من مكتوبات سعيد النورسي رحمه الله:

إن شئت أن تتصور سكرات الدنيا، كما تشير إليها الآيات الكريمة، فتأمل في أجزاء هذا الكون التي هي مرتبطة بعضها بالبعض الآخر بنظام علوي دقيق، ومتماسكة برابطة لطيفة خفية رقيقة، فهي محكمة النظام بحيث إن جرماً واحداً إن تسلَّم أمر ” كُن ” أو ” اخرجْ من محورك ” فالعالم كلّه يعاني السكرات، فتتصادم النجوم وتتلاطم الأجرام وتدوي وترعد بأصداء ملايين المدافع، وترمي بشرر كأرضنا هذه بل أكبر منها في الفضاء الواسع وتتطاير الجبال وتسجّر البحار.. فتستوي الأرض. وهكذا يرجّ القادر الأزلي ويحرك الكون بهذا الموات، ويمزجه بهذه السكرات فتتمخض الخلقة كلها وتتميز الكائنات بعضها عن بعض.. فتمتاز جهنم وتسعّر بعشيرتها ومادتها. وتتجلى الجنة وتزلف جامعة لطائفها مستمدة من عناصرها الملائمة لها.. ويبرز عالم الآخرة للوجود الأبدي.

نفسي وأهل الدنيا

أيتها النفس! لا تقلدي أهل الدنيا، ولا سيما أهل السفاهة وأهل الكفر خاصة، منخدعةً بزينتهم الظاهرية الصورية، ولذائذهم الخادعة غير المشروعة، لانك بالتقليد لا تكونين مثلهم قطعاً، بل تتردين كثيراً جداً، بل لن تكوني حتى حيواناً أيضاً، لأن العقل الذي في رأسك يصبح آلة مشؤومة مزعجة تنزل بمطارقها على رأسك، إذ إن كان ثمة قصر فخم فيه مصباح كهربائي عظيم تشعبت منه قوة الكهرباء إلى مصابيح أصغر فأصغر موزعة في منازل صغيرة مرتبطة كلها بالمصباح الرئيس، فلو أطفأ أحدهم المصباح الكهربائي الكبير، فسيعم الظلام المنازل الأخرى كلها وتستولي الوحشة فيها، ولكن لأن هناك مصابيح في قصور أخرى غير مربوطة بالمصباح الكبير في القصر الفخم، فإن صاحب القصر هذا إن أطفأ المصباح الكهربائي الكبير فإن مصابيح صغيرة تعمل على الاضاءة في القصور الأخرى، ويمكنه أن يؤدي بها عمله، فلا يستطيع اللصوص نهب شيء منه.

فيا نفسي!

القصر الأول، هو المسلم، والمصباح الكبير هو سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم في قلب ذلك المسلم، فإن نسيه وأخرج الإيمان به من قلبه – والعياذ بالله – فلا يؤمن بعدُ بأي نبي آخر. بل لا يبقى موضع للكمالات في روحه، بل ينسى ربه الجليل ويكون ما أُدرج في ماهيته من منازل ولطائف طعمة للظلام، ويحدث في قلبه دماراً رهيباً وتستولي عليه الوحشة، تُرى ما الذي يغني عن هذا الدمار الرهيب، وما النفع الذي يكسبه حتى يستطيع أن يعمرّ ذلك الدمار والوحشة؟!

أما الأجانب فإنهم يشبهون القصر الثاني، بحيث لو أخرجوا نور محمد صلى الله عليه وسلم من قلوبهم، تظل لديهم أنوار – بالنسبة لهم – أو يظنون أنها تظل! إذ يمكن أن يبقى لديهم شيء من العقيدة بالله والايمان بموسى وعيسى – عليهما السلام – والذي هو محور كمال أخلاقياتهم.

فيا نفسي الأمارة بالسوء!

إذا قلت: أنا لا أريد أن أكون أجنبياً بل حيواناً، فلقد كررنا عليك القول يا نفسي! إنك لن تكوني حتى كالحيوان، لأنك تملكين عقلاً. فهذا العقل – الجامع لآلام الماضي ومخاوف المستقبل – يُنزل ضرباتٍ موجعة وصفعات مؤلمة برأسك وعينك، فيذيقك ألوف الآلام في ثنايا لذة واحدة، بينما الحيوان يستمتع بلذة غير مشوبة بالآلام. لذا إن أردت إن تكوني حيواناً فتخلّي عن عقلك أو ارميه بعيداً، وتعرّضي لصفعة التأديب في الآية الكريمة: (كالأنعام بل هم أضل) (الأعراف: 179)

سؤال الفطرة

من مكتوبات سعيد النورسي رحمه الله:

إن فطرة الإنسان وما أودع الله فيه من أجهزة معنوية تدلاّن على أنه مخلوق للعبادة، لأن ما أُودع فيه من قدرات وما يؤديه من عمل لحياته الدنيا لا تبلغه مرتبة أدنى عصفور -الذي يتمتع بالحياة أكثر منه وأفضل- بينما يكون الإنسان سلطان الكائنات وسيد المخلوقات من حيث حياته المعنوية والأخروية بما أودع الله فيه من علم به وافتقار إليه وقيام بعبادته.

الدنيا لا قرار فيها ولا ثبات، كلها تقلبات تلحّ على فكر الإنسان بهذا السؤال: من أين جئت وإلى أين أنت سائر؟ وبينما الإنسان غارق في التفكير بحثا عن الجواب، إذا به يسمع صدى القرآن السماوي يدوّي في الآفاق ويقول له في آياته الكريمة: نعم! إن هناك جوابا عن هذا السؤال، بل هو جواب لطيف فيه ربح عظيم .

حكمة الإكثار من الذكر

من مكتوبات سعيد النورسي رحمه الله:

إن كل وقت وكل يوم إنما هو عالمٌ يمضي وباب ينفتح لعالم جديد. لذا فإن تكرار (لا إله إلا الله) بشوق الحاجة إليها ألوف المرات لأجل إضاءة تلك العوالم السيارة كلها وإنارتها بنور الإيمان، يجعل تلك الجملة التوحيدية كأنها سراج منير في سماء تلك العوالم والأيام. فكما أن الأمر هكذا في (لا إله إلاّ الله) كذلك تلاوة القرآن الكريم فهي تبدد الظلام المخيم على تلك الكثرة الكاثرة من المشاهد السارية، وعلى تلك العوالم السيارة المتجددة، وتزيل التشوه والقبح عن صورها المنعكسة في مرآة الحياة، وتجعل تلك الأوضاع المقبلة شهوداً لذاكر الله يوم القيامة لا شهوداً عليه. وترقّيه إلى مرتبة معرفة عِظَم جزاء الجنايات، وتجعله يدرك قيمة النذر المخفية لسلطان الأزل والأبد التي تشتت عناد الظالمين الطغاة، وتشوّقه إلى الخلاص من طغيان النفس الأمارة بالسوء. فلأجل هذه الحكم كلها يكرر القرآن الكريم ما يكرر في غاية الحكمة، مظهراً أن النذر القرآنية الكثيرة إلى هذا القدر، وبهذه القوة والشدة والتكرار حقيقة عظمى، ينهزم الشيطان من توهمها باطلا، ويهرب من تخيلها عبثاً. نعم إن عذاب جهنم لهو عين العدالة لأولئك الكفار الذين لا يعيرون للنذر سمعاً.