معاني الإحسان

لفظ “الإحسان” يدل على معاني ثلاثة ورد بها القرآن ووردت بها السنة:

1. الإحسان بأن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

2. الإحسان إلى الناس، كالوالدين والأقربين واليتامى والمساكين والمسلمين وسائر الخلق أجمعين.

3. إحسان العمل وإتقانه وإصلاحه، سواء العمل العبادي أو العادي أو المعاملاتي.

مجموع هذه الدلالات يعطينا مواصفات المومن الصالح في نفسه وخلقه وتعامله مع المجتمع، يعطينا الوصف المرغوب لعلاقات العبد بربه وبالناس وبالأشياء. علاقته بربه تكون إحسانية إن حافظ على ذكره لا يفتر عن مراقبته وخشيته ورجائه ودعائه ومناجاته. بهذا الإحسان في عبادة ربه يطيب قلبه وتجمل أخلاقه وتصلح نواياه وأفعاله فيكون للخلق رحمة يعم نفعه العالم الأقرب فالأقرب. ونفعه للمجتمع وللناس كافة لا يتوقف على حسن النية وجمال القصد والإسراع إلى الفعل فقط، بل يتوقف أيضا، وبالمكانة المؤكدة، على خبرته ومهارته وقدرته على إتقان ما هو موكول إليه من أعمال.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البيهقي رحمه الله عن عائشة أم المومنين رضي الله عنها: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه”. ومن حديث مسلم قوله صلى الله عليه وسلم: “إن الله كتب الإحسان على كل شيء”. في هذين الحديثين نجد المعنى الثالث للإحسان عائدا إلى المعنى الأول، حصول الأول متوقف إلى حد على حصول الثالث. ويعم حب الله تعالى المحسنين، أكملهم نصيبا من حبه تعالى من عبده ذاكرا نافعا للعباد متقنا مجيدا، يعطيه إتقانه الوسائل الضرورية لإرضاء الحاجات الدنيوية لنفسه وعائلته وأمته، وتؤهله خدمته وإنجازاته الدنيوية للتقرب من الله رب العباد من خلال هذه الإنجازات نفسها.

وردت عبارة (إن الله يحب المحسنين) أو (والله يحب المحسنين) في سورة البقرة، وفي سورة آل عمران مرتين، وفي المائدة مرتين. وفي القرآن آيات عديدة تعد أن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأن الله لا يضيع أجر المحسنين، وأن البشرى للمحسنين. حض على الإحسان متكرر، فما هي حقيقة الإحسان تفصيلا؟

بعد أن وضعنا على رأس هذه الفقرة المعاني الثلاثة مرتبة، نستمع إلى بيان ترجمان القرآن رسول رب العالمين لنضع الإحسان في مكانته من الإسلام والإيمان. فإن الإحسان ما هو معنى عائم هكذا، عام الدلالة بعموم المدلول اللغوي، بل الإحسان رتبة في الدين ودرجة في التقوى، لها الأهمية القصوى. الإحسان غاية الغايات ومحط نظر ذوي الهمم العالية من الرجال. لأهمية الإحسان هذه البالغة شاء الله جل شأنه أن يرتب للصحابة رضي الله عنهم ولنا من بعدهم حادثة تلفت النظر وتعلق بالخيال، وتخاطب العقل والوجدان، لكيلا يفهم المسلمون دينهم فهما مسطحا. هذه الحادثة هي نزول جبريل عليه السلام لاستجواب الرسول الكريم وهو بين أصحابه في مجلس تعليمه. رأوا الملك المقرب جميعا وشهدوا الحوار. هذه لوحة خالدة للتعليم الرباني يرويها الشيخان وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة وأبي ذر رضي الله عنهما بصيغة مقتضبة نمسك منها عبارة أن الإحسان: “أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك”. في هذه الرواية يقول الحبيب آخر الحديث: “هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم”.

نأخذ الرواية الأتم، ننقلها بتمامها لأهميتها البالغة، أخرجها مسلم وأبو داود والنسائي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: “بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد. حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت. قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: أن تومن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتومن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة. قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها. قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. قال: ثم انطلق. فلبثت مليا (أي قليلا) ثم قال لي: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم”.

نعم يا حبيب الله أنت المعلم نعم المعلم جزاك الله عن هذه الأمة ما هو أهله. لكن رحمته سبحانه بنا، وحرصه على أن نتعلم ديننا كاملا وافيا، لما يعلم من قصور فهمنا وغلبة النسيان علينا واختلاط معالم الأمور في ذاكرتنا، بعثت معلما مساعدا سماويا هو رفيقك ومحاذيك في إسرائك ومعراجك. عليك صلاة الله وسلامه وعلى الملك الكريم.

الإحسان أن نعبد الله كأننا نراه. درجة ثالثة بعد الإسلام والإيمان، فوقهما، بناء عليهما لا تحليقا، لا إيمان بلا إسلام، ولا إحسان بلا إيمان.

الله سبحانه أحسن صبغة وأحسن قيلا. وهو أحسن الخالقين. ومن إحسانه يفيض الخير على من أقرض الله قرضا حسنا، وعلى من أبلى بلاء حسنا. منه إلينا الرزق الحسن والمتاع الحسن في الدنيا والحسنى وزيادة في الآخرة إن نحن أحسنا في هذه الدنيا حسنة، وهاجرنا فيه سبحانه ليبوئنا في الدنيا حسنة. يزيدنا حسنا إن اقترفنا حسنة ويعطينا إن أحسنا الدعاء في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة.

له الأسماء الحسنى سبحانه. دعانا رسوله المصطفى بالموعظة الحسنة، فإن نحن استجبنا لربنا وصدقنا بالحسنى أعطانا الحسنى في هذه الدار، وجعلنا من المبعدين عن النار مع الذين سبقت لهم منه الحسنى.

أمرنا أن نتبع أحسن ما أنزل إلينا من ربنا، وهو كتابه العظيم وسنة رسوله الكريم، وفي كتابه وسنة رسوله الإحسان إلى الوالدين، والدفع بالتي هي أحسن رفقا بالخلق وملاطفة، وأن نقول للناس حسنا، وأن نجازي بالإحسان إحسانا.

خلقنا سبحانه في أحسن تقويم، ثم ردنا أسفل سافلين في دار الامتحان ليبلونا أينا أحسن عملا، فمن آمنوا وعملوا صالحا كان لهم أجر غير ممنون، وكلما كان إيمانهم أكمل وعملهم أحسن كانوا أقرب إلى نيل كمالهم الأخروي حيث يحشرون إلى دار النعيم في أحسن تقويم. خرجوا من الامتحان صالحين. هنالك في مقعد الصدق يقال لهم ما قيل للنبيين والصديقين والشهداء والصالحين: سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين. سلام على آل ياسين إنا كذلك نجزي المحسنين. (لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين). (سورة الزمر، الآية:33) هنالك يستبشرون (آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين، كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون وفي أموالهم حق للسائل والمحروم). (سورة الذاريات، الآيات:16-19).

وللمحسنات مثل ذلك، لنساء نبي الله وحبيبه القانتات التائبات العابدات قيل في الكتاب العزيز: (وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما). (سورة الأحزاب، الآية:29) ولكل مومنة قيل ذلك يا من يسمع كلام الله، ويفهم عن الله، يرجو الله، ويخاف الله، ويحب الله. لا إله إلا الله. والحمد لله.

ألا وإن في الجسد مضغة

نريد في هذا الفصل أن نقف عند فقهاء التربية أطباء القلوب، وأن ننظر في هذا الطب العظيم كيف عالج به أهل الإحسان أنفسهم وتلامذتهم. نريد أن نلمس طريقا لمعرفة كلمة الحق في موضوع خطير، موضوع السلوك إلى الله جل وعلا. كثر حوله النزاع وتضاربت الآراء، واحتدم الخلاف، وحميت المعركة.

كنت كتبت منذ خمسة عشر عاما وأنا يومئذ لا أزال في بداياتي عن صحبتي لشيخ عارف بالله رحمه الله رحمة واسعة وجزاه عنا خيرا، وأدليت بما كان معي يومئذ من شهادة، واستشهدت بنقول أستأنس بها ببراءة من اكتشف عالما فأخذ يصيح بكل قواه ليجلب انتباه الناس، لا يبالي بمن صدق أو كذب أو شك. تلك النقول ألزمني بها بعض الناس ما لا يلزم، كفرني بعضهم لأني ذكرت فلانا وفلانا فلم أكفر أحدا، واستخرفني آخرون لحديثي عن الغيب والكرامات.

الآن أعود إلى الموضوع لا لأتبرأ من الصوفية كما ألح علي بعضهم، ولا لأتحمل تبعات غيري، لكن لأقول كلمة الحق التي لا تترك لك صديقا، لكن لأتجاوز مرحلة كانت النقول عن الرجال ما دون كتاب الله وسنة رسوله سندا لطفولتي في طريق القوم. الآن وقد شب عمرو عن الطوق بفضل الملك الوهاب أعود لأشهد شهادة الحق أرجو بها وجه الله، أعود لأحدث من يقرأني حديث القلب عن القلب وعن الإحسان وعن محبة الله ورسوله وعن المعرفة وعن الكمال. كل ذلك من خلال عرض هادئ لقضايا التصوف، ومن خلال نصوص لا خلاف حول مؤلفيها، فأنا لا أحب أن أدخل في جدل ولا وقت لدي أضيعه في الدفاع أمام محاكمات لا تنتهي.

لست أدعو إلى التصوف، ولا أحب الاِسم والشكل لأني لا أجدهما في كتاب الله وسنة رسوله بعد أن اخترت جوار القرآن والجلوس عند منبر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم. لا، ولا حاجة لي بالمصطلحات المحدثة، فلي غنى عنها بلغة القرآن وبيان إمام أهل الإحسان. لكن الحق الذي مع الصوفية، حق حب الله تعالى وابتغاء وجهه وإرادة الوصول إليه والتماس الطريق لمعرفته وما يكرم به الحنان المنان المصطفين من عباده، حق ثابت في القرآن والسنة، ثابت في حياة من تعرض لنفحات الله وصدق في الله وذكر الله وسار إلى الله. ذاك حق شهد به الرجال تحدثا بنعمة الله عليهم، وأنا أسعد الناس إن كان لشهادتي سامعون واعون هبوا من سبات الغفلة لصرختي هذه الهادئة، وتيقظوا يقظة القلب، وتجافوا عن الحياة الدنيا، وفزعوا إلى من يدلهم على الله حتى يعرفوا الله. أنا أسعد الناس إذاً إن حصل في ميزان حسناتي أفواج من المحسنين كنت لهم صوتا يقول: من هنا الطريق، من هنا البداية.

إن عُرا الإسلام أول ما انتقض منها الحكم، ثم توالى نقض عُراً أخرى حتى اختل المجتمع الإسلامي، والعقل الإسلامي، والوحدة الإسلامية، والشورى والعدل الإسلاميان. ولئن بقي للأمة وجود البتة، ولئن بقي لها تماسك استعصى على عوامل النقض والتفتيت أن تبلغ مداها، فالفضل لله عز وجل ولكتابه وسنة رسوله ثم لرجال كانوا غياث الخلق مصابيح الهدى. في كل إقليم كان دعاة مربون. كان الواعظ مربيا له نفوذه الروحي على قدر ما معه من خشية الله. كان المدرس مربيا على مقدار ما وصل العلم بالعمل الصالح. كان الجار للجار وإمام المسجد وعائل الأسرة مربين على قدر ما ورثوا بالصحبة والملازمة لمن قبلهم من تقوى الله.

كان النسب القلبي الفطري حياة سارية بالإيمان في أوصال الأمة، وكان أهل النسبة الوثقى أولياء الله تعالى أهل كرامته محطات يشع منها الإيمان الأقرب فالأقرب.

هذا التماسك الموروث بالانتساب القلبي، بالتحاب في الله، والخلة في الله والتواصي بالحق والصبر، هو كان ولا يزال روح الأمة ومناط وجودها وبقائها ومنعتها على الفتن.

في عصرنا توشك هذه العروة القلبية أن تتلاشى. لذلك يكون المطلب الإحساني أسبق المطالب في سلم الأولويات، ويكون طب القلوب أهم علم، وتطبيقه أهم عمل. جسد الأمة متداع نهب للناهبين. يستطيع المحلل السياسي والخبير الاقتصادي والباحث الاجتماعي أن يشخصوا أعراض الانحلال في جسد الأمة. وينبري أصحاب “الحل الإسلامي” و”البديل الإسلامي” ليقترحوا علاجا “إسلاميا” وفقا لذلك التشخيص، وفي مستواه من المادية والعقلانية، واستجابة له، وتبنيا لما تعرفه المجتمعات البشرية من بواعث ومنازع.

التشخيص النبوي وصف داء الأمة حين تنحل وتصبح غثاء كغثاء السيل، وسماه “وهنا” وهو حب الدنيا وكراهية الموت. العلاج النبوي لهذا الفساد نستنبطه من حديث المصطفى الكريم عن الأجساد تفسد أو تصلح بفساد أو صلاح مضغة فيها تسمى القلب. من حديث رواه الشيخان وغيرهما عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “… ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب”.

صلاح التيار القلبي الإيماني الساري في أوصال الأمة يكون بصلاح قلوب المومنين. وصلاح القلوب يكون بالتربية. وللتربية أصول وقواعد من كتاب الله وسنة رسوله. حفظها وحافظ عليها القوم رضي الله عنهم، واجتهدوا واجتهادهم فرع. ونحن، وإن استدللنا في طفولتنا بالفرع على وجود الأصل واقتبسنا والتمسنا نورا من الفروع، لا نبتغي بالأصل بدلا.

في الأصل نجد أن “أول علم يرفع من الناس الخشوع” هذا جزء من حديث شريف عند الترمذي. ونجد أن “أكثر منافقي أمتي القراء”. وهذا حديث عند الإمام أحمد. فالإسلام الثقافي، إسلام العقل والقراءة، والقلوب فارغة من خشية الله، مرض آخر زائد على أمراض الأمة الكثيرة. ونجد في الأصل أن “أخوف ما أخاف عليكم كل منافق عليم اللسان” وهو حديث عند الإمام أحمد، والنفاق يعشش في القلوب إذا خلت من الإيمان أو سبق إليها النفاق فلم يدخلها الإيمان قط. في كتاب الله عز وجل نجد آية: (قالت الأعراب آمنا قل لم تومنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم). (سورة الحجرات، الآية: 14)

عن الإيمان والإحسان نبحث، فنجد أنهما عقد بالقلب يتبعه نطق باللسان وعمل بالجوارج. محصور الإيمان بهذا العقـد القلبي. قال تعالى: (إنما المومنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون. الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المومنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم). (سورة الأنفال، الآيات:2-4) ذكر الله وَوَجَلُ القلب والتوكل على الله أعمال قلبية يتفرع عنها إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وسائر أركان الإسلام وشعب الإيمان. قال الله تعالى: (إنما المومنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون). (سورة الحجرات، الآية: 15) إنما في اللغة حرف حصر، فلا إيمان دون عقيدة لا ترتاب وجهاد لا ينثنى بالمال والنفس، باعثه ابتغاء مرضاة الله، طريقه سبيل الله.

قال الله تعالى: (إنما يومن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون). (سورة السجدة، الآية: 15) فكم من ساجد بالجسد مسبح باللسان لم يحصل له الخضوع والخشوع للواحد القهار، فظل مستكبرا في نفسه مستكبرا على بني جنسه. قال الله تعالى: (لا تجد قوما يومنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله). (سورة المجادلة، الآية: 22) الحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان كما جاء في الحديث. وثاقة هاته العروة من وثاقة الولاء التام لله ولرسوله ولدينه. أفيمكن للأمة والجسد واه غثائي أن تستجمع قواها وتجاهد أعداءها وتعز على المستكبرين إن لم يصلح القلب وتتوثق عرا الإحسان؟

القلب مكمن الداء، فإن صح وسلم فهو مركز الإشعاع، وهو العنصر الحاسم في معادلة وجود الأمة وانبعاثها. ما حديثنا عن مقاصد الشريعة، وعن الطلب والمطالب، وعن العدل والشورى، وعن الأهداف الدنيوية، وعن الغاية الأخروية إلا أحلام طائشة إن لم يشتد قلب الأمة باشتداد قلوب المومنين على عزمة إيمانية وإرادة إحسانية تنهد أمامها العقبات وتنفتح أبواب الأرض والسماوات.

علم التصوف فقه واجتهاد

قصدي في هذه الصفحات أن أدل على الله وعلى الطريق إليه. قصدي أن أستنهض الراقد وأستحث الفاتر وأنادي ذوي الهمم العالية إلى مأدبة الله. ما قصدي أن أعرض علم التصوف عرضا أكاديميا تاريخيا موثقا. وما يغني العلم إذا كان وراءه فضول فكري فقط. حديثي حديث القلب إلى القلوب الحرة. نحتاج في حوارنا إلى استبصار العقل وإلى الاطلاع على أحوال القوم لنقوم ننافسهم ونسابقهم في الخيرات كما أمرنا الله جل شأنه.

يحتد الخصام حول التصوف في زماننا احتدادا شديدا. كل جدران الاحتياط التي أقامها نقاد التصوف السابقون خرقها بعض كتبة العصر يسايرون في غلوهم هذا تلامذة المستشرقين الذين يسعون جهدهم أن يقدموا التصوف على أنه علم دخيل، والصوفية على أنهم تلامذة البراهمة والغنوصيين. ما مثل هؤلاء إلا كمثل من رأى مائدة حافلة حولها ضيف مكرمون ومن حوالي الضيف ذباب يتطاير ويطن، فزعم أن المائدة ما نصبها إلا الذباب وأن الضيف المحلقين ما هم إلا ذباب كبير.

نعم طرأ بعد القرون الفاضلة الثلاثة هجوم الفكر الفلسفي الهيليني وتأثير التأله الفارسي والهندي والصابئي. وطرأ بعد الإمام الغزالي الذي حاول إصلاح ذات البين بين فقهاء الأحكام وفقهاء التربية تسلل الفلسفة الإشراقية وعقائد الحلول والاتحاد الملعونة. لكن موكب النور من كتائب أهل الله ما سار منذ عهد النبوة إلا على هدي أصيل وإن جدت مصطلحات دعت إليها ضرورة التفاهم بين أهل الاختصاص، وجدت هيآت وتكتلات دعت إليها ضرورة التعاون. تماما كما جدت مصطلحات وتكتلات في مدارس التفسير والحديث وعلم أصول الفقه وعلم فروعه وعلم أصول الدين وعلم اللغة وسواها.

لكي يطمئن حوارنا نثق بعلمائنا، فنستمع إلى حكمهم على علم التصوف، ولا نصدق المغرضين الذين يعملون معاول الهدم في سلفنا الصالح يحاربون الإيمان بالغيب وبسمو الروح وكمال الإحسان ويؤلهون العقل والمادة. ولا نصدق مقلدة قاصرين تبنوا عن انطماس في العقل والبصيرة وعن جهل بموضوع الجدال وأوائله وتواليه معارك قديمة.

نستمع أولا إلى فارس الإسلام وشيخه ابن تيمية رحمه الله. نستمع إليه لأمرين: أحدهما أن كثيرا من معاصرينا يعتبرون شهادته هي الكلمة الفصل، فلا نحب أن نفجعهم وهم في مهد الإعجاب غير المشروط بوضع الفارس الجليل في مكان نسبيته. والاعتبار الثاني هو أن شيخ الإسلام رحمه الله من أجل من حارب الإلحاد والفلسفة ومنطقها. فللمرتاحين في المهد نقدم جواز المرور، وللمتعسفين نقدم جبهة إسلامية واحدة، ابن تيمية ابنها وفارسها، خصامها بينها من داخلها، خصامها ظاهرة صحية تبرهن على قدرتها أن تنتقد أخطاءها وتتحاور وتصلح.

قال شيخ الإسلام: “والصواب أنهم (أي الصوفية) مجتهدون في طاعة الله، كما اجتهد غيرهم في طاعة الله. ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده، وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين. وفي كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطئ. وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب”. وقال: “وإنهم في ذلك بمنزلة الفقهاء في الرأي”.

وقال تلميذ ابن تيمية الإمام ابن القيم: “وأما السابقون المقربون فنستغفر الله الذي لا إله إلا هو أولا من وصف حالتهم وعدم الاتصاف بها. بل ما شممنا لها رائحة. ولكن محبة القوم (أي الصوفية والكلمة مصطلح) تحمل على تعرف منزلتهم والعلم بها. وإن كانت النفوس متخلفة منقطعة عن اللحاق بهم ففي معرفة حال القوم فوائد عديدة (…) ومنها أن هذا العلم (يعني علم التصوف) هو من أشرف علوم العباد، وليس بعد علم التوحيد أشرف منه، وهو لا يناسب إلا النفوس الشريفة”.

حياك الله من رجل! نجد عند الغزالي وهو من أكابر القوم ما يلي: “ولقد كان اسم الفقه في العصر الأول مطلقا على علم طريق الآخرة ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة واستيلاء الخوف على القلب. ويدلك عليه قوله عز وجل: (ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم). وما يحصل به الإنذار والتخويف هو هذا الفقه دون تفريعات الطلاق والعتاق واللعان والسلم والإجارة”.

ونجد عند الفقيه الأصولي الإمام الشاطبي تفصيلا: فالتصوف عنده قسمان: “أحدهما التخلق بكل خلق سني، والتجرد عن كل خلق دني. والثاني أنه الفناء عن نفسه والبقاء بربه. وهما في التحقيق إلى معنى واحد، إلا أن أحدهما يصلح التعبير به عن البداية والآخر يصلح التعبير به عن النهاية (…) فالتصوف بالمعنى الأول لا بدعة في الكلام فيه (…) وهو فقه صحيح. وأصوله في الكتاب والسنة ظاهرة. فلا يقال في مثله بدعة إلا إذا أطلق على فروع الفقه التي لم يلف مثلها في السلف الصالح أنها بدعة، كفروع أبواب السلم ومسائل السهو(…) وأما بالمعنى الثاني فهو على أضرب، أحدهما يرجع إلى العوارض الطارئة على السالكين إذا دخل عليهم نور التوحيد الوجداني. فيتكلم فيها بحسب الوقت والحال وما يحتاج فيه في النازلة الخاصة رجوعا إلى الشيخ المربي وما بين له في تحقيق مناطها بفراسته الصادقة في السالك بحسبه وبحسب العارض. فيداويه بما يليق به من الوظائف الشرعية والأذكار الشرعية. (…) فمثل هذا لا بدعة فيه لرجوعه إلى أصل شرعي”. ويذكر رحمه الله الضرب الثاني وهو ما يتعلق بالكرامات وهو لا بدعة فيه، وعن الضرب الثالث وهو البحث في عالم الغيب وماهية الملائكة والشياطين وعالم الأرواح وهو بدعة، وعن الضرب الرابع وهو النظر في حقيقة الفناء وهو فقه متعلق بأهواء النفس لا بدعة فيه.

وعند الإمام السهروردي أحد أعلام القوم رضي الله عنهم نجد ما يلي: “وعلوم هؤلاء القوم لا تحصل مع محبة الدنيا ولا تنكشف إلا بمجانبة الهوى ولا تدرس إلا في مدرسة التقوى”.

يقصد رضي الله عنه العلوم التي تنقدح في القلوب بعد صفائها بالعمل الصالح والذكر والمجاهدة، لا تلك التي تحويها الطروس.

وما كان القوم رضي الله عنهم أهل بطالة يتسلون بمضغ العبارات كما يفعل المتحذلقون، بل كان همهم الله ونيل رضاه. لذلك كانوا أصحاب عمل وجد واجتهاد. ما الفقه الذي أتلوه إلا قواعد مستنبطة، مذكرات وصف السالكون فيها مراحل سفرهم الروحي، تتلقاها الأجيال الصالحة من بعدهم نصيحة وتحديا وضرب موعد هناك في المقامات العالية.

قال الإمام الغزالي في إحيائه: “ومنها (أي علامات علماء الآخرة) أن يكون أكثر اهتمامه بعلم الباطن ومراقبة القلب ومعرفة طريق الآخرة وسلوكه وصدق الرجاء في انكشاف ذلك من المجاهدة والمراقبة. فإن المجاهدة تفضي إلى المشاهدة، ودقائق علوم القلب تتفجر بها ينابيع الحكمة من القلب. وأما الكتب والتعليم فلا تفي بذلك”. وقال: “ومنها أن يكون اعتماده في علومه على بصيرته وإدراكه بصفاء قلبه، لا على الصحف والكتب، ولا على تقليد ما يسمعه من غيره”.

علوم القوم ومكانتها من بين العلوم

كثيرا ما نسمع في عرض الحديث عن الخواء الروحي الذي يشكو منه الشباب المتطلع لمعرفة دينه نصائح ومتمنيات بتصوف سني أو تصوف سلفي. وكأن نسبة الألفاظ بعضها إلى بعض تعطي القضية وضوحا وسلطة لا يمنحها الاسم المجرد. وسمعت تسجيلا لأحد علمائنا العاملين في حقل الدعوة يحث على “التصوف السني”، فلما سألوه عن السبيل إلى هذا الخير أجاب بأن ذلك يحصل بقراءة الكتب الجيدة مثل إحياء الغزالي. كأن الأمر عملية فكرية ونزهة ثقافية. إن العلم والاطلاع يمكن أن يكونا باعثين على العمل، إذا كان في القلب كوامن واستعداد. أما إذا كان القلب خاليا متضلعا من حب الدنيا لا مكان فيه لحب الله فما تغني القراءة.

إن أول الطريق هبوب القلب من غفلته، فإن كان الاطلاع على علوم القوم يصور لك أحوالهم السنية فينزعج قلبك لما تجده عند المقارنة من تخلفك عن الركب، وتطمئن لما تجده عندهم من اعتصام بالكتاب والسنة، فتشمر للحاق ويتبع العلم العمل، فذاك هـو المطلوب. ويكون لعبارة “التصوف السني” معنى: هو أن تسير في الطريق وأنت على يقين من أنك على سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم لا في دروب الغواية والتيه. إن كنت تقيد في شرطك التصوف بالسنة فهذا من باب تحصيل الحاصل. أو كنت تنفي بتقييدك “التصوف الفلسفي”، تصوف الحلول والاتحاد الذي ليس من الإسلام ولا من التصوف في شيء، فكأن الذباب الحائم حول المائدة شغل بالك عن المائدة فأعطيته من الاهتمام تحرزا منك أو خوفا مبالغا فيه أكثر مما يستحق. وكثيرا ما تعقم هذه الحيطة الحركة أو تكون ستارا يختبئ وراءه كسل العقل وركود الروح.

إن لمس جناح التوفيق قلبك فتعال لجلسة لطيفة مع أهل المعنى الحريصين على دينهم أكثر من حرصك (وإلى نفسي الخامدة أوجه اللوم)، وفاتوك بالشوق الدائم إلى بلوغ الذُّرا. قال أبو نصر السراج الطوسي في كتابه “اللمع” وهو من أهم كتب القوم: “وعندي، والله أعلم، أن أولي العلم القائمين بالقسط الذين هم ورثة الأنبياء، هم المعتصمون بكتاب الله تعالى، المجتهدون في متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، المقتدون بالصحابة والتابعين، السالكون سبيل أوليائه المتقين وعباده الصالحين. هم ثلاثة أصناف: أصحاب الحديث، والفقهاء، والصوفية. فهؤلاء هم الأصناف الثلاثة من أولي العلم القائمين بالقسط الذين هم ورثة الأنبياء. وكذلك أنواع العلوم كثيرة، فعلم الدين من ذلك ثلاثة علوم: علم القرآن، وعلم السنن والبيان، وعلم حقائق الإيمان. وهي العلوم المتداولة بين هؤلاء الأصناف الثلاثة. وجملة علوم الدين لا تخرج عن ثلاث: آيات من كتاب الله عز وجل، أو خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو حكمة مستنبطة خطرت على قلب ولي من أولياء الله تعالى”.

وذكر علوم الشريعة فقسمها أربعة أقسام، علم الرواية والآثار والأخبار، وعلم الدراية وهو علم الفقه والأحكام، وعلم القياس والنظر والاحتجاج، يقصد علم أصول الدين. قال: “والقسم الرابع هو أعلاها وأشرفها. وهو علم الحقائق والمنازلات، وعلم المعاملة والمجاهدات، والإخلاص في الطاعات، والتوجه إلى الله عز وجل من جميع الجهات، والانقطاع إليه في جميع الأوقات، وصحة القصود والإرادات، وتصفية السرائر من الآفات، والاكتفاء بخالق السماوات، وإماتة النفوس بالمخالفات (يعني مخالفة الهوى)، والصدق في منازلة الأحوال والمقامات، وحسن الأدب بين يدي الله في السر والعلانية في الخطوات، والاكتفاء بأخذ البلغة عند غلبة الفاقات، والإعراض عن الدنيا وترك مافيها طلبا للرفعة في الدرجات، والوصول إلى الكرامات”.

يا أخي الحبيب! يا من يوصي إخوانه بتصوف سني يرتكز على قراءة الكتب، كيف الإعراض عن الدنيا وترك ما فيها لرفع الدرجات؟ خبر هذا في كتب القوم. وفي كتاب الله وسنة رسوله أمر بالجهاد ومقارعة أهل العناد. هم رحمهم الله شربوها حلوة في خلواتهم وانقطاعهم في الخانقاهات والزوايا في عصور كان حفظ الدين فيها يقتضي الوحدة بأي ثمن، وكان الثمن السكوت عن الظلمة والهروب من الساحة. فكيف تدعو إلى تقليدهم؟

بالجوهر شرف علمهم لا بالأعراض. الجوهر حب الله وصحبة أهل التربية أهل الله، والصدق في طلب الله، والذكر الدائم لله. والأعراض أذواق يوتيها الله، وإعراض عن الخلق بكيفيتهم في زماننا لا معنى له ولا يأذن به الله. لا إله إلا الله محمد رسول الله.

شرف علمهم لاعتماده على الشريعة، بدون هذا الاعتماد يصبح الحديث عن القلب ومعانيه هوسا. علوم الحقيقة نتائج لعلوم الشريعة وتطبيقها، وإلا فهو الجهل والخبط. قال الإمام السيوطي في كتابه “تأييد الحقيقة العلية وتشييد الطريقة الشاذلية”: “وقد ظهر لي أن نسبة علم الحقيقة إلى علم الشريعة كنسبة علم المعاني والبيان إلى علم النحو. فهو سره ومبني عليه. فمن أراد الخوض في علم الحقيقة من غير أن يعلم الشريعة فهو من الجاهلين ولا يحصل على شيء. كما أن من أراد الخوض في أسرار علم المعاني والبيان من غير أن يحكم النحو فهو يخبط خبط عشواء”.

يا أخي يا من يبحث عن حب الله ومعرفته (هذا هو موضوع التصوف) في كتب الأقدمين، أين أنت من كتاب رب العالمين وسنة سيد المرسلين. لو كنت كالسيوطي إمام عصره البالغ درجة الاجتهاد الجامع لشتات العلوم وكان بك مثل ما به من لوعة لبحثت عن ولي مرشد يدلك على الله ويربيك على ذكر الله. أم تراك من الذين يستخفون بعقول العقلاء وأعمال العلماء فتتساءل ما هو هذا السيوطي الذي يخرف بتشييد الطريقة الشاذلية؟

هاك كلمات نيرة لشيخ جليل من أكابر القوم، كان يدل الناس على الله وعلى كتاب الله وسنة رسوله، حتى إذا توفاه الله قام من المنتسبين إليه قوم احترفوا أكل الحيات والاقتحام في النار. انحراف خطير جاء من تقليد مقلد المقلد. وقد يأتي من تقليد الكتب البائد مناطها انحراف مثله. قال الإمام أحمد الرفاعي رحمه الله: “لا تقولوا كما يقول بعض المتصوفة: نحن أهل الباطن، وهم (أي الفقهاء) أهل الظاهر. هذا الدين الجامع باطنه لب ظاهره، وظاهره ظرف باطنه. لولا الظاهر لما كان الباطن وما صح. القلب لا يقوم بلا جسد. بل لولا الجسد لفسد. والقلب نور الجسد. هذا العلم الذي سماه بعضهم بعلم الباطن هو إصلاح القلب. فالأول (أي علم الظاهر) عمل بالأركان وتصديق بالجنان. إذا انفرد قلبك بحسن نيته، وطهارة طويته، وقتلت وسرقت وزنيت وأكلت الربا وشربت الخمر وتكبرت وأغلظت القول فما الفائدة من نيتك وطهارة قلبك؟ وإن عبدت الله وتعففت وصمت وتواضعت وأبطن قلبك الرياء والفساد، فما الفائدة من عملك؟”.

وقال رحمه الله يخاطب العقلاء النجباء: “أي سادة. إن نهاية طريق الصوفية نهاية طريق الفقهاء. ونهاية طريق الفقهاء نهاية طريق الصوفية. وعقبات القطع التي ابتلي بها الفقهاء في الطلب هي العقبات التي ابتلي بها الصوفية في السلوك. والطريقة هي الشريعة، والشريعة هي الطريقة(…) وما أرى الصوفي إذا أنكر حال الفقيه إلا ممكورا، ولا الفقيه إذا أنكر حال الصوفي إلا مبعودا. إلا إذا كان الفقيه آمرا بلسانه لا بلسان الشرع، والصوفي سالكا بنفسه لا بسلوك الشرع، فلا جناح عليهما. والشرط هنا الصوفي الكامل والفقيه العارف”.

الشرط في تعادل المعنيين وتكافؤ الفقيه مع الصوفي أن يجمع الصوفي إلى صفائه الروحي علما واسعا بالشريعة ويتفرغ لتربية الرجال، وأن يجمع الفقيه إلى علومه النقلية والعقلية معرفة بالله وعاؤها القلب. بدون هذا الشرط تكون حمولة هذا وذاك وبالا.

المحدثون والصوفية

والمحدث ما شرطه لكي يكافىء الصوفي؟ ماذا ذهب السيوطي يفعل عند الشاذلية يشيد طريقتهم ويشيد بها؟ أليس هو العلم البارز في عصره الجامع لشتات العلوم، المشارك المحدث الذي حقق المشروع الضخم أو كاد، مشروع جمع الحديث وتخريجه؟

مازال بين أهل الحديث على مر العصور حوار ووصال منذ العهد الأول مع من تسموا بالصوفية. وما نقرأ عنه من خصام عنيف عند أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو المحدث الناطق عن نفسه وعن طائفة من أهل الحديث الحنابلة، ما كان يستهدف الصوفية الصادقين، بل كان موجها لمن اعتبرهم أهل الحديث المتأخرون أدعياء منحرفين.

في العهود الأولى كان احترام متبادل وتعاون على البر والتقوى. كان من الصوفية من تخرجوا في علم الرواية، وكان من المحدثين من تصوفوا على يد مشايخ متصوفين. لم تكن هناك قطيعة ولا سوء ظن. ومن أئمة الحديث، أولياء الله إن كان لله ولي، من جلس في مجالس القوم ومن آخى مشايخ القوم، مع التسليم والمصافاة.

نقل تاج الدين ابن السبكي في “طبقات الشافعية” عن الحافظ الكبير أبي عبد الله الحاكم قصة الإمام أحمد ابن حنبل مع الشيخ الحارث المحاسبي. قال الحاكم بسنده المتصل إلى إسماعيل بن إسحاق السراج، قال اسماعيل: “قال لي أحمد بن حنبل: بلغني أن الحارث هذا يكثر الكون عندك (يكثر من الحضور في بيتك) فلو أحضرته منزلك وأجلستني من حيث لا يراني فأستمع كلامه. فقصدت الحارث وسألته أن يحضر تلك الليلة وأن يحضر أصحابه. فقال: فيهم كثرة، فلا تزدهم على الكسب (الخبز) والتمر، فأتيت أبا عبد الله (ابن حنبل) فأعلمته فحضر إلى غرفة واجتهد في ورده. وحضر الحارث وأصحابه فأكلوا. ثم صلوا العتمة (العشاء) ولم يصلوا بعدها. وقعدوا بين يدي الحارث لا ينطقون إلى قريب نصف الليل. ثم ابتدأ رجل منهم فسأل مسألة، فأخذ الحارث في الكلام، وأصحابه يستمعون كأن على رؤوسهم الطير. فمنهم من يبكي، ومنهم من يحن، ومنهم من يزعق وهو في كلامه. فصعدت الغرفة لأتعرف حال أبي عبد الله، فوجدته قد بكى حتى غشي عليه. فانصرفت إليهم. ولم تزل تلك حالهم حتى أصبحوا وذهبوا. فصعدت إلى أبي عبد الله فقال: ما أعلم أني رأيت مثل هؤلاء القوم، ولا سمعت في علم الحقائق مثل كلام هذا الرجل. ومع هذا فلا أرى لك صحبتهم. ثم قام فخرج”. وفي رواية أخرى أن أحمد قال: “لا أنكر من هذا شيئا”. قال ابن السبكي: “قلت: تأمل هذه الحكاية بعين البصيرة واعلم أن أحمد بن حنبل إنما لم ير لهذا الرجل صحبتهم لقصوره عن مقامهم. فإنهم في مقام ضيق لا يسلكه كل أحد، فيخاف على سالكه. وإلا فأحمد قد بكى وشكر الحارث هذا الشكر. ولكل رأي واجتهاد، حشرنا الله معهم أجمعين في زمرة سيد المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم”. وأضيف بضراعة المقصرين الراجين عفوه تعالى: اللهم آمين.

ماذا ذهب شيخ المحدثين يفعل عند البكائين؟ وهل يغشى عليه من وعظهم لو لم يكن أبكى منهم وأخشع؟ له ورده يجتهد فيه كما لهم أوراد. ويزيد عليهم بخدمة العلم.

إن أهل الحديث رضي الله عنهم هم أهل الإحسان بالمعاني المتعددة للكلمة: إحسان في العبادة، وإتقان لصناعتهم الجليلة، وإحسان للخلق كافة بما حفظوا عليهم من هذا الدين. صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم صحبة خدمة واتباع ومحبة. خدموه بأبدانهم يرحلون الرحلات الشاقة البعيدة لسماع حديث أو تحقيق كلمة. وخدموه بعقولهم في تصحيح إسناد ونقد رجال وإثبات تاريخ وتقويم متن. وخدموه بقلوبهم غيرة على حديث خير البرية أن يزور أو يحرف. لا جرم يعم فضلهم الأمة ويوصي ابن حنبل صاحب الدار، ولعله كان تلميذا له، أن يترك حلق الذكر الخاصة الخاص نفعها ليتفرغ للعلم الذي يعم نفعه كل طائفة وكل مكان وكل جيل.

ما كل من حمل الحديث بمنزلة الإمام أحمد ولا كل من تسمى صوفيا بمعزل عن اللوم. أمثال أحمد الذين تشربوا حب المصطفى صلى الله عليه وسلم وتعظيمه وإكبار أمره وأفنوا أعمارهم في خدمته قليل. هم أئمة الهدى. يقول الإمام الشافعي متحدثا عن الجناب الشريف: “فصلى الله على نبينا كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون. وصلى عليه في الأولين والآخرين، أفضل وأكثر وأزكى ما صلى على أحد من خلقه، وزكانا وإياكم بالصلاة عليه أفضل ما زكى أحدا من أمته بصلاته عليه. والسلام عليه ورحمته وبركاته. وجزاه الله عنا أفضل ما جزى مرسلا عن من أرسل إليه. فإنه أنقذنا من الهلكة، وجعلنا في خير أمة أخرجت للناس، دائنين بدينه الذي ارتضى، واصطفى به ملائكته ومن أنعم عليه من خلقه. فلم تمس بنا نعمة ظهرت ولا بطنت، نلنا بها حظا في دين ودنيا، أو دفع بها عنا مكروه فيهما أو في واحد منهما، إلا ومحمد صلى الله عليه وسلم سببها، القائد إلى خيرها، والهادي إلى رشدها”.

كان حب الله ورسوله رابطة جامعة بين كل طوائف السلف الصالح. وكانت نسبة الإيمان واصلة، ونسبة الإحسان سارية يشيم ومضها بعضهم من بعض ويشتم عبيرها بعضهم من بعض. لما امتحن الإمام أحمد في مسألة خلق القرآن وأعلن المامون ومن بعده المعتصم تحيزهما لجانب الفكر الدخيل خنس كثير من الفقهاء والقراء، وتمالأ على الإمام قضاة القصر وبغاته، وبقي هو رضي الله عنه صامدا كالجبل ينافح عن صفاء العقيدة وحرمة القرآن. في تلك الأثناء كتب إليه الشافعي رسالة تشجيع وتضامن. قال الربيع بن سليمان صاحب الإمام الشافعي: “فدخلت بغداد ومعي الكتاب. فصادفت أحمد بن حنبل في صلاة الصبح. فلما انفتل من المحراب سلمت إليه الكتاب وقلت: هذا كتاب أخيك الشافعي من مصر. فقال لي أحمد: نظرت فيه؟ فقلت: لا، فكسر الختم وقرأ، وتغرغرت عيناه. فقلت له إيش فيه أبا عبد الله؟ فقال: يذكر فيه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال له: اكتب إلى أبي عبد الله فاقرأ عليه السلام، وقل له: إنك ستمتحن وتدعى إلى خلق القرآن فلا تجبهم، فيرفع الله لك علما إلى يوم القيامة. قال الربيع: فقلت له: البشارة يا أبا عبد الله. فخلع أحد قميصيه الذي يلي جلده فأعطانيه. فأخذت الجواب وخرجت إلى مصر. وسلمته إلى الشافعي. فقال: إيش الذي أعطاك؟ فقلت: قميصه. فقال الشافعي: ليس نفجعك به. ولكن بله وارفع إلي الماء لأتبرك به”. من لا تتسع حويصلته أن يسمع عن أئمة الدين كيف كانوا يتكاتبون بالرؤى الصادقة وكيف كانوا يعتزون بصلتهم القلبية بالمخدوم الأعظم صلى الله عليه وسلم، وكيف كانوا يتبركون بآثار النبي الطاهر وبآثار بعضهم فليبحث عن تاريخ مفلسف منقح مادي “غير غيبي” في تاريخ غير تاريخ المسلمين الموثق بالأسانيد المتصلة.

كان الشافعي رضي الله عنه صاحب قلب ونورانية وفراسة عرف بها أولياء الله وخصوا. سواء منهم من حمل اسم صوفي أو فقيه أو محدث، لا يغير مظهر اللقب من جوهر الملقب. روى نفس الصاحب الربيع بن سليمان قال: “دخلنا على الشافعي رضي الله عنه عند وفاته أنا والبوطي والمزني ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم. قال: فنظر إلينا الشافعي ساعة فأطال. ثم التفت إلينا فقال: أما أنت يا أبا يعقوب فستموت في حديدك، وأما أنت يا مزني فسيكون لك بمصر هيآت وهنات، ولتدركن زمانا تكون أقيس أهل ذلك الزمان. وأما أنت يا محمد فسترجع إلى مذهب أبيك. وأما أنت يا ربيع فأنت أنفعهم لي في نشر الكتب. قم يا أبا يعقوب فتسلم الحلقة (أي حلقة التعليم التي كان يجلس فيها الشافعي). قال الربيع: فكان كما قال”.

كانت لوائح الولاية لائحة على الإمام البخاري. كانت له كرامات ودعوات مستجابات. وما له لا يكون من أصحاب الاستجابة والتجلي وهو السابق بالخيرات المجلي، والرب كريم، نواله عظيم. كان رضي الله عنه قواما صواما تاليا لكتاب الله معظما لرسول الله صلى الله عليه وسلم محبا له خادما. روى عنه صاحبه الفربري أنه كان لا يكتب في صحيحه حديثا إلا بعد أن يغتسل ويصلي ركعتين. وكذلك كان الإمام مالك رضي الله عنه من قبله، لا يجلس للحديث إلا بعد أن يغتسل ويتطيب. ولا يركب دابة في المدينة على كبر سنه، ويقول: “لا أركب في بلد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه مدفون”. بذلك نالوا عند الله جل وعلا الدرجات.

قال محمد بن أبي حاتم: سمعت أبا عبد الله (البخاري) يقول: “ما ينبغي للمسلم أن يكون بحالة إذا دعا لم يستجب له”. قال: “وسمعته يقول: خرجت إلى آدم بن إياس، فتخلفت عني نفقتي، حتى جعلت أتناول الحشيش ولا أخبر بذلك أحدا. فلما كان اليوم الثالث أتاني آت لم أعرفه، فناولني صرة دنانير وقال: أنفق على نفسك”.3

كأني بقائل من العقلانيين يستلقي على قفاه ضحكا وسخرية من “الخرافات” التي تمتلئ بها كتب المسلمين. إن من لا يومن بمعجزات الأنبياء وكرامة الله عز وجل لأوليائه عن طريق الأسباب أو بخرق العادة لمدخول العقيدة. ولنا عودة للموضوع إن شاء الله. وطائفة يقرأون مثل خبر الدنانير الآتية من الغيب فينصرفون عن عبادة الله المجردة القصد، ويتركون السعي الذي شرعه الله لكسب الرزق، ويعيشون في وهم سابح. هذه الذهنية هي الخرافية بعينها، وهي الخطر المحدق. وقد عاشت طوائف من المسلمين بهذه الذهنية ولا تزال. والناقدون الساخرون من الديـن و”الغيبية” لا يستطيعون أن يميزوا بين الشعوذة والسحر والأحلام وبين الكرامة التي يظهرها المولى عز وجل على يد أفراد كالبخاري وعلى يد جماعات مجاهدة كالصحابة رضي الله عنهم وكالمجاهدين في أفغانستان في زماننا.1 كان البخاري رحمه الله يقوم في الليل أكثر من عشر مرات ليدون حديثا أو فائدة، لا يترك له الاهتمام بالعلم نوما. والصحابة رضي الله عنهم ومجاهدو أفغانستان لا يألون جهدا في إعداد القوة كما أمر الله، يبارك الله العلي القدير تلك الوسائل على ضآلتها فتأتي بنتائج لا تخطر على البال.

كان إمام المحدثين البخاري عبقا بعطر الصلاح حيا وميتا. مرض واشتد به المرض فدعا الله ربه قائلا بعد أن فرغ من صلاة الليـل: “اللهم قد ضاقت علي الأرض بما رحبت فاقبضني إليك”. قال الراوي: “فما تم الشهر حتى قبضه الله عز وجل”.2 فلما حضرته الوفاة دعا بدعوات ثم اضطجع فقضى رحمه الله. قال الراوي: “فلما دفناه فاح من تراب قبره رائحة غالية (الغالية نوع من الطيب الفاخر). فدام على ذلك أياما. ثم علت سوار بيض في السماء مستطيلة بحذاء قبره فجعل الناس يختلفون (أي يأتون الجماعة بعد الأخرى) ويتعجبو”.3

تسمع أخي المومن في زماننا هذا أخبارا مستفيضة عن شهداء أفغانستان وما يفوح من أجسادهم المطهرة من عطر، وما يظهر في سمائهم من علامات، فليزدك هذا الخبر عن رجل صالح من القرون الفاضلة يقينا أن ولاية الله لاتنال بالقعود والتأمل، وإنما تنال بالجهاد والمجاهدة فيما يطهر القلب وينفع الناس في الأرض.

كان من أهل الحديث من يبحث عن دليل يسلك به إلى الله، يتخذه شيخا مربيا يلزمه، بعد أن رقت الكثافة الإيمانية الإحسانية التي كانت شائعة سارية في الجو في مجتمع القرون الفاضلة. في تلك القرون كانت الصحبة والاقتباس الروحي عملية فطرية، يجذب القلب الكبير القلوب الظمأى إليه في يسر وصداقة ورحمة. كانت الوشيجة الرابطة بين المحدثين حبهم المشترك لله ورسوله وبحثهم المشترك عن العلم. كان الشافعي يقول لابن حنبل رضي الله عنهما: “أنت أعلم بالحديث مني، فإذا صح الحديث فأعلمني حتى أذهب إليه، شاميا كان أو كوفيا أو بصريا”..

كان بين عبد الله بن المبارك وبين الفضيل بن عياض صداقة وأخوة في الله. فضيل يعده الصوفية منهم، وابن المبارك من مشايخ مشايخ البخاري. قال ابن تيمية شيخ الإسلام: “قال سيد المسلمين في وقته الفضيل بن عياض في قوله تعالى: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا(. قال: أخلصه وأصوبه. قيل له: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل. وإن كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا. والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة”.4 شهد ابن المبارك في أخيه الفضيل قال: “ما بقي على ظهر الأرض أفضل من الفضيل بن عياض”.5 وقال الفضيل: “ورب هذا البيت، ما رأت عيناي مثل ابن المبارك”.6 كان ابن المبارك محدثا عالما فارسا عابدا كريما كثير النفقة في سبيل الله، يحج عاما ويغزو عاما. وكان شاعرا. كان أمة وحده. وكان الفضيل زاهدا ذاكرا ورعا آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر. كانا نموذجين متكاملين لأهل الخير. ولم تمنع أخوتهما الصادقة وإكبار كل منهما لصاحبه من المصارحة والمناصحة. كتب ابن المبارك إلى أخيه الفضيل هذه الرسالة الشعرية التي تستحق أن نطرق بها في زماننا باب كل ناسك منزو في خلوته، وأن نسمعها كل عالم يخشى الله ويشركه في الخشية الناس فينكص عن ميادين الجهاد مكتفيا بأوراده يتمتمها. قال الفارس العالم:

لعلمت أنك في العبادة تلعب

“يا عابد الحرمين لو أبصرتنا

فنحورنا بدمـائنا تتخضب

من كان يخضب خده بدموعه

فخيولنا يوم الكريهة تتعـب

أو كان يتعب خيله في باطل

رهج السنابك والغبار الأطيب

ريح العبير لكم ونحن عبيرنا

قول صحيح صادق لا يكذب

ولقد أتانا عن مقال نبيـنا

أنف امرىء دخان نار تلهب

لا يستوي وغار خيل الله في

ليس الشهيد بميت لا يكذب”1

هذا كتاب الله ينطق بيننا

اتخذ إمام الأئمة في الحديث ابن خزيمة موقفا معظما من أحد صوفية عصره هو أبو علي الثقفي.2 ولما حج الخطيب البغدادي شرب من ماء زمزم عملا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ماء زمزم لما شرب له”، وطلب من الله تعالى ثلاث حاجات: أن يحدث بتاريخ بغداد، وأن يملي بجامع المنصور، وأن يدفن إذا مات عند قبر بشر الحافي، وقد استجاب الله دعاءه في الثلاث الحاجات.3 وبشر الحافي من أكابر الزهاد الصوفية. فلا تعجب من بغية محدث بارز في الدنيا أن يدفن مع مثل بشر رجاء أن يحشر في صفه. وصحب أبو عبد الله الحاكم المحدث الكبير مؤلف “المستدرك” الشيخ الصوفي أبا عمرو بن محمد بن جعفر الخلدي والشيخ أبا عثمان المغربي وجماعة.4

أما الإمام النووي شارح صحيح مسلم وأحد أعلام هذه الأمة، فقد أخذ طريق القوم عن شيخه الشيخ ياسين ابن يوسف الزركشي.5 وصحب شيخا آخر قال عنه: “الفقيه الإمام الحافظ المتقي الضابط الزاهد الورع الذي لم تر عيني في وقتي مثله. كان رحمه الله بارعا في معرفة الحديث وعلومه وتحقيق ألفاظه، لا سيما الصحيحات، ذا عناية باللغة والنحو والفقه ومعارف الصوفية حسن المذاكرة فيها. وكان عندي من كبار المسلكين في طريق الحقائق، حسن التعليم. صحبته نحو عشر سنين لم أر منه شيئا يكره. وكان من السماحة بمحل عال على قدر وجده، وأما الشفقة على المسلمين ونصيحتهم فقل نظيره فيهما”.6

تعج كتب الطبقات، سواء منها طبقات الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، بذكر العلماء العاملين المبرزين في علوم الحديث المشاركين في الفقه المتميزين أيضا في ميدان التصوف. الحنابلة لايحبون اسم “الصوفي”، فتجدهم يستعملون ألفاظ “الصلاح” و”التقوى” و”الخيرة”. وكل كانوا صادقين، رحمهم الله ورحمنا أجمعين. آمين..

الفقهاء تلامذة الصوفية

وكذلك من أعيان الفقهاء من جميع المذاهب تجد الفقيه بعد استكمال طلبه للعلم أو أثناء الطلب يلتمس وليا مرشدا يصقل قلبه بالإحسان. هذا الإمام السيوطي جامع علوم عصره المتبحر المتفنن الذي نازع معاصريه الزعامة وقارعهم بعناده واعتداده بنفسه يلجأ إلى المشايخ الشاذلية يتخذهم قدوة وأدلة. كتب في “حسن المحاضرة” دعواه، وهو جدير بها رحمه الله: “رزقت التبحر في سبعة علوم التفسير والحديث والفقه والنحو والمعاني والبيان والبديع على طريقة العرب والبلغاء لا على طريقة العجم وأهل الفلسفة. والذي أعتقده أن الذي وصلت إليه من هذه العلوم الستة، سوى الفقه والنقول التي اطلعت عليها منها، لم يصل إليه ولا وقف عليه شخص من الأشخاص. فضلا عمن هو دونهم.

وأما علم الحساب فهو أعسر شيء علي وأبعده عن ذهني. وإذا نظرت في مسألة تتعلق به فكأنما أحاول جبلا أحمله. وقد كملت عندي آلات الاجتهاد”.

ما بال مثل هذا الرجل المعتز بعلمه، المنفرد في عصره بالاطلاع الواسع، المؤلف المرموق، المقرب إلى “خليفة” عصره المتوكل على الله العباسي، المحسود من طرف فقهاء مصر، خاضوا ضده معارك حامية، يذهب إلى المشايخ أهل الطريق يخضع لهم ويتتلمذ ؟ ألم يكفه ما في بطون الكتب من علم غزير؟ عبرة لك يا سيدي يا أخي يا حبيبي يا من ترشد الناس لقراءة كتب الصوفية. “تأييد الحقيقة العلية وتشييد الطريقة الشاذلية”، هذا عنوان كتاب السيوطي، وهو مطبوع. فابحث عنه عله يكون آخر ورقات تبحث فيها عن التربية الإحسانية، ولن تجد فيه إلا شهادة رجل صادق خشى كما تخشى أن يكتم شهادته، (ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله، وما الله بغافل عما تعملون). (سورة البقرة، الآية: 140) تتلمذ خلق لا يكادون يحصون من الفقهاء في كل العصور للمشايخ من رجال الطريق. وتحدثوا عن مشايخهم، وقارنوا بين الفقهاء والصوفية وفاضلوا. استمع معي إلى حكم محدث بارز يقارن ويقوم، محدث تتلمذ للمشايخ الشاذلية كما تتلمذ السيوطي. إنه ابن حجر الهيثمي. قال: “فمستنبطو الفروع هم خيار سلف الأمة وعلماؤهم وعدولهم وأهل الفقه والمعرفة فيهم. فهم قوم غذوا بالتقوى وربوا بالهدى. أفنوا أعمارهم في استنباطها وتحقيقها بعد أن ميزوا صحيح الأحاديث من سقيمها وناسخها من منسوخها. فأصلوا أصولها ومهدوا فروعها. فجزاهم الله عن المسلمين خيرا وأحسن جزاءهم، كما جعلهم ورثة أنبيائه وحفاظ شرعه، ألحقنا الله بهم وجعلنا من تابعيهم بإحسان”.

ويكتب عن العارفين الصوفية: “العارفون بالله الذين وفقهم الله لأفضل الأعمال، وحفظهم من سائر المخالفات في كل الأحوال. ثم كشف لهم الغطاء فعبدوه كأنهم يرونه، واشتغلوا بمحبته عما سواه. وأطلعهم على عجائب ملكه، وغرائب حكمه، وقربهم من حضرة قدسه، وأجلسهم على بساط أنسه، وملأ قلوبهم بصفات جماله وجلاله، وجعلها مطالع أنواره، ومعادن أسراره، وخزائن معارفه، وكنوز لطائفه. وأحيى بهم الدين، ونفع بهم المريدين، وأغاث بهم العباد، وأصلح بهم البلاد”.

ثم يتحدث عن الفقهاء ليعقد المقارنة فيقول: “علماء الظاهر الذين عرفوا رسوم العلوم الكسبية، وعويصات الوقائع الفعلية والقولية، وغرائب البراهين العقلية والنقلية، حتى حفظوا سياج الشرع من أن يلم به طارق، أو يخرقه مبتدع مارق. فالأولون (أي العارفون) أفضل، وإن كان للآخرين (الفقهاء حماة الشريعة) فضل عظيم، بل ربما كانوا أفضل من حيثية لا مطلقا”.

الشهادة القولية الصادرة عن الفحول من علماء الأمة وأئمتها لها وزنها. والعبرة بالشهادة الفعلية أقوى وأبلغ. انقياد الفقهاء للمشايخ المربين، وانصياعهم لأمرهم، وتلقيهم بالتسليم والموافقة لتوجيهاتهم، ثم تعظيمهم لهم ومحبتهم إياهم واعترافهم بفضلهم تقرأ هذا في أثباتهم وفهارسهم، وفي كتب التاريخ والطبقات. فهل هي ظاهرة تدل على صبيانية رجال الإسلام أم هناك مادة نورانية لا توخذ من الكتب بل من قلوب أهل الصفاء والوفاء؟

إن من لا حرقة في نفسه إلى معرفة الله لا يبحث، وإن بحث فلمجرد الاطلاع وإرضاء الفضول.

باحث عن الحق صارم ترك لنا بمجموع تاريخه وثروة فكره وثمين مؤلفاته شهادة بليغة كانت لأجيال المسلمين منذ تسعة قرون معينا لا ينضب من الفهم والاقتداء والانتقاد والأخذ والرد أيضا. إنه حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رضي الله عنه، الجبل الراسخ الذي لا يسع المفكر ولا العالم ولا الفقيه ولا الصوفي ولا السياسي ولا الباحث عن أسرار النفس البشرية ولا المؤرخ للفكر الإسلامي والإنساني أن يمروا به مر الكرام. بعضهم يقرأ نقدا لهذه الفكرة أو تلك النظرة من نظرات الغزالي وفكره فيسد عليه النقد الهدام بأنقاضه منافذ التمييز. إن أخطأ الغزالي في جزئية فالبشر معدن الخطأ. ويكون ماذا إن انتقده فلان أو علان؟ أنت ماذا جنت يداك، ماذا فعلت بحياتك يا من يلهو بقراءة جدل الرجال؟

أبو حامد بحث واستقصى، ثم اضطر آخر الأمر لرجل يعلمه دينه. فماذا قال أبو حامد، وما يفيدني أنا ما شهد به أبو حامد في قضيتي مع ربي؟

كتاب “المنقذ من الضلال” كتاب عظيم الفائدة على صغر حجمه. لخص فيه حجة الإسلام مسيرته وحيرته وأخطاءه وسلوكه. قال: “ثم إني لما فرغت من هذه العلوم (العلوم النقلية والعقلية في عصره قتلها دراسة ونقاشا) أقبلت بهمتي على طريق الصوفية، وعلمت أن طريقتهم لا تتم إلا بعلم وعمل. وكان حاصل علمهم قطع عقبات النفس، والتنـزه عن أخلاقها المذمومة، وصفاتها الخبيثة، حتى يتوصل إلى تخلية القلب عن غير الله، وتحليته بذكر الله. (…) فلم أزل أفكر فيه مدة، وأنا بعد على مقام الاختيار أصمم العزم على الخروج من بغداد، ومفارقة تلك الأحوال يوما (الأحوال التي كان فيها هي منصبه المرموق مدرسا في “النظامية” أكبر “جامعة” في بغداد وسمعته كفقيه تشد لفتواه الرحال). قال: وأحل العزم يوما، وأقدم فيه رجلا وأؤخر عنه أخرى. لا تصدق لي رغبة في طلب الآخرة بكرة إلا وتحمل عليها جند الشهوة حملة فتفترسها عشية. فصارت شهوات الدنيا تجاذبني بسلاسلها إلى المقام، ومنادي الإيمان ينادي: الرحيل! فلم يبق من العمر إلا القليل! وبين يديك السفر الطويل! وجميع ما أنت فيه من العلم والعمل رياء وتخييل. فإن لم تستعد الآن للآخرة فمتى تستعد؟ وإن لم تقطع الآن هذه العلائق فمتى تقطع؟ فعند ذلك تنبعث الداعية، وينجزم العزم على الهروب والفرار. ثم يعود الشيطان ويقول: هذه حالة عارضة، إياك أن تطاوعها، فإنها سريعة الزوال. فإذا أعرضت عنها وتركت هذا الجاه العريض والشأن المنظوم الخالي عن التكدير والتنغيص، والأمن الصافي عن منازعة الخصوم، ربما التفتت إليه نفسك، ولا يتيسر لك المعاودة”.

ومرض الرجل مرضا شديدا، انعكس الصراع النفسي المحتدم في جوفه على جسمه فأرداه، كذلك الهمم العالية تنوء بحملها الأجسام. ويئس الأطباء فلم يبق ملجأ إلا الله الرؤوف الرحيم. وبرأ أبو حامد من أمراض جسمه ومن تردده، فأوصى لعياله، ثم غادر بغداد متخففا يبحث عن رجل من لحم ودم يدله على الله بعد أن أعياه البحث عن الحق في بطون الكتب، وزحمه هم الآخرة وهم الله.

لقي شيخا مربيا فصحبه وشاوره وائتمر بأمره. ويتحدث عن “المتبوع المقدم” (كأنه ينظر إلى قول موسى للخضر عليهما السلام: هل أتبعك) فيقول: “فمن كان لله كان الله له. حتى إنه في الوقت الذي صدقت فيه رغبتي لسلوك هذه الطريق شاورت متبوعا مقدما من الصوفية في المواظبة على تلاوة القرآن. فمنعني وقال: السبيل أن تقطع علائقك من الدنيا بالكلية، بحيث لا يلتفت قلبك إلى أهل وولد ومال ووطن وعلم وولاية. بل تصير إلى حالة يستوي عندك وجودها وعدمها، ثم تخلو بنفسك في زاوية، تقتصر من العبادة على الفرائض والرواتب، وتجلس فارغ القلب، مجموع الهم، مقبلا بذكرك على الله تعالى. وذلك في أول الأمر بأن تواظب باللسان على ذكر الله تعالى، فلا تزال تقول الله الله، مع حضور القلب وإدراكه، إلى أن تنتهي إلى حالة لو تركت تحريك اللسان لرأيت كأن الكلمة جارية على لسانك، لكثرة اعتياده. ثم تصير مواظبا عليه إلى أن ينمحي أثر اللسان، فتصادف نفسك وقلبك مواظبين على الذكر من غير حركة اللسان. ثم تواظب إلى أن لا يبقى في قلبك إلا معنى اللفظ، ولا يخطر ببالك حروف اللفظ وهيآت الكلمة، بل يبقى المعنى المجرد حاضرا في قلبك على اللزوم والدوام”.

كيف يقبل العقل أن يمنع مومن مومنا من قراءة القرآن والمواظبة على التلاوة؟ أم كيف نفهم قَبول حجة الإسلام عالم بغداد توجيها من هذا القبيل؟ أم كيف نعقل بادئ الأمر أن يسأل أمثال أبي حامد هذه المسألة: هل أواظب على التلاوة؟

إن إسلاس القياد لولي مرشد يدلك على الطريق شرط في السلوك. وما كان لولي أن يأمر إلا بحق. وما منعه من المواظبة على التلاوة إلا بغية أن يهيئه بتصفية القلب بالذكر، حين يعم قلبه الإيمان ويعقل قلبه القرآن، لمرحلة تكون فيها المواظبة على التلاوة عبادة كاملة. وهاك الدليل. روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “يا رسول الله، إني أقرأ القرآن فلا أجد قلبي يعقل عليه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن قلبك حشي الإيمان، وإن الإيمان يعطى العبد قبل القرآن”. ثم إن الذكر بالاسم المفرد أنكره ابن تيمية رحمه الله وأجمع الصوفية إجماعا على أن الذكر به من أعظم الذكر. فلا جدال.

ثم إن العبرة عندنا هنا في انصياع عالم فقيه من أعلام الملة لشيخ “متبوع مقدم”، يطيعه فيما يأمر بلا نقاش. السؤال الدائم: لماذا يضطر الفقهاء الصادقون لصحبة المشايخ؟ والجواب الدائم أنها الولاية التي لا تكسب بالدراسة والاطلاع، بل بنور يقذفه الله جل وعلا في قلوب أصفيائه، فيأتي من شاء الله له خيرا يقتبس من ذلك النور. والنفوس الصغيرة لا تقبل أن تعترف بمزية عليها لأحد، إنما يعترف بفضل أولي الفضل من كان أهلا لفضل الله الذي يوتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

ويمضي أبو حامد يطبق الإرشادات إلى أن فتح الله له كما يفتح الفتاح العليم لأحبابه. كتب رحمه الله في “المنقذ من الضلال”: “ثم دخلت الشام وأقمت بها قريبا من سنتين، لا شغل لي إلا العزلة والخلوة والرياضة والمجاهدة، اشتغالا بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق وتصفية القلب بذكر الله تعالى كما حصلته من علم الصوفية. فكنت أعتكف مدة في مسجد دمشق، أصعد منارة المسجد طول النهار، وأغلق بابها على نفسي(…)، ودمت على ذلك مقدار عشر سنين. وانكشفت لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها. والقدر الذي أذكره ينتفع به”.

ويؤدي الرجل بأمانة وصدق وبساطة شهادته أمام الله تعالى ليقرأها من بعده الصادقون. ما كان يبالي أن يعترض معترض أو يسخر ساخر. ما حاول أن يعلل ويفلسف ويعقلن تنازلا عند من يشققون الكلام. بل أفضى بذات قلبه إلينا في كلمات مباشرة ساذجة سذاجة الحق وبساطته. فمن أزرى بعقل كبير مثل عقل أبي حامد، أو اتهم سكرات القلوب المعروفة عند المجانين والمجاذيب، فما عليه إلا أن يتخطى شهادة الرجل ويطوي هذا الكتاب ويرتبه في الرف. وقد انتهى الأمر وما يغني الحديث. والسلام.

يؤدي الغزالي شهادة مجملة لأن ما انكشف له لا يمكن “استقصاؤه وإحصاؤه” فيستمر قائلا: “إني علمت يقينا أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة، وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق. بل لو جمع عقل العقلاء وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء، ليغيروا شيئا من سيرهم وأخلاقهم ويبدلوه بما هو خير منه لم يجدوا إلى ذلك سبيلا. فإن جميع حركاتهم وسكناتهم، في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به”.

نعم يا ولي الله، ما وراء نور النبوة نور يستضاء به، ولا فوق النموذج الأول نموذج يعلو. رحم الله زمر الصالحين من الصوفية والمحدثين والعلماء العاملين. أووا إلى الزوايا والمدارس والعزلة والصمت والمجاهدة والسهر والعبادة والذكر. وبقي عليهم أمر عظيم لم يتخلوا عنه استغناء عنه، إذ لا يعوضه في مراتب الإحسان شيء. بقي عليهم الجهاد في الأرض ليحكم دين الله الأرض. عاشوا، الأحباء، في عهود كان قدر الله فيها على الأمة أن يحكم النظام العاض والجبري. وفي حاضر الأمة ومستقبلها لن نلتفت إن شاء الله إلى ما تحت الصحابة رضي الله عنهم الذين جمعوا أطراف الإحسان وأقطار المجد الدنيوي والأخروي من كل جانب. كانت فاعليتهم في ميادين الجهاد ضمان بقاء الدين واستمراره حتى اغترف الصوفية من ينبوع كان للصحابة رضي الله عنهم فضل تلقيه وصيانته والذود عنه والجلاد من دونه بالمال والسيف، وفضل نشره وتبليغ دعوته، وفضل قتال الكفر حتى باد الكفر، وفضل نصرة الحق حتى ظهر الحق. أهل الكمال حقا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق وعمر الفاروق وعثمان ذو النورين وعلي الإمام، ثم أهل بدر وبيعة العقبة وبيعة الرضوان وسائر مشاهد الإسلام.

يوتي الله عز وجل فضله من يشاء كما يشاء. وقد آتى سادتنا الصوفية خيرا كثيرا. لكن أساليب العزلة وتربية الصمت والمجاهدة المنفردة في زماننا نكوص وبيت المقدس محتل، والأمة نهب مقسم، وجودها المعنوي مهدد، ورسالتها منكرة في عقر دارها. لسنا ممن يكيل للغزالي اتهامات كما يفعل فلاسفة الجامعات من بني جلدتنا. قضى الله وما شاء فعل، والتكليف علينا وحده هو المعتبر. تكليف الشرع أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونجاهد في الله حق جهاده حتى تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى.

مطلب شريف ومطمح منيف أن تحدث نفسك بأن تلحق بالصالحين وتكون من أولياء الله. ثم أن تصارع نوازع النفس والهوى ونزغات الشيطان وتتجرد للعمل وتشمر وتهجر كل ما سوى الله عز وجل. تلك طريق سلكها ذوو الهمم الرفيعة من الرجال أمثال أبي حامد، تعطرت بأنفاسهم الأزمان. لم يكن الدين غريبا في أزمنتهم، بل كانوا ساكنين تحت مطارق الأقدار الإلهية التي حكمت بأن يعيش المسلمون في ظل ملك عاض وجبري إلى أن يرفع الله جل جلاله تلك الحوبة التاريخية. الآن عاد الدين غريبا كما بدأ، فطوبى لغرباء أزمنتنا إن شمروا للالتحاق بركب الأخيار على متن الجادة الجهادية التي سلكها الصحابة في غربة الإسلام الأولى، حتى نصروا الدين وأقاموا للإسلام دولة وصرحا شامخا. تلك الجادة أوسع وأبعد منالا وأوفر نورانية لأنها جمعت بين الجهاد لتحقيق مطالب الأمة وبين المجاهدة لتحقيق المطلب الإحساني الفردي.

في ظروف الغزالي وحدوده بالزمان والمكان والمطلب تجرد الغزالي لطلب “علم الآخرة” بعد تحصيل علوم الفقه وبعد جدال الفلاسفة ونيل الأوطار الدنيوية. “وتزيا بزي الصالحين، وقصر الأمل، ووقف الأوقات على هداية الخلق ودعائهم إلى ما يعنيهم من أمر الآخرة وتبغيض الدنيا والاشتغال بها على السالكين والاستعداد للرحيل إلى الدار الباقية والانقياد لكل من يتوسم فيه أو يشم منه رائحة المعرفة أو التيقظ بشيء من أنوار المشاهدة”.1

إعراض عن الدنيا وإقبال على الله عز وجل وانقياد لأهل الخير. “وتفكر في العاقبة وما يجدي وما ينفع في الآخرة. فابتدأ بصحبة الفارمدي، وأخذ منه استفتاح الطريقة، وامتثل ما كان يشير به عليه من القيام بوظائف العبادات والإمعان في النوافل واستدامة الأذكار والجد والاجتهاد طلبا للنجاة، إلى أن جاز تلك العقبات”.2

من عظماء الإسلام كثير لجأوا مثل الغزالي، قبله وبعده، إلى مربين يساعدونهم على جواز العقبات. لا تكاد تحصي الأمثلة للعلماء الذين ارتموا في أحضان العارفين تعج بذكرهم كتب التاريخ وطبقات المذاهب.

من أجلهم سلطان العلماء شيخ الإسلام والمسلمين إمام عصره بلا مدافعة، الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر الذي كان في عصره ملاذ الأمة وحاميها من الحكام الظلمة. إنه عز الدين بن عبد السلام الصائل بعلمه في المجالس، الصائل بشجاعته في الحق، يهجم بكلمة الزجر والتأنيب على دواوين الحكام. مواقفه تشرف كل منتسب للعلم في كل زمان.

كان رحمه الله أعبد الخلق وأتقاهم. حكى عنه ابن دقيق العيد، أحد الأكابر علما وتقى، أنه: “لبس خرقة التصوف من الشيخ شهاب الدين السهروردي وأخذ عنه”. وذكر أيضا أنه: “كان يقرأ بين يديه رسالة القشيري فحضره مرة الشيخ أبو العباس المرسي لما قدم من الإسكندرية إلى القاهرة، فقال له الشيخ عز الدين: تكلم عن هذا الفصل. فأخذ المرسي يتكلم والشيخ عز الدين يزحف في الحلقة ويقول: اسمعوا هذا الكلام الذي هو حديث العهد بربه”. قال السبكي: “وقد كانت للشيخ عز الدين اليد الطولى في التصوف، وتصانيفه قاضية بذلك”.

قال عز الدين سلطان العلماء: “أما تفضيل العارفين بالله على العارفين بأحكام الشرع فقول الأستاذ (القشيري) وأبي حامد (الغزالي) فيه متفق. ولا يشك عاقل أن العارفين بما يجب لله من أوصاف الجلال ونعوت الكمال وبما يستحيل عليه من العيب والنقصان أفضل من العارفين بالأحكام. بل العارفون بالله أفضل من أهل الفروع والأصول. لأن العلم يشرف بشرف المعلوم وبثمراته. فالعلم بالله وصفاته أشرف من العلم بكل معلوم من جهة أن متعلقه أشرف المعلومات وأكملها، ولأن ثماره أفضل الثمرات” (تأييد الحقيقة العلية ص 23).

هل كان فطاحلة علمائنا بهاليل مجانين حتى يزحفوا في الحلقة إعجابا بكلام العارفين وهم كانت ترتعد خوفا منهم فرائص الجبارين في الأرض؟ أم أنهم لم يجدوا في كتب الرقائق والوعظ ما يروي الغلة حتى ينقادوا للمشايخ ويتتلمذوا بأدب؟

هذه نصيحة من أحد كبار فقهائنا عسى أن يقرأها من يوصون ب “التصوف السني” الذي تحتويه بطون الكتب التي تكفي قراءتها والتضلع منها. قال القسطلاني صاحب المؤلفات المشهورة: “وإن كان مرادك أن تصير بقراءتها (أي كتب القوم) صوفيا محققا فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو قرأت من هذه الكتب عدد رمل عالج في مدة عمر نوح لم تصر صوفيا حتى يلج الجمل في سم الخياط. إنما التصوف الدؤوب في الطاعات، وترك المخالفات، وفطم النفس عن المألوفات، وعدم التطلع إلى ما في أيدي الناس من الأموال المباحات فضلا عن الشبهات، وترك التوسل بالخلق، والاعتماد على الله في كل الحالات”.

يفتي القسطلاني بحرمة قراءة الكتب المشتملة على العبارات الغامضة والشطحات. وينصح بعدم تضييع الوقت في طلب علم القوم، لأن العلم بلا عمل بطالة. وكانت سعادته بلقاء الشيخ شهاب الدين السهروردي، وهو ابن أخ الشيخ أبي النجيب السهروردي الأشهر، لبس منه خرقة التصوف.

وكان تقي الدين بن دقيق العيد شيخا إماما زاهدا محدثا حافظا ورعا فقيها بلغ درجة الاجتهاد المطلق. قال السبكي : “ولم ندرك أحدا من مشايخنا يختلف في أن ابن دقيق العيد هو العالم المبعوث على رأس السبعمائة المشار إليه في الحديث المصطفوي النبوي صلى الله عليه وسلم، وأنه أستاذ زمانه علما ودينا”. هذا الإمام الأوحد في قرنه سلك طريق القوم على يد الشيخ الصالح كمال الدين بن عبد الظاهر الهاشمي. وكانت له كرامات كثيرة.

نختم حديثنا عن الفقهاء الصوفية، وقد اقتصرنا على الأشهرين من الشافعية، بذكر التقي السبكي أحد أعلام الأمة الذي كان يدعى بالشافعي الثاني، وناهيك بالتشبيه.

تصدى التقي السبكي، والد مؤلف الطبقات، لمسائل شيخ الإسلام ابن تيمية وعارضه في اجتهاداته الشاذة عن الإجماع في موضوع زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وفي قضية الطلاق المعلق وغيرها. كانت اضطرابات ابن تيمية رحمه الله وسجنه وما لحقه ولحق أصحابه من أذى نتيجة لما يسمى “مسائل” ابن تيمية. وهي بضع وستون مسألة في أصول الدين وقضايا الفقه خالف فيها علماء عصره. لم يكن الفارس الحنبلي في زمانه وتفرده بآرائه وحدته المرجع المطلق كما هو الشأن في هذه الأزمان التي فتحت فيها أبواب الخزائن لتنشر كتبه من دون كتب خصومه.

يقول الحافظ الذهبي الناقد اللاذع عن شيخه التقي السبكي في كتابه “المعجم المختصر” كما نقل عنه عبد الوهاب السبكي في الطبقات: “القاضي الإمام العلامة الفقيه المحدث الحافظ فخر العلماء تقي الدين أبو الحسن(…) وكان صادقا ثبتا خيرا دينا متواضعا حسن السمت من أوعية العلم. يدري الفقه ويقرره، وعلم الحديث ويحرره، والأصول ويقررها والعربية ويحققها(…) وقد بقي في زمانه الملحوظ إليه بالتحقيق”.5 شهادة إنصاف.

كان “ملحوظ زمانه” هذا ومحققه كلفا بالصالحين ومعاشرتهم، كثير العبادة والذكر، مستجاب الدعوة، ظاهر الكرامات. “وكان كثير التعظيم للصوفية والمحبة لهم. ويقول: طريق الصوفي إذا صحت هي طريق الرشاد التي كان السلف عليها”.6

يعظمه الذهبي ويقول: “ما صعد هذا المنبر بعد ابن عبد السلام أعظم منه”.7 قال عبد الوهاب السبكي: “وصح من طرق شتى عن الشيخ تقي الدين ابن تيمية أنه كان لا يعظم أحدا من أهل العصر كتعظيمه له، وأنه كان كثير الثناء على تصنيفه في الرد عليه”.8 رحمهم الله جميعا وإيانا وعفا، إنه العفو الغفور.

بين التشدد والاعتدال

وللتقي السبكي إمام عصره شيخ آخر شاذلي. فمن هم هؤلاء العارفون الذين تخضع لهم هامات رفعها العلم وزانتها التقوى وأحاطتها هالة الاحترام؟ هل كان مشايخ التربية أهلا لذلك التقدير العظيم الذي نالوه من خاصة العلماء وأفذاذهم كما نالوه من العامة؟ هل كانوا من الأخيار الصالحين بدرجة يجمع على الشهادة بها كل ملاحظ، أم هي كتب “المناقب” والمذاهب تحابي وتداهن؟

ينقل الإمام الشوكاني “خاتمة المحققين” عن المؤرخ الناقد الشديد الذهبي ترجمة واحد من مشايخ المدرسة الشاذلية، أحد أساطينها، ما يلي: “كانت له خلال عجيبة ووقع في النفوس ومشاركة في الفضائل. ورأيت الشيخ تاج الدين الفارقي لما رجع من مصر معظما لوعظه وإشارته. وكان يتكلم بالجامع الأزهر يمزج كلام القوم بآثار عن السلف وفنون من العلم. فكثر أتباعه. وكان عليه سيماء الخير. ويقال إن ثلاثة قصدوا مجلسه فقال أحدهم: لو سلمت من العائلة لتجردت. وقال الآخر: أنا أصلي وأصوم ولا أجد من الصلاح ذرة. فقال الثالث: إن صلاتي ما ترضيني فكيف ترضي ربي. فلما حضروا مجلسه قال في أثناء كلامه: ومن الناس من يقول، فأعاد كلامهم بعينه. ومن جملة من أخذ عنه الشيخ تقي الدين السبكي. وهو صاحب الحكم المشهورة الآن بحكم ابن عطاء الله التي يلهج كثير من متصوفة زماننا بحفظ كلمات منها”.

هذا الشيخ الذي أشاد به المحدث الناقد الذهبي ونقل شهادته الشوكاني الفقيه الجامع المجتهد هو السيد أحمد المعروف بابن عطاء الله السكندري تلميذ الشيخ أبي العباس المرسي تلميذ الشيخ أبي الحسن الشاذلي مؤسس الطريقة الشاذلية. “وكان المتكلم على لسان الصوفية في زمانه وهو ممن قام على الشيخ تقي الدين ابن تيمية”.

كان هذا المربي الكبير مالكي المذهب، تلميذه تقي الدين السبكي شافعي بارز حاز لقب “الشافعي الثاني” من معاصريه، أمامهما الحنبلي الثائر تقي الدين ابن تيمية، خاصماه وجادلاه. فما منع ذلك الخصام شيخ الإسلام الحنبلي من إنصاف خصمه السبكي كما رأينا في الفقرة السابقة. وما منع الذهبي تحزبه الشديد الذي عرف به من إنصاف السبكي وشيخه الشاذلي كما رأينا.

يأتي في زماننا مقلدون امتلأت أردانهم رعونة ونزقا فيتبنون تلك الخصومات ويتشددون ويلعنون فيعيدون إشعال نيران الفتنة بعد أن خمدت، يبعثونها من طي الكتب الراقدة التي كان من حقها أن تخلد إلى الراحة بعد أن أتعب الأمة وأوهاها ما سجلته من صدام تاريخي مؤلم.

إن من أحوج ما نحتاج إليه بسط صفحة من التسامح والرحمة والاعتدال وضبط النفس. كان الصوفية ولا يزالون، أعني الصادقين لا المنتحلين للاسم والسمعة، أصحاب قلوب حشوها المحبة والرفق والرحمة بالخلق كافة. ولئن اصطدم بهم بعض الفقهاء والمحدثين الذين من شأنهم التعامل مع النصوص بدقة العقل القانوني والتعامل مع الناس بميزان الجرح والتعديل الباني الهادم فإن صدق الفريقين يرجع آخر الأمر إلى الإنصاف، والاعتدال، والاعتراف، والرجوع إلى الحق. مثال هذا الاعتدال والمراجعة نفتقده في زماننا، فلا نجد إلا التعنت والتصلب والرفض لكل حوار. لذا نستعرض تاريخ الرجال من سلفنا الصالحين لنستلهم الرفق كفاء لجهود غيرنا ممن ينفخ في رماد الفتنة ليوري الشرار.

كثيرا ما قرأنا عبارات “أخذ عنه” أو “تلقى عنه”، فيا عجبا أي شيء يتلقاه أئمة الدين حماة الشريعة من أساتذتهم الصوفية؟ أفي الأمر أسرار كهنوتية أم أن الأمة أجمعت على ضلال حين اتبعت فقهاء في أغلبهم يتصوفون، واقتدت بصوفية تتلقى عنهم وتأخذ شيئا زائدا عن العلم والفتوى والإرشاد؟ إن في هذا ما يحير من كان خالي الفؤاد من هم الآخرة وهم الله، ويشل حركته، ويرتد به إلى السلبية والعدمية والشك. ألا يكفي يا فقهاء ما جمعتموه من علوم حتى تلتمسوا من قوم ليس لهم أحيانا سماع ولا رواية ولا أصول مضبوطة محفوظة؟ ماذا تتلقون مما لا تجدونه في كتاب الله وسنة رسوله؟ أثم شيء زاده الصوفية في الدين، أم هو وحي بعد الوحي أم أن الدين الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بحاجة إلى من يكمله؟

أسئلة إنكار وجدال تبقى صماء لا تصيخ لجواب في فم الغاضب لنفسه، وقد يوهمه جهله أنه يغضب لله. أما من كان في قلبه حرقة، وكان من ذوي الأفق الواسع، استكشف رحاب العلم وجوانب الاطلاع، فانتهى مثل الغزالي إلى أن علمه المكتسب ما زاده إلا تخبطا في الدنيا وهوسها بعيدا عن علم الآخرة بعيدا عن معرفة ربه، فذاك يطلب العلم لا يمل، ويتعرض كما تعرض موسى عليه السلام لمن يعلمه علما، يتبعه على ذلك ويطيعه ويصبر معه.

أو كمثل مجتهد القرنين الثاني عشر والثالث عشر الشوكاني الذي يحظى عند السادة السلفية والحنابلة بالقبول التام وتحظى كتبه بالتقدير الكامل. هذا الرجل مثال للاعتدال والإنصاف، نعرض نصوصا له لمن يعرف الحق بالرجال ولا يعرف الرجال بالحق لبعده عن الحق.

الشوكاني أيضا أخذ وتلقى عن شيخ صوفي، هو أيضا تتلمذ وقعد بين يدي مرب ماهر في طب القلوب. أتدري يا أخي ماذا تلقى ؟ إنه تلقى دواء كما تلقى غيره ممن قرأت وممن لم تقرأ. فإن كنت مطمئنا إلى إيمانك وسلامة قلبك أكثر من اطمئنان من سردت عليك من الفحول فلا عليك أن ترضى بحالك وأن تقعد فأنت الطاعم الكاسي.

تحدث الشوكاني في كتابه “البدر الطالع” عن شيخه في طريق القوم السيد عبد الوهاب الحسني الموصلي. قال: “وقدم علينا إلى صنعاء في سنة 1234. وكثر اتصاله بي. وهو جامع بين علم الأديان والأبدان، جيد الفهم فصيح اللسان، حسن العبارة، حسن الإشارة”.

قال: “وقد تلقيت منه الذكر على الطريقة النقشبندية”.

يعتبر السادة السلفيون من أهل الحديث وغيرهم ممن يقلدون الاتجاه المتشدد عفا الله عنا وعنهم أن الشوكاني واحد منهم، ويحتفلون بكتبه أيما احتفال. والرجل سليم من الغلو الذي وقع فيه الوهابية الذين فسروا ابن تيمية تفسيرهم الخاص. نجد عند الشوكاني فتوى توصي بالاعتدال والكف عن تكفير المسلمين، أبى إلا أن ينظمها أبياتا ليسهل حفظها وتناقلها وسيرها في الآفاق كما كان أسلافنا رضي الله عنهم يفعلون بالمتون المهمة. قال رحمه الله:

نرد إلى الكتاب إذا اختلفنـا *** مقالتنا وليس لذا جحـود

مضى خـير القرون ومن تلته *** ولا قيـل ولا قـال ولود

لهم من حـلة الإنصاف حلي *** ولبس للهدى لهم بـرود

ومـا قالـوا بتكفير لقـوم *** لهم بدع على الإسلام سود

وما قالـوا بأن الرفض كفر *** وبـدعه تشق لـه الجلود

فكيف يقال قد كفرت أناس *** يرى لقبورهم حجر وعود

فـإن قالوا أتى أمر صحيح *** بتسـوية القبور فلا جحود

ولكن ذاك ذنب ليس كفرا *** ولا فسقا فهل في ذا ردود؟

وإلا كان من يعصي بذنب *** كفورا، إن ذا قـول شرود

ولي في ذا كتاب قمت فيه *** مقامـا ليس ينكره الحسود

وقد سارت به الركبان شرقا *** وغـربا لم ترد فيه ردود

كان الشوكاني إماما مستقلا باجتهاده، يؤلف، كما قرأنا، كتابا في الدعوة للاعتدال، ويشجب المذاهب المتشددة ويقول: “فإن صاحب نجد (سعود) وجميع أتباعه يعملون بما تعلموه من محمد بن عبد الوهاب، وكان حنبليا، ثم طلب الحديث بالمدينة المشرفة. فعاد إلى نجد وصار يعمل باجتهادات جماعة من متأخري الحنابلة كابن تيمية وابن القيم وأضرابهما، وهما من أشد الناس على معتقدات الأموات”.

إن كان عند ابن تيمية وابن القيم تشدد فقد كان لتشددهما حدود، لم يبلغ بهما التمسك بالأحوط أن يتجاوزا الصحابة رضي الله عنهم، وهم أكثر الناس ورعا وحيطة في الدين ولم يكن الصحابة رضي الله عنهم يقذفون الناس بما يقذف به المكفرون المقلدون، وحاشاهم. ها هو الإمام علي كرم الله وجهه يخرج عليه الخوارج ويكفرونه في قضية التحكيم، ويهددون وحدة الأمة في زمن الفتنة والانشقاق تهديدا خطيرا. ما أهون بدعة تشييد الأضرحة أمام بدعتهم التي تنشق لها الجلود كما تنشق لبدعة الرفض. ومع ذلك فلم يكفرهم رضي الله عنه بل قال عنهم: “من الكفر فروا”. وبعث إليهم عبد الله بن عباس رضي الله عنه ليحاورهم بلطف. وعندما رفعوا شعار المروق وقالوا: “لاحكم إلا لله”، أصدر الخليفة الرابع رضي الله عنه أمره الحكيم ووصيته العادلة قائلا: “كلمة حق أريد بها باطل، لا تقتلوا الخوارج بعدي، فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأصابه”. هكذا التمس لهم رضي الله عنه العذر.

وشيخ الإسلام ابن تيمية مهما كانت حدته رجل صادق في اقتفائه أثر السلف الصالح. أحيانا يلج في الخصام ويبين أثناء حمية الجدل فيتلقف المقلدة تلك اللحظة العابرة في تفكير الرجل ليتخذوها سندا لتزمتهم وعنفهم. أما في سائر كتاباته فرجوعه إلى السنة الصحيحة وإلى عمل الصحابة يدله على الاعتدال والتريث والتثبيت. قال رحمه الله: “ومازال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل (مسائل الخلاف في العقيدة، فكلامه هذا جاء في نقاشه لخلاف الأشاعرة والحنابلة) ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر ولا بفسق ولا معصية”.1 وقال: “مع أني دائما ومن جالسني يعلم ذلك مني: إني من أعظم الناس نهيا أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية. إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرا تارة وفاسقا أخرى وعاصيا أخرى. وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية”.2

وكما تحدث الشوكاني في منظومته عن الرافضة، وهم الذين يسبون الصحابة قاتلهم الله، فلم ينسبهم للكفر مع أن بدعتهم من أشد البدع سوادا ولؤما، فإن ابن تيمية سبقه إلى موقف الاعتدال منهم، مع أنه في عامة كتبه صب عليهم وابلا من غضبه فعدوه ناصبيا. والنواصب خذلهم الله هم من يكرهون آل البيت عليهم السلام. قال: “فالرافضة لما كانت تسب الصحابة صار العلماء يأمرون بعقوبة من يسب الصحابة”.3

أكتب هذا والحملة على الشيعة وثورتهم في إيران شعواء ماحقة. تصدر فتاوي مأجورة مأزورة بتكفير الشيعة كافة، لايتقي الله في الأمة من يلفقون الأحكام. إن كان في إيران روافض، والرفض منتشر هناك بالتأكيد، فهم عقول ونفوس مريضة بداء الكراهية الوبيل. غاية القاضي أن يعاقبهم كما كان يفعل العلماء. وذلك لا يتأتى إلا لو كانت الأمة موحدة والقضاء إسلاميا والعزة في الأرض لله ولرسوله وللمومنين. وإن كان الثوار الإيرانيون سجنوا علماء السنة واضطهدوا السنيين وهمشوهم فالهيجان الثوري كان ولا يزال في كل زمان ومكان يخيل للثوار أنهم قادرون على تبديل الأرض غير الأرض والسماء غير السماء. والواقع المستعصي على الإرادات الثورية يعطي الاتجاه الثوري العنيف إما حكمة ورجوعا إلى الحلول المعقولة إن وجدت في الواقع المقابل تفهما، وإما انحرافا خطيرا إن خيبت التجربة الثورية الآمال ودفع بها اليأس من تطرف إلى تطرف.

حمل إخواننا الشيعة ألمين ممضين منذ قرون، ألم الحزن على فوات الخلافة من يعتبرونهم أئمة وارثين شرعيين، قمة الحزن مأساة قتل الحسين رضي الله عنه. ثم ألم الخضوع للحكم الجبري الذي كان الشاه المقبور من أعتى نماذجه. فلما أذن الله بتحرر القطر الإسلامي إيران من داء الحكم الفاسد اشتعل حماس المسلمين في أرجاء الأرض استبشارا. ثم أخذت الأخطاء الجسام تتراكم فانفعل من انفعل، وغضب من غضب، وأفتى من أفتى.

إننا ونحن نتحدث عن سرطان الرفض في معرض البحث عن مواقف التثبت والاعتدال نعالج مرضا واحدا، هو مرض الهيجان العاطفي الذي فتك بوحدة الأمة ولا يزال يفتك. كفروا الشيعة جميعا لأن من بينهم روافض، وكفروا الصوفية جميعا لأن بعض الزنادقة لبسوا الزي وتحلوا باللقب. في الماضي كانت التكفيرات تتناول الأفراد أو الطوائف والكل داخل الوحدة الإسلامية قبل أن تكرس القطرية الفرقة وتحجرها. أما اليوم فوقع التكفير والطرد من حظيرة الإسلام أبلغ أثرا وأعمق وأبشع لأن تكفير قطعة من جسم الأمة الممزقة بغير حق يزيد التمزيق استفحالا. فإذا كانت هذه القطعة من الأمة ثورة هائجة، وكان تصديها، الرائع بكل ميزان، لقوى الاستكبار العالمي يجد صدى سلبيا من علماء السنة، بل وقوفا ضد الثورة الإسلامية، وتكفيرا لقيادتها، فرعونة الفقيه أو الكاتب الذي يملي ويخط آراءه في كرسيه الآمن، يكفر ويلعن ويستبيح الحرم، جريمة نكراء. إن مستقبل الأمة في خطر داه بما تجنيه أيد غير مسؤولة. وإن المرض العضال الذي لاتزال الأقطار السنية تعاني منه، وهو مرض الحكم الجبري الجائر، لاتزيده الفتاوي الطائشة ضد إيران والشيعة إلا ترسيخا. داء إخواننا الشيعة سرطان الرفض في بعض الأفراد وفي بطون الكتب والأخطاء الفادحة التي لاتخلو منها أية ثورة. فهل يجوز ياقوم أن نحكم بجرة قلم إرضاء للنزوات أو للحكام بفتاوي بئيسة يلتحم بها الرفض الموروث بالأخطاء الثورية التحاما أبديا ليولد مخلوق بشع وليخلد في ديار السنة حكم الظلمة المارقين؟

مراجعة وتوبة

صاحبنا الإمام الشوكاني نشأ زيديا شيعيا، ثم توسعت مداركه حتى بلغ درجة الاجتهاد. ونجده في كتاب “نيل الأوطار”، وهو شرح لكتاب “منتقى الأخبار” لابن تيمية الجد، يمشي مع التشدد في مسألة التمسح بالأضرحة والحلف بغير الله، ويندد “بالكفر الفظيع والمنكر الشنيع” و”الشرك المبين”. ويستعدي العلماء والحكام قائلا: “فيا علماء الدين، ويا ملوك المسلمين، أي رزء للإسلام أشد من الكفر، وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله، وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة، وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك المبين؟”.

هذا الرجل المعتدل الذي قرأنا فتواه المنظومة في الفقرة السابقة الداعية إلى الرفق خاض معارك من جملتها معركته مع الروافض. لنستمع إليه يقص قصتها فهي مليئة بالعبر. قال رحمه الله: “ولما ألفت الرسالة التي سميتها “إرشاد الغبي إلى مذهب أهل البيت في صحب النبي” ونقلت إجماعهم من ثلاث عشرة طريقة على عدم ذكر الصحابة بسب أو ما يقاربه، وقعت هذه الرسالة بأيدي جماعة من الرافضة الذين بصنعاء المخالفين لمذاهب أهل البيت، فجالوا وصالوا وتعصبوا وتحزبوا وأجابوا بأجوبة ليس فيها إلا محض السباب والمشاتمة (…). وكل من عنده أدنى معرفة يعلم أني لم أذكر فيها إلا مجرد الذب عن أعراض الصحابة الذين هم خير القرون، مقتصرا على نصوص الأئمة من أهل البيت، ليكون ذلك أوقع في نفوس من يكذب عليهم وينسب إلى مذاهبهم ما هم منه برآء. ولكن كان أهل العلم يخافون على أنفسهم ويحمون أعراضهم، فيسكتون عن العامة. وكثير منهم كان يصوبهم مداراة لهم. وهذه الدسيسة هي الموجبة لاضطهاد علماء اليمن وتسلط العامة عليهم وخمول ذكرهم وسقوط مراتبهم، لأنهم يكتمون الحق. فإذا تكلم واحد منهم وثارت عليه العامة صانعوهم وداهنوهم وأوهموهم أنهم على الصواب. فيتجرأون بهذه الذريعة على وضع مقادير العلماء وهضم شأنهم. ولو تكلموا بالصواب أو نصروا من يتكلم به أو عرفوا العامة إذا سألوهم الحق وزجروهم عن الاشتغال بما ليس من شأنهم لكانوا يدا واحدة على الحق، ولم يستطع العامة ومن يلتحق بهم من جهلة المتفقهة إثارة شيء من الفتن. فإنا لله وإنا إليه راجعون”.

حكمة جليلة يضع الشوكاني أصبعنا عليها. حكمة عملية سياسية اجتماعية. وهي سقوط القيادات في قبضة الجماهير بتعبير عصري. في المجتمع الشيعي يعيش الناس إسلامهم على نمط خاص: عاطفة فوارة وذاكرة تتأجج بمآسي الفتنة الكبرى ومقتل الحسين رضي الله عنه. الجماهير تنوح وتحزن وتسب وتلعن، والعلماء يخشون ثورة العامة فيصانعون ويداهنون ويسكتون. تماما كما يصانع علماء السنة الحكام ويداهنون ويسكتون مخافة بطش السلطان.

فإذا نقلنا تحليل الشوكاني، وهو الخبير بالمجتمع الشيعي، إلى عصر الثورة الإيرانية، وحسبنا الفرق بين الزيدية المعتدلين وبين الإمامية الأكثر صلابة ظهرت لنا أبعاد القضية كلها. المسلمون الشيعة في قبضة حركية تولدت من الانكسار التاريخي، وقويت واشتدت وتأزمت حتى انفجرت اليوم في وجه العالم. العامة ثائرة، والقادة لا يملكون الزمام. والمسلمون السنة في قبضة حركية تاريخية السلطان فيها هو المحرك والعامة لا تملك من أمرها شيئا، من ضمن العامة العلماء.

عاش الشوكاني معركة من موقع مريح. كان القاضي العام في اليمن تحوطه رعاية الإمام الحاكم. هدوء حياته كان لا شك عاملا مهما في صياغة شخصية كانت صاخبة متطرفة في شبابها، ثم ترزنت وتثبتت لتعطينا المفتي الرفيق. يتهمه بعضهم بأنه كان تيميا وهابيا، أي مقلدا جامدا. والحقيقة أن الرجل حر في رأيه، حر في بحثه، حر في اجتهاده. ففي مسألة من “مسائل ابن تيمية” وهي مسألة التوسل نراه يسلك مسلكا واسعا لينا. في كتابه “قطر الولي على حديث الولي” يذكر مناقب الإمام البخاري رحمه الله ويثني ويقول: “وجعل الله سبحانه كتابه (كتاب البخاري) هذا أرفع مجاميع كتب السنة المطهرة وأعلاها وأكرمها عند جميع الطوائف الإسلامية، وأجلها عند كل أهل هذه الملة. وصاروا في جميع الديار إذا دهمهم عدو أو أصيبوا بجدب يفزعون إلى قراءته في المساجد والتوسل إلى الله بالعكوف على قراءته لما جربوه قرنا بعد قرن وعصرا بعد عصر من حصول النصر والظفر على الأعداء بالتوسل به، واستجلاب غيث السماء، واستدفاع كل الشرور بذلك وصار هذا لديهم من أعظم الوسائل إلى الله سبحانه. وهذه مزية عظيمة ومنقبة كبيرة”.

توسع ورجوع وتجربة. وكذلك رجع الشوكاني عن تكفير المسلمين وأعلن توبته في صفحة مشرقة نقدمها هدية لكل عاقل لبيب من أهل الإيمان. كان أحدهم استفتاه في جماعة من الصوفية نظما، فأجابه نظما بتكفير الجميع. وأورد القصيدة بتمامها في كتابه البدر الطالع ليشطب عليها ويلغيها ويتوب مما احتوته. قال: “وقد أوضحت في تلك الرسالة (رسالة منه أصحبها فتواه المنظومة) حال كل واحد من هؤلاء، وأوردت نصوص كتبهم، وبينت أقوال العلماء في شأنهم”. قال: “وكان تحرير هذا الجواب في عنفوان الشباب. وأنا الآن أتوقف في حال هؤلاء، وأتبرأ من كل ما كان من أقوالهم وأفعالهم مخالفا لهذه الشريعة البيضاء الواضحة التي ليلها كنهارها”. هكذا رجع من التورط في التعيين إلى التعميم الأسلم. قال: “ولم يتعبدني الله بتكفير من كان في ظاهر أمره من أهل الإسلام. وهب أن المراد بما في كتبهم وما نقل عنهم من الكلمات المستنكرة المعنى الظاهر والمدلول العربي، وأنه قاض على قائله بالكفر البواح والضلال الصراح، فمن أين لنا أن قائله لم يتب عنه؟ ونحن لو كنا في عصره بل في مصره، بل في منزله الذي يعالج فيه سكرات الموت لم يكن لنا إلى القطع بعدم التوبة سبيل، لأنها تقع من العبد بمجرد عقد القلب ما لم يغرغر بالموت. فكيف وبيننا وبينهم من السنين عدة مئين، (…) وفي ذنوبنا التي أثقلت ظهورنا لقلوبنا أعظم شغلة. وطوبى لمن شغلته عيوبه. ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. فالراحلة التي قد حملت ما لا تكاد تنوء به إذا وضع عليها زيادة عليه انقطع ظهرها وقعدت على الطريق قبل وصول المنزل. وبلا شك إن التوثب على ثلب أعراض المشكوك في إسلامهم، فضلا عن المقطوع بإسلامهم، جراءة غير محمودة. فربما كذب الظن، وبطل الحديث، وتقشعت سحائب الشكوك، وتجلت ظلمات الظنون، وطاحت الدقائق، وحقت الحقائق. وإن يوما يفر المرء من أبيه، ويشح بما معه من الحسنات على أحبابه وذويه، لحقيق بأن يحافظ فيه على الحسنات، ولا يدعها يوم القيامة نهبا بين قوم قد صاروا تحت أطباق الثرى قبل أن يخرج إلى هذا العالم بدهور. وهو غير محمود على ذلك ولا مأجور. فهذا ما لا يفعله بنفسه العاقل. وأشد من ذلك أن ينثر جراب طاعاته، وينثل كنانة حسناته على أعدائه غير مشكور بل مقهور. وهكذا يفعل عند الحضور للحسنات بين يدي الجبار بالمغتابين والنمامين والهمازين اللمازين، فإنه قد علم بالضرورة الدينية أن مظلمة العرض كمظلمة المال والدم، ومجرد التفاوت في مقدار المظلمة لا يوجب عدم إنصاف ذلك الشيء المتفاوت أو بعضه بكونه مظلمة. فكل واحدة من هذه الثلاث مظلمة لآدمي، وكل مظلمة لآدمي لا تسقط إلا بعفوه. وما لم يعف عنه باق على فاعله حتى يوافي عرصات القيامة”.

ثم يقول رحمه الله مخاطبا العقلاء الأشحاء على دينهم، المشفقين من لقاء ربهم، مناشدا عندهم خشية الموقف الرهيب الذي لا ريب فيه: “فقل لي كيف يرجو من ظلم ميتا بثلب عرضه أن يعفو عنه؟ ومن ذاك الذي يعفو في هذا الموقف وهو أحوج ما كان إلى ما يقيه عن النار؟ وإذا التبس عليك هذا فانظر ما تجده من الطباع البشرية في هذه الدار، فإنه لو ألقي الواحد من هذا النوع الإنساني إلى نار من نيران هذه الدنيا وأمكنه أن يتقيها بأبيه أو أمه أو بابنه أو بحبيبه لفعل. فكيف بنار الآخرة التي ليست نار هذه الدنيا بالنسبة إليها شيئا. ومن هذه الحيثية قال بعض من نظر بعين الحقيقة: لو كنت مغتابا أحدا لاغتبت أبي وأمي، لأنهما أحق بحسناتي التي توخذ مني قسرا. وما أحسن هذا الكلام !”.

قال رحمه الله: “ولا ريب أن أشد أنواع الغيبة وأضرها وأشرها وأكثرها بلاء وعقابا ما بلغ منها إلى حد التكفير واللعن. فإنه قد صح أن تكفير المومن كفر، ولعنه راجع على فاعله، وسبابه فسق. وهذه عقوبة من جهة الله سبحانه. وأما من وقع له التكفير واللعن والسب فمظلمته باقية على ظهر المكفر واللاعن والساب. فانظر كيف صار المكفر كافرا واللاعن ملعونا والساب فاسقا، ولم يكن ذلك حد عقوبته، بل غريمه ينتظر بعرصات المحشر ليأخذ من حسناته، أو يضع عليه من سيئاته بمقدار تلك المظلمة. ومع ذلك فلابد من شيء غير ذلك، وهو العقوبة على مخالفة النهي، لأن الله قد نهى في كتابه وعلى لسان رسوله عن الغيبة بجميع أقسامها. ومخالفة النهي فعل محرم، وفاعل المحرم معاقب عليه”.

انتهى كلام عالمنا الورع. كتبه بعد أن استجمع عقله وإيمانه، وترك وصيته معلمة على طريق كل باحث عن سبيل النجاة بدينه.

من كان لا يستحضر بيقين أهوال العرض على الله يوم توزن الأعمال بمثقال الذرة فهذا الكلام النير موجه لغيره. ومن كان لا يستطيع أن يعرف الحق فيعرف بالحق الرجال ومقاديرهم ومرتبة قراراتهم ومنعطفات فكرهم وحياتهم فقد بسطنا له طرفا وجيزا من مواقف الرجال ليعتبر، وعساه يهتدي إلى الحق باقتفاء آثار من سبقوه بالإيمان، يفحص تلك الآثار ويقارن ويحكم. ذلك لمن كان فيه استعداد للبحث، وطلب للحق، ووحشة من الجهل، واستنكاف عن الهينة اللينة حياة التقليد والسطحية والرضى بالدنية.

لماذا يخرج أمثال الغزالي عن الجاه العريض، والرياسة العلمية، ويترك الأهل والوطن ليلقى “متبوعا مقدما”؟ لِمَ يزحف سلطان العلماء العز بن عبد السلام أمام المشايخ وهو الذي ترتعد منه فرائص الملوك ويجثو بين يديه الأمراء والكبراء؟ من هو السيوطي الذي يشيد الطريقة الشاذلية ويتتلمذ للصوفية؟

تمر بين عيني القارئ السالي الفارغ الفؤاد راحة من طلب المعالي أمثولات الرجال فلا يتحرك فيه حس المنافسة ولا خشية أن يفوته الأمر الجلل الذي تزاحمت عليه الفحول، وتخاصمت، وتناظرت، وتسابقت.

فهل من همم عالية تسمع، وتهب، وتلتاع؟