يعرف المغرب منذ مطلع التسعينات مجموعة تحولات أريد لها أن تشكل دليلا على التطور الذي يعرفه والتقدم الذي يحرزه، وتجلت تلك المحاولات في كثير من المبادرات والإصلاحات تمثلت تارة في إصلاح الدستور، وتارة في التناوب، ومرة لبست ثياب الانتقال الديمقراطي، وحملت مرات أخرى عنوان أوراش الإصلاح المفتوحة في الإدارة والتعليم والقضاء وغيرها، ومرات أخرى عبر عنها بطي صفحة الماضي، أو العهد الجديد.

وها نحن لم تعد تفصلنا إلا أيام قلائل عن نهاية سنة أخرى تنضاف إلى سابقاتها، وهي مناسبة دأب الأفراد والجماعات والأمم على جعلها محطة لقياس الإنجاز وتقديم الحساب، ووقفة لتقويم النقص وتطوير المكتسبات، ولحظة لتتويج المجدين وتنبيه المقصرين. وكغيرنا من الأمم يجب أن لا نشد عن القاعدة فنفوت الفرصة دون الوقوف لحظة تأمل وتفكير نحاسب فيها أنفسنا قبل أن نحاسب ونزن أعمالنا قبل أن توزن علينا؛ وربما نكون مجبرين على ذلك بعد أن كفتنا هيئات دولية عناء الدراسة وجمع المعطيات وتصنيفها وتحليلها ولم يبق لنا إلا الاتعاظ والاعتبار.

تقرير منظمة العفو الدولية يدق ناقوس الخطر من الناحية الحقوقية فيصف الوضعية المتردية لحقوق الإنسان ببلادنا مستعرضا حالات التعذيب وسوء المعاملة التي يتعرض لها نزلاء المعتقلات المعروفة والمجهولة، وتقرير منظمة “مراسلون بلا حدود” يفضح تخلفنا الإعلامي مصنفا المغرب في المرتبة 131 من بين 166 دولة ومشيرا إلى أننا تراجعنا في ظرف سنة بـ42 درجة، وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية PNUD يصنف المغرب في المرتبة 126 فيما يتعلق بالتنمية البشرية، وتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي بجنيف يؤكد تراجع المغرب في مجال المنافسة الاقتصادية الدولية ويصنفه في المرتبة 61 -من أصل 102 دولة- بعد أن كان في المرتبة 52، والاتحاد الدولي للاتصالات بجنيف يصنف بلادنا في مرتبة متخلفة في مجال الاتصالات والتكنولوجيا، 118 من بين 178 دولة، وحتى القضاء الذي يشكل الركيزة الأساس لاستمرار العمران لم يسلم من الانتقاد، فهو حسب تقرير البنك الدولي تسوده الرشوة وينخره الفساد، وفي المجال الأمني الذي كنا نظن بأننا مبدعين فيه لكثرة ما قرأنا عن الاستقرار وعن الدولة الآمنة المطمئنة، صنفنا ضمن الدول ذات “المخاطر المتوسطة” حسب تقييم معهد مراقبة وتقييم المخاطر البريطاني، ولا يمكن ختم هذه النتائج دون الإشارة إلى تقرير ترانسبارنسي الذي صنف المغرب ضمن الدول الأكثر فسادا، ولا نعتقد أن النتائج ستكون أفضل مما سبق لو طال التقييم مجالات أخرى، والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه. كما أن لنا أن نتصور حالنا إن بقيت نفس السياسات معتمدة، وإن لم نتدارك الأمر، أو بالأحرى إن لم يتداركنا الله عز وجل برحمته، أستغفر الله.

لكن ما الجديد الذي أتت به هذه التقارير والدراسات؟ هل شكلت صدمة للرأي العام؟ أم أنها، فقط، خيبت آمال المسؤولين؟ أم أثبتت صحة تنبؤات المتتبعين الموضوعيين؟

1. فيما يخص المسؤولين: عرت هذه التقارير أوضاعا ظلوا يحاولون تغطيتها بتفننهم في التلاعب بالأرقام، وإتقانهم التضليل بالخطب وابتكار الشعارات.

2. فيما يخص المغاربة: حملت هذه التقارير النبأ اليقين الذي ظلوا فيه مختلفين، لأن البعض حاول أن يوهم نفسه بأن هناك حركة إصلاحية، أو قفزة نوعية، أو أملا يرجى، وإن كانت الغالبية العظمى مدركة للحقائق فواقع الحال أبلغ من ألف مقال ويغني عن السؤال.

3. فيما يخص الخارج: لم تضف هذه التقارير جديدا للعديدين، وإن كانت بالنسبة للبعض الآخر مناسبة تفرض عليه مراجعة حساباته في علاقته مع المغرب.

4. فيما يخص الفاعلين: شكلت هذه التقارير تتويجا لجهودهم، وتأكيدا لصحة تنبؤاتهم التي طالما حذروا منها حتى بحت حناجرهم وجفت أقلامهم، وأكدت أن الاختناق العام الذي تعيشه بلادنا عام وشامل لا يقتصر علىمجال دون آخر ولا ينحصر في فئة دون فئة، كما أنه لا يتركز في منطقة ويستثني غيرها، ولا ينفع بعد اليوم اتهامهم بالتهويل والتضخيم وضعف الحس الوطني، كما لا ينفع التشكيك في خلاصات هذه التقارير ولا اتهام أصحابها بالتآمر علىالسيادة الوطنية أو الكيد لمشروعنا “الحداثي الديمقراطي” الذي صار اسما بلا مسمى، وعنوانا بلا مضمون، اللهم إلا إن كان مضمونه ما نعايشه من أحداث وما نسمعه من غرائب وعجائب.

لقد صار أكيدا لدى الخاص والعام، في الداخل والخارج، أن بلادنا -وهي بلادي أتشرف بالانتساب إليها وأسأل الله تعالى أن يزيل عنها الغمة- تسير لا قدر الله نحو الهاوية، ولا نقول هذا تشفيا، ولكن حرقة على بلاد حباها الله تعالى كل المقومات، أرضا وشعبا وحضارة وإمكانيات وموقعا ومناخا، ولكن أيدي السفهاء عاتت في خيراتها فسادا، وفي عقول أبنائها عبثا واستخفافا، وفي ثرواتها نهبا وتبذيرا، فأوصلتها إلى هذا المستنقع الآسن الفائحة رائحته بما تمل الأنفس وتتقزز منه الأذواق.

إن المسؤولين ما فتئوا يعطوننا الانطباع تلو الآخر بأننا بصدد إعادة البناء وطي صفحة الماضي، ولم يتوانوا في فتح أوراش الإصلاح، وتغيير الوجوه، وإحداث المؤسسة تلو الأخرى، والمصادقة على القانون تلو القانون، فما الذي ينقصنا بعد كل هذا؟ أين المشكل؟ ونتجاوز هذه الأسئلة إلى أخرى أعمق: إلى أين نسير؟ وما هي نهاية المطاف؟ ومن الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه وعليه؟.

لن نكون مفترين إن أرجعنا سبب ما نحن فيه إلى فشل السياسات المتبعة، وفساد ذمم جزء ممن أسندت لهم مهمة قيادة البلاد -ولا نعمم لأن التعميم ظلم- كما أننا لن نكون مغالين إن قلنا بأن فشل كل تلك المحاولات -التي سميت إصلاحية- كان منتظرا، ولكم نبهنا إلىذلك ولكن القوم صموا آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا. ولذلك كان الفشل مصيرها وجاءت نتائجها عكسية لأسباب عدة نوجزها عسى أن تؤخذ بعين الاعتبار فيما نستقبل من أيام.

1. العديد من الأوراش الإصلاحية التي فتحت لم تأت انطلاقا من إرادة داخلية وإحساس ذاتي، ولكنها كانت استجابة لضغوط خارجية خوفا من الانتقادات أو طمعا في جلب المساعدات والاستثمارات، أو أملا في تحسين ترتيب البلاد في المنتظم الدولي.

كما أن العديد من الأوراش الإصلاحية لم تفتح إلا لأن المسؤولين باتوا يشعرون أن استمرار الأوضاع على ما هي عليه لا يخدم مصالحهم ولا يضمن استمراريتهم، ولهذا لم يتوفر الشرط الأساس للإصلاح وهو الإرادة الفاعلة.

2. طغت المقاربة التجزيئية والنظرة الآنية على جل المبادرات الإصلاحية فلم تندرج في سياق مشروع إصلاحي شمولي ولم تستحضر المستقبل.

كما أن العديد من المبادرات الإصلاحية أعطت الأولوية لقضايا ثانوية متناسية القضايا الرئيسية.

3. ّأغلب هذه المبادرات الإصلاحية حكمها هاجس أمني توخى سد الباب على المنافسين والخصوم، أو سحب البساط من تحتهم في أحيان أخرى، ولهذا تخبط أصحابها في ارتجالية جعلت النتائج هزيلة وعكسية.

4. خاصية أخرى ميزت هذه المبادرات هي الإقصاء بحيث لم تشرك كل فعاليات المجتمع، ولم تستحضر كل وجهات النظر، ولم تستطع تحقيق تعبئة شعبية وإجماع وطني حقيقي حولها. بل إن منها من لقي مقاومة داخلية من الذين كان يفترض فيهم الحماس لتفعيلها.

5. بعض الحلول التي اقترحت كعلاج كانت مستوردة -وليس هذا هو المشكل في حد ذاته- تجاوزها أصحابها أو لا تتماشى مع خصوصيات المغرب وواقع المغاربة.

أدركني الوقت، وملأت الحجم المخصص لهذا الركن، وأسأل الله تعالى أن يفتح المجال لمناقشة الحلول وتسمو الإرادات للتطبيق وإن كان فيما سبق من وصف لأسباب الفشل مقدمات للحل، ولكن أختم بجملة وجيزة.

إن ثقل الميراث وضخامة التحديات يستحيل أن يتصدى لهما طرف واحد، ومن العبث استثناء جهود أي كان لمجرد أنه يخالفنا الرؤية، ولهذا دعونا في كل المناسبات إلى حوار مجتمعي مفتوح لا يستثني أحدا ولا موضوعا، بل يفترض فيه طرح أسئلة النقد على كل المسلمات. قد يبدو الأمر كبيرا، والله أكبر، وهذا هو المدخل للإصلاح. فهلا توفرت الإرادة؟

على قدر أهل العزم تؤتى العزائم، وعلى قدر الصفاء يكون العطاء، وإنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، ومن صحت بدايته أشرقت نهايته، وخير الأعمال خواتيمها، وخير الأيام يوم لقاء الله فعنده ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر “وجوه ناضرة إلى ربها ناظرة” و”لمثل هذا فليعمل العاملون” بهذا أوصانا الله العظيم، وبلغنا رسوله الأمين صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. آمين.

ذ. احرشان

الكاتب العام لشبيبة العدل والإحسان