متاعب حقوق الإنسان

حقوق الإنسان عندنا في متاعب من طغيان الحاكم وخضوع المحكوم. لا تعطى بعض الحقوق في ديارنا إلا إن كان الضغط الخارجي المنافق قويا والضغط الطلابي البادئ بخطى ضعيفة ملحا.

السلطة المضادة للحكومة غائبة في ديارنا لاوجود لها. واقتراح اللاييكي المتفرنج الاعتماد على مجتمع مدني نظير لقواعد الديموقراطية يعادل الحكومة اقتراح متخلف عن المستقبل لأنه متخلف عن الإسلام.

المستقبل والإسلام مشاركة الأمة بباعث القرآن ووازع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والشورى والعدل.

بهذا الباعث والوازع يتقلص نفوذ السلطان ليقوى الإنسان. المجتمع المدني المتفكك في مجتمع متفكك وهن على وهن.

والشمولية الثورية -وقد زالت ودالت- التي تريد نصر طبقة على طبقة لا تزيد الظلم وطغيان الحاكم إلا تفاحشا.

والحل ليس في استيراد فكرة لم نحضر ميلادها وقانون ما تربى في حجر تاريخنا، ولا نزل شرعة من ربنا ومنهاجا من نبينا.

لن تزدهر حقوق الإنسان في ديارنا ولن يتحرر العقل المسلم ولن تسبق شجرة الشورى إلا مع الرخاء. الرخاء والعدل حليفان، كما هو الفقر للظلم حليف.

يقول اللاييكي المؤتم بغيره الفاقد لخيره: لاديموقراطية إلا بتنمية. ويوحى إليه شيطان أن لا تنمية إلا بأن يقطع الطريق على المسلمين.

ونقول لانجاة للإنسان في ديارنا ولاحقوق إلا برخاء أخوي. الرخاء المادي وحده إن قادته الأنانية الجشعة تحوز ثمانين بالمائة من المحظوظين المستكبرين في الأرض، وليتمتع الباقي بالباقي على موائد البانجلاديش والصومال.

اقترحنا على أنفسنا وعلى الإنسان الرخاء في الأرزاق والعدل في القسمة ومعهما الإحسان الأخوة الإنسانية.

وهذان لا يجمعان في ضمير فرد، ولا في نظام إجتماعي، ولا في قانون دولي، إلا بباعث إيماني يحرر النفس من غائلة أنانيتها ويحرر العقل من قبضة ركامه.

بالباعث الإيماني فقط يمكن تقريب المسافات الرخائية بين الشعوب والأفراد، من شعب مساو لك في الإنسانية إلى شعب، ومن فرد أخ لك في الإنسانية إلى فرد. بباعث إيماني وعقل متحرر.

والجهاد لإبادة البؤس والخوف من حضرة تكريم الإنسان أهم ما يعتز به حملة الرسالة الرحمة.

“ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض. ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون” (سورة الأعراف 96).

“قل صدق الله. فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا. وما كان من المشركين” (سورة آل عمران 95).

أي إنسان وأية حقوق؟

كلمات عن رافعي شعار حقوق الإنسان، وعن كذبهم ومعاييرهم المنافقة، وكلمات موجزة عن مآخذنا المبدئية والسياسية. كلمات جعلناها مدخلا.

وندخل في صميم الموضوع وعمقه بإذن الله، لأن الحديث عن حقوق الإنسان ، والمعارك المرتقبة تحت راية حقوق الإنسان وحق التدخل هي بدايتها. ولايكفي في الموضوع سوى تعميق المسألة وسبر دخائلها بمسبار منصف يعطي كل ذي حق حقه، “ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حي ببينة. وإن الله لسميع عليم” (سورة الأنفال 42).

عقيب الحرب العالمية الثانية التي خلفت في جسم الإنسان جروحا أشد فضاعة مما خلفته الأولى أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1948 بتاريخ النصارى عن دستور لحقوق الإنسان ضمنته الآمال التي كانت تراود قادة العالم إثر خروجهم من كابوس مدمر ما عرفت الإنسانية قريبا منه. بعد سقوط الملايين من الضحايا، وبعد إلقاء القنبلتين الذريتين على اليابان، أعلنت الجمعية العامة التي كان ولايزال يقودها الخمسة الكبار الذين انتصروا على النازية أمل الكبار، يملونه على العالم.

فماذا أعلنوا؟

اعترفوا في الديباجة أن “تجاهل حقوق الإنسان واحتقارها دفعا إلى أعمال وحشية يشمئز منها الضمير الإنساني”.

وأعلنوا أن أعلى مطالب الإنسان هو ظهور عالم تكون فيه الكائنات البشرية حرة في التعبير والإعتقاد، متحررة من الإرهاب ومن البؤس”.

وأعلنوا أن “الاعتراف بالكرامة الضمنية لكل أعضاء الأسرة الانسانية” و”الإعتراف بحقوقهم المتساوية التي لايمكن تفويتها هما أساس الحرية والعدل والسلام في العالم”.

وأعلنوا في نيتهم”تطوير العلاقات الودية بين الدول”. وفي نيتهم ” تشجيع التقدم الإجتماعي وتثبيت ظروف معاشية أفضل في حرية أكبر”.

وقرروا أن “تصورا مشتركا لهذه الحقوق والحريات أمر في غاية الأهمية لينجح هذا التعايش”. وأن إعلانهم هذا” مثل أعلى مشترك ينبغي لكل الشعوب والدول بلوغه”.

إلى هنا تبدو النيات المعلنة بمثابة التعبير عن فرحة الخروج من أزمة شديدة إلى فضاء مليء بالتطلعات للمثل العليا. وتبدو النيات المعلنة حاملة لنفحات خيرة يراد تعميم فضلها على الكائنات البشرية، في العالم. وهذا شيء يسر لو تلاه تطبيق صادق.

ننظر في آخر الديباجة فنقرأ نداء “ليبذل كل الأفراد وكل المنظمات الاجتماعية المستوحية لهذا الإعلان جهودهم في التعليم والتربية، لينموا احترام هذه الحقوق والحريات، وليؤمنوا الاعتراف بها، وتطبيقها العالمي والفعلي بإجراءات تدريجية على الصعيد القومي والدولي، سواء وسط شعوب الدول العضوة نفسها أو وسط الشعوب التي تحت سيطرتها”.

على آخر جملة في ديباجة الإعلان نقف.

التطبيق العالمي الفعلي، والإجراءات التدريجية، وضعت إطارين مختلفين، ورتبت درجتين مختلفتين لانسانيتين غير متساويتين: إنسانية مسيطرة وأخرى مسيطر عليها.

لا تناقض إذا بين النوايا المعلنة منذ أربعة عقود ونيف وبين التطبيقات والإجراءات العالمية الفعلية المتجلية في طرد العرب من فلسطين وتثبيت أقدام الشتات اليهودي في فلسطين، ومحرقة بغداد، ومجازر البوسنة والهرسك الرهيبة. وفي التطبيقات العالمية الفعلية الإجرائية منذ أربعة عقود ونيف ما يثبت أن الإستعمار قبل إعلانها، بل هو الإعلان أشد ضراوة.

نصبر على قراءة الإعلان الذي تولدت عنه مواثيق هي مرجعية حاملي شعارات الحقوق، والحريات وصادرهم وحججهم المكتوبة التي تؤسس قرارات مجلس الأمن معطن الخمسة الكبار.

فنقرأ في البند الأول أن: الكائنات البشرية تولد حرة متساوية في الكرامة والحقوق، وتتمتع بالعقل والضمير، ويجب عليها أن يعامل بعضها بعضا بروح الأخوة”.

ما أجمل الكلام! كرامة وحقوق وحرية وعقل وضمير وروح وأخوة !

ويضمن البند الثاني “كل الحقوق والحريات بدون تمييز عرقي، أولوني، أو جنسي، أو لغوي أوديني، أورأي سياسي، أو أي رأي آخر من أصل قومي، أواجتماعي، أوثروة، أو مولد، أو أي مكانة أخرى، أو وضعية سياسية، أوقانونية دولية أو وطنية”.

اعجبوا رحمكم الله للصياغة القانونية المحبوكة الجامعة المانعة.

جامعة مانعة، لأنها جمعت مالا ينجمع، ومنعت عن بعض ماكانت أعلنت من عالميته وشموليته.

لا تترك الجملة الأخيرة من البنذ الثاني منزعا للصبر، فهي تصنف الأوطان وسكان الأوطان تصنيفا استعماريا صرفا وقحا .

كانت حركات التحرير الوطنية إذ ذاك لما تستجمع قوتها ونضالها لتفرض الجلاء على القوات الاستعمارية. ثم تارت الشعوب وانسحب الاستعمار الاحتلالي، وبقي الاعلان العالمي لحقوق الانسان معتمدا في تسيير العالم. مكتوبا فيه حرفا بحرف أن الوضعية السياسية والقانونية والدولية والوطنية تسري عليها بنود الإعلان الثلاثون “مستقلا كان هذا الوطن، أو تحت وصاية، أو غير مستقل، أو محدود السيادة”.

قلت حرفا بحرف أي معنى بمعنى لأني لاأدري كيف الترجمة الرسمية إلى العربية.

لم يبق في قوس الصبر منتزع، فالنفاق ليس تطبيقا فعليا إجرائيا فقط، بل هو مبدئي لايخفى من نياته شيئا. العالم في تلك النيات كان ولايزال عالمين اثنين: أحدهما مستقل الأوطان سيد عليها وعلى الناس، والآخر مسود، غير مستقل، تحت الوصاية، ومحدود السيادة. والإنسان إنسانان والحقوق صنفان.

عن أي إنسان نتحدث؟

نطوي إذن الإعلان لنبحث أعمق من هذا عن أي إنسان نتحدث ويتحدثون، وعن أية حقوق.

ولنعرف من الجذور النفسية والفكرية الثقافية للإنسان الغربي المتأله في الأرض ماهية هذا الإنسان، وبواعثه، وخلفية جبروته.

تلك الخلفية النفسية الفكرية الثقافية هي منزل المغربين الذي سكنوه في جوار أساتذتهم، والقميص الذي ارتدوه من يده.

فمعرفة ذاك الانسان في جذوره وبواعثه تعرفنا بهذا الإنسان الذي نحاور الفضلاء المغرر بهم من نوعه. إذا عرفنا الأصل عرفنا النسخة.

من الضروري أن نضع أسئلة على تاريخ واضعي القوانين الدولية ومقرري قرارات مجلس الأمن الفاعلة في العالم، المحرقة المدمرة الناصرة الخاذلة. نضع أسئلة على مولد الفكر، ومنبع الحضارة، وآثار الثقافة، ومنشأ النفسية، ولون العقلية. أسئلة تكشف لنا عن الطبيعة العميقة للثقافة العالمية الصائلة في الدنيا، القاتلة فيها العملاقة الذاهبة النفوذ.

نفعل ذلك بروح الأخوة الانسانية التي تفرض على المومن أن يسلم الناس من شره. وتفرض عليه أن يريد الخير لنفسه ولغيره. وتفرض عليه أن يدرس نفسيات”الكائنات البشرية”، وذهنياتها وتاريخها ليصوب خطابه إليها، ويبلغ الرسالة، ويؤدي الأمانة. ويأخذ حذره..

ماذا في الأحشاء؟

هل في أحشاء الحضارة السائدة المدبجة للإعلانات، الخارقة لها من الصفحة الأولى المكتوبة، من خير يرجى، ويد تبسط، ومدخل إلى المروءات الموزعة بين البشر الخيار، جاهليين كانوا أم مسلمين؟

هنالك المنظمات غير الرسمية التي تدافع بصدق عن حقوق الانسان غير قادرة على تغيير مجرى التاريخ ليكون الانسان إنسانا واحدا، لايستعبد إنسان إنسانا، ولا يضعه تحت الوصاية، ولايحد من سيادته، ولايستغل القانون الدولي والتألب الدولي وإجماع الخمسة ليدمره ويخذله ويوزع أرضه على القبائل الشرسة والأقوام الشريدة.

وهناك النصرانية بشقيها الكاثوليكي والبروتستانتي، وبذيولها الانجلكانية والأررثوذكسة والمذاهبية المتعددة.

البروتستانت يقرأون توراة اليهود مباشرة، ولاينتظرون تفسير الكنيسة الرسمية. يجمعهم الكتاب هذا مع اليهود في أصول العقيدة جمعا عميقا. يومن اليهود بمملكة صهيون الألفية. والطوائف المذهبية في امريكا تناصر الصهيونية مناصرة عقائدية. فالتحالف اليهودي النصراني ركن ركين في بناء النفسية المعادية للإسلام.

يبقى الصليبيون الأرثوذكس والكاثوليك. هؤلاء يراجعون عقائدهم، ويصدر البابا مراسيم يبرئ فيها اليهود من تهمة صلب المسيح عليه السلام. وماقتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم.

بينما يصدر مراسيم أخرى تعترف بالاسلام دينا سماويا وتشيد بالتعاون بين الأديان.

فهل من لقاء وحوار مع الذين جعل الله في قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها بما اتبعوا السيد المسيح عليه السلام؟

لا نقطع الحبل ونجادل لنرفض النصارى وننفي عنهم الصفة الواردة في القرآن.

ولانفتح جدلا لاهوتيا مع من أمر الله أن لانجادلهم إلا بالتي هي أحسن.

لكن ننظر في هذه البقية الباقية ممن شم نفس ريح رائحة الدين، هل يتعاونون مع ذوي المروءات في الدنيا على إفشاء الرأفة في بني الإنسان، وهل يبذلون، وهل يكفون عن تنصير يتامى المسلمين، وعن المساعدات المشروطة: الخبز لمن ينبذ دينه ويعتنق الصليب.

الخبز في مذهبنا الإسلامي للجائع، والدواء للمريض والتعليم لطالبه. مذهبنا البر بمن تعرف ومن لاتعرف. ديننا أن في كل ذي كبد رطبة صدقة.

النصارى الصليبيون إن حكمنا عليهم بيننا وبينهم بمقتضى الشرع وقطعنا معهم الحبل فربما أضعنا متمسكا نرجوه للمستقبل، رابطا بين من يعتقدون أن هناك إلها، متميزين عن الخضم الملحد.

لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة. هذا وحي، وهذا حق. ومن البر أن تحتفي بمن تدعوه وتسكت عن مساوئه. وقد استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم نصارى نجران وأسكنهم في مسجده وفاوضهم.