استأثرت الأحداث التخريبية التي عاشها المغرب هذه السنة، وما استتبعها من متابعات ومحاكمات، بحصة الأسد في الصحافة الوطنية. وكانت المناسبة سانحة لمن كانوا يتحينون الفرص للانقضاض على بصيص الحرية المزيفة في قالب حرية الرأي والتعبير التي كان يعتقد أنها واقع، لتنقشع بعد ذلك الغيوم، وليستفيق الجميع على الحقيقة المرة.. حقيقة سيادة سلطة المقدَس على سلطة القانون، لكن بالقانون!

نحتفل إذاً هذه السنة باليوم الوطني للإعلام في ظروف استثنائية، ولنقل بصراحة، إن المشهد الإعلامي يعيش “حالة استثناء” الله وحده يعلم متى ومن سيرفعها. ولعل المرتبة 131 التي احتلها المغرب عالميا في تقرير “مراسلون بلا حدود” الخاص بأوضاع حريات الصحافة في العالم، دليل إضافي لما عشنا ونعيشه في مجال انتهاك الحق في الرأي والتعبير.. وما الجائزة الوطنية للصحافة التي تقرر منحها سوى غربال أريد له أن يغطي الشمس، شمس الحقيقة الساطعة.. حقيقة القمع والتسلط، لكن بالقانون !

من يتحدث إذاً عن احترام حرية الصحافة في المغرب؟ ومن يثق في أن “التغيير” المتغنى به رسميا، تغيير حقيقي؟ وهل فعلا كنا نعيش مرحلة مكتسبات في مجال الحريات؟

إن الواقع الحقوقي عموما، و في شقه الخاص بحرية الرأي والتعبير خصوصا، واقع يتسم بسيادة “المقدَس”.. والمشهد الإعلامي خاصة العمومي منه، تابع للتوجيه المخزني الذي له اليد الطولى في اتخاذ جميع القرارات، لتبقى مسألة الاستقلالية والحرية مجرد شعارات انكشفت من حولها الغيوم أمام الجميع.

لقد اتسعت دائرة المقدسات، وصارت حرية التعبير مقيدة بأحكام القانون، الأمر الذي صار معه الصحافي محكوما بممارسة الرقابة الذاتية، أو الاستنكاف عن الخوض في المسائل السياسية والاقتصار على الرسميات! -واقع ليس بالجديد إلا بالنسبة لمن كان يعتقد فعلا بحصول “التغيـيــر”- .

بالأمس القريب وفي عهد حكومة التناوب، صودرت أعداد من بعض الجرائد، ومنعت أخرى بدعوى الخوض في المقدسات، وحوكم مدراء وصحافيون.. وتم قمع صوت “رسالة الفتوة” و”العدل والإحسان” بدون أي حكم أو قرار إداري حتى، بل بالتعلــيمات ! ، وأعطيت الأوامر لشركات التوزيع ثم للمطابع بعدم “توزيع وترويج” صحافة العدل والإحسان، وامتثل الجميع للتعليمات دون أن تكون لأحد الجرأة والمطالبة بحكم قضائي صادر يقضي بإيقاف الجريدتين.. بل تعدت الدوائر الرسمية ذلك، ومارست السطو العلني على جريدة “رسالة الفتوة” من بعض المطابع وشركات التوزيع الخاصة بالبضائع.. واستمر مسلسل القمع وانتهاك الحق في التعبير بالمتابعات والمحاكمات الواهية.

اليوم، والجسم الإعلامي المغربي يحتفل باليوم الوطني للإعلام، تعززت سلطة “المقدَس” بمجموعة قوانين جعلت حرية الصحافة في خبر كان.. القانون الجديد للصحافة الذي يعتبر قانونا جنائيا للصحافة بامتياز، ثم قانون الإرهاب الذي عاد بنا إلى ظهير كل ما من شأنه المشؤوم، لتبقى حرية الرأي والتعبير والصحافة تحت وطأة القوانين السالبة للحرية.

اليوم، ونحن نحتفل بهذه المناسبة التي من المفترض أن يكون فيها رجل وامرأة الإعلام يتمتعان بكل الحقوق، وليس بأحكام سالبة للحريات، “نحتفل” والسجون تضم بين قضبانها خمسة صحافيين أدوا ثمن حرية الرأي والتعبير، وذلك بأحكام أدانهم فيها “القضاء المستقل” بتهم المس بالمقدسات وبالإشادة بالإرهاب!

نحتفل ومواجهة الصحافة والصحافيين المغضوب عليهم قد سخرت لها كل الوسائل، وأضحت المواجهة قانونية بتزكية برلمانية وكأن الجميع يسبح مع التيار.. ولربما ستكون قائمة الصحافيين المعتقلين طويلة إذا صارت “الحريـة” مطلب كل الإعلاميين!

لقد أصبحت ترتكب باسم القانون تجاوزات خطيرة في حق الصحافة وحرية الرأي، وباتت “السلطة الرابعة” إن كانت موجودة أصلا، سلطة تتحكم فيها جميع السلط الأخرى، تارة بـ”القانون” وتارة أخرى بالتعليمات. وأفرغت هذه السلطة المفترضة من كل مضامينها ووظائفها التي تجعل منها سلطة رابعة مراقبة، بل وصارت أداة في يد الأجهزة الرسمية تفرض بواسطتها الرقابة وتعمل على تزكية تصرفاتها الخرقاء بواسطة عملاء الإعلام.

فكيف يمكننا الحديث عن سلطة الإعلام في مثل هذه الظروف؟

إنه إعلام السلطة بامتياز، والواقع يؤكد أن مخزنة الإعلام كما هو الشأن لباقي المجالات الأخرى، واقع لا يجادل فيه إلا جاحد، والاستثناء يبقى فلتة يحاول المسؤولون الاحتكام إليها عندما يتحدثون عن توفر أجواء الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير.. والأكيد، أن من يعمل جاهدا على تكميم الأفواه والتعتيم على الحقيقة، هو في الأصل ينمي بذرة الحقد ضده و يكون على الرغم من توفره على كل الأجهزة القمعية والترسانة القانونية السالبة للحرية، مجردا من كل مصداقية ولا يكتسب أية شرعية.

يبقى المطلب الأساس إذاً ونحن نحتفل باليوم الوطني للإعلام، اعتماد الحرية لأنها هي المبدأ، ” لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء واستيقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها دون أي حدود، بالقول والكتابة أو الطباعة أو الفن، أو أي وسيلة أخرى يراها…” -المادة 19 من إعلان حقوق الإنسان-

ولأن الحرية حق طبيعي ثابت للإنسان، ولأن الحريات ليست منحة من أحد لأحد، وإنما هي حق من حقوق الإنسان الثابتة التي منحها الحق سبحانه وتعالى للإنسان الذي كرمه على باقي المخلوقات، ” ولقد كرمنا بني آدم” قبل أن تمنحها إياه القوانين البشرية، يبقى توفير القضاء النزيه المختص في قضايا الصحافة والنشر هو الضامن الوحيد لهذه الحرية.