تسود الساحة السياسية مجموعة مفاهيم يحاول أصحابها إلباسها طابع “العلمية” والحياد بغاية التضليل، وهي إنما صنعت في مصانع من يكيدون للإسلام والمسلمين.

ومن هذه المفاهيم عبارة “الإسلامي السياسي”.

إن عبارة “الإسلام السياسي” تتضمن، منذ بدء استعمالها، موقفا متحيزا وحكما مسبقا يقوم، في أساسه، على رفض الحركات الإسلامية ومعاداتها والطعن في آرائها واجتهاداتها وممارساتها.

وللتذكير، فإن أول من اخترع هذه العبارة هم أنصار التيار “اللائيكي”، وخاصة في مصر، الذين كانوا ينظرون إلى الحركات الإسلامية على أنها حركات “تستغل” الدين من أجل غايات “سياسية”.

فعبارة “الإسلام السياسي”، لم تكن، في يوم من الأيام، عبارة وصفية محايدة، بل كانت، وما تزال، اسما على مسمى لا وجود له إلا في أوهام مخترعي العبارة، وفي نيات من لا يفتأون ينظرون إلى الحركات الإسلامية بمنظار الشك والإقصاء والاتهام والإدانة، ليس إلا.

وملخص ما تفيده هذه العبارة هو أن الحركات الإسلامية تدعو وتمارس إسلاما “مبتدعا” يجعل السياسة من بين اهتماماته، أما الإسلام “الحقيقي” -حسب ما تفيده عبارة “الإسلام السياسي” دائما- فلا شأن له بالسياسة، وإنما شأنه الأخلاق والعواطف الذاتية المطوية في الصدور.

إن مفهوم هذه العبارة يبين عن جهل بالإسلام فاضح وفظيع. والأفظع من ذلك هو فرض هذا المفهوم “العلماني” على جماهير المسلمين بكل الوسائل، بما فيها وسائل التزوير والمغالطة والتجريح والدعاية الكاذبة، والحال أن المسلم، حتى في أدنى درجات التعلم والثقافة، لا يفتأ يعتقد اعتقادا جازما وراسخا أن إسلامه، في أصوله وأحكامه وشرائعه وسننه وأخلاقه وآدابه، يشمل مختلف جوانب الحياة ومظاهرها، في الفكر والسياسة والاجتماع والاقتصاد والفن وفي غير ذلك من شؤون الإنسان الدنيوية والأخروية، المعنوية والمادية.

ليس هناك عند المسلمين إلا إسلام واحد، والسياسة، فكرا وممارسة، جزء لا يتجزأ من أحكامه الشرعية، كما هو مقرر بالنص القطعي، قبل الظني، في القرآن العظيم كتاب الله وفي سنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.

أما الداعون إلى إسلام “أخلاقي” محبوس في زوايا العواطف الفردية -على شاكلة النصارى- لا شأن له بالحياة العامة للمسلمين، وبالتالي، لا شأن له بالزيغ العقدي في “إديولوجيات” الحكام وسياساتهم، ولا شأن له بالحلال والحرام في برامجهم وقراراتهم، ولا شأن له بالمنكر والفساد في الإدارات وسلوكات المسؤولين، ولا شأن له بالانحرافات الأخلاقية والبرامج التفسيقية التي تغطي فضاء الإعلام العمومي … الداعون إلى هذا الإسلام “الميت”، الذي لا أًصل له، لا في قرآن ولا في سنة ولا في رأي فقهي اجتهادي معتبر، إنما هم قلة القلة، وصوتهم في اضمحلال مع تصاعد مد الصحوة الإسلامية وانتشار صوت الدعوة الصادقة الرفيقة القائمة بالحق من أجل مجتمع إسلامي تسوده قيم الإسلام، قيم الحرية والعدل والشورى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقيم التراحم والتضامن والتعاون على البر والتقوى.

إن رسالة الإسلام إلى العالمين، كما أرادها رب العالمين، وكما بلغها الرسول، صلى الله عليه وسلم، هي معقد آمال المسلمين في المستقبل. وهذه الصحوة الإسلامية الصاعدة اليوم مرشحة، بإذن الله، لتكون في طليعة القوى البانية لمجتمع العمران الأخوي الذي ما فتئت تهفو إليه قلوب الشعوب الإسلامية الواقعة اليوم تحت نير الأنظمة الجبرية والنخب اللائيكية.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

بقلم: ذ. فتح الله أرسلان