامية وتقوم حوله الدنيا ولا تقعد وقد ينتهي به الأمر أمام المحاكم الفرنسية، كما حدث لصاحب كتاب “الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية”. اللوبي الصهيوني قوي بعلاقاته وبأصحاب الأموال والأبناك لكن المسلمين لا قوة لهم ولا قدرة على فرض الاحترام لدينهم، مع أنهم يقدرون بأرقام تتراوح بين 4 و5 ملايين أي أنهم ثاني مجموعة دينية في فرنسا بعد الكاثوليك، ويأتي بعدهم الروتستان بـ900.000 واليهود بـ600.000.

أغلب المسلمين مشتغلون بقوتهم اليومي، وغارقون في مجتمع الاستهلاك، وهم بعيدون عن الشأن العام وعن مؤسسات المجتمع المدني، كما أن القلة المشتغلة بالدفاع عن حقوق المسلمين تنشط داخل مؤسسات وجمعيات حديثة النشأة نظرا للوصول المتأخر للمسلمين لأوربا مقارنة مع بعض الأقليات الأخرى، ومع تصاعد شعبية اليمين المتطرف في مختلف الدول الأوربية، فمن الطبيعي أن تتقلص مساحة الحقوق الممنوحة للمسلمين، حصول الجبهة الوطنية الفرنسية على ما يقارب 20 في المائة من أصوات الناخبين الفرنسيين خلال الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية الأخيرة ووجود عدد من شخصيات الجبهة في مواقع القرار الفرنسي لا شك أنه سيزيد الوضع تعقيدا.