إن متابعة قيادي بالجماعة ليست بالأمر الجديد علينا، فقبل الأستاذ عبادي، حوكم الأستاذ عيسى أشرقي، والأستاذ عمر أمكاسو، ومن قبل اعتقل مجلس الإرشاد بكامله وحوكمنا آنذاك، والمرشد قضى جل حياته الدعوية إما خلف القضبان أو رهن الإقامة الجبرية، وكل هذا لم يوقف حركة الجماعة، ولا أرهب أعضاءها، ولا فصل القيادة عن باقي الأعضاء.

اطمئن أخي وليطمئن كل محبي ومناصري العدل والإحسان وليعلم الجميع أن النيل من قيادة الجماعة لن يوقف زحفنا نحو تحقيق العدل والإحسان والرفق والرحمة بالأمة.

… و الحمد لله أن الكل أصبح مقتنعا بأننا لسنا دعاة عنف، وأن الإرهاب ليس مبدأنا ولا أسلوبنا، رغم ما روج، ويروج ضدنا من أباطيل وإشاعات، وأننا نحن من يتعرض لعنف الدولة وإرهابها.

عبر عدد من المسؤولين على مستوى عال في لقاءات خاصة عن سعادتهم بموقف العدل والإحسان الإيجابي من مشروع مدونة الأسرة الجديد، انطلاقا من التصريحات التي كان قد أدلت بها ندية ياسين. فهل هي بداية صفحة جديدة بين جماعتكم وبين النظام؟

بسم الله الرحمن الرحيم لا علم لي بهذه السعادة أو الاستبشار، ولست أدري هل تم استنتاج ذلك من خلال الاعتقالات والمضايقات والمحاكمات التي تطول أعضاء جماعتنا أم من عناصر أخرى لم أتبينها بعد. نؤكد، مرة أخرى، أننا لا نستحضر في مواقفنا إلا ما يرضي ربنا وينسجم مع مبادئنا ويعبر عن آلام وآمال شعبنا؛ والصفحة الجديدة التي تتحدث عنها في سؤالك لا فائدة من تصفح فقراتها، أو حتى الالتفات إليها، إن لم يكن عنوانها البارز هو تمكيننا من حقوقنا كاملة غير ناقصة، ومعاملتنا كطرف في البلاد له رأي فيما يجري وفيما ينبغي أن تكون عليه أوضاع بلادنا.

أكثر من متتبع لا يفهم كون الجماعات الإسلامية والخطباء وعلماء الشريعة الذين عارضوا بشدة ما تضمنته الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية من نقاط تهم مدونة الأحوال الشخصية، قد أصبحوا راضين عنها الآن. أو على الأقل، صمتوا على معارضتهم لها، بعد ورودها في المشروع الجديد الذي قدم خطوطه العريضة الخطاب الملكي أثناء افتتاح الدورة التشريعية الجديدة. أنتم في جماعة العدل والإحسان كذلك عارضتم الخطة وشاركتم في مسيرة الدار البيضاء المناهضة لها. كيف تشرحون موقفكم الجديد؟

لست مفوضا للحديث باسم الإسلاميين كافة، ولكنني أتحدث عن جماعة العدل والإحسان التي شاركت في مسيرة الدار البيضاء في 12 مارس لا ضد الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية وبياناتنا وتصريحاتنا تؤكد ذلك، ولا دفاعا عن المدونة، وقد كنا من الأوائل الذين طالبوا برفع القداسة عنها وعما يحيط بها؛ وقد شاركنا في المسيرة مع الشعب المغربي رفضا للتوظيف السياسي لهذه القضية المجتمعية الحساسة التي تهم شطر المجتمع -أي النساء- التي طالها الحيف والظلم والتهميش، وشاركنا لنعبر مع الشعب عن رفضنا لكل الحلول المستوردة والانفرادية والمنسلخة عن إسلامنا، ولنؤكد بأن الحلول المطبوخة في الكواليس لن تكون ذات نتيجة إيجابية على البلاد والعباد.

أما من حيث كون المرأة في بلادنا مظلومة ومضطهدة، فهذا مما قلناه، ومما لن نمل من تكراره، فالنساء شقائق الرجال، ولا يكرمهن إلا كريم ولا يهينهن إلا لئيم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخصصنا لذلك حيزا واسعا من تفكيرنا ومكتوباتنا سواء في وصف هذه المظلومية و أسبابها أو الحلول التي نراها كفيلة بتجاوزها وليت المجال يتسع، أو الفرصة تسنح لنا لنتوسع في هذا الأمر وندلي فيه بدلونا ونساهم فيه بما عندنا.

تسألني عن مستجدات المدونة، وأقول لك دعك من هذه الجعجعة التي لا يرى لها طحين، فلن نغير موقفنا من هذا الأمر لأننا لا نرى فيها جديدا على مستوى الجوهر، فضلا عن أنها شابتها شوائب حتى على مستوى الشكل، وجاءت منعزلة ومنفصلة عن سياق إصلاحي عام وشامل، لأننا على اقتناع تام بأنه لا يمكن إصلاح أوضاع المرأة من خلال هذه المقاربات التجزيئية المبتورة، ولا نفتأ نؤكد بأن مشاكل بلادنا عامة وشاملة تتطلب حلا عاما وشاملا لا يقتصر على مجال دون آخر، ولا يركز على فئة ناسيا أخرى، ولا يهتم بمنطقة دون أخرى.

هذا هو موقفنا الذي عبرنا عنه أكثر من مرة، والحمد لله أن الذين صفقوا لهذه المستجدات أفاقوا من غفوتهم وانتبهوا إلى أن ما قدم من حلول لن يفي بالغرض وغير قادر على الانتقال بالمرأة إلى وضعية أفضل.

أجلت مرة أخرى محاكمة أفراد عائلة الشيخ عبد السلام ياسين، إلى جانب عدد من أعضاء الجماعة بخصوص ملف الوقفات الاحتجاجية بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان سنة 2001 كيف تنظرون إلى التأجيلات المتتالية؟ هل هي رغبة لدى النظام في إبقاء هذه الورقة بين يديه لاستخدامها عند الحاجة أم ماذا؟

لاشك أن المعني بالجواب عن هذا السؤال هم من اعتقلوا عائلة الأستاذ عبد السلام ياسين، وقدموهم للمحاكمة، ولا يمكنني أن أجيب نيابة عنهم، لكن الأكيد أن ما يجري هو نتيجة طبيعية للقرارات المتسرعة ولردود الأفعال الانفعالية وللحرج والارتباك الذي يتخبط فيه متخذو هذه القرارات التي لا نفتأ نذكر بأنها لن تصدنا عن هدفنا ولن تثني عزمنا، بل إن التجربة أثبتت أن الاعتقالات والمضايقات لا تزيدنا إلا قوة، وللباحثين والمهتمين، وكذا المسؤولين، أن يتأملوا في تاريخ الجماعة ليستخلصوا هذا الدرس، فكم من نقمة كان في طيها نعمة، وكم من حملات قمعية شدت عضدنا وقوت عزائمنا “ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين”.

لقد كان اعتقال عائلة الأستاذ عبد السلام ياسين رد فعل على مذكرة إلى من يهمه الأمر، وهذا الاعتقال لم يكن أول رد فعل فقد سبقته محاولة فاشلة لحرمانهم من أداء مناسك الحج. و لقد رأينا كيف كان البوليس يطارد أفراد العائلة ويترصدهم فاعتقل الزوجة والأبناء والبنات والأصهار ليس في الرباط فقط بل وفي فاس أيضا. ونذكر هؤلاء بأنهم مرة أخرى قد أخطأوا الهدف، ويوقعون أنفسهم في الحرج، وما هذه التأجيلات إلا دليل على الورطة التي سقطوا فيها.

أمام أنظار القضاء كذلك نجد قياديا بجماعتكم، الأستاذ عبادي، يستأنف حكما صادرا ضده. ما هي انعكاسات هذه المتابعة عليكم في مجلس الإرشاد؟

إن متابعة قيادي بالجماعة ليست بالأمر الجديد علينا، فقبل الأستاذ عبادي، حوكم الأستاذ عيسى أشرقي، والأستاذ عمر أمكاسو، ومن قبل اعتقل مجلس الإرشاد بكامله وحوكمنا آنذاك، والمرشد قضى جل حياته الدعوية إما خلف القضبان أو رهن الإقامة الجبرية، وكل هذا لم يوقف حركة الجماعة، ولا أرهب أعضاءها، ولا فصل القيادة عن باقي الأعضاء.

اطمئن أخي وليطمئن كل محبي ومناصري العدل والإحسان وليعلم الجميع أن النيل من قيادة الجماعة لن يوقف زحفنا نحو تحقيق العدل والإحسان والرفق والرحمة بالأمة.

صرح لنا أحد المسؤولين الأمنيين بأن الأستاذ عبادي سبق له أن قدم خدمة للدولة من خلال إبلاغه عن تحركات غير عادية بشرق المغرب صيف 1994، وذلك قبيل عملية أطلس أسني واكتشاف مخبأ للسلاح بأكنول. هل لديكم علم بمدى صحة هذا المعطى؟

إن الحرب على جماعة العدل والإحسان تتنوع وسائلها وأساليبها فالاعتقال والحصار والتضييق… والإشاعة أسلوب غير غريب على من اعتادوا بث الأكاذيب واختلاق الأباطيل وترويج الافتراءات، ونحن تعودنا على هذا الأمر، وأصبح لا يشكل عقدة عندنا لأننا نعلم أن الشعب يعرفنا ولا يمكن أن يصدق كل الإشاعات التي تروج ضدنا. أستغرب لمن لا يزال يفكر بهذه الطريقة ويستعمل هذه الوسائل البدائية للنيل من خصومه، على هؤلاء أن يترفعوا ويتعففوا عن استعمال هذه الأساليب التي لا طائل من ورائها.

لكن ألا تعتبر أنه من واجب الجماعة إبلاغ السلطات في حالة ما إذا توصلت بمعطيات تفيد أن هناك تهديدا لأمن البلاد؟

سبق أن أبلغنا السلطة باستمرار أن الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي المزري يهدد المغاربة، نبهنا لهذا الأمر ولم نتوان في ذلك رغم ما لحقنا من أذى جراء ذلك. إننا أناس قرأنا معطيات بلدنا بآليات المعايش لما يجري، ووجدنا أن هناك ما يهدد أمن المغاربة بالمعنى الواسع للأمن، وليس فقط، بمعناه البوليسي الضيق؛ وها أنذا أتحمل مسؤوليتي مرة أخرى من خلال هذا المنبر لأبلغ السلطة أن أمن المغاربة واستقرارهم وسكينتهم وطمأنينتهم يتربص بها أعداء خطيرون، وهل هناك عدو أخطر من هذا الفقر وهذا الغبن الاجتماعي الذي تستشعره فئات واسعة من المجتمع؟ وهل من متربص بأمتنا أفتك من هذه البطالة التي يتخبط فيها خيرة شبابنا من حملة الشواهد العليا؟ هل من مذمر لطمأنينة المغاربة وماحق لسكينتهم أشد شراسة من قوارب الموت الجماعي التي تزيد من مآسينا وآلامنا يوما بعد آخر؟

إن الذي يتهددنا فعلا، في المغرب، هو هذا الميز الطبقي الذي تزداد هوته اتساعا، وهو تلك الاختلاسات المتتالية لأموال الشعب، وهذه الأمية الضاربة أطنابها في مجتمعنا، وهذه المصادرة المستمرة لكلمة الحق والرأي الحر، وهذا الاستبداد الذي يعطل الكفاءات ولا يسمح إلا بسيادة رأي واحد بعيدا عن كل تعددية سياسية حقيقية.

صدقني إن ما تقدم هم الإرهابيون والمتطرفون والقتلة الحقيقيون الذين يهددون أمننا، هؤلاء هم التهديد الحقيقي، والدولة إن لم تحمل تنبيهنا ونصيحتنا محمل الجد فالمستقبل، لا قدر الله، سيكون أسوأ من الحاضر. فاللهم إنا قد بلغنا اللهم فاشهد. لطالما نبهنا وكررنا التنبيه في كل مناسبة، وكلما ذكرنا القوم اتهمونا بالتهويل والتضخيم أو وضعوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا. ولكن ها هي التقارير تتوالى والأخبار تتواتر والأرقام تفضح حقيقة ما زعموه إصلاحات وعهدا جديدا وإشارات قوية ومفهوما جديدا للسلطة وغير ذلك من الألفاظ الرنانة.

سبق أن اكتشف عبادي جهاز تنصت في بيته كانت المخابرات قد زرعته، والآن هو مدان بسبب تصريحات صحفية، هل هناك ما يفسر هذه التطورات؟ هل موقع وجدة الحساس أم رغبة في الانتقام من شخص رفض التعاون مع الأجهزة الأمنية أم ماذا؟

السلطة هي التي تملك الجواب على هذا السؤال، لكن الذي يتضح أن هذا الاعتقال يأتي في سياق عام يؤكد أن الحرية ما تزال مستهدفة ببلدنا، والرأي الحر، وإن كان يحترم القانون على علاته، غير مسموح به، وأن ما نسمعه من شعارات بمناسبة، وبدون مناسبة، ليس إلا كلاما في هواء، وكذبا وهراء.

وبهذه المناسبة أسجل تضامننا في جماعة العدل والإحسان مع كل معتقلي الرأي، وأخص بالذكر الصحافيين، حيث يبدو، وللأسف الشديد، أن التضييق على الصحافة يزداد يوما بعد آخر، وكل المحاولات التي بذلت لتزيين الصورة والتخفيف من هول هذه الكارثة لم تغن شيئا، وما ترتيبنا المتخلف في مجال حرية التعبير إلا خير مثال على ذلك، حيث نحتل المرتبة 131 بعد أن ازددنا تأخرا-والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه- بأربعين درجة في ظرف سنة واحدة فقط.

أوجه، بهذه المناسبة ومن خلال منبركم الإعلامي هذا، تحية خاصة إلى كل من علي المرابط ومحمد الهرد ومصطفى قشنني وميلود بوطريكي وعبد العزيز جلولي، وتحية إلى كل الصحف التي ما زالت تقاوم الاضطهاد وتصر على الاستمرار، رغم كل ظروف التضييق، أما إعلام العدل والإحسان المتمثل في مجلة الجماعة وجريدة العدل والإحسان الصبح والخطاب ورسالة الفتوة فتلك منابر لا بواكي لها.

العدل والإحسان إذا كانت بعيدة في أدبياتها ومواقف قيادتها من الإرهاب والعنف فهي متهمة الآن من خلال طالب مراكش وأعضاء الهراويين في ملفات لها علاقة بالإرهاب. ما ردكم؟

الحمد لله أن الكل أصبح مقتنعا بأننا لسنا دعاة عنف، وأن الإرهاب ليس مبدأنا ولا أسلوبنا، رغم ما روج، ويروج ضدنا من أباطيل وإشاعات، وأننا نحن من يتعرض لعنف الدولة وإرهابها.

أما ما يرتبط بهذه القضايا التي أثرتها في سؤالك فإن الأمر يحتاج إلى تصحيح، لأن الاطلاع على المحاضر، رغم أن الجميع يعرف الظروف والملابسات التي تواكب صياغتها، يؤكد أنها لا تتضمن إثباتات عن ارتباطهم بأحداث إرهابية، ولكنها قضايا رأي وتصفية حسابات، فالطالب لحبيب بن مريت اعتقل داخل الكلية بعد حلقة نوقشت فيها مطالب طلابية قوبلت بالرفض والتعنت من قبل إدارة الكلية، وما عليكم إلا أن تذهبوا لعين المكان وتتأكدوا بأنفسكم. أما اعتقال أعضاء من الجماعة في منطقة الهراويين فإنه جاء في سياق حملة اعتقالات عشوائية ومداهمات بوليسية من قبل زوار الليل، الذين ظن البعض أنهم ذهبوا إلى غير رجعة، وكان هدفه خلط الأوراق وتشويه سمعة الجماعة وأبنائها، وتصفية حساب من قبل بعض أعوان السلطة الذين غاضهم نشاط وحركة إخواننا وسمعتهم الطيبة وسط الناس وأداؤهم التوعوي والتنويري لساكنة المنطقة، وقد سبق لأحد الإخوان هناك أن قدم شكاية بأحد رجال السلطة بسبب التعسفات التي يتعرض لها، هو وعائلته، من قبل “المقدم”.

ويرجح الإخوة أنه من كان وراء هذه الوشاية الكاذبة خصوصا وأنه كان يقوم بما يقوم به وهو في حالة سكر. ونتمنى أن يتعقل المسؤولون ويتجنبوا اللعب بهذه القضايا الحساسة رغبة من البعض في خلط الأوراق أو التعتيم لأن الشعب يعرف من هي العدل والإحسان، ومن هم أعضاؤها، ولن تنطلي عليهم هذه الأساليب والتهم الرخيصة.

أما كون أعضاء من جماعتنا يتابعون بقانون مكافحة الإرهاب فلأن هذا القانون فضفاض، ويمكن أن ندخل فيه كل الأفعال مهما كانت بسيطة؛ ولهذا طالبنا بإلغاء العمل به وعدم اعتماده ضمن المنظومة التشريعية لبلدنا لأنه مملى من الخارج ولا يقدم حلولا عملية ولا يجيب عن المشاكل الحقيقية لبلدنا، لكن زمرة الاستئصاليين والانتهازيين الذين يؤرقهم الصوت الحر والرأي الآخر استغلوا ظرفية حساسة يمر منها المغرب فمرروا هذا القانون دون أن يصغوا إلى آراء غالبية المجتمع التي عبرت، في مناسبات عديدة، عن رفض هذا القانون.

لكن فريق العدالة والتنمية بدوره صوت لفائدة القانون بعدما كان يعارضه قبل 16 ماي؟

تصويت العدالة والتنمية لهذا القانون كان تصويتا سياسيا، كما عبر عن ذلك نواب الحزب، ولم يكن عن اقتناع بإيجابية مضامينه، فهم فقط راعوا الظروف التي كان يجتازها المغرب كما قالوا.

أغتنم المناسبة مرة أخرى لأبلغ سلامي إلى كل إخوتنا القابعين في السجون سواء الطالب لحبيب بن مريت أو الإخوة الأربعة: عبد الرزاق الدرقاوي، محمد مجال، ربيع باجوك وعبد اللطيف بيهي وسلامي الخاص لإخواننا الإثنا عشر الذين نعيش هذه الأيام الذكرى 12 لاعتقالهم التعسفي ومحاكمتهم الظالمة.

بماذا تفسرون أن الاحتكاك بينكم وبين السلطات خارج هذه الملفات المعروضة أمام القضاء لم يعد مقتصرا إلا على الساحة الجامعية؟

أبدا، ليست مواجهة السلطة لنا مقتصرة على الساحة الجامعية لا في الماضي ولا في الحاضر، فمنذ تأسيس الجماعة والقمع يلاحقنا وعصا السلطة لا تفارقنا والمحاكمات الظالمة لصيقة بنا، ولكم أن تراجعوا تاريخ الجماعة لتتأكدوا من ذلك، فالأستاذ عبد السلام ياسين قضى معظم وقته إما في السجن أو رهن الإقامة الجبرية منذ 1974، ومجلس الإرشاد سجن في 1990، ناهيك عن محاكمات 1989 التي طالت إخواننا بالمحمدية والقنيطرة وتارودانت، ومحاكمات الصيف -التي اصطلحوا عليها بحرب الشواطئ- والتي طالت أعضاءنا في أغلب المدن، ونفس الأمر فيما يخص المحاكمات التي ترتبت عن الوقفة الاحتجاجية التي نظمناها بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان في 10 دجنبر 2001، والمحاكمات التي تعرض لها الإخوة بمناسبة توزيع جرائد الجماعة ابتداء من جريدتي الصبح والخطاب سنة 1983.

أنا أتحدث عن الفترة الحالية وليس عن السنوات الماضية؟

سواء محاكمات 10 دجنبر أو محاكمات توزيع الجرائد لا زالت معروضة إلى الآن على كثير من المحاكم إلى اليوم هذا دون أن نذكر الحصار الإعلامي الذي يطول منابرنا كلها، والتضييق الذي تتعرض له الجمعيات التي ينتمي لها أعضاء من جماعتنا، وحرمان العديد من نشطاء الجماعة من حقهم في جوازات السفر، بل حتى من أداء مناسك الحج. وهذه أمثلة فقط لأن المجال لا يسمح لسرد كل معاناتنا، ولأنني لا أستحضرها كلها، ولأنني لا أريد أن أثقل بذلك على القراء لأن قائمة ذلك طويلة. ليست المسألة إذن مقتصرة على الجامعة كما قد يبدو.

ألم تصدر عن “العدل والإحسان” مبادرات ميدانية تهم الشأن العام المغربي؟ لماذا؟

منذ أسسنا الجماعة ونحن نقدم المبادرات، ولا نبخل بالاقتراحات، بل إننا بسطناها في رسائلنا ومكتوباتنا، وأعتقد بأن مبادراتنا نوعية وذات عمق وجوهر لأننا، ببساطة، نعي بأن مشاكل البلاد عميقة وشاملة وعامة، وربما صراحتنا وعدم مداهنتنا جعلت العديدين لا يتقبلونها، ولكننا لا نفتأ نؤكد بأننا لا نرضى بأنصاف الحلول ولسنا تجار كلام ولا دعاة استعجال، فحلولنا مبسوطة وواضحة ونحن مستعدون لشرحها ومناقشتها مع أي كان شريطة توفر الإرادة لديه، ومستعدون للتعاون مع كل صادق ومتهمم بمصير البلاد والعباد، والكرة عند الذين يحاربوننا أينما حللنا وارتحلنا، وحيثما وجدنا، مع أنهم للأسف ينقلون العديد من مقترحاتنا ومبادراتنا فيحاولون تطبيقها ظنا منهم بأنهم يسدون بذلك الباب علينا، ولكن تأتي النتائج دائما عكسية تبين فشلهم لأن الأمر لا يرتبط فقط بالمبادرة ولكن أيضا بمن ينفذها ومن يسهر عليها ومن يرعاها وما هي دوافعه؟ وما هي حوافزه؟ وأية تربية تلقى؟ وبأي نية يشتغل؟

التربية التربية يا قوم! التربية أولا ووسطا وآخرا.

إن هذا ما نهتم به، إعداد الإنسان القوي الأمين القادر على حمل الأمانة وبذل النفس والنفيس لخدمة غيره بسعادة وفرح وليس التهافت على المناصب والانشغال بالمصالح الخاصة أومراكمة الثروات…

إن مبادراتنا لم تتوقف، ولن تنتهي، ولكنها ستبقى صريحة وواضحة لأنها تنطلق من معايشة حقيقية لما يجري ولما ينبغي ولو كلفتنا الحصار والاعتقال والتضييق، فنحن لا نرجو من ورائها جزاء ولا شكورا من أحد، بل نطمح من خلالها إلى فضل الله ورضاه، ولا يهمنا ثناء فلان أو مديح علان.

كنتم قد اشتركتم في المناظرة الوطنية الأولى حول الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بالمغرب. هل أنتم راضون عن أداء هيئة المتابعة المنبثقة عنها؟

نعتقد بأن المناظرة الوطنية الأولى حول الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان كانت ناجحة، وكانت مثالا يقتدى به في مجال العمل الوحدوي الذي حرص على إشراك كل المعنيين بالملف، وبين للجميع أن هناك إمكانية العمل المشترك بين مختلف الفاعلين في المغرب، في مجالات عديدة، وقد كانت مشاركتنا والحمد لله فعالة، شهد بهذا الجميع. وهذه المناظرة أقرت توصيات وما شكلت هيئة المتابعة إلا للعمل على تفعيل تلك التوصيات ومتابعتها، وتقييمنا لأداء هيئة المتابعة مرتبط بمدى تحقيقها للهدف الذي شكلت من أجله، وربما لم يحن الوقت بعد لإعطاء حكم نهائي في هذا الأمر.

وماذا عن موقفكم بخصوص هيئة الإنصاف والمصالحة؟

موقفنا من هذه القضية عبرنا عنه خلال المناظرة في ورقة خاصة قدمناها للمتناظرين، وبينا فيها أننا لسنا من دعاة المقاربة الانتقامية التي من شأنها إشعال نار فتنة عارمة تأتي على الأخضر واليابس، ولكننا بالمقابل لسنا من دعاة طي الصفحة دون قراءتها واستخلاص العبر والعظات منها واتخاذ كافة الضمانات لتجنب تكرارها، وقلنا بأن بلدانا عديدة عرفت تجارب مختلفة علينا الانفتاح عليها والاقتباس منها، والحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها.

أما فيما يتعلق بهيئة الإنصاف والمصالحة فلا يمكن أن نعطي موقفا متسرعا لأن الغموض مازال يلفها ولم تقدم لنا بيانات كافية بشأن اختصاصاتها وصلاحياتها وسلطاتها، ومدى استقلاليتها، والوسائل المتاحة لها، والإمكانيات الموضوعة رهن إشارتها، ونزاهة الأعضاء المشكلين لها، وحدود عملها، والإرادة وراء إنشائها. وإن كنا نعتقد بأن ما يجري من انتهاكات في أيامنا هاته خير معبر عن هذه الإرادة، وبأن الأمر لا يعدو كونه محاولة لطمس معالم جرائم فظيعة ارتكبت وترتكب اليوم وسنأتي غدا لنكرر المحاولة. وهكذا … إن ما يقع داخل وخارج السجون هذه الأيام، خير شاهد، وكفيل بأن يوضح طبيعة الموقف الذي يجب على أي صادق ومتهمم أن يتبناه.

ما هو تصوركم لعمل الجماعة في المرحلة الراهنة وفق التطورات السياسية والاجتماعية الحاصلة؟

الأكيد أن ما يقع ويجري في المغرب هزات كبيرة تفرض مراجعة الحسابات وإعادة النظر حتى في المسلمات، وأول المعنيين بهذه المراجعة هم أولئك الذين قادوا البلاد إلى ما تعاني منه وتتخبط فيه الآن؛ أما نحن فقد نبهنا إلى ما وقع قبل أن يقع أكثر من مرة سواء من خلال “الإسلام أو الطوفان” أو من خلال “مذكرة إلى من يهمه الأمر” أو من خلال تصريحاتنا وكتاباتنا وكل الوسائل التي أتيحت لنا على قلتها بسبب الحصار والتضييق المفروض علينا، ولهذا فإن ما وقع لن يغير البتة من أولوياتنا وبرامجنا لسبب بسيط يكمن في أن برامجنا وأولوياتنا لا نبنيها على أساس خطابات المسؤولين وإحصاءاتهم المخدومة ووعودهم الكذابة التي كانت تنطلي، للأسف، على العديد من الفاعلين الذين ظلوا أسارى مقاربة السلطة لأوضاع البلاد وكانوا دوما على استعداد للتسليم بما تبشر به أو تحذر منه، ولكننا نبني برامجنا وأولوياتنا انطلاقا من معايشتنا للشعب بمختلف فئاته في كل المناطق والمرافق وفي كل المجالات لأننا أبناء الشعب ونعاني مما يعانيه ونطالب بما يطالب به. ثم إننا ننظر إلى أصول الداء وجذوره وليس فقط إلى مظاهره الخارجية

إن موقع المغرب لا يحسد عليه، وما ينشر من تقارير تنزل على المغاربة كالصواعق لا يبشر بخير، ويفضح كل الادعاءات ويكشف زيف كل الشعارات، والحمد لله أننا نجد الآن من يشاطرنا هذا التقييم ويصف الحقائق ويفضح المستور فهل نطمع يوما أن يؤخذ الأمر بجدية ولا يعتبر ما يقع تهويلا أو تضخيما، أم أننا ننفخ في رماد ولا حياة لمن ننادي. على كل الأيام وحدها الكفيلة بالجواب على هذا السؤال.