بقلم: الشيخ راشد الغنوشي

عندما نتحدث عن الغرب بهذا التعميم إنما نعني السياسات والآليات والقيم التي تحكم سلوك المؤسسات الحاكمة … والتي لا تعبر بالضرورة تعبيرا دقيقا وافيا عن كل اتجاهات الرأي العام للشعوب التي تزعم تلك المؤسسات التي تمثلها، بل قد لا تعبر حتى على الأغلبية فيها.

من ذلك مثلا الإصرار على المضيّ قدما الى الحرب في العراق رغم المسيرات المليونية المعارضة.. ومن ذلك إدانة أغلبية الأوروبيين للسياسات الإسرائيلية واعتبارها الخطر الأعظم على السلام العالمي حسبما كشف عنه سبر للآراء تم تحت إشراف الاتحاد الأوروبي، ومع ذلك تبرّأ الاتحاد من هذه النتيجة وواصل دعمه في شكل أو آخر للكيان الصهيوني المعتدي.

وليس يعني ذلك أن الديمقراطيات الغربية مزيفة بالكامل ولا مكان للرأي العام فيها ــ حال أنظمتنا القهرية ــ كلا ، فللرأي العام هنا مكان، وهو أصل الشرعية ولكن ليس بشكل مطلق، فالرأي العام نفسه معرض لتأثير مراكز كثيرة مالية وثقافية وعرقية ودينية واقتصادية.

والنخبة الحاكمة أو المعارضة تحسب حسابا كثيرا لتلك المراكز، بما يجعل القرار السياسي محصلة التفاعل بين الرأي العام ومراكز الضغط وللصراع داخل هذه المجموعات الضاغطة والنخب، وللتفاعل كذلك بين المبادئ من جهة والمصالح من جهة أخرى، وهو ما يجعل الديمقراطية نسبية والاستبداد نسبيا أيضا، بينما تكاد تغيب سلطة الرأي في الدكتاتوريات … ويغيب ذلك الصراع المخصب المنظم بين اتجاهات النخب، فلا يقع تداول بينها إلا عبر العمليات القيصرية كالثورات والانقلابات.

ومن هذا المنظور يمكن أن نفهم السياسة الفرنسية في شمال إفريقيا ومنها تونس وما شهدته من تحول جزئي وإن يكن مهمّا بانتقال الحكم من نخبة اليسار إلى نخبة اليمين، وبما جد من أحداث دولية مهمة، فحصلت جملة من التحولات:

1- لقد كان فريق اليسار الأكثر تأثرا بقيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان باعتباره الأقرب إلى الإرث الإنساني المنحدر من مبادئ الثورة، وهو ما جعل لقاء نخبة اليمين الفرنسي مع الحكم في تونس وتقبل أسلوبه في الحكم أيسر، إذ المهم لدى هذا الفريق الديغولي أن تستعيد فرنسا مجالها الحيوي في مستعمراتها السابقة وتستظهر بها في الصراع على النفوذ مع الولايات المتحدة، ولو كان ذلك على حساب مبادئ الثورة وحقوق الشعوب الرازحة تحت أنظمة قمعية باطشة، لا سيما وصراع النفوذ على أشده في هذه المنطقة بين فرنسا وبين القوة الأمريكية الزاحفة على العالم والتي ترى من حقها باعتبارها منتصرة أن تفرض على العالم هيمنة لا منازع لها.. فما قيمة المبادئ والقيم الإنسانية – لدى هذا الفريق- حتى ولو أدى ذلك الى التورط في ازدواجية فاضحة بين ما يفتأ السيد شيراك يحلّي به خطاباته في مؤتمرات القمة الفرنكوفونية من اعتبار قيم الديمقراطية وحقوق الانسان موجها رئيسا لسياسات الجمهورية، وبين قصائد المدح التي جادت بها بلاغته المعتادة تمجيدا لحصاد الدكتاتورية المر؟

ما قيمة شعب يتلظى بنار تلك الدكتاتورية حتى ولو أصيب بالاحباط وخيبة الامل جراء تنافس قادة الديمقراطية على صوغ أجمل قصائد المديح. . وللانصاف فإن رئيس الدبلواسية الامريكية كان أقل سخاء في المدح وأكثر جرأة على قول بعض الحق؟

2- ما ينبغي أن ننسى تأثيرات أحداث الحادي عشر من سبتمبرالمشؤومة على جملة السياسات الدولية ومنها السياسة الفرنسية، في توفير الفرصة الذهبية لكل من له مشكل مع الاسلام وحركاته في تصفية الحساب معهما، وهنا نضع أيدينا على سبب آخر لما يلقاه نظام بن على ــ على تعسفه ــ من دعم غربي غير محدود في تجاهل كامل لأقانيم الديمقراطية وحقوق الإنسان التي طالما أقسموا جهد أيمانهم أنهم لن يتوانوا عن نشرها في العالم، فلماذا هم يتنافسون في استرضاء أنظمة قامعة لشعوبها وإسداء الشهادات الكاذبة على نجاحها بل اعتبارها نموذجا يقتدى، مع أن أكثر المنظمات الحقوقية مصداقية تشهد على الضد من ذلك. وليس لها من نجاح عند التحقيق غير فرض الصمت أو السجن أو الهجرة على شعوبها، والعبث بمدونة القيم الانسانية؟ هل هي الحرب على الإرهاب التي حددت سياساتهم هذه باعتبار أن نظام ابن علي قد تبوأ ومنذ انتصابه طليعة للحرب على شعبه واستجلاب المعونات الاجنبية تحت غطاء مخرّق هو الحرب على الاصولية والارهاب. وجاء الحدث المشؤوم وما تلاه من حماقات تعزيزا لسياسته القمعية ودوره إن لم تكن “ريادته”؟

غير أن هذه الحجة إذا صحت في بلاد أخرى فإنها لا تجد سندا لها في تونس حيث لا جهة سياسية في البلاد اسلامية أو غير اسلامية تبنت العنف نهجا للتغيير. الجهة الوحيدة التي مارست القمع والعنف وترهيب الشعب بمختلف تياراته هي السلطة نفسها، وضحاياها بعشرات الآلاف بين قتيل ومعوق وسجين ومشرد وخائف ينتظرسيف دمقليس. والحركة الإسلامية ممثلة في تيارها الرئيس المؤسس “النهضة” الذي شنت عليه الحرب يشهد كل الدارسين المنصفين لفكره وسلوكه أنه طليعة التأصيل في الفكر الاسلامي لقيم الديمقراطية وحقوق الانسان والاعتدال. وحظى المئات من قادته وأتباعه في كل الديمقراطيات الغربية بحقوق اللجوء السياسي بل حتى بشهادات المواطنة.

وفي بلد عرف بثقافته السلمية العازفة عن العنف لم يبدأ الحديث عن تونسيين أعضاء وقيادات في مختلف منظمات العنف الدولي إلا على إثر خطة الاقصاء والاستئصال التي استهدفت بها النهضة وحيل بينها وبين نهجها في تأطير الشباب ضمن فكر الوسطية والاعتدال. فهل يكون نظام ابن علي حليفا حقيقيا لفرنسا والغرب في القضاء على الارهاب؟ أم أن سياساته قد حولت بلدا مسالما مكتفيا بمصادر رزقه الى منبع لا ينضب لتصدير العنف والهجرة السرية؟

واجهوا الحقيقة أيها الغربيون وتأملوا فيما صرح به في لحظة صراحة نادرة أحد أبرز زعمائكم “بوش” من أن دعم الغرب للأنظمة القمعية هو الذي فرّخ الإرهاب، وصدّره إلينا، وامضوا بهذه المقالة الى نتائجها الصارمة التي تتوافق مع ما تزعمونه من تبنيكم لاستراتيجية بسط الديمقراطية والعدل في العالم  سبيلا أقوم للقضاء على الإرهاب حتى ولو أتى ذلك- ولو إلى حين- ببعض خصومكم الى السلطة، ألستم تزعمون أن الديمقراطيات لا تتحارب؟ فلم تخشون الديمقراطية إذا أتت بالإسلام، بينما أنتم ونحن الإسلاميين ضحايا دكتاتوريات مافيوزية تخفي سحناتها البشعة بمكياج من العلمانية والحداثة لإغوائكم؟

3- إن سياساتكم في دعم الدكتاتوريات المتعفنة  مع ما جرته عليكم من ويلات حتى وصل شررها الى عواصمكم وأقض مضاجعكم  غير قابلة لاحتمال تفسيرها بمقاومة الإرهاب لأنها أحد أكبر صنّاعه وإن الإسلام في مبادئه وقيمه الكبرى وتجربته الحضارية يشهد على اتساع صدره لتعددية دينية وعرقية وفكرية وسياسية، فلم يتلوث تاريخه بحروب تطهيرية استئصالية لأي عرق أو دين بل لا تزال بلاده رغم ما أصابها من تخلف تشرف باحتضانها لأقدم البيع والكنائس وحتى المعابد الوثنية. واليهود أنفسهم تمتعوا في أول نموذج للاجتماع الاسلامي أشرف نبي الإسلام ذاته عليه السلام قيادته بحقوق المواطنة وفق دستور تعددي ولم يحرموا من ذلك طوال التاريخ وكانت دار الاسلام ملجأهم كلما تعرضوا للاضطهاد. ولا يزال العراق وهو قاعدة أقوى إمبراطورية إسلامية فسيفساء من الأعراق والمذاهب والديانات مثلما كانت سارييفو وسط أوروبا واحة للتعددية مقابل تطرف الصرب والكروات وضيقهما بالتعدد. إن مبدأ “لا إكراه في الدين” و”لكم دينكم ولي دين” أعظم المبادئ التي تأسس عليها الاجتماع الاسلامي.

وإن الإسلام لا يزال ينساب في العالم دعوة هادئة تتفوق جاذبيته على كل المذاهب مع ضعف دوله وحضارته. ولا تزال الحركة الإسلامية في خطها العريض رغم ما تتعرض له من ظلم وإقصاء تعتصم بالصبر والوسائل السلمية وتبحث عن أي مساحة للحرية لتعمل من خلالها وتوسعها رافضة الانجرار الى أساليب القوة إلا دفعا لمحتل، وهو حق معترف به لدى الجميع.

إن الحركة الإسلامية تجد في منظومة حقوق الانسان وأساليب الديمقراطية في إدارة الاختلاف على الصعيد المحلي والدولي بعيدا عن القمع والترهيب خير تجسيد لقيم الشورى الإسلامية والنداء القرآني للأخوة الإنسانية “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا”.

أما فكر الإرهاب وأساليبه وجماعاته فنتوءات نادّة عن السياق العام لا تخلو منها أمة أو حضارة، وهي غالبا ما تتخلّق في ليالي الظلم المديدة وأقبية سجون الطغاة لا سيما عندما تجد الدعم من الكبار، وكثيرا ما انقلب السحر على الساحر.

ينبني على كل ذلك أن الحديث عن إرهاب اسلامي في تونس لتسويغ دعم الدكتاتورية ونسبة فضل لها في أنها تمثل نموذجا يحتذى في مقاومته كما فعل السيد شيراك حديث فاقد لكل مصاقية من كل وجه، وعدوان سافر على شعب تونس وإسهام في تعميق جراحه وإطالة لياليه. وهو ما يحمل على البحث عن خلفية أخرى لمثل هذه المواقف الذرائعية العارية من كل قيمة إنسانية أو مصلحة حقيقية معتبرة لفرنسا في إصابة بعض النخب بالإحباط في شعب مسالم أحسن الظن بل تحمس لمواقف فرنسا-شيراك إزاء قضايا كبرى مثل احتلال فلسطين والعراق- وإذا به يصدم بمواقف الدعم والمديح السخي للدكتاتورية.

إن شعب تونس يشعر بامتعاض شديد جراء ما طفح به خطاب شراك من احتقار لكرامته ووعيه وآلامه إذ اصدّق مزاعم الدكتاتورية في توفيرها للتونسي الاكل والمسكن والتعليم  وهو زعم مبالغ فيه- كافيا ومغنيا عن المطالبة بحقوق التعبير والتنظيم والقوامة على سلطته والاحتكام الى قضاء عادل، بما يذكّر بخطاب ستاليني منتزع من الأرشيف.

إن السيد شيراك كأنه ينطق بلسان السلطة “استهلك واغلق فمك” فهل يحتاج وريث الثورة والانوار الى من يذكّره بحقوق الانسان في شمولها؟ فأين يمكن للبحث أن يتجه عن خلفيات لتلك المواقف التي حطّت مرة أخرى  بعد وصف المعجزة التونسية الشهير خلال زيارة سابقة لتونس في أوج القمع سنة1995- من مهابة رئيس في نظر شعب مقهور تتطلع نخبته بحكم الجغرافيا والثقافة الى الحرية والى فرنسا نموذجا.

هل مرد هذه السياسة الذرائعية الى قصر النظر انحباسا في العاجل عن الآجل إيثارا للصداقة والتحالف مع الدكتاتورية بدل التطلع الى المستقبل. ومناصرة المبادئ والشعوب هي المستقبل؟ أم أن الأمرأخطر من ذلك؟

جريمة تونس التي لا تغتفر غربيا وكذا مثيلاتها في العالم الاسلامي أنها بعد أن نفضت يدها من التقدم الى الحداثة والحصول على ثمراتها من طريق التمرد على الوحي والهوية والتاريخ والتراث استدارت الى الإسلام مدخلها الى الحداثة والديمقراطية وحقوق الانسان والوحدة والعالمية والتحرر، في سياق منظور إيماني جامع يمثل قاعدة حوار ولقاء وتعايش وتثاقف بين كل الحضارات وبالأخص بين أقرب حضارتين وديانتين الى بعضهما حضارة الإسلام وحضارة الغرب، الإسلام والمسيحية ؟

هل تكون فلتات لسان بوش وبرلسكوني ومن لف لفهما في العداء والبغض للإسلام واستهدافه، وليس الحرب على الإرهاب، الخلفية الرئيسية وراء معظم السياسات الغربية تجاه الإسلام وحركاته ومؤسساته وحتى دوله -عدا الخانعة أو المهرولة في خطة الحرب على “الإرهاب”الاسم الكودي للإسلام ؟

عسى الأمر لا يكون كذلك بالنظر-إضافة الى ما سبق- إلى حجم التداخل المتصاعد بين عالم الإسلام وعالم الغرب على نحو قد لا يبقى معه خلال عقدين فقط معنى لهذه التقسيمات وبالأخص في بلد مثل فرنسا يتوفر على أكبر أقلية إسلامية في غرب أروبا، ينتظر أن يتنامى دورها بما يرشح فرنسا لتمثل أمتن وأوسع جسور التواصل والتبادل واللقاء بين عالمين متسالمين يتمتعان سوية بالحرية والعدالة ويثري كل منهما الآخر بخصوصياته، ألم يصنع الرئيس الروسي بوتن سابقة إذ طلب العضوية الشرفية في منظمة المؤتمر الاسلامي؟

وذلك ضمن قراءة نافذة للمستقبل، وفي تواضع، بعيدا عن طموح مغرور لا يزال يساور بعض العلمانيين العرب والفرنسيين في تفكيك الإسلام وإعادة تركيبه وفق منظور دنيوي شرطا للقبول به وبحركاته عند اللزوم في تجاهل لطبيعته العلوية الإلهية التي خولتنا سلطة الاجتهاد ولم تخولنا سلطة الخلق، لنعرف إلهنا- جل جلاله- فنعبده ونطيعه لا لنصنعه ونستخدمه “أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون” (سورة الصافات الآية 95) وذلك كلما تعذر إقصاؤه واستئصاله جملة أو التحريض على ذلك كما هي الرسالة التي ألقاها خطاب الرئيس شيراك في قلب شعب تونس المسلم، إذا لم يخنهم الفهم.

عن جريدة الشعب المصرية