صبر القيادة على الناس

روى الشيخان مرفوعا: ” سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله فذكر منهم إمام عادل”. وروى الإمام أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما مرفوعا: ” ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم”. وروى مسلم والنسائي مرفوعا: ” إن المقسطين عند الله تعالى على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا”. وروى مسلم مرفوعا: ” أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط موفق” الحديث والمقسط: العادل. وروى الطبراني بإسناد حسن مرفوعا: ” عدل يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة”. زاد في رواية الأصبهاني: ” قيام ليلها وصيام نهارها، وجور ساعة في حكم أشد وأعظم عند الله عز وجل من معاصي ستين سنة”. وروى الترمذي والطبراني مرفوعا: “أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأدناهم منه مجلسا إمام عادل”. زاد في رواية: رفيق. وسيأتي في عهود المنهيات عدة أحاديث تتعلق بالجور في الحكم والاحتجاب، وغير ذلك فراجعه. والله تعالى أعلم.

(أخذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وسلم) أن نرغب من ولي من إخواننا ولاية في العدل في رعيته ومعاملتهم بالرفق والشفقة والإذن في الدخول عليه في كل وقت إلا في وقت ضرورة شرعية، لأن من لم يكن مع رعيته كذلك عزلته المرتبة ونفرت منه، وما ولى الله تعالى عبدا على عباده إلا أن يكون لهم كالأب الشفيق والأم الحنونة.

ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى سلوك على يد شيخ ورياضة نفس حتى يصير يستلذ بمخالفة رعيته لأوامره العرفية ليحلم عليهم، لأن الخلق في حِجر الولاة كالغنم والمعز في يد راعيهم، وربما انتشروا منه في أرض ذات شوك وهو حاف فهذا حكم الخلق، ولولا أنهم بهائم لما احتاجوا إلى من يرعاهم.

وفي الأثر الوارد أن موسى عليه السلام ما كلمه ربه إلا بعد صبره على رعاية الغنم، وما من نبي إلا وقد رعى الغنم. والسر في ذلك الإدمان بصبره على الغنم قبل صبره على قومه، وبلغنا أنه بالغ في الشفقة حتى أنه أورد الغنم مرة على الماء فكان فيهم نعجة عرجاء فلم تستطع أن تشرب من الجرف، فنزل الماء وجعلها على ظهره حتى شربت. فرعية كل راع من سلطان أو أمير أو شيخ في الطريق هم ربحه وخسرانه، فيهم يربح وبهم يخسر.

وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه الله يقول: ينبغي لكل من ولاه الله ولاية على الناس أن يصبر على مخالفتهم لأوامره لا سيما في أوائل الولاية حتى ترتاض نفسه ويتمكن في مقام الصبر والحلم، فإن من كانت رعيته منقادة له فهو خداع، لا يظهر مقامه في الحلم؛ فليقل من ضجر ممن ولاه الله لنفسه: إن لم تتحملي أنت عوج رعيتك فمن يتحمله؟ وبلغنا أن ذا الكفل عليه السلام لم يكن رسولا، وإنما كفل رسول زمانه حين خرج في غزاة وقال له اخلفني في قومي خلافة حسنة، فكان لا ينام في الليل ولا في النهار، فتقلق يوما من ذلك فأراد أن ينام في القائلة فغلق بابه ووضع رأسه، فأول ما خفق به النوم دق إبليس عليه الباب فتصدع رأسه، وقال قم افصل بيني وبين خصمي، وكان قصد إبليس أنه يتقلق ويترك الخلافة لما علم لذي الكفل في ذلك من الأجر العظيم، فقام وفصل بينهما فأتاه في اليوم الثاني كذلك والثالث كذلك إلى أن ألهمه الله تعالى أنه إبليس، فاستعاذ بالله منه فانصرف عنه، فلولا أنه كان من الصالحين لفتنه عن دينه، فلينتبه كل من ولي ولاية لمثل ذلك.

وربما وسوس إبليس للمريدين بالأمور المخالفة للأدب مع الشيخ من كل وجه ليعرض الشيخ للنفرة منهم فيلتقمهم كما يلتقم التمساح السمك ، فإنهم قالوا: حكم الشيخ حكم الصياد الذي يصطاد المريدين من أفواه الشياطين ويخرجهم من تحت أسنانهم.

وقد وقع لي مرة أن جميع إخواني المقيمين في الزاوية تغيرت أحوالهم وثقل الذكر والخير على نفوسهم حتى لم يبق في يد حكمي منهم شعرة واحدة، فأردت الانتقال من الزاوية إلى مكان ليس فيه فقراء، فلما أردت الخروج من الزاوية تمثل لي إبليس تجاهها وهو يصفق ويرقص ويقول لي غلب غلب غلب، فرجعت فزاد عليهم الأمر وطلبوا أن يحترفوا بالقرآن في ليالي الجمع وغيرها ويتركوا مجلس ذكر الله والصلاة على نبيهم احتسابا، فتوجهت للنبي صلى الله عليه وسلم في الاستئذان في ذلك، فرأيت سيدي عليا الخواص رحمه الله وهو واقف خلف باب لا أرى من وجهه إلا أنفه وهو يقول لي: يقول لك رسول الله صلى الله عليه وسلم: اصبر على إخوانك طالبا وجه الله، ولا تبال بمخالفتهم لأوامر الله عز وجل، وتخولهم بالموعظة كل حين. فعلمت أن ذلك إنما كان امتحانا لي في الصبر حين وسوس لي إبليس وقال لي ليس لتربيتك فيهم ثمرة والإنسان إنما يزرع في أرض تنبت الزرع، ومن بذر في السباخ [أي الأراضي المالحة.] فهو قليل العقل. وغاب عني أن الله تعالى ما طلب مني إلجاءهم إلى امتثال أمره، وإنما طلب مني ما طلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (إن عليك إلا البلاغ).

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من وفور شفقته يود أن لو دخل الناس كلهم الجنة، فقال الله تعالى له: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله). وقال تعالى: (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين).

فكل داع إلى الله تعالى لا بد أن يقع له كما وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وراثة محمدية، فيحجبه الله تعالى عن شهود انقسام أهل القبضتين إلى شقي وسعيد، وعن كون ذلك حتما لا بد منه فلذلك يضيق صدر الداعي إذا عصوا أمره.

فيحتاج الداعي إلى الله إلى مراقبة شديدة على الدوام عرفا، لأنهم قالوا: مراقبة الله على الدوام من غير تخلل فترة ليس من مقدور البشر، فافهم.

وقد قال لي مرة شخص من حذاق المريدين المقيمين عندي: لولا كثرة مخالفتنا لك ما عظم الله أجرك، فأنت مأجور على كل حال إن أطعناك أو عصيناك، فلك الأجر من الجهتين، فالله تعالى يزيده توفيقا كما أيدني آمين، فإنه نبهني على أن ذوق الأمور ليس هو كالسماع بها وثبتني حين تزلزلت، وقد ثبت الله تعالى الرسل بما قصه عن بعضهم فقال: (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل). وقال: (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا). وقال: (فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت). وكل داع إلى الله تعالى على قدم رسول من الرسل، وكل من جاءه بلاء فوق طاقته احتاج ضرورة إلى الصبر والله هو المصبر له إن صبر. فلا يوجد أحد أتعب قلبا ولا بدنا ممن يتولى أمور المسلمين لغلبة وقوع الملل منه وعدم تحمله ذم رعيته له لا سيما نظار المساجد، فإن جميع المستحقين يؤذونهم بلسانهم ويشكونهم للحكام ويحملونهم على المحامل السيئة وأنهم يأكلون مال الوقف.

ولما تولى عمر بن عبدالعزيز الخلافة سمع جيرانه بكاء وعويلا في داره فسألوا عن ذلك، فقالوا: إن عمر قد خير زوجاته وسراريه بين الإقامة عنده من غير مسيس إلى أن يموت، وبين أن يعتقهن أو يطلقهن، وقال قد جاءني أمر شغلني عنكن فلا أقدر ألتفت إلى واحدة منكن حتى أفرغ من الحساب يوم القيامة. رضي الله عنه. وبلغنا أنه كان لا ينام ليلا ولا نهارا إلا بعض خفقات وهو جالس ويقول: إن نمت في الليل ضيعت نفسي، وإن نمت في النهار ضيعت حقوق الرعية.

وسمعت أخي أفضل الدين رحمه الله يقول: يحاسب المؤمن الذي لم يتول ولاية عن نفسه في يوم كان مقداره قدر وقت صلاة يصليها، ويحاسب من تولى ولاية عن نفسه وعن جميع رعيته، ويسأل عن جميع رعيته، ويسأل عن جميع حقوقهم في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة. فمن قام بواجبه حق ولايته كان إبليس له بالمرصاد، فيدخل عليه الأمور التي يتقلق منها حتى يكاد يجزم بأنه يعزل نفسه من تلك الولاية، وذلك مجرب لتحويل النعم والعزلة من تلك الولاية، ثم إذا عزل يحرك الله تعالى عنده الندم عليها فيطلبها ويعسرها عليه حتى يقهره ويصير كالولي الذي سلب.

وقد وقع لبعض إخواننا أنه تقلق من كثرة الواردين عليه ومؤونتهم فقلت له: إن الناس يتمنون أن يكونوا موضعك في النعمة ويصبرون على ضيافة الناس وقضاء حوائجهم، قال: اخترت أن أدخل مصر وأسكن في بيت من غير زاوية ولا مريدين، ففي تلك الجمعة قيض الله تعالى له من زوار له مكاتيب، وادعى أن تلك الرزقة الموقوفة على سماط الفقراء الواردين والمقيمين له، وصار شيخ الزاوية يبرطل الحكام على رجوعها فلم يجيبوه إلى وقتنا هذا، فذكرته بقوله فاستغفر.

فاصبر يا أخي على رعيتك كلما ملت نفسك منهم، واعذر كل من فر من ولايته في هذا الزمان المبارك، ولا تسخر به تبتل بنظير ذلك. وقد حكى لي الأمير محيي الدين بن أبي أصبغ أحد أركان الدولة بمصر: أن شخصا كان له جار من القضاة سيِّىء الخلق، وكان يخرج خلقه على الأخصام، فكان جاره يبالغ في الإنكار عليه يقول: إيش هذا الخلق، وكان لذلك القاضي بيت فوق مجلس حكمه فلما أكثر عليه جاره من الإنكار، قال له: احكم يا أخي مكاني غدا، لأني أنا عازم على شرب الدواء فقال نعم، فجاءه خصم ادعى على خصمه أن له عنده مائة دينار، فقال: ما له عندي شيء، فالتمس من المدعي البينة فأتى بثمانية يشهدون بها، فقال: هؤلاء شهود زور، فأتى بمزكين فزكوهم، فثبت الحق على ذلك الخصم، وطلب التقسيط عليه، فأبى صاحب الحق، فما أجاب إلا بعد أن كادت روحه تزهق منه، فقال: كم تقدر كل يوم على نصف؟ فقال لا أقدر على ذلك، فجعل عليه ذلك القاضي عثمانيا كل يوم، فقال: لا أقدر، فقال: كل جمعة عثماني، فقال: لا أقدر، فقال كل شهر عثماني، فقال: لا أقدر، فقال كل سنة عثماني، فقال: لا أقدر، فقام القاضي النائب ورمى عمامة نفسه وصار ينطحه برأسه ويرفسه وبرجله وهو يقول: لا أقدر على عثماني، ثم نادى القاضي الأصيل، فقال: تعالى انزل لحكمك، عذرتك عذرتك!

وما ذكرت لك ذلك يا أخي إلا لتقيم الأعذار للناس في هذا الزمان إذا لم يصبروا على رعيتهم، فإنهم في النصف الثاني من القرن العاشر الذي اختفى فيه أكابر الأولياء لعجزهم عن شروط الظهور من الصبر على مروق الناس من الحق وتكليفهم الولي أن يرد عنهم الأقدار مع تماديهم على القبائح، فاعلم ذلك. (والله عليم حكيم).‏

يوم من إمام عادل

‏المعجم الكبيرللطبراني رحمه الله.

حدثنا العباس بن الفضل الأسفاطي ثنا أحمد بن يونس ثنا سعيد أبو غيلان الشيباني قال: سمعت عفان بن جبير الطائي عن أبي حريز الأزدي عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة، وحد يقام في الأرض بحقه أزكى فيها من مطر أربعين عام”.

‏عدل يوم واحد

مصنف عبد الرزاق رحمه الله

حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن مجالد عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: “ما من حكم يحكم بين الناس إلا حشر يوم القيامة وملك آخذ بقفاه حتى يقف به على شفير جهنم ثم يرفع رأسه إلى الرحمن، فإن قال اطرحه طرحه في مهوى أربعين خريفا”. قال: وقال مسروق: ” لأن أقضي يوما واحدا بعدل وحق أحب إلي من سنة أغزوها في سبيل الله”.

يبعث الناس على صور أخلاقهم

إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي رحمه الله.

واعلم أن القلب المشحون بالغضب والشره إلى الدنيا والتكلب عليها والحرص على التمزيق لأعراض الناس، كلب في المعنى، وقلب في الصورة. فنور البصيرة يلاحظ المعاني لا الصور والصور في هذا العالم غالبة على المعاني والمعاني باطنة فيها، وفي الآخرة تتبع الصور المعاني وتغلب المعاني، فلذلك يحشر كل شخص على صورته المعنوية، فيحشر الممزق لأعراض الناس كلبا ضاريا، والشره إلى أموالهم ذئبا عاديا، والمتكبر عليهم في صورة نمر، وطالب الرياسة في صورة أسد. وقد وردت بذلك الأخبار وشهد به الاعتبار عند ذوي البصائر والأبصار.

فإن قلت:كم من طالب رديء الأخلاق حصل العلوم! فهيهات ما أبعده عن العلم الحقيقي النافع في الآخرة الجالب للسعادة، فإن من أوائل ذلك العلم أن يظهر له أن المعاصي سموم قاتلة مهلكة، وهل رأيت من يتناول سما مع علمه بكونه سما قاتلا؟ إنما الذي تسمعه من المترسمين حديث يلفقونه بألسنتهم مرة، ويرددونه بقلوبهم أخرى، وليس ذلك من العلم في شيء. قال ابن مسعود رضي الله عنه ليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم نور يقذف في القلب. وقال بعضهم: إنما العلم الخشية، لقوله تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء).

كيف يحشر المتكبرون

“يحشر المتكبرون يوم القيامة في مثل صُوَرِ الذر تطؤهم الناس، ذرا في مثل صور الرجال يعلوهم كل شيء من الصغار، ثم يساقون إلى سجن في جهنم يقال له بولس يعلوهم نار الأنيار يسقون من طين الخبال عصارة أهل النار. أخرجه الترمذي من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وقال غريب.