من كان له الله

من مكتوبات سعيد النورسي رحمه الله:

نعم ما دام الله موجوداً، وعلمه يحيط بكل شيء، فلابد أن لا يكون هناك في عالم المؤمن عدم، وإعدام، وانعدام، وعبث، ومحو، وفناء، من زاوية الحقيقة.. بينما دنيا الكفار زاخرة بالعدم والفراق والانعدام ومليئة بالعبث والفناء: ومما يوضح هذه الحقيقة ما يدور على الألسنة من قول مشهور هو: “من كان له الله كان له كل شيء، ومن لم يكن له الله لم يكن له شيء”.

ستار الغفلة

من مكتوبات سعيد النورسي رحمه الله:

إذا شئت أن تشاهد وتتذوق كيف تنشر كلُ آية من القرآن الكريم نورَ إعجازها وهدايتها وتبدّد ظلمات الكفر كالنجم الثاقب؛ فتصوَّر نفسَك في ذلك العصر الجاهلي وفي صحراء تلك البداوة والجهل. فبينا تجد كل شئ قد أسدل عليه ستار الغفلة وغشيه ظلام الجهل ولفّ بغلاف الجمود والطبيعة، إذا بك تشاهد وقد دّبت الحياة في تلك الموجودات الهامدة أو الميتة في أذهان السامعين فتنهض مسبّحةً ذاكرةً الله بصدى قوله تعالى (يسبّح لله ما في السموات وما في الأرض الملكِ القدوسِ العزيزِ الحكيم) -الجمعة:1- وما شابهها من الآيات الجليلة.

لديك وسيلة لقتل الموت؟

من مكتوبات سعيد النورسي رحمه الله:

لو كانت لديك وسيلة لقتل الموت، ولإزالة الزوال عن الدنيا، ولو كان عندك دواء لرفع العجز والفقر عن البشرية، ووساطة لغلق باب القبر إلى الأبد، فهاتها إذن وقُلها لأسمع وأطيع.. وإلاّ فاخرس، فإن القرآن الكريم يتلو آيات الكائنات في مسجد الكون الكبير هذا. فلننصت إليه، ولنتنّور بنوره، ولنعمل بهديه الحكيم، حتى يكون لساننا رطباً بذكره وتلاوته.

ظلمات العدم

من مكتوبات سعيد النورسي رحمه الله:

إن الإيمان مثلما ينقذ الإنسان من وهم الإعدام الأبدي بعد الموت، فهو ينقذ دنيا كل شخص أيضاً من ظلمات العدم والانعدام والعبث في الدنيا. بينما الكفر -ولا سيما الكفر المطلق- فإنه يعدم ذلك الإنسان، ويعدم دنياه الخاصة به بالموت. ويلقيه في ظلمات جهنم معنوية في الدنيا محولاً لذائذ حياته آلاماً وغصصاً.ثم الخسران المبين في الآخرة.

وظائف العبودية

يا نفس: إن وظائف العبودية وتكاليفها ليست مقدمة لثواب لاحق، بل هي نتيجة لنعمة سابقة.

نعم؛ نحن قد أخذنا أجرتنا من قبل، وأصبحنا بحسب تلك الآجرة المقدمة لنا مكلفين بالخدمة والعبودية؛ ذلك لأن الخالق ذا الجلال والإكرام الذي ألبسك – أيتها النفس – الوجود وهو الخير المحض قد أعطاك باسمه “الرزاق” معدة تتذوّقين وتتلذذين بجميع ما فرشه أمامك على مائدة النعمة من مأكولات. ثم إنه وهب لك حياة حساسة، فهي كالمعدة تطلب رزقا لها، فوضع أمام حواسك من عين وأذن وهي كالأيدي مائدة نعمة واسعة سعة سطح الأرض. ثم وهب لك إنسانية تطلب بدورها أرزاقاً معنوية كثيرة، ففتح امام معدة الانسانية آفاق الملك والملكوت بمقدار ما يصل إليه العقل.

وبما وهب لك من الإسلام والإيمان الذي هو “الإنسانية الكبرى” والذي يطلب نعماً لا نهاية لها، ويتغذى على ثمار الرحمة التي لا تنفد، فتح لك مائدة النعمة والسعادة واللذة الشاملة للأسماء الحسنى، والصفات الربانية المقدسة، ضمن دائرة الممكنات. ثم أعطاك المحبة التي هي نور من أنوار الإيمان، فأحسن إليك بمائدة نعمة وسعادة ولذة لا تنتهي أبداً.

بمعنى أنك قد أصبحت – بإحسانه سبحانه وتعالى – بحسب جسمك الصغير المحدود المقيد الذليل العاجز الضعيف من جزء إلى كلّي، وإلى كلّ نوراني، إذ قد رفعك من الجزئية إلى نوع من الكلية، بما أعطاك “الحياة” ، ثم إلى الكلية الحقيقية، بما وهب لك “الإنسانية”، ثم إلى الكلية النورانية السامية بما أحسن إليك “الإيمان” ومنها رفعك إلى النور المحيط الشامل بما أنعم عليك من “المعرفة والمحبة”.

فيا نفس!

لقد قبضت مقدماً كل هذه الأجور والأثمان؛ ثم كلّفت بالعبودية وهي خدمة لذيذة وطاعـة طيبة بـل مريـحة خفيفة. أفبعد هذا تتكاسلين عن أداء هذه الخدمة العظيمة المـشرفة؟ وتـقولين بدلال: لِمَ لا يقبل دعـائي. حـتى اذا ما قمت بالخدمة بشكل مهلـهل تطالبين بأجرة عظيمة أخرى، وكأنك لم تكتفي بالأجرة السابقة؟

نعم؛ إنه ليس من حقك الدلال أبداً، وإنما من واجبك التضرع والدعاء، فالله سبحانه وتعالى يمنحك الجنة والسعادة الأبدية بمحض فضله وكرمه، لذا فالتجئي إلى رحمته، واعتمدي عليها، ورددي هذا النداء العلوي الرباني:

(قل بفـضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خيرٌ مما يجمعون) (يونس:58)

وإذا قلت: كيف يمكنني أن أقابل تلك النعم الكلية التي لا تحد بشكري المحدود الجزئي؟

فالجواب: بالنية الكلية، وبالاعتقاد الجازم الذي لا حدّ له.

فمثلاً: إن رجلا يدخل إلى ديوان السلطان بهدية زهيدة متواضعة بقيمة خمسة فلوس، ويشاهد هناك هدايا مرصوصة تقدر أثمانها بالملايين أرسلت إلى السلطان من قبل ذوات مرموقين. فعندها يناجي نفسه: ماذا أعمل؟ إن هديتي زهيدة ولا شيء! إلاّ إنه يستدرك ويقول فجأة:

– يا سيدي؛ إنني أقدم لك جميع هذه الهدايا باسمي، فإنك أهل لها، ويا سيدي العظيم، لو كان باستطاعتي أن أقدّم لك أمثال أمثال هذه الهدايا الثمينة لما ترددت.

وهكذا فالسلطان الذي لا حاجة له إلى أحد والذي يقبل هدايا رعاياه رمزاً يشير إلى مدى إخلاصهم وتعظيمهم له، يقبل تلك الهدية المتواضعة جداً من ذلك الرجل المسكين كأنها أعظم هدية، وذلك بسبب تلك النية الخالصة منه، والرغبة الصادقة، واليقين الجازم الجميل السامي.

وهكذا، فالعبد العاجز عندما يقول في الصلاة: (التحيات للّه) ينوي بها:

إنني أرفع إليك يا إلهي باسمي هدايا العبودية لجميع المخلوقات – التي هي حياتها – فلو كنت أستطيع أن أقدم التحيات إليك يا ربي بعددهم لما أحجمت ولا ترددت، فإنك أهلٌ لذاك، بل أكثر.

فهذه النية الصادقة والاعتقاد الجازم، هي الشكر الكلي الواسع.

ولنأخذ مثلاً من النباتات حيث النوى والبذور فيها بمثابة نيّاتها. فالبطيخ مثلاً يقول بما ينوي من آلاف النوى التي في جوفه: يا خالقي إنني على شوق ورغبة أن أعلن نقوش أسمائك الحسنى في أرجاء الأرض كلها.

وحيث إن الله سبحانه وتعالى يعلم ما يحـدث وكيف يحدث، فإنه يقبل النية الصادقة كأنها عـبادة فعلية، أي كأنها حدثت. ومن هنا تعلم كيف أن نية المؤمن خير من عمله، وتفهم كذلك حكمة التسبيح بأعداد غير نهائية في مثل: ( سبحانك وبحمدك عدد خلقك ورضاء نفسك وزنة عرشك ومداد كلماتك) ونسبحك بجميع تسبيحات أنبيائك وأوليائك وملائكتك.

عمل خالد في عمر قصير

فيا نفس! إن كنت حقاً تريدين أن تنالي عملاً أخروياً خالداً في عمر قصير؟ وأن كنت حقاً تريدين أن تري فائدة في كل دقيقة من دقائق عمرك كالعمر الطويل؟ وإن كنت حقاً تريدين أن تحوّلي العادة إلى عبادة وتبدلي غفلتك إلى طمأنينة وسكينة. فاتبعي السنّة النبوية الشريفة.. ذلك لأن تطبيق السنّة والشرع في معاملةٍ ما ، يورث الطمأنينة والسكينة، ويصبح نوعاً من العبادة، بما يثمر من ثمرات أخروية كثيرة.

فمثلاً: إذا ابتعت شيئاً، ففي اللحظة التي تطبق الأمر الشرعي – الإيجاب والقبول – فإن جميع هذا البيع والشراء يأخذ حكم العبادة حيث تذكرك بالحكم الشرعي، مما يعطي تصوّراً روحياً، وهذا التصور يذكرك بالشارع الجليل سبحانه، أي يعطي توجهاً إلهياً. وهذا هو الذي يسكب السكينة والطمأنينة في القلب.

أي أن إنجاز الأعمال وفق السنة الشريفة يجعل العمل الفاني القصير مداراً للحياة الأبدية، ذات ثمار خالدة. لذا فأنصتي جيداً إلى قوله تعالى:

(فآمنوا بالله ورسوله النبي الامّي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون) (الأعراف:158) واسعي أن تكوني مظهراً جامعاً شاملاً لفيض تجلٍ لكل اسم من تجليات الأسماء الحسنى المنتشرة في أحكام السنة الشريفة والشرع.

زهرة العمر

اعلموا أن ما تتمتعون به من ربيع العمر ونضارة الحياة ذاهب لا محالة، فإن لم تلزموا أنفسكم بالبقاء ضمن الحدود الشرعية، فسيضيع ذلك الشباب ويذهب هباءً منثوراً، ويجرّ عليكم في الدنيا وفي القبر وفي الآخرة بلايا ومصائب وآلاماً تفوق كثيراً ملذات الدنيا التي أذاقكم إياها.. ولكن لو صرفتم ربيع عمركم في عفة النفس وفي صون الشرف وفي طاعة ربكم بتربيته على الإسلام، أداءاً لشكر الله تعالى على ما أنعم عليكم من نعمة الفتوة والشباب، فسيبقى ويدوم ذلك العهد معنىً، وسيكون لكم وسيلة للفوز بشباب دائم خالد في الجنة الخالدة.

فإن متع الشباب وملذاته المحظورة شرعاً كالعسل المسموم.. وغدا الموت لدى الذي فقد بطاقة الإيمان التي تربحه السعادة الأبدية كأنه مشنقة، فينتظر جلاد الأجل الذي يمكن أن يحضر كل لحظة – لخفاء وقته عنا – ليقطع الأعناق دون تمييز بين شاب وشيخ.. فيرديه إلى حفرة القبر الذي هو باب لظلمات أبدية كما هو في ظاهره..

حاصل الكلام: إن الشباب سيذهب حتماً وسيزول لا محالة. فإن كان قد قضي في سبيل الملذات ونشوة الطيش والغرور، فسيورث آلاف البلايا والآلام والمصائب الموجعة سواءً في الدنيا أو الآخرة.

وإن كنتم ترومون أن تفهموا بأن أمثال هؤلاء الشباب سيؤول حالُهم في غالب الأمر إلى المستشفيات، بسبب تصرفاتهم الطائشة وإسرافاتهم وتعرضهم لأمراض نفسية.. أو إلى السجون وأماكن الإهانة والتحقير، بسبب نزواتهم وغرورهم.. أو إلى الملاهي والخمارات بسبب ضيق صدورهم من الآلام والاضطرابات المعنوية والنفسية التي تنتابهم.. نعم.. إِن شئتم أن تتيقنوا من هذه النتائج فاسألوا المستشفيات والسجون والمقابر.. فستسمعون بلاشك من لسان حال المستشفيات الأنات والآهات والحسرات المنبعثة من أمراض نجمت من نزوات الشباب وإسرافهم في أمرهم.. وستسمعون أيضاً من السجون صيحات الأسى وأصوات الندم وزفرات الحسرات يطلقها أولئك الشبان الأشقياء الذين انساقوا وراء طيشهم، وغرورهم فتلقوا صفعة التأديب لخروجهم على الأوامر الشرعية، وستعلمون أيضاً أن أكثر ما يعذّب المرء في قبره – ذلك العالم البرزخي الذي لا تهدأ أبوابُه عن الانفتاح والانغلاق لكثرة الداخلين فيه – ما هو إلاّ بما كسبت يداه من تصرفات سيئة في سني شبابه، كما هو ثابت بمشاهدات أهل كشف القبور، وشهادة جميع أهل الحقيقة والعلم وتصديقهم. واسألوا إِن شئتم الشيوخ والمرضى الذين يمثلون غالبية البشرية، فستسمعون أن أكثريتهم المطلقة يقولون: “وا أسفى على ما فات! لقد ضيعنا ربيع شبابنا في أمور تافهة، بل في أمور ضارة! فإياكم إياكم أن تعيدوا سيرتنا، وحذار حذار أن تفعلوا مثلنا!”. ذلك لأن الذي يقاسي سنواتٍ من الغم والهم في الدنيا، والعذاب في البرزخ، ونار سَقَر في الآخرة، لأجل تمتع لا يدوم خمس أو عشر سنوات من عمر الشباب بملذات محظورة.. غير جدير بالإشفاق، مع أنه في أشد الحالات استدراراً للشفقة والرثاء، لأن الذي يرضى بالضرر وينساق إليه طوعاً، لا يستحق الإشفاق عليه ولا النظر إلى حاله بعين الرحمة، وفق القاعدة الحكيمة: “الراضي بالضرر لا يُنظر له”.

ممثل أهل الضلالة

إن ممثل أهل الضلالة والداعية لها، إذ لم يجد ما يبني عليه ضلالته، وعندما تفوته البينة وتلزمه الحجة يقول:

إني أرى أن سعادة الدنيا، والتمتع بلذة الحياة، والرقي والحضارة، والتقدم الصناعي هي في عدم تذكر الآخرة وفي عدم الإيمان بالله وفي حب الدنيا وفي التحرر من القيود وفي الاعتداد بالنفس والإعجاب بها.. لذا سقتُ أكثر الناس ولا زلت أسوقهم – بهمة الشيطان – إلى هذا الطريق.

الجواب: ونحن بدورنا نقول باسم القرآن الكريم:

أيها الانسان البائس! عُد إلى رُشدك! لا تصغ إلى داعية أهل الضلالة. ولئن ألقيت السمع إليه ليكونن خسرانك من الفداحة ما يقشعر من هول تصوره الروحُ والعقلُ والقلبُ. فأمامك طريقان:

الأول: هو طريق ذو شقاء يريك إياه داعية الضلالة.

الثاني: هو الطريق ذو السعادة الذي يبينه لك القرآن الحكيم.

إن طريق الشرك والضلالة والسفاهة والفسوق يهوي بالإنسان إلى منتهى السقوط وإلى أسفل سافلين، ويُلقي على كاهله الضعيف العاجز في غمرة آلام غير محدودة عبئاً ثقيلاً لا نهاية لثقله، ذلك لأن الإنسان إن لم يعرف الله سبحانه وتعالى وإن لم يتوكل عليه، يكون بمثابة حيوانٍ فانٍ؛ يتألم دوماً ويحزن باستمرار، ويتقلب في عجز وضعف لا نهاية لهما، ويتلوى في حاجة وفقر لا نهاية لهما، ويتعرض لمصائب لا حد لها، ويتجرع آلام الفراق من التي استهواها ونسج بينه وبينها خيوط العلاقات، فيقاسي وما زال يقاسي، حتى يغادر ما بقي من أحبائه نهاية المطاف ويفارقهم جزعاً وحيداً غريباً إلى ظلمات القبر.

وسيجد نفسه طوال حياته أمام آلام وآمال لا نهاية لهما، مع أنه لا يملك سوى إرادة جزئية، وقدرة محدودة، وحياة قصيرة، وعمر زائل، وفكر آفل.. فتذهب جهودُه في تطمينها سدىً ويسعى هباء وراء رغباته التي لا تحد. وهكذا تمضي حياتُه دون أن يجني ثمراً.

وبينما تجده عاجزاً عن حمل أعباء نفسه، تراه يحمّل عاتقَه وهامته المسكينة أعباء الدنيا الضخمة، فيتعذب بعذاب محرق أليم قبل الوصول إلى عذاب الجحيم.

إن أهل الضلالة لا يشعرون بهذا الألم المرير والعذاب الروحي الرهيب إذ يلقون أنفسهم في أحضان الغفلة ليُبطلوا شعورهم ويخدّروا إحساسهم – مؤقتاً – بسُكرها.. ولكن ما أن يدنو أحدُهم من شفير القبر حتى يرهف إحساسه ويضاعف شعوره بهذه الآلام دفعةً واحدة؛ ذلك لأنه إن لم يكن عبداً خالصاً لله تعالى فسيظن أنه مالكٌ نفسَه، مع أنه عاجز بإرادته الجزئية وقدرته الضيئلة حتى عن إدارة كيانه وحده أمام أحوال هذه الدنيا العاصفة إذ يرى عالماً من الأعداء يحيط به ابتداءً من أدق الميكروبات وانتهاء بالزلازل المدمرة على أتم استعداد للانقضاض عليه والإجهاز على حياته، فترتعد فرائصُه ويرتجف قلبُه رعباً وهلعاً كلما تخيل القبر ونظر إليه.

وبينما يقاسي هذا الإنسان ما يقاسي من وضعه إذا بأحوال الدنيا التي يتعلق بها ترهقه دوماً، وإذا بأوضاع بني الإنسان الذين يرتبط بهم تنهكه باستمرار، ذلك لظنه أن هذه الأحداث والوقائع ناشئة من لعب الطبيعة وعبث المصادفة، وليست من تصرف واحدٍ أحد حكيمٍ عليمٍ، ولا من تقدير قادرٍ رحيمٍ كريمٍ، فيعاني مع آلامه هو آلام الناس كذلك، فتصبح الزلازل والطاعون والطوفان والقحط والغلاء والفناء والزوال وما شابهها مصائب قاتمة وبلايا مزعجة معذبّة!

فهذا الإنسان الذي اختار بنفسه هذا الوضع المفجع، لا يثير إشفاقاً عليه، ولا رثاء على حاله.. مثله في هذا كمثل الذي لم يقنع بلذة بريئة ونشوة نزيهة وتسلية حلوة ونزهة شريفة مشروعة، بين أحبة لطفاء في روضة فيحاء وسط ضيافة كريمة، فراح يتعاطى الخمر النجسة ليكسب لذة غير مشروعة، فسكر حتى بدأ يخيّل إليه أنه في مكان قذر، وبين ضوارٍ مفترسة، تصـيبه الرعـشـة كأنه في شـتـاء، وبدأ يستـصرخ ويستـنـجد فلم يشفق عليه أحد، لأنه تصور أصدقاءه الطيبين حيوانات شرسة، فحقرهم وأهانهم.. وتوهم الأطعمة اللذيذة والأواني النظيفة التي في صالة الضيافة أحجاراً ملوثة، فباشر بتحطيمها.. وظن الكتب القيمة والرسائل النفيسة في المجلس نقوشاً عادية وزخارف لا معنى لها، وشرع بتمزيقها ورميها تحت الأقدام.. وهكذا.

فكما لا يكون هذا الشخص – وأمثاله – أهلاً للرحمة ولا يستحق الرأفة، بل يستوجب التأديب والتأنيب، كذلك الحال مع مَن يتوهم بسُكر الكفر وجنون الضلالة الناشئين من سوء اختياره أن الدنيا التي هي مضيف الصانع الحكيم لعبةَ المصادفة العمياء، وألعوبة الطبيعة الصماء.. ويتصور تجديد المصنوعات لتجليات الأسماء الحسنى وعبورها إلى عالم الغيب مع تيار الزمن، بعد أن أنهت مهامها واستنفدت أغراضها كأنها تصب في بحر العدم ووادي الانعدام وتغيب في شواطىء الفناء.. ويتخيل أصوات التسبيح والتحميد التي تملأ الأكوان والعوالم أنيناً ونواحاً يطلقه الزائلون الفانون في فراقهم الأبدي.. ويحسب صحائف هذه الموجودات التي هي رسائل صمدانية رائعة خليطاً لا معنى له ولا مغزى.. ويخال باب القبر الذي يفتح الطريق إلى عالم الرحمة الفسيح نفقاً يؤدي إلى ظلمات العدم.. ويتصور الأجَل الذي هو دعوة الوصال واللقاء بالأحباب الحقيقيين أوان فراق الأحبة جميعهم!

نعم! إن الذي يعيش في دوامة هذه التصورات والأوهام يلقي نفسه في أتون عذاب دنيوي أليم، ففضلاً عن أنه لا يكون أهلاً لرحمة ولا لرأفة، يستحق عذاباً شديداً، لتحقيره الموجودات – باتهامها بالعبثية – وتزييفه الأسماء الحسنى – بإنكار تجلياتها – وإنكاره الرسائل الربانية بردّه شهاداتها على الوحدانية.

فيا أيها الضالون السفهاء، ويا أيها التعساء الأشقياء!

تُرى هل يُجدي أعظم علومكم، وأعلى صروح حضارتكم وأرقى مراتب نبوغكم وأنفذ خطط دهائكم شيئاً أمام هذا السقوط المخيف المريع للإنسان؟ وهل يستطيع الصمود حيال هذا اليأس المدمّر للروح البشرية التواقة إلى السلوان؟ وهل يقدر ما تطلقون من “طبيعة” لكم، وما تسندون إليه الآثار الإلهية من “أسباب” عندكم، وما تنسبون إليه الإحسانات الربانية من “شريك” لديكم، وما تتباهون به من “كشوفاتكم” وما تعتزون به من “قومكم” ، وما تـعـبـدون مـن “معبودكم” الباطل.. هل يستطيع كل أولئك من إنقاذكم من ظلمات الموت الذي هو إعدام أبدي لديكم؟ وهل يستطيع كل أولئك من إمراركم من حدود القبر بسلامة، ومن تخوم البرزخ بأمان، ومن ميدان الحشر باطمئنان، ويتمكن أن يعينكم على عبور جسر الصراط بحكمة، ويجعلكم أهلاً للسعادة الأبدية والحياة الخالدة؟

إنكم لا محالة ماضون في هذا الطريق، إذ ليس بمقدوركم أن توصدوا باب القبر دون أحد. فأنتم مسافرو هذا الطريق لا مناص. ولابد لمن يمضي في هذا الطريق من أن يستند ويتكل على مَن له علم محيط شامل بكل دروبه وشعابه وحدوده الشاسعة، بل تكون جميع تلك الدوائر العظيمة تحت تصرفه وضمن أمره وحكمه.

فيا أيها الضالون الغافلون!

إن ما أودع في فطرتكم من استعداد المحبة والمعرفة، ومن وسائط الشكر ووسائل العبادة التي يلزم أن تبذل إلى ذات الله تبارك وتعالى، وينبغي أن تتوجه إلى صفاته الجليلة وأسمائه الحسنى، قد بذلتموها – بذلاً غير مشروع – لأنفسكم وللدنيا، فتعانون مستحقين عقابَها، وذلك بسر القاعدة ” إن نتيجة محبة غير مشروعة مقاساة عذاب أليمٍ بلا رحمة ” . لأنكم وهبتم أنفسكم المحبة التي تخص الله سبحانه وتعالى، فتعانون بلايا محبوبتكم التي لا تعد إذ لم تمنحوها راحتها الحقيقة.. وكذا لا تسلمون أمرَها بالتوكل إلى المحبوب الحق وهو الله القدير المطلق، فتقاسون الألم دائماً.. وكذا فقد أوليتم الدنيا المحبة التي تعود إلى أسماء الله الحسنى وصفاته الجليلة المقدسة، ووزعتم آثار صنعته البديعة وقسمتموها بين الأسباب المادية، فتذوقون وبال عملكم؛ لأن قسماً من أحبائكم الكثيرين يغادرونكم مُدبرين دون توديع، ومنهم مَن لا يعرفونكم أصلاً، وحتى إذا عرفوكم لا يحبونكم، وحتى إذا أحبوكم لا ينفعونكم، فتظلون في عذاب مقيم من أعذبة فراقٍ لا حد له ومن آلام زوال يائس من العودة.

فهذه هي حقيقة ما يدعيه أهل الضلالة، وماهية ما يدعون إليه من “سعادة الحياة ” و”كمال الإنسان” و”محاسن الحضارة” و”لذة التحرر” !!

ألا ما أكثف حجاب السفاهة والسكر الذي يخدّر الشعور والإحساس!

ألا قل: تباً لعقل أولئك الضالين!

أما الصراط المستقيم أو الجادة المنورة للقرآن الكريم، فانه يداوي جميع تلك الجروح التي يعاني منها أهل الضلالة ويضمدها بالحقائق الإيمانية، ويبدد كل تلك الظلمات السابقة في ذلك الطريق، ويسد جميع أبواب الضلالة والهلاك بالآتي:

إنه يداوي ضعفَ الإنسان، وعجزه، وفقره، واحتياجَه بالتوكل على القدير الرحيم، مُسلّماً أثقال الحياة وأعباء الوجود إلى قدرته سبحانه وإلى رحمته الواسعة دون أن يحملها على كاهل الإنسان، بل يجعله مالكاً لزمام نفسه وحياته، واجداً له بذلك مقاماً مريحاً، ويعرّفه بأنه ليس بحيوانٍ ناطق، بل هو إنسان بحق وضيف عزيز مكرم عند الملك الرحمن.

ويداوي أيضاً تلك الجروح الإنسانية الناشئة من فناء الدنيا وزوال الأشياء، ومن حب الفانيات، يداويها بلطف وحنان بإظهاره الدنيا دار ضيافة الرحمن ومبيناً أن ما فيها من الموجودات هي مرايا الأسماء الحسنى، وموضحاً أن مصنوعاتها رسائل ربانية تتجدد كل حين بإذن ربها، فينقذ الإنسان من قبضة ظلمات الأوهام.

ويداوي أيضاً تلك الجروح التي يتركها الموت، الذي يتلقاه أهل الضلالة فراقاً أبدياً عن الأحبة جميعاً، ببيانه أن الموت مقدمة الوصال واللقاء مع الأحباء الذين رحلوا إلى عالم البرزخ والذين هم الآن في عالم البقاء، ويثبت أن ذلك الفراق هو عين اللقاء.

ويزيل كذلك أعظم خوف للإنسان بإثباته أن القبر باب مفتوح إلى عالم الرحمة الواسعة، وإلى دار السعادة الأبدية، وإلى رياض الجنان، وإلى بلاد النور للرحمن الرحيم، مبيناً أن سياحة البرزخ التي هي أشد ألماً وأشقى سياحة عند أهل الضلالة، هي أمتع سياحة وآنسها وأسرها إذ ليس القبر فم ثعبان مرعب، بل هو باب الى روضة من رياض الجنة.

ويقول للمؤمن:

إن كانت إرادتك واختيارك جزئية، ففوّض أمرك لإرادة مولاك الكلية.. وإن كان اقتدارك ضعيفاً فاعتمد على قدرة القادر المطلق.. وإن كانت حياتك فانية وقصيرة ففكّر بالحياة الباقية الأبـدية.. وإن كان عمرك قصــيراً فلا تحزن فإن لــك عمــراً مديداً.. وإن كان فكرك خافتاً فادخل تحت نور شمس القرآن الكريم، وانظر بنور الإيمان كي تمنحك كل آية من الآيات القرآنية نوراً كالنجوم المتلألئة الساطعة بدلاً من ضوء فكرك الباهت.. وإن كانت لك آمال وآلام غير محدودة فإن ثواباً لا نهاية له ورحمة لا حد لها ينتظرانك.. وإن كانت لك غايات ومقاصد لا تحد، فلا تقلق متفكراً بها فهي لا تُحصر في هذه الدنيا، بل مواضعها ديار أخرى، ومانحها جواد كريم واسع العطاء.

ويخاطب الإنسان أيضاً ويقول:

أيها اإانسان! أنت لستَ مالكاً لنفسك.. بل أنت مملوكٌ للقادر المطلق القدرة، والرحيم المطلق الرحمة، فلا ترهق نفسَك بتحميلها مشقة حياتك، فإن الذي وهب الحياة هو الذي يديرها.

ثم أن الدنيا ليست سائبة دون مالك، كي تقلق عليها وتكلف نفسك حمل أعبائها وترهق فكرك في أحوالها. ذلك لأن مالكها حكيم ومولاها عليم، وأنت لستَ إلاّ ضيفاً لديه، فلا تتدخل بفضولٍ في الأمور، ولا تخلطها من غير فهم.

ثم أن الإنسان والحيوان ليسوا موجودات مهملة، بل موظفون مأمورون تحت هيمنة حكيم رحيم وتحت إشرافه. فلا تجرّع روحَك ألماً بالتفكر في مشاق أولئك وآلامهم ولا تقدّم رأفتك عليهم بين يدي رحمة خالقهم الرحيم.

ثم أن زمام أولئك الذين اتخذوا طور العداء معك ابتداء من الميكروبات إلى الطاعون والطوفان والقحط والزلازل، بل زمام كل شيء بيد ذلك الرحيم الكريم سبحانه، فهو حكيم لا يصدر منه عبث، وهو رحيم واسع الرحمة، فكل ما يعمله فيه أثر من لطف ورأفة.

ويقول أيضاً:

إن هذا العالم مع أنه فانٍ فإنه يهيئ لوازم العالم الأبدي.. ومع أنه زائل ومؤقت إلا أنه يؤتي ثمرات باقية، ويظهر تجليات رائعة من تجليات الأسماء الحسنى الخالدة.. ومع أن لذائذه قليلة وآلامه كثيرة، إلا أن لطائف الرحمن الرحيم وتكرمه وتفضله هي بذاتها لذات حقيقية لا تزول، أما الآلام فهي الأخرى تولد لذّات معنوية من جهة الثواب الأُخروي. فما دامت الدائرة المشروعة كافية ليأخذ كل من الروح والقلب والنفس لذّاتهــا ونشـواتها جميعاً، فـلا داعـي إذن أن تـلج في الدائرة غير المشروعة، لأن لذة واحدة من هذه الدائرة قد يكون لها ألف ألم وألم، فضلاً عن أنها سبب الحرمان من لذة تكريم الرحمن الكريم، تلك اللذة الخالصة الزكية الدائمة الخالدة.

هكذا تبين مما سبق بأن طريق الضلالة يردي الإنسان إلى أسفل سافلين، إلى حد تعجز أية مدنية كانت وأية فلسفة كانت عن إيجاد حل له، بل يعجز الرقي البشري وما بلغه من مراتب العلم عن إخراجه من تلك الظلمات السحيقة التي في الضلالة.

بينما القرآن الكريم يأخذ بيد الإنسان – بالإيمان والعمل الصالح – ويرفعه من أسفل سافلين إلى أعلى عليين، ويبين له الدلائل القاطعة ويبسط أمامه البراهين الدامغة على ذلك، فيردم تلك الأغوار العميقة بمراتب رقي معنوي وبأجهزة تكامل روحي.. وكذا ييسر له – بسهولة مطلقة – رحلته الطويلة المضنية العاصفة نحو الأبدية، ويهوّنها عليه؛ وذلك بإبرازه الوسائط والوسائل التي يمكن أن يقطع بها مسافة ألف سنة، بل خمسين ألف سنة في يوم واحد.

وكذا يضفي على الإنسان جلباب العبودية ويكسبه طور عبد مأمور، وضيف موظف لدى الذات الجليلة، وذلك بتعريفه أن الله سبحانه هو مالك الأزل والأبد، فيضمن له راحة تامة في سياحته في الدنيا المضياف أو في منازل البرزخ في ديار الآخرة.. فكما أن الموظف المخلص للسلطان يتجول بيسر تام في دائرة مملكة سلطانه، ويتنقل من تخوم ولاياته بوسائط سريعة كالطائرة والباخرة والقطار، كذلك الانسان المنتسب بالإيمان إلى المالك الأزلي فإنه يمر بالعمل الصالح من منازل الدنيا المضياف ومن دوائر عالمي البرزخ والحشر ومن حدودهما الواسعة الشاسعة بسرعة البَرق والبُراق حتى يجد السعادة الأبدية.. فيثبت القرآن الكريم هذه الحقائق إثباتاً قاطعاً ويبرزها عياناً للأصفياء والأولياء.

ثم تستأنف حقيقته قائلة:

أيها المؤمن لا تبذل ما تملكه من قابلية غير محدودة للمحبة إلى نفسك التي هي أمارة بالسوء وهي قبيحة ناقصة، وشريرة مضرة لك، ولا تتخذها محبوبتك ومعشوقتك، ولا تجعل هواها معبودك، بل اجعل محبوبك مَن هو أهلٌ لمحبة غير متناهية.. ذلكم القادر على الإحسان إليك إحساناً لا نهاية له، والقادر على إسعادك سعادة لا منتهى لها، بل يسعدك كذلك بما يجـزل من إحسـاناته علـى جميع مَن ترتبط معهم بعلاقات، فهو الذي له الكمال المطلق والجمال المقدس والمنزّه عن كل نقص وقصور وزوال وفناء.. فجماله لا حدود له وجميع أسمائه جميلة وحسنى.

نعم إن في كل اسم من أسمائه أنوار حُسنٍ وجمال لا نهاية لها؛ فالجنة بجميع لطائفها وجمالها ونعيمها إنما هي تجلٍ لإظهار جمال رحمته ورحمة جماله، وجميع الحسن والجمال والمحاسن والكمالات المحبوبة والمحببة في الكون كله ما هي إلا إشارة إلى جماله ودلالة على كماله سبحانه.

ويقول أيضاً:

أيها الإنسان! إن ينابيع المحبة المتفجرة في أعماقك والمتوجهة إلى الله سبحانه والمتعلقة بأسمائه الحسنى والمولهة بصفاته الجليلة لا تجعلها مبتذلة بتشبثها بالموجودات الفانية، ولا تهدرها دون فائدة على المخلوقات الزائلة؛ ذلك لأن الآثار والمخلوقات فانيتان، بينما الأسماء الحسنى البادية تجلياتها وجمالها على تلك الآثار وعلى تلك المصنوعات باقية دائمة.. ففي كل اسم من الأسماء الحسنى وفي كل صفة من الصفات المقدسة آلاف من مراتب الإحسان والجمال وآلاف من طبقات الكمال.

فانظر إلى اسم ” الرحمن ” فحسب لترى: أن الجنة إحدى تجلياته، والسعادة الأبدية إحدى لمعاته، وجميع الأرزاق والنعم المبثوثة في أرجاء الدنيا كافة إحدى قطراته.

فأنعم النظر وتدبر في الآيات الكريمة التي تشير إلى هذه الموازنة بين ماهية أهل الضلالة وأهل الإيمان من حيث الحياة ومن حيث الوظيفة. (لقد خَلَقنا الإنسانَ في أحسنِ تقْويم ثم رَدَدْناه أسفلَ سافلين إلاّ الذينَ آمَنوا وَعَمِلوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون). (التين:4-6).

والآية الأخرى (فما بَكَتْ عليهم السماءُ والأرضُ) (الدخان:44) هذه الآيات تشير إلى عقبى كل منهما. تأمل فيهما لتجد مدى سموهما وإعجازهما في بيان ما عقدناه من الموازنة والمقارنة.

إنها تخاطب قائلة: إن السموات والأرض لا تبكيان على موت أهل الضلالة. وتدل بالمفهوم المخالف أن السَّموات والأرض تبكيان على رحيل أهل الايمان عن الدنيا. أي لما كانَ أهل الضلالة ينكرون وظائف السموات والأرض ويتهمونهما بالعبثية ولا يدركون معاني ما يؤديانه من مهام، فيبخسون حقهما، بل لا يعرفون خالقَهما ولا دلالاتهما على صانعهما، فيستهينون بهما، ويتخذون منهما موقف العداء والإهانة والاستخفاف، فلابد ألاّ تكتفي السموات والأرض بعدم البكاء عليهم، بل تدعوان عليهم بل ترتاحان لهلاكهم.

وتقول كذلك بالمفهوم المخالف، إن السَّموات والأرض تبكيان على موت أهل الإيمان لأنهم يعرفون وظائفهما، ويقدرونهما حق قدرهما، ويصدقون حقائقهما الحقة، ويفهمون – بالإيمان – ما تفيدان من معانٍ، حيث إنهم كلما تأملوا فيهما قالوا بإعجاب: ” ما أجمل خلقهما! وما أحسن ما تؤديان من وظائف! ” . فيمنحونهما ما يستحقان من القيمة والاحترام، حيث يبثون حبهم لهما بحبهم للّه، أي لأجل الله، باعتبارهما مرايا عاكسة لتجليات أسمائه الحسنى. ولهذا تهتز السَّموات، وتحزن الأرض، لموت أهل الإيمان وكأنهما تبكيان على زوالهم.

سؤال مهم. تقولون: إن المحبة ليست اختيارية، لا تقع تحت إرادتنا، فأنا بمقتضى حاجتي الفطرية أحب الأطعمة اللذيذة والفواكه الطيبة، وأحب والديّ وأولادي وزوجتي التي هي رفيقة حياتي، وأحب الأنبياء المكرمين والأولياء الصالحين، وأحب شبابي وحياتي وأحب الربيع وكل شيء جميل، وبعبارة أوجز أنا أحب الدنيا، ولِمَ لا أحب كل هذه؟.. ولكن كيف أستطيع أن أقدّم جميع هذه الأنواع من المحبة للّه، وأجعل محبتي لأسمائه الحسنى ولصفاته الجليلة ولذاته المقدسة سبحانه؟ ماذا يعني هذا؟

الجواب: عليك أن تستمع إلى النكات الأربع الآتية:

النكتة الأولى:

إن المحبة وإن لم تكن اختيارية، إلاّ أنها يمكن أن يُحوَّل وجهُها بالإرادة من محبوب إلى آخر؛ كأن يظهرَ قبحُ المحبوب وحقيقته مثلاً، أو يُعرَف أنه حجابٌ وستار لمحبوب حقيقي يستحق المحبة، أو مرآة عاكسة لجمال ذلك المحبوب الحقيقي، فعندها يمكن أن يُصرَف وجهُ المحبة من المحبوب المجازي إلى المحبوب الحقيقي.

النكتة الثانية:

نحن لا نقول لك: لا تحمل ودّاً ولا حباً لكل ما ذكرتَه آنفاً. وإنما نقول اجعل محبتك لما ذكرته في سبيل الله ولوجهه الكريم: فالتلذذ بالأطعمة الشهية وتذوق الفواكه الطيبة مع التذكر بأنها إحسانٌ من الله سبحانه وإنعام من الرحمن الرحيم، يعني المحبة لاسم “الرحمن” واسم “المنعم” من الأسماء الحسنى، علاوة على أنه شكر معنوي. والذي يدلنا على أن هذه المحبة لم تكن للنفس والهوى بل لاسم “الرحمن” هو كسب الرزق الحلال مع القناعة التامة ضمن الدائرة المشروعة، وتناوله بالتفكر في أنه نعمة من الله مع الشكر له.

ثم إن محبتك للوالدين واحترامهما، إنما يعودان إلى محبتك لله سبحانه؛ إذ هو الذي غرس فيهما الرحمة والشفقة حتى قاما برعايتك وتربيتك بكل رحمة وحكمة. وعلامة كونهما محبة لوجه الله تعالى، هي المبالغة في محبتهما واحترامهما عندما يبلغان الكبر، ولا يبقى لك فيهما من مطمع. فتُكثر من الشفقة عليهما والرحمة لهما رغم ما يشغلانك بالمشاكل ويثقلان كاهلك بالمشقة. فالآية الكريمة: (إمّا يَبْلُغَنّ عِندَكَ الكِبَرَ أحدُهما أو كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍِّ وَلاَ تَنْهَرهُما وَقُلْ لَهُما قَولاً كَريماً. وَاخْفـِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِن الرَحمةِ وَقُلْ رَبِّ اِرحَمْهُما كَما رَبياني صَغيراً) (الإسراء:23 ـ24). تدعو الأولاد إلى رعاية حقوق الوالدين في خمس مراتب، وتبين مدى أهمية برّهما وشناعة عقوقهما..

وحيث إن الوالد لا يقبل أن يتقدمه أحد سوى ابنه إذ لا يحمل في فطرته حسداً إليه مما يسد على الولد طريق مطالبة حقه من الوالد، لأن الخصام إما ينشأ من الحسد والمنافسة بين اثنين أو ينشأ من غمط الحق، فالوالد سليم معافى منهما فطرة، لذا لا يحق للولد إقامة الدعوى على والده، بل حتى لو رأى منه بغياً فليس له أن يعصيه ويعقّه. بمعنى أن من يعقّ والديه ويؤذيهما ما هو إلاّ إنسان ممسوخ حيواناً مفترساً.

أما محبة الأولاد فهي كذلك محبةٌ لله تعالى وتعود إليه، وذلك بالقيام برعايتهم بكمال الشفقة والرحمة بكونهم هبة من الرحيم الكريم. أما العلامة الدالة على كون تلك المحبة لله وفي سبيله فهي الصبر مع الشكر عند البلاء، ولا سيّما عند الموت والترفع عن اليأس والقنوط وهدر الدعاء بل يجب التسليم بالحمد عند القضاء. كأن يقول: إن هذا المخلوق محبوب لدى الخالق الكريم، ومملوك له، وقد أمنَّني عليه لفترة من الزمن، فالآن اقتضت حكمته سبحانه أن يأخذه مني إلى مكان آمن وأفضل. فإن تك لي حصة واحدة ظاهرية فيه، فله سبحانه ألف حصة حقيقية فيه. فلا مناص إذن من التسليم بحكم الله.

أما محبة الأصدقاء وودّهم، فإن كانوا من أصحاب الإيمان والتقوى فإن محبتهم هي في سبيل الله وتعود إليه سبحانه بمقتضى “الحب في الله”.

ثم إن محبة الزوجة وهي رفيقة حياتك، فعليك بمحبتها على أنها هدية أنيسة لطيفة من هدايا الرحمة الإلهية. وإياك أن تربط محبتك لها برباط الجمال الظاهري السريع الزوال، بل أوثقها بالجمال الذي لا يزول ويزداد تألقاً يوماً بعد يوم، وهو جمال الأخلاق والسيرة الطيبة المنغرزة في أنوثتها ورقّتها. وإن أحلى ما فيها من جمال وأسماه هو في شفقتها الخالصة النورانية. فجمال الشفقة هذا، وحُسن السيرة يدومان ويزدادان إلى نهاية العمر. وبمحبتهما تُصان حقوق هذه المخلوقة اللطيفة الضعيفة، وإلاّ تفقد حقوقها في وقت هي أحوج ما تكون إليها، بزوال الجمال الظاهري.

أما محبة الأنبياء عليهم السلام والأولياء الصالحين فهي أيضاً لوجه الله وفي سبيله من حيث إنهم عباد الله المخلصون المقبولون لديه جل وعلا. فمن هذه الزاوية تصبح تلك المحبة للّه.

والحياة أيضاً التي وهبها الله سبحانه وتعالى لك وللإنسان، هي رأس مال عظيم تستطيع أن تكسب به الحياة الأُخروية الباقية. وهي كنز عظيم يحوي أجهزة وكمالات خالدة.. من هنا فالمحافظة عليها ومحبتها من هذه الزاوية، وتسخيرها في سبيل المولى عز وجل تعود إلى الله سبحانه أيضاً.

ثم إن محبة الشباب وجماله ولطافته، وتقديره من حيث انه نعمة ربانية جميلة، ثم العمل على حسن استخدامه، هي محبة مشروعة، بل مشكورة.

ثم محبة الربيع والشوق إليه تكون في سبيل الله ومتوجهة إلى أسمائه الحسنى، من حيث كونه اجمل صحيفة لظهور نقوش الأسماء الحسنى النورانية وأعظم معرض لعرض دقائق الصنعة الربانية البديعة.. فالتفكر في الربيع من هذه الزاوية محبة متوجهة إلى الأسماء الحسنى.

وحتى حب الدنيا والشغف بها ينقلب إلى محبة لوجه الله تعالى فيما إذا كان النظر أليها من زاوية كونها مزرعة الآخرة، ومرآة الأسماء الحسنى، ورسائل ربانية إلى الوجود، ودار ضيافة مؤقتة (وعلى شرط عدم تدخل النفس الأمارة في تلك المحبة). ومجمل القول:

اجعل حبك للدنيا وما فيها من مخلوقات بالمعنى (الحرفي) وليس بالمعنى (الإسمي) أي لمعنى ما فيها وليس لذاتها. ولا تقل لشيء: “ما أجمل هذا” بل قل: “ما أجمله خلقاً” أو “ما أجمل خلقه” ! وإياك أن تترك ثغرة يدخل منها حبٌ لغير الله في باطن قلبك، فإن باطنه مرآة الصمد، وخاص به سبحانه وتعالى. وقل: اللّهم ارزقنا حبك وحب ما يقرّبنا إليك.

وهكذا فإن جميع ما ذكرناه من أنواع المحبة، إن وجهت الوجهة الصائبة على الصورة المذكورة آنفاً، أي عندما تكون لله وفي سبيله، فإنها تورث لذة حقيقية بلا ألم. وتكون وصالاً حقاً بلا زوال، بل تزيد محبة الله سبحانه وتعالى، فضلاً عن أنها محبة مشروعة وشكر لله في اللذة نفسها، وفكر في آلائه في المحبة عينها.

مثال للتوضيح:

إذا أهدى إليك سلطان عظيم تفاحة – مثلاً – فإنك ستكّن لها نوعين من المحبة، وستلتذ بها بشكلين من اللذة:

الأولى: المحبة التي تعود إلى التفاحة، من حيث أنها فاكهة طيبة فيها لذة بقدر ما فيها من خصائص، هذه المحبة لا تعود إلى السـلطــان. بل مَن يأكلها بشراهــة أمامه بيدي محبته للتفاحة وليس للسلطان، وقد لا يعجب السلطان ذلك التصرف منه، وينفر من تلك المحبة الشديدة للنفس. علاوة على أن لذة التفاحة جزئية وهي في زوال. إذ بمجرد الانتهاء من أكلها تزول اللذة وتورث الأسف.

أما المحبة الثانية: فهي للتكرمة السلطانية والتفاتته اللطيفة التي ظهرت بالتفاحة.. فكأن تلك التفاحة نموذج للتوجه السلطاني، أو هي ثناء مجسّم منه. فالذي يتسلم هدية السلطان حباً وكرامةً بيدي محبته للسلطان وليس للتفاحة. علماً أن في تلك التفاحة التي صارت مظهراً للتكرمة لذة تفوق وتسمو على ألف تفاحة أخرى. فهذه اللذة هي الشكران بعينه، وهذه المحبة هي محبة ذات احترام وتوقير يليق بالسلطان.

وهكذا فإذا ما وجّه الانسان محبته إلى النعم والفواكه بالذات وتلذذ عن غفلة بلذاتها المادية وحدها، فتلك محبة نفسانية تعود إلى هوى النفس، وتلك اللذات زائلة مؤلمة. أما إذا كانت المحبة متوجهة إلى جهة التكرمة الربانية ونحو ألطاف رحمته سبحانه وثمرات إحسانه، مقدّراً درجات الإحسان واللطف ومتلذذاً بها بشهية كاملة، فهي شكر معنوي، وهي لذة لا تورث ألماً.

النكتة الثالثة:

إن المحبة المتوجهة إلى الأسماء الحسنى لها طبقات: فقد تتوجه بالمحبة إلى الأسماء الحسنى بمحبة الآثار الإلهية المبثوثة في الكون – كما بيناه سابقاً – وقد تتوجه بالمحبة إلى الأسماء الحسنى لكونها عناوين كمالات إلهية سامية، وقد يكون الإنسان مشتاقاً إلى الأسماء الحسنى لحاجته الماسة إليها، وذلك لجامعية ماهيته وعمومها وحاجاته غير المحدودة، أي يحب تلك الأسماء بدافع الحاجة إليها.

ولنوضح ذلك بمثال:

تصور وأنت تستشعر عجزك وحاجتك الشديدة إلى مَن يساعدك ويعينك لإنقاذ مَن تحن عليهم وتشفق على أوضاعهم من الأقارب والفقراء، وحتى المخلوقات الضعيفة المحتاجة، إذا بأحدهم يبرز في الميدان، ويُحـسن لأولئك ويتفـضل عليهم ويسبغ عليهم نِعَمه بما تريده وترغبه.. فكم تطـيـب نفسـك وكم ترتاح إلى اسمه “المنعم” و”الكريم” .. وكم تنبسط أساريرك وتنشرح من هذين الاسـمين، بل كم يأخذ ذلك الشخص من إعجابك وتقديرك، وكم تتوجه إليه بالحب بذينك الاسمين والعنوانين!

ففي ضوء هذا المثال تدبّر في اسمين فقط من الأسماء الحسنى وهما: “الرحمن” و”الرحيم” تجد أن جميع المؤمنين من الآباء والأجداد السالفين وجميع الأحبة والأقارب والأصدقاء، هؤلاء الذين تحبهم وتحن إليهم وتشفق عليهم، يُنعَمون في الدنيا بأنواع من النعم اللذيذة، ثم يُسعَدون في الآخرة بما لذّ وطاب من النعم، بل يزيدهم سبحانه وهو الرحمن الرحيم سعادة ونعيماً بلقاء بعضهم بعضاً وبرؤية الجمال السرمدي هناك.. فكم يكون اسم “الرحمن” و”الرحيم” جديرين إذن بالمحبة؟ وكم تكون روح الانسان تواقة إليهما؟ قس بنفسك ذلك لتدرك مدى صواب قولنا؛ الحمد لله على رحمانيته ورحيميته.

ثم إنك تتعلق بالموجودات المبثوثة على الأرض وتتألم بشقائها، حتى لكأن الأرض برمتها مسكنك الجميل وبيتك المأنوس؛ فإذا ما أمعنت النظر تجد في روحك شوقاً عارماً وحاجة شديدة إلى اسم “الحكيم ” وعنوان “المربي” الذي ينظم هذه المخلوقات كافة بحكمة تامة وتنظيم دقيق وتدبير فائق وتربية رحيمة.

ثم إذا أمعنت النظر في البشرية جمعاء تجدك تتعلق بهم وتتألم لحالهم البائسة وتتألم أشد الألم بزوالهم وموتهم، وإذا بروحك تشتاق إلى اسم “الوارث الباعث” وتحتاج إلى عنوان “الباقي، الكريم، المحيي، المحسن” للخالق الكريم الذي ينقذهم من ظلمات العدم ويسكنهم في مسكن أجمل من الدنيا أفضل منها.

وهكذا فلأن ماهية الإنسان عالية وفطرته جامعة فهو محتاج بألف حاجة وحاجة إلى ألف اسم واسم من الأسماء الحسنى والى كثير جداً من مراتب كل اسم. فالحاجة المضاعفة هي الشوق، والشوق المضاعف هو المحبة والمحبة المضاعفة كذلك هي العشق، فحسب تكمّل روح الانسان تنكشف مراتبُ المحبة وفق مراتب الأسماء. ومحبة جميع الأسماء أيضا تتحول إلى محبة ذاته الجليلة سبحانه، إذ إن تلك الأسماء عناوين وتجليات ذاته جلّ وعلا.

والآن سنبين من بين ألف اسم واسم من الأسماء الحسنى مرتبة واحدة فقط وعلى سبيل المثال من بين ألف مرتبة ومرتبة لاسم ” العدل والحكم والحق والرحيم على النحو الآتي:

إن شئت أن تشاهد ما في نطاق الحكمة والعدل من اسم “الرحمن الرحيم، الحق” ضمن دائرة واسعة عظمى فتأمل في هذا المثال:

جيش يضم أربعمائة طائفة متنوعة من الجنود، كل منها تختلف عن الأخرى فيما يعجبها من ملابس، وتتباين فيما تشتهيه من أطعمة وتتغاير فيما تستعمله بيُسر من أسلحة، وتتنوع فيما تتناوله من علاجات تناسبها.. فعلى الرغم من هذا التباين والاختلاف في كل شيء، فان تلك الطوائف الأربعمائة لا تتميز إلى فرق وأفواج، بل يتشابك بعضها في بعض من دون تمييز.. فإذا ما وُجد سلطانٌ واحد يعطي لكل طائفة ما يليق بها من ملابس، وما يلائمها من أرزاق، وما يناسبها من علاج، وما يوافقها من سلاح، بلا نسيانٍ لأحد ولا التباس ولا اختلاط، ومن دون أن يكون له مساعد ومعين، بل يوزعها كلها عليهم بذاته، بما يتصف به من رحمة ورأفة وقدرة وعلم معجز وإحاطة تامة بالأمور كلها، مع عدالة فائقة وحكمة تامة.. نعم، إذا ما وُجد سلطان كهذا الذي لا نظير له، وشاهدتَ بنفسك أعماله المعجزة الباهرة، تدرك عندئذٍ مدى قدرته ورأفته وعدله. ذلك لأن تجهيز كتيبة واحدة تضم عشرة أقوام مختلفين بأعتدة متباينة وألبسة متنوعة أمر عسير جداً، حتى يُلجأ إلى تجهيز الجيش بطراز معين ثابت من الألبسة والأعتدة مهما اختلفت الأجناس والأقوام.

فإذا شئت – في ضوء هذا المثال – أن ترى تجلي اسم الله “الحق” و”الرحمن الرحيم” ضمن نطاق العدل والحكمة، فسرّح نَظَرَك في الربيع إلى تلك الخيام المنصوبة على بساط الأرض لما لا يحصى من الأمم المتنوعة، الذين يمثلون جيش النباتات والحيوانات، أنعم النظر فيها تجد أن جميع تلك الأمم والطوائف، مع أنها متداخلة، وألبستهم مختلفة وأرزاقهم متفاوتة وأسلحتهم متنوعة وطرق معيشتهم متباينة وتدريبهم وتعليماتهم متغايرة، وتسريحاتهم وإجازاتهم متميزة.. وهم لا يملكون ألسنة يطالبون بها تأمين حاجاتهم وتلبية رغباتهم.. مع كل هذا فان كلاً منها تدار وتربى وتراعى باسم “الحق والرحمن والرزاق والرحيم والكريم ” دون التباس ولا نسيان ضمن نطاق الحكمة والعدل بميزان دقيق وانتظام فائق.. فشَاهِد هذا التجلي وتأمّل فيه؛ فهل يمكن أن يتدخل أحد غير الله سبحانه وتعالى في هذا العمل الذي يُدار بمثل هذا النظام البديع والميزان الدقيق؟ وهل يمكن لأي سبب مهما كان أن يمدّ يده ليتدخل في هذه الصنعة الباهرة والتدبير الحكيم والربوبية الرحيمة والإدارة الشاملة غير الواحد الأحد الحكيم القدير على كل شيء؟

النكتة الرابعة:

تقول إنني أحمل أنواعا متباينة من المحبة في نفسي، تتعلق بالأطعمة اللذيذة، وبنفسي وزوجتي وبأولادي ووالديّ وبأحبابي وأصدقائي، وبالأولياء الصالحين والأنبياء المكرمين، بل يتعلق حبي بكل ما هو جميل، وبالربيع الزاهي خاصة وبالدنيا عامة.. فلو سارت هذه الأنواع المختلفة من المحبة وفق ما يأمر به القرآن الكريم، فما تكون نتائجها وما فوائدها؟

الجواب: إن بيان تلك النتائج وتوضيح تلك الفوائد كلها يحتاج إلى تأليف كتاب ضخم في هذا الشأن، لذا سنشير هنا إلى نتيجة واحدة أو نتيجتين منها إشارة مجملة. وسنبين أولا النتائج التي تحصل في الدنيا، ثم بعد ذلك نبين النتائج التي ستظهر في الآخرة. وهي كالآتي:

لقد ذكرنا سابقاً أن أنواع المحبة التي لدى أرباب الغفلة والدنيا والتي لا تنبعث إلا لإشباع رغبات النفس، لها نتائج أليمة وعواقب وخيمة من بلايا ومشقات، مع ما فيها من نشوة ضئيلة وراحة قليلة.

فمثلاً: الشفقة تصبح بلاءً مؤلماً بسبب العجز، والحب يغدو حُرقة مفجعة بسبب الفراق، واللذة تكون شراباً مسموماً بسبب الزوال.. أما في الآخرة فستبقى دون جدوى ولا نفع، لأنها لم تكن في سبيل الله تعالى، أو تكون عذاباً أليماً إن ساقت إلى الوقوع في الحرام.

سؤال: كيف يظل حب الأنبياء الكرام والأولياء الصالحين دون نفع أو فائدة؟

الجواب: مثلما لا ينتفع النصارى المعتقدون بالتثليث من حبهم لسيدنا عيسى عليه السلام، وكذا الروافض من حبهم لسيدنا علي رضي الله عنه!

أما ما ذكرته من أنواع المحبة فإن كانت وفق إرشاد القرآن الكريم وفي سبيل الله سبحانه وتعالى ومحبة الرحمن الرحيم، فان نتائج جميلة تثمر في الدنيا، فضلاً عن نتائجها الطيبة الخالدة في الآخرة.

أما نتائجها في الدنيا:

فإن محبتك للأطعمة اللذيذة والفواكه الطيبة فهي نعمة إلهية لا يشوبها ألم، ولذة لطيفة في الشكر بعينه.

أما محبتك لنفسك أي إشفاقك عليها، والجهد في تربيتها وتزكيتها، ومنعها عن الأهواء الرذيلة، تجعلها منقادة إليك، فلا تسيرّك ولاتقيدك بأهوائها بل تسوقها أنت إلى حيث الهدى دون الهوى.

أما محبتك لزوجتك وهي رفيقة حياتك، فلأنها قد أسست على حُسن سيرتها وطيب شفقتها، وكونها هبة من الرحمة الإلهية، فستولها حباً خالصاً ورأفة جادة، وهي بدورها تبادلك هذه المحبة مع الاحترام والتوقير، وهذه الحالة تزداد بينكما كلما تقدمتما في العمر، فتقضيان حياة سعيدة هنيئة بإذن الله.. ولكن لو كان ذلك الحب مبنياً على جمال الصورة الذي تهواه النفس، فإنه سرعان ما يخبو ويذبل، وتفسد الحياة الزوجية أيضا.

أما محبتك للوالد والوالدة، فهي عبادة تُثاب عليها ما دامت في سبيل الله، ولا شك أنك ستزيد الحب والاحترام لهما عندما يبلغان الكبر، وتكسب لذة روحية خالصة وراحة قلبية تامة لدى القيام بخدمتهما وتقبيل أيديهما وتبجيلهما بإخلاص، فتتوجه إلى المولى القدير، وأنت تشعر هذا الشعور السامي والهمة الجادة، بأن يطيل عمرهما لتحصل على مزيد من الثواب.. ولكن لو كان ذلك الحب والاحترام لأجل كسب حطام الدنيا ونابعاً من هوى النفس، فإنه يولد ألماً روحياً قاتماً ينبعث من شعور سافل منحط وإحساس دنيء وضيع هو النفور من ذينك الموقرَين اللذين كانا السبب لحياتكَ أنت، واستـثـقالهما وقد بلغا الكبر وباتا عبئاً عليك، ثم الأدهى من ذلك تمني موتهما وترقّب زوالهما!

أما محبتك لأولادك، أي حبك لمن استودعك الله إياهم أمانةً، لتقوم بتربيتهم ورعايتهم.. فحب أولئك المؤنسين المحبوبين من خلق الله، إنما هو حب مكلل بالسعادة والبهجة، وهو نعمة إلهية في الوقت نفسه، فإذا شعرت بهذا فلا يَنْتَبك الحزن على مصابهم ولا تصرخ متحسراً على وفاتهم. إذ – كما ذكرنا سابقاً – أن خالقهم رحيم بهم حكيم في تدبير أمورهم وعند ذلك تقول إن الموت بحق هؤلاء لهو سعادة لهم. فتنجو بهذا من ألم الفراق وتتفكر أن تستدر رحمته تعالى عليك.

أما محبتك للأصدقاء والأقرباء، فلأنها لوجه الله تعالى، فلا يحول فراقهم ولا موتهم عن دوام الصحبة معهم، ودوام أخوتكم ومحبتكم ومَوانستكم؛ إذ تدوم تلك الرابطة الروحية والحب المعنوي الخالص، فتـدوم بدورهمـا لـذة اللـقـاء ومتعة الوصال.. ولكن إن لم يكن ذلك الحب لأجله تعالى ولا في سبيله، فان لذة لقاء يوم واحد يورث آلام الفراق لمائة يوم.

أما محبتك للأنبياء عليهم السلام والأولياء الصالحين، فان عالم البرزخ الذي هو عالم مظلم موحش في نظر أرباب الضلالة والغفلة تراه منازل من نور تنورت بأولئك المنورين، وعندها لا تستوحش من اللحاق بهم، ولا تجفل من عالم البرزخ، بل تشتاق إليه، وتحن إليه من دون أن يعكر ذلك تمتعك بالحياة الدنيا.. ولكن لو كان حبهم شبيهاً بحب أرباب المدنية لمشاهير الإنسانية، فان مجرد التفكر في فناء أولئك الأولياء الكاملين، وترمم عظامهم في مقبرة الماضي الكبرى، يزيد ألماً على آلام الحياة، ويدفع المرء إلى تصور موته وزواله حيث يقول سأدخل يوماً هذه المقبرة التي ترمم عظام العظماء! يقوله بكل مرارة وحسرة وقلق.. بينما في المنظور الأول يراهم يقيمون براحة وهناء في عالم البرزخ الذي هو قاعة المستقبل ورواقه، بعد أن تركوا ملابسهم الجسدية في الماضي.. فينظر إلى المقبرة نظرة شوق وأنس.

ثم أن محبتك للأشياء الجميلة والأمور الطيبة، لما كانت محبة في سبيل الله، وفي سبيل معرفة صانعها الجليل بحيث يجعلك تقول: ما أجمل خلقه!. فإن هذه المحبة في حد ذاتها تفكر ذو لذة ومتعة، فضلاً عن أنها تفتح السبيل أمام أذواق حب الجمال والشوق إلى الحسن لتتطلع إلى مراتب أذواق أسمى وأرفع ، وتريه هناك كنوز تلك الخزائن النفيسة فيتملاها المرء في نشوة سامية عالية؛ ذلك لأن هذه المحبة تفتح آفاقاً أمام القلب ليحوّل نظره من آثار الصانع الجليل إلى جمال أفعاله البديعة، ومن جمال الأفعال إلى جمال أسمائه الحسنى، ومن جمال الأسماء الحسنى إلى جمال صفاته الجليلة، ومن جمال الصفات الجليلة إلى جمال ذاته المقدسة.. فهذه المحبة وبهذا السبيل إنما هي عبادة لذيذة وتفكر رفيع ممتع في الوقت نفسه.

أما محبتك للشباب، فلأنك قد أحببت عهد شبابك لكونه نعمة جميلة لله سبحانه، فلا شك أنك ستصرفه في عبادته تعالى ولا تقتله غرقاً في السفه وتمادياً في الغي؛ إذ العبادات التي تكسبها في عهد الشباب إنما هي ثمرات يانعة باقية خالدة أثمرها ذلك العهد الفاني، فكلما جاوزت ذلك العهد وطعنت في السـن حصلت على مزيد من ثمراته الباقية، ونجوت تدريجياً من آفات النفس الأمارة بالسوء وسيئات طيش الشباب. فترجو من المولى القدير أن يوفقك إلى كسب المزيد من العبادة في الشيخوخة، لتكون أهلاً لرحمته الواسعة. وتربأ بنفسك أن تكون مثل أولئك الغافلين الذين يقضون خمسين سنة من عمر شيخوختهم وشيبهم أسفاً وندماً على ما فقدوه من متاع الشباب في خمس أو عشر سنوات. حتى عبّر أحد الشعراء عن ذلك الندم والأسف بقوله:

ألا لَيتَ الشَبابَ يعودُ يوماً فأُخبره بِمَا فَعَلَ المَشِيبُ

أما محبتك للمناظر البهيجة ولا سيّما مناظر الربيع، فحيث إنها مشاهدة لبدائع صنع الله واطلاع عليها، فذهاب ذلك الربيع لا يزيل لذة المشاهدة ومتعة التفرج، إذ يترك وراءه معانيه الجميلة، حيث الربيع أشبه ما يكون برسالة ربانية زاهية تفتح للمخلوقات. فخيالك والزمن شبيهان بالشريط السينمائي يديمان لك لذة المشاهدة هذه، ويجددان دوماً تلك المعاني التي تحملها رسالة الربيع. فلا يكون حبك إذن مؤقتاً ولا مغموراً بالأسف والأسى، بل صافياً خالصاً لذيذاً ممتعاً.

أما حبك للدنيا، فلأنه حب لله ولأجله سبحانه، فإن موجوداتها المثيرة للرعب والدهشة تصبح لك أصدقاء مؤنسين، ولأنك تتوجه أليها بالحب من حيث كونها مزرعة الآخرة، تستطيع أن تجني من كل شئ فيها ما يمكن أن يكون ثمرة من ثمار الآخرة، أو تغنم منها ما يمكن أن يكون رأس مال للآخرة. فمصائبها إذن لا تخيفك وزوالها وفناؤها لا يضايقك. وهكذا تقضي مدة أقامتك فيها، وأنت ضيف مكرم.. ولكن لو كان حبك لها كحب أرباب الغفلة، فقد قلنا لك مراراً: ستغرق نفسك وتفنى بحبٍ ساحقٍ، خانق، زائل، لا طائل وراءه ولا نفع!.

وهكذا فقد حاولنا أن نُري لطيفة واحدة من مئات اللطائف التي تعود لكلٍ مما ذكرتَه، عندما يكون حبك له وفق إرشاد القرآن الكريم، وأشرنا في الوقت نفسه إلى واحد من مئات أضرار ذلك الحب إن لم يكن وفق ما يأمر به القرآن الكريم.

فإن كنت تريد أن تدرك نتائج هذه الأنواع المختلفة من المحبة في دار البقاء وعالم الآخرة، مثلما أشارت أليها الآيات البينات للقرآن الكريم، فسنبين لك بياناً مجملاً فائدة واحدة أخروية من فوائد تلك الأنواع المشروعة من المحبة، وذلك في تسع إشارات، بعد أن نقدم بين يديها مقدمة:

المقدمة

إن الله سبحانه وتعالى، بألوهيته الجليلة، ورحمته الجميلة، وربوبيته الكبيرة، ورأفته الكريمة، وقدرته العظيمة، وحكمته اللطيفة، قد زيّن هذا الإنسان الصغير بحواسَ ومشاعر كثيرة جداً، وجمّله بجوارح وأجهزة وأعضاء مختلفة عديدة؛ ليُشعر طبقات رحمته الواسعة ويذيقه أنواع آلائه التي لا تعد، ويعرّفه أقسام إحساناته التي لا تحصى، ويُطلعه عبر تلك الأجهزة والأعضاء الكثيرة على أنواع تجلياته التي لا تُحد لألف اسم واسم من أسمائه الحسنى، ويحببها إليه، ويجعله يحسن تقديرها حق قدرها.

فلكل عضو – من تلك الأعضاء الكثيرة – ولكل جهاز وآلة منها وظائفها المتنوعة وعباداتها المتباينة كما أن لذائذها مختلفة وآلامها متغايرة وثوابها متميز.

فمثلاً: العين، تشاهد الجمال في الصور، وترى معجزات القدرة الإلهية الجميلة في عالم الشهود، فتؤدي وظيفتها بتقديم الشكر لله من خلال نظرتها ذات العبرة. ولا يخفى على أحد مدى ما فيها – أي الرؤية – من لذةٍ وما يحصل من زوالها من ألم، لذا لا داعي لتعريف لذة الرؤية وألم فقدانها.

ومثلاً: الأذن، تشعر بلطائف الرحمة الإلهية السارية في عالم المسموعات، بسماعها أنواع الأصوات ونغماتها اللطيفة المختلفة. فلها عبادة خاصة بها، ولذة تخصها، وثواب يعود إليها.

ومثلاً: حاسة الشم التي تشعر بلطائف الرحمة الإلهية الفواحة من شذى انواع العطور والروائح، فإن لها لذتها الخاصة بها ضمن أدائها شكرها الخاص، ولا شك أن لها ثواباً خاصاً بها.

ومثلاً: حاسة الذوق التي في الفم. فهي تؤدي وظيفتها وتقدم بشكرها المعنوي بأنماط شتى من خلال إدراكها مذاقات أنواع الأطعمة ولذائذها.

وهكذا فلكل جهاز من أجهزة الإنسان ولكل حاسة وجارحة، ولكل لطيفة من لطائفه المهمة – كالقلب والروح والعقل وغيرها – وظائفها المختلفة، لذائذها المتنوعة الخاصة بها، فمما لا ريب فيه أن الخالق الحكيم الذي سخّر هذه الأجهزة لتلك الوظائف سيجزي كلاً منها بما يلائمها ويستحقها من جزاء.

إن النتائج العاجلة للأنواع المتعددة من المحبة – المذكورة سابقاً – يشعر بها كل إنسان شعوراً وجدانياً، ويستدل على شعوره هذا ويتيقن منه بحدس صادق.

أما تفصيلها فهو ثابت قطعاً بالقرآن الكريم الذي هو أصدق كلام وأبلغ نظام وهو كلام الله الملك العزيز العلام، في تصريح آياته البينات وتلويحها وفي رموزها وإشاراتها..

الإشارة الأولى:

إن النتيجة الأخروية للمحبة المشروعة المكللة بالشكر للّه، نحو الأطعمة اللذيذة والفواكه الطيبة في الدنيا، هي تلك الأطعمة والفواكه الطيبة اللائقة بالجنة الخالدة.. كما ينص عليه القرآن الكريم. هذه المحبة، محبة ذات اشتياق واشتهاء لتلك الجنة وفواكهها. حتى أن الفاكهة التي تأكلها في الدنيا وتذكر عليها ” الحمد للّه ” تتجسم في الجنة فاكهة خاصة بها وتقدّم إليك طيبة من طيبات الجنة. فأنت تأكل هنا فاكهة، وهناك ” الحمد للّه ” مجسمة في فاكهة من فواكه الجنة.. وحيث أنك تقدم شكراً معنوياً لذيذاً برؤيتك الإنعام الإلهي والالتفات الرباني في الأطعمة والفواكه التي تتناولها هنا، فستسلم إليك هناك في الجنة أطعمة لذيذة وفواكه طيبة، كما هو ثابت في الحديث الشريف وبإشارات القرآن الكريم، وبمقتضى الحكمة الإلهية ورحمتها الواسعة.

الإشارة الثانية:

إن نتيجة المحبة المشروعة نحو النفس، أي محبتها المبنية – في الدنيا – على رؤية نقائصها دون محاسنها، ومحاولة إكمالها، وتزكيتـها ورعايتـها بالشفـقة والرأفة، ودفعها إلى سبيل الخير، هي إعطاء البارئ عز وجلّ محبوبين يليقون بها وبالجنة، فالنفس التي عافت – في الدنيـا – هواها وشهواتها وتركت رغباتها في سبيل الله، واستعملت ما فيها من أجهزة متنوعة على أفضل وجه وأتمه، سيمنحها البارئ الكريم سبحانه – مكافأة على هذه المحبة المشروعة المكللة بالعبـودية لله  الحور العين المترفلات بسبعين حلة من حلل الجنة المتنوعة بأنواع لطائفها وزينتها، والمتجملات بسبعين نوعاً من أنواع الحسن والجمال حتى كأنهن جنة مجسمة مصغرة تنبض بالروح والحياة، لتقرّ بها عينُ النفس التي أطاعت الله وتهدأ بها المشاعر التي اطمأنت إلى أوامر الله.. فهذه النتيجة لا ريب فيها، إذ الآيات الكريمة تصرح بها يقيناً.

ثم إن نتيجة المحبة المتوجهة نحو الشباب في الدنيا، إي صرف قوة الشباب ونضارته في العبادة والتقوى، هي شباب دائم خالد في دار البقاء والنعيم المقيم.

الإشارة الثالثة:

أما النتيجة الأخروية لمحبة الزوجة المؤسسة على حُسن سيرتها وجميل خصلتها ولطيف شفقتها، والتي تصونها عن النشوز وتجنبها الخطايا والذنوب، فهي جعل تلك الزوجة الصالحة محبوبة ومحبة وصديقة صدوقة وأنيسة مؤنسة، في الجنة، جمالُها أبهى من الحور العين، زينتها أزهى من زينتهن، حسنها يفوق حسنهن.. تتجاذب مع زوجها أطراف الحديث، يستذكران أحداث أيام خلت.. هكذا وعد الرحيم الكريم. فما دام قد وعد فسيفي بوعده حتماً.

الإشارة الرابعة:

أما نتيجة محبة الوالدين والأولاد فهي أن الرحمن الرحيم جل وعلا يُحسن إلى تلك العائلة السعيدة المحظوظة – رغم تفاوت مراتبهم في الجنة – لقاء بعضهم البعض والمعاشرة والمجالسة والمحادثة فيما بينهم بما يليق بالجنة ودار البقاء، كما هو ثابت بنص القرآن الكريم. وينعم على أولئك الآباء بملاطفة أولادهم الذين توفوا في دار الدنيا قبل سن البلوغ، ويجعلهم لهم ولداناً مخلّدين، في ألطف وضع وأحبّه إلى نفوسهم، وبهذا تطمئن رغبة مداعبة الأطفال المغروزة في فطرة الانسان، فيستمتعون بمتعة خالدة وذوق دائم في الجنة، حيث خُلّد لهم أطفالهم الصغار – الذين لم يبلغوا سن التكليف – ولقد كان يُظن أن ليس في الجنة مداعبة الأطفال، لأنها ليست محلاً للتوالد. ولكن الجنة لأنها تحوي أفضل لذائذ الدنيا وأجودها، فملاطفة الأولاد ومداعبة الأطفال لابد أنها موجودة فيها بأفضل صورها وأجمل أشكالها.. فيا بشرى أولئك الآباء الذين فقدوا أطفالهم في دار الدنيا!

الإشارة الخامسة:

إن نتيجة محبتك لصالح الأصدقاء والأقرباء التي يتطلبها “الحب في الله”، إنما هي في جلوسكم على سُرُر متقابلين ومؤانستكم بلطائف الذكريات، ذكريات أيام الدنيا وخواطرها الجميلة، وقضاء وقت ممتع وجميل بهذه المحاورة والمجالسة. كما هو ثابت بنص القرآن الكريم.

الإشارة السادسة:

أما نتيجة محبة الأنبياء عليهم السلام والأولياء الصالحين – حسب ما بينه القرآن الكريم – فهي كسب شفاعة أولئك الأنبياء الكرام والأولياء الصالحين في عالم البرزخ، وفي الحشر الأعظم فضلاً عن الاستفاضة – بتلك المحبة – من فيوضات مقاماتهم الرفيعة ومراتبهم العالية اللائقة بهم.

نعم، إن الحديث الشريف ينص على أن ” المرء مع من أحب ” فالإنسان إذن يستطيع أن يرتفع إلى أعلى مقام وأرفعه بما نسج مع صاحبه من أواصر المحبة وبانتمائه إليه واتباعه له.

الإشارة السابعة:

إن محبتك للأشياء الجميلة وللربيع، أي نظرك إليها من زاوية قولك: “ما أجمل خلقه!” وتوجيه محبتك إلى ما وراء ذلك الشيء الجميل من جمال الأفعال وانتظامها، وإلى ما وراء تلك الأفعال المنسقة من جمال تجليات الأسماء الحسنى، وألى ما وراء تلك الأسماء الحسنى من تجليات الصفات الجليلة.. وهكذا.. إن نتيجة هذه المحبة المشروعة هي مشاهدة جمالٍ أسمى من ذلك الجمال الذي شاهدته في المصنوعات بألوف ألوف المرات. أي مشاهدة تجليات الأسماء الحسنى وجمال الصفات الجليلة بما يليق بالجنة ودار البقاء. حتى قال الأمام الرباني السرهندي رضى الله عنه: “إن لطائف الجنة إنما هي تمثلات الأسماء الحسنى” فتأمل!

الإشارة الثامنة:

أما محبتك للدنيا محبةً مشروعة، أي محبتك لها مع التأمل والتفكر في وجهيَها الجميلين اللذين هما: مزرعة الآخرة ومرآة التجليات للأسماء الحسنى فإن نتيجتها الأخروية هي أنه سيهب لك جنة تسع الدنيا كلها، ولكنها لا تزول مثلها، بل هي خالدة دائمة. وستُظهر لك في مرايا تلك الجنة تجليات الأسماء الحسنى بأزهى شعشعتها وبهائها، تلك التي رأيت بعض ظلالها الضعيفة في الدنيا.

ثم إن محبة الدنيا في وجهها الذي هو مزرعة للآخرة، أي باعتبار الدنيا مشتلاً صغيراً جداً لاستنبات البذور لتتسنبل في الآخرة وتثمر هناك، فإن نتيجتها هي أثمار جنة واسعة تسع الدنيا كلها، تنكشف فيها جميع الحواس والمشاعر الإنسانية التي يحملها الانسان في الدنيا كبُذيرات صغيرة، انكشافاً تاماً ونمواً كاملاً، وتتسنبل فيها بُذيرات الاستعدادات الفطرية حاملة جميع أنواع اللذائذ والكمالات.. هذه النتيجة ثابتة بمقتضى رحمة الله الواسعة وحكمته المطلقة. وهي ثابتة كذلك بنص الحديث الشريف و إشارات القرآن الكريم.

ولما كانت محبتك للدنيا ليست لذلك الوجه المذموم الذي هو راس كل خطيئة، و إنما هي محبة متوجهة إلى وجهَيها الآخرين أي إلى الأسماء الحسنى والآخرة، وقد عقدت – لأجلهما – أواصر المحبة معها وعمّرت ذينك الوجهين على نية العبادة، حتى كأنك قمت بالعبادة بدنياك كلها.. فلابد أن الثواب الحاصل من هذه المحبة يكون ثواباً أوسع من الدنيا كلها، وهذا هو مقتضى الرحمة الإلهية وحكمتها.

ثم لأن المحبة قد حصلت معها بمحبة الآخرة وكونها مزرعة لها، وبمحبة الله سبحانه، وكونها مرآة لإظهار أسمائه الحسنى.. فلاشك أن تقابل هذه المحبة بمحبوب أوسع من الدنيا كلها، وما هو إلا الجنة التي عرضها السّموات والأرض.

سؤال: ما فائدة الجنة الواسعة سعة الدنيا؟

الجواب: لو كان من الممكن أن تتجول بسرعة الخيال في أقطار الأرض كلها، وتزور أغلب النجوم التي في السماء، لكنت تقول عندئذٍ: إن العالم كله لي. فلا يزاحم حكمك هذا ولا ينافيه وجود الملائكة والناس الآخرين والحيوانات معك في هذا العالم الواسع.

وكذلك يمكنك أن تقول: إن تلك الجنة لي، حتى لو كانت مليئة بالقادمين إليها.

الإشارة التاسعة:

إن نتيجة الإيمان بالله ومحبته سبحانه هي رؤية جمال مقدس وكمال منزّه للذات الجليلة سبحانه وتعالى – كما هي ثابتة بالحديث الصحيح والقرآن الكريم – هذه الرؤية التي تساوي ساعة منها ألف ألف سنة من نعيم الجنة، ذلك النعيم الذي ساعة منه تفوق ألف ألف سنة من حياة الدنيا الهنيئة، كما هو ثابت لدى أهل العلم والكشف بالاتفاق.

ويمكنك قياس مدى الشوق واللهفة التي تنطوي عليهما فطرة الانسان لرؤية ذلك الجمال المقدس والكمال المنزّه، ومدى ما فيها من رغبة جياشة وتوق شديد والتياع لشهودهما، بالمثال الآتي:

كل إنسان يشعر في وجدانه بلهفة شديدة لرؤية سيدنا سليمان عليه السلام الذي أوتي الكمال ويشعر أيضا بشوقٍ عظيم نحو رؤية سيدنا يوسف عليه السلام الذي أوتي شطر الجمال. فيا ترى كم يكون مدى الشوق واللهفة لدى الإنسان لرؤية جمال مقدس وكمال منزّه، الذي من تجليات ذلك الجمال والكمال، الجنة الخالدة بجميع محاسنها ونعيمها وكمالاتها التي تفوق بما لا يحد من المرات جميع محاسن الدنيا وكمالاتها..

اللّهم ارزقنا في الدنيا حبَّك وحبَّ ما يقرّبنا إليك، والاستقامة كما أمرت، وفي الآخرة رحمتَك ورؤيتك.

(سبحانك لا عِلمَ لَنا إلا ما عَلّمْتَنا إنَكَ أنَت العَليم الحَكيم)

اللّهمَ صلّ وَسَلم على مَن أرسَلته رَحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين. آمين

وظيفة الإنسان الفطرية

من مكتوبات سعيد النورسي رحمه الله:

إن وظيفة الإنسان الفطرية إنما هي التكمل “بالتعلم” أي الترقي عن طريق كسب العلم والمعرفة، والعبودية “بالدعاء”. أي أن يدرك في نفسه ويستفسر: “برحمةِ مَنْ وشَفقته أدارى بهذه الرعاية الحكيمة؟! وبمَكْرَمةِ مَنْ وسخائِه أربّى هذه التربية المفعمةَ بالشفقة والرحمة؟ وبألطافِ مَنْ أغذى بهذه الصورة الرازقة الرقيقة؟!”. فيرى أن وظيفته حقاً هو الدعاءُ والتضرعُ والتوسلُ والرجاءُ بلسان الفقر والعجز إلى قاضي الحاجات ليقضي له طلباته وحاجاته التي لا تصل يدُه إلى واحدةٍ من الألفِ منها. وهذا يعني أن وظيفته الأساس هي التحليق والارتفاع بجناحَي “العجز والفقر” إلى مقام العبودية السامي.

وظائف المخلوقات

من مكتوبات سعيد النورسي رحمه الله:

إن سعي جميع المخلوقات، صغيرها وكبيرها – عدا الإنسان والوحوش الكاسرة – لإنجاز وظائفها بانتظام تام ودقة كاملة، ابتداءً من الشمس والقمر والأرض إلى أصغر مخلوق، بشكل لا يتجاوز أحد حدّه قيد أنملة، ضمن الطاعة التامة والانقياد الكامل المحفوفَين بهيبة عظيمة، يظهر لنا أن هذه المخلوقات لا تتحرك ولا تسكن إلا بأمر العظيم ذي العزة والجلال.

فيأيها الإنسان

من مكتوبات سعيد النورسي رحمه الله:

فيأيها الإنسان! تأمل في عاقبتك، وفكّر في مصيرك، فأنت لامحالة صائر إلى الموت، فإن كنت ممن جعل هواه تبعاً للشيطان فإن جميع الذين حولك من الجيران حتى الأقارب سيُسّرون بنجاتهم من شرورك، وإن كنت مستعيذاً بالله من الشيطان الرجيم ومتّبعاً لأوامر القرآن الكريم وسنّة حبيب رب العالمين صلى الله عليه وسلم فستحزن عليك السموات والأرض، وتبكى معنىً لفراقك الموجوداتُ جميعها فيشيعونك بهذا المأتم العلوي والنعي الشامل إلى باب القبر معبّرين بذلك عما اُعدّ لك من حسن الاستقبال حسب درجتك في عالم البقاء.

أجل الإنسان

لو كان أجَلُ الإنسان معيناً ومعلوماً وقته، لقضى هذا الإنسان المسكين نصف عمره في غفلة تامة، ونصفه الآخر مرعوباً مدهوشاً كمن يُساق خطوة خطوة نحو حبل المشنقة. بينما تقتضي المحافظة على التوزان المطلوب بين الدنيا والآخرة ومصلحة بقاء الإنسان معلقاً قلبُه بين الرجاء والخوف، أن تكون في كل دقيقة تمر بالإنسان إمكان حدوث الموت أو استمرار الحياة.. وعلى هذا يرجح عشرون سنة من عمر مجهول الأجل على ألف سنة من عمر معلوم الأجل.

وهكذا فقيام الساعة، هو أجَلُ هذه الدنيا، التي هي كانسان كبير، فلو كان وقته معيناً ومعلناً لمضت القرون الأولى والوسطى سادرة في نوم الغفلة، بينما تظل القرون الأخيرة في رعب ودهشة؛ ذلك لأن الإنسان وطيد العلاقة بحياة مسكنه الأكبر وبلده الأعظم – الدنيا – بحكم حياته الاجتماعية والإنسانية مثلما يرتبط بمسكنه وبلده بحكم حياته اليومية والشخصية.

نعم، إن الإنسان الغافل متمسك بدنياه, يحب نفسه أولاً، ثم يحب أقاربه، ثم أمته، ثم الأحياء من المخلوقات، ثم الكائنات، ثم الدنيا، فهو ذو علاقة مع كل دائرة من هذه الدوائر، ويمكن أن يتلذذ بلذائذها ويتألم بآلامها. بينما لا يقر قرار لشيء في هذا العالم الصاخب الذي يموج بالهرج والمرج، وتعصف فيه العواصف المدمّرة، لذا ترى قلب الإنسان المسكين يجرح دائماً مترقبا أجله المحتوم جزعا هلوعا من مصيره الأخروي.

‏دين الرحمة والمغفرة

الدر المنثور في التفسير بالمأثور للإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله

سورة النساء الآية 48:

أخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن أبي أيوب الأنصاري قال: “جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن لي ابن أخ لا ينتهي عن الحرام. قال: وما دينه؟ قال: يصلي ويوحد الله. قال: استوهب منه دينه، فإن أبى فابتعه منه. فطلب الرجل ذلك منه فأبى عليه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: وجدته شحيحا على دينه. فنزلت “إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء”.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبزار من طرق عن ابن عمر قال: كنا معشر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نشك في قاتل النفس، وآكل مال اليتيم، وشاهد الزور، وقاطع الرحم، حتى نزلت هذه الآية “إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء” فأمسكنا عن الشهادة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: “كنا لا نشك فيمن أوجب الله له النار في كتاب الله حتى نزلت علينا هذه الآية ” إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء” فلما سمعنا هذا كففنا عن الشهادة وأرجأنا الأمور إلى الله”.

وأخرج ابن الضريس وأبو يعلى وابن المنذر وابن عدي بسند صحيح عن ابن عمر قال: “كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا صلى الله عليه وسلم ” إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء” وقال: “إني ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي”، فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا، ثم نطقنا بعد ورجونا”.

وأخرج ابن المنذر من طريق المعتمر بن سليمان عن سليمان بن عتبة البارقي قال: حدثنا إسماعيل بن ثوبان قال: ” شهدت في المسجد قبل الداء الأعظم، فسمعتهم يقولون (من قتل مؤمنا) (المائدة الآية 32) إلى آخر الآية فقال المهاجرون والأنصار: قد أوجب له النار. فلما نزلت ” إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء” قالوا: ما شاء الله يصنع الله ما يشاء.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: “لما نزلت “يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم” (الزمر الآية 53) الآية فقام رجل فقال: والشرك يا نبي الله؟ فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال “إن الله لا يغفر أن يشرك به” الآية”.

وأخرج ابن المنذر عن أبي مجلز قال: لما نزلت هذه الآية ” يا عبادي الذين أسرفوا على…” (الزمر الآية 53) الآية قام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فتلاها على الناس، فقام إليه رجل قال: والشرك بالله؟ فسكت مرتين أو ثلاثا، فنزلت هذه الآية “إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء” فأثبتت هذه في الزمر وأثبتت هذه في النساء.

وأخرج أبو داود في ناسخه وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال في هذه الآية: إن الله حرم المغفرة على من مات وهو كافر، وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته فلم يؤيسهم من المغفرة.

وأخرج الفريابي والترمذي وحسنه عن علي قال: أحب آية إلي في القرآن “إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء”.

وأخرج ابن جرير عن أبي الجوزاء قال: ” اختلفت إلى ابن عباس ثلاث عشرة سنة، فما من شيء من القرآن إلا سألته عنه، ورسولي يختلف إلى عائشة، فما سمعته ولا سمعت أحدا من العلماء يقول: إن الله يقول لذنب لا أغفره”.

وأخرج أبو يعلى وابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما من عبد يموت لا يشرك بالله شيئا إلا حلت له المغفرة، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، إن الله استثنى فقال “إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء”.

وأخرج أبو يعلى عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من وعده الله على عمل ثوابا فهو منجزه له، ومن وعده على عمل عقابا فهو بالخيار”.

وأخرج الطبراني عن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ذنب لا يغفر، وذنب لا يترك، وذنب يغفر. فأما الذي لا يغفر فالشرك بالله، وأما الذي يغفر فذنب بينه وبين الله عز وجل، وأما الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضا”.

وأخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الدواوين عند الله ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئا، وديوان لا يترك الله منه شيئا، وديوان لا يغفره الله. فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك، قال الله عز وجل: (ومن يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة) (المائدة الآية 72) وقال الله عز وجل: (إن الله لا يغفر أن يشرك به)، وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به، فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه، من صوم تركه، أو صلاة تركها، فإن الله يغفر ذلك ويتجاوز عنه إن شاء، وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئا فظلم العباد بعضهم بعضا، القصاص لا محالة”.

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن مردويه عن أبي ذر قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق؟! قال: وإن زنى وإن سرق. قلت: وإن زنى وإن سرق؟! قال: وإن زنى وإن سرق ثلاثا، ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر”.

وأخرج أحمد وابن مردويه عن أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله يقول: يا عبدي ما عبدتني ورجوتني فإني غافر لك على ما كان فيك، ويا عبدي لو لقيتني بقراب الأرض خطايا ما لم تشرك بي شيئا لقيتك بقرابها مغفرة”.

وأخرج ابن مردويه عن أبي ذر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “من مات لا يعدل بالله شيئا ثم كانت عليه من الذنوب مثل الرمال غفر له”.

وأخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة”.

وأخرج الطبراني والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” قال الله عز وجل: من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي، ما لم يشرك بي شيئا”.

وأخرج أحمد عن سلمة بن نعيم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، وإن زنى وإن سرق”.

وأخرج أحمد عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق؟! قال: وإن زنى وإن سرق. قلت: وإن زنى وإن سرق؟! قال: وإن زنى وإن سرق. قلت: وإن زنى وإن سرق؟! قال: وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي الدرداء. قال فخرجت لأنادي بها في الناس فلقيني عمر فقال: ارجع فإن الناس إن علموا بهذه اتكلوا عليها. فرجعت، فأخبرته صلى الله عليه وسلم فقال: صدق عمر”.

وأخرج هناد عن ابن مسعود قال: أربع آيات في كتاب الله عز وجل أحب إلي من حمر النعم وسودها في سورة النساء قوله (إن الله لا يظلم مثقال ذرة…) (النساء الآية 40) الآية. وقوله (إن الله لا يغفر أن يشرك به…) الآية. وقوله (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك…) (النساء الآية 64) الآية وقوله (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه) (النساء الآية 110) الآية.‏